مانموتش: سيمفونية اجتماعية على ايقاع الثورة التونسية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:05 م 0


مشكلتى الأزلية مع الأفلام العربية الاجتماعية وخاصة المصرية منها، أنها تأتى فى الغالب متأثرة بمسلسلات الفضائيات التى يهرب منها المشاهد الى دور العرض السينمائية لمشاهدة شىء أقل ابتذالاً بمواضيع وتيمات جديدة غير التى ملّ منها ولكنه فى الغالب يجد نفس المواضيع المستهلكة او مواضيع أخرى لم تستهلك ليس بسبب انها مبتكرة ولكن لأنها مفتعلة ولا تحدث، وأعتقد ان هذا الفيلم نجح فى تفادى هذه المشكلات. فيلم "مانموتش" وهو أحدث أفلام المخرج التونسى نورى بوزيد يرصد الأوضاع الاجتماعية بعد وقبل وأثناء الثورة التونسية على الرئيس السابق "بن على"، وهو فى رأيى تفوّق على كل ما شاهدت من الأفلام العربية الاخرى التى اتخذت من ثورات الربيع العربى موضوعا تدور حوله  الأحداث فى السنوات القليلة الماضية؛ لعدة أسباب.

أهم هذه الأسباب ان الفيلم لم يقع فى فخ البروباجاندا الثورية والانحياز لوجهات نظر سياسية على قدر اهتمامه بما يهم كل انسان فى العالم سيشاهد الفيلم بغض النظر عن معتقده الدينى او لونه او رأيه السياسى، فمن خلال قصة ذات أبعاد انسانية ونفسية مؤثرة لشخصيات من الواقع ومكتوبة بعناية، قد تجد نفسك واحداً من تلك الشخصيات، ستضحك معهم وتبكى معهم وتثور معهم وتغنى معهم حتى نزول التيترات، ثم تقل لنفسك "كم كان بديعاً ما رأيت!".

حسناً، أظننى بالغت بعض الشىء عندما كتبت جملة "بغض النظر عن معتقده الدينى"، فهذا الفيلم بالتأكيد لن يعشه أو يعجب به الأصوليون الاسلاميون بشتى انواعهم، ذلك بحالة أن شاهدوه بالأساس. لقد تألق الممثل ابراهيم علوى بدور حمزة وعبّر بعفوية عن شخصيات انتشرت فى واقعنا فى السنوات الثلاثين الماضية، ذلك الفتى شعبوى الطبقة المتوسطة قليل الثقة بنفسه وبمن حوله والذى ظن نفسه مناضلاً لمجرد وقوفه ضد نظام "بن على" العلمانى المستبد ليس تطلعاً للحقوق والحريات ولكن لاقرار استبداد من نوع آخر، ذلك الفتى الذى يجد فى الدين ضالته للتسلط على الآخرين وممارسة عقده النفسية بشكل شرعى مخفياً وراء ذلك دوافعه النفسية وهوسه وكبته الجنسى. يخرج من المعتقل السياسى فى بداية الفيلم بعد سقوط بن على ليحوّل حياة من حوله الى معتقل من نوع آخر، ولم يسلم من هجومه وتكفيره المتواصل حتى أبوه الذى قام بدوره الممثل فتحى مسلمانى، ذلك الأب بوجوده فى مجتمع اليوم يمثل مخلفات علمانية بورقيبة التى مازالت صامدة بعدما لم يسلم الكثيرون من تلك الهجمة الظلامية على مجتمع كان فى يوم أكثر تسامحاً وتعايشاً عما هو عليه الآن، حتى زوجته التى أصبحت تضغط على ابنتها زينب لارتداء الحجاب تنفيذاً لشرط عريسها ابراهيم للزواج منها، ومحاولة لاقناع زينب بالحجاب تصف الأم الفتيات غير المحجبات بالخليعات ليرد عليها الأب ساخراً "وهل نسيتى ما كنتِ عليه فى شبابك؟!"

