فرانسيس ها: السينما المستقلة تضرب من جديد

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:51 م 0

من خلال ميزانية ضئيلة كالمعتاد نجح المخرج "نو بامباك" المعروف بافلامه المستقلة التى قدمها خلال السنوات الماضية فى تحقيق اكبر نجاح فى مشواره على المستوى النقدى، بالاضافