يا خيل الله: المأساة مستمرة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:09 م 0


"يا خيل الله" هو اخر افلام المخرج المغربى البارز نبيل عيوش والمقتبس من رواية "نجوم سيدى مؤمن" للكاتب ماحى بينبين، كتب له السيناريو جمال بلماحى، وتدور احداثه حول ظاهرة صناعة الارهاب والتطرف من خلال شخصية الأخويين حامد و وطارق اللذان يعيشان فى حى "سيدى مؤمن"، احد ضواحى مدينة الدار البيضاء، وهو حى عشوائى غارق فى الجهل والفقر والفساد وباقى مشتقات الحياة العشوائية التى يعلمها الجميع، واحياناً لا تشعر بأن الاخوين هم المحور والبطل الحقيقى للقصة بل هى المدينة نفسها، فلقد اعطى الكاتب مساحة لا بأس بها لباقى الشخصيات للدرجة التى تجعلك منذ البداية فى حالة تشتت تقل تدريجيا بتسليط الضوء على حياة الاخويين.

حامد وطارق يبدآن متناقضان وينتهان متناقضان ايضا، وان اختلفت مواقع تناقضهم فى الحالتين .. فيبدأ الطفل طارق مسالماً رومانسياً لدرجة الضعف وانعدام الشخصية، تنحصر انشطته فى مراقبة "غزلان" شقيقة صديقه التى يحبها مما يجعله موضع للتهكم من باقى رفاقه، والنشاط الاخر هو لعب الكرة مع باقى اطفال الحى التى تنتهى دوماً بمشاجرات اكبر من طاقته ليأتى من الخارج اخوه الاكبر "حامد" ليدافع عنه فى تلك المشاجرات، فحامد بقوته ونفوذه وشعبيته فى الحى رغم صغر سنه يمثل الحماية والضهر ومصدر المال الذى تستند عليه عائلته واخيه .. وهو فتى مشاغب لا يتورّع عن قذف الحجارة على سيارة الشرطة ليكسب تحدى صبيانى مع احد رفاقه، مما ينتهى به فى السجن لمدة سنتين ليخرج منه شخصاً اخراً، شخص أدى به النقم على الدولة بأن تستقطبه الجماعات الارهابية داخل الحى ويجعلوه عضواً منهم، فى الوقت الذى يتعرّض فيه طارق للاضطهاد والاستباحة من ساكنى الحى مستغلين غياب أخيه الذى كان يمثل الواقى الاجتماعى له، وبين ذلك الاضطهاد وضغوطات الام تؤدى الظروف بطارق لتولى المسئولية خلفاً عن شقيقه ويبدأ فى العمل ولكن التحديات لم تتوقف.

اختلفت ظاهريا اسباب انضمام حامد للجماعة الارهابية عن اسباب انضمام طارق لها لاحقاً، بعد ان قام الاخير بقتل صاحب العمل الذى حاول التحرش الجنسى بصديقه فى العمل، ولم يجد طارق من يقف بجانبه ويعطيه غطاءاً حول تلك الجريمة سوى الجماعة الارهابية التى احتضنته وشجعته وأغرته بمغفرة الله لينبهر طارق بتلك الجماعات ويجد بهم مصدراً مضموناً للوجاهة والنفوذ ومن ثم يسلم لهم عقله لاستغلاله فى عمليات غسيل المخ الدينية حتى يصبح من اكثر اعضائهم اخلاصاً وغيرة على "مستقبل الأمة الاسلامية المضطهدة" كما افهموه، ويمكن ايضا اضافة علاقة حبه الفاشلة بـ "غزلان" كأحد الاسباب .. ربما لا يكون ذلك التناول لمسألة صناعة الارهاب بجديد على مستوى التنظير التنويرى او حتى الدرامى، فتجد شخصيات مماثلة بنفس الظروف والدوافع والتاريخ كما فى اعمال وحيد حامد مثل دور محمود عبد المغنى فى دم الغزال .. ولكن تظل تجربة نبيل عيوش لها نفحاتها الخاصة، ساعدها فى ذلك عناصر اخرى بجانب القصة.. ولكن على المستوى الفكرى يستمر صناع الافلام العرب بتجاهل ذلك السؤال الجوهرى، وهو لماذا لا تنتج عشوائيات امريكا اللاتينية تنظيمات ارهابية مشابهة لتلك التى فى الدول الاسلامية رغم تطابق ظروف الفقر والجهل والفساد؟! ، ربما تشكل عصابات اجرامية ولكنها لا تتحرك سوى انطلاقا من مرجعية المصلحة المادية والتغلب على الفقر باساليب غير شرعية، ولا تصل لتفجير مقهى بمن فيه من ابرياء لاسباب عقائدية غيبية بحتة.

لا جدال ان اقوى عناصر الفيلم هو التصوير، فبرغم انحطاط البيئة وقبحها نجح مدير التصوير هشام علوى فى خلق صورة ساحرة للفيلم، سواء بكادراته البانورامية من الهيليكوبتر التى صوّرت المدينة بصفائحها بقحتها تصويراً شيقاً ومؤثراً، او بالكادرات المتوسطة داخل اروقة الحى، او الكادرات المتحركة فى مشاهد هروب الفتيان جرياً من مشاجرات لعب الكرة، واضافت لمسات البيانو الموسيقية برقتها وشجنها فى استكمال معانى المأساة التى تنقلها الصورة والتى كانت تدعمها الوتريات بين الحين والاخر على استحياء وخاصة فى مشاهد الذروة .. وجاء اداء الممثلين مناسباً وغير مفتعلاً باستثناء الممثل الذى قام بدور امير الجماعة ، فقد كانت نظراته التى توحى بالشر مباشرة ومبتذلة وقادمة من فيلم سبعيناتى عن كفار قريش .. وأتى ايقاع الفيلم سريع لدرجة اللهث، فانتقل من مرحلة تاريخية الى اخرى بسلاسة شديدة تفوق فيها المونتير على نفسه .. وجاء الخط الرومانسى المبتور ليبلور منتهى الوعى المشوّه لمن يعيش فى تلك المدينة القاحلة بجفافها وقسوتها .. اما بناء الشخصيات فجاء متاوزناً فى اغلب الوقت ولم يعبه سوى تحوّل شخصية حامد فى نهاية الفيلم الذى لم يكن مبرراً بشكل كافى درامياً ولم يتم استغلال تناقض الشخصيتين لاضافة بُعد اخر ذات معنى مثمر للقصة .. اما الاروع على الاطلاق فكان مشهد النهاية البانورامى الذى يظهر فيه جيل اخر من اطفال الحى وهم يلعبون الكرة فوق ذلك التل المرتفع عن الدار البيضاء ويتوقفون فجأة لمشاهدة التفجيرات المنبعثة من تلك المدينة تاركين الكرة تسقط اسفل المنحدر لنفهم ان الفيلم قد انتهى ولكن المأساة مستمرة.

"يا خيل الله" هو اختيار دولة المغرب للمنافسة فى اوسكار افضل فيلم اجنبى للعام، وهو فى رأيى ليس فيلماً استثنائياً او قادر على تخطى التصفيات الاولية، ولكنه بالتأكيد افضل من "وجدة" السعودى الذى لازالت له الفرصة الاكبر فى تمثيل الدول العربية فى التصفيات النهائية لأسباب غير موضوعية وضحتها فى مراجعة سابقة.

7/10

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top