من الجهة الأخرى نجد "عائشة" الفتاة المحجبة صديقة زينب وزميلتها فى العمل بذلك المطعم الذى يمارس عليها مالكه بعض الضغوطات لتخلع حجابها وتترك المخبز الذى بالأسفل وتصعد للعمل كـ "نادلة" بالطابق الأعلى كما تفعل زينب لأنه يظن ان الحجاب يقيدها ويحصرها فى ادوار محددة، ترفض عائشة فيعبر لها عن اعجابه بها ثم يحاول التحرش بها جنسياً حتى تنفجر عائشة فى وجه الجميع وتذهب فى نوبة هيستيرية فى مشهد يمكن وصفه بالعبقرى، أما زينب فمازالت متمردة على أهلها ترفض ارتداء الحجاب والاستجابة لتسلط أخيها وتتمسك بأملها فى الثورة، وأثناء توالى الأحداث تظهر مشاهد دخيلة لجثة رجل عجوز يتم تغسيله، نكتشف فى النهاية انها جثة عازف الاوكورديون الذى ظهر فى أول لقطة للفيلم وهو يعزف موسيقاه فى الشوارع فيقتل أثناء الاحتجاجات .. لينتهى الفيلم بمشهد رمزى يجمع عائشة بزينب ملتفين بالعلم التونسى بعد ان التقطوا أوكورديون العجوز من صفائح القمامة لينشدوا به أغنية "مانموتش"، ويمكنك بسهولة تفسير ذلك المشهد البديع لو رمزت للرجل العجوز بمساوىء النظام العلمانى السابق التى ماتت بقيام الثورة، بينما أوكورديونه فيرمز للجانب الايجابى فى ذات النظام، الفن هو الحياة والأوكورديون أداة الفن .. والأغنية التى يتغنيان بها تمطر بأمل وتفاؤل، فلو كانت تمت سرقة ثورتهم ليستفيد منها أعداء الحياة، فلازالت هناك فرصة لاستعادتها وإعادتها للطريق السليم، خاصة بعد ان خلعت عائشة حجابها؛ ربما لأنها لم تعد تعرف الجدوى من وجوده.

الفيلم ملىء بالمشاهد التى لا تنسى، أبرزها مشهد اختلاء حمزة بعائشة داخل منزلها ومحاولته المترددة المذنبة لممارسة الجنس معها ظناً منه ان بعض سلوكياتها وارائها الدينية غير المتعصبة مثله قد تجعلها اسهل للوقوع فى براثن الشهوة كما يعتقد، ولكن رفضها لمحاولته جاء ليجعله فى حالة صدمة قوية، ليس من نفسه فقط بل من كل الأفكار التى تم حشوها فى رأسه، انه مشهد نموذجى يفجر تناقضات الشخصيات وبداية تحوّلها، ناهيك عما به من حميمية ظلت غائبة طوال الفيلم حتى قامت عائشة باحتضانه فى ذلك المشهد حضناً أفلاطونياً كأنها تريد ان تقول له "الأمر ليس دائما عن الجنس بل أحياناً يكون حميمياً" .. كل تفصيلة فى ذلك المشهد كانت رائعة معبرة رغم انه كان مشهد صامت او شبه صامت.

ستشعر فى أوقات بتشابه بين تيمة "مانموتش" وتيمة "بنتين من مصر"، أنا احب الفيلمين ولكن أعتقد ان الأول تفوق نسبياً، أولا لأنه جعل الشخصيتين "عائشة" و"وينب" نقيضين او فى أحيان ضلعين لمفهوم الـ Persona النفسى .. فجائت التناقضات والمكملات أكثر اثارة للتفكير والانتباه وثراءً للفكرة من تشابه الشخصيتين فى "بنتين من مصر" .. وثانياً لأن الفيلم الأول أقل تكثيفاً للكئابة من الفيلم الثانى مما يجعله أقرب للحياة الواقعية بتقلباتها واقرب لمشاعر المشاهد.


"مانموتش" تجربة سينمائية تستحق الانحناء لصانعها، سنحت لى فرصة مشاهدته خلال عرضه بدار الأوبرا المصرية الأسبوع الماضى وأتمنى لو مثل هذه الافلام كانت تعرض فى دور العرض العادية، فموضوعه شديد الصلة بما يدور بمصر الآن وبالتأكيد انه سوف يجد مريديه، ولكن لا حياة لمن تنادى.

                                                                8/10

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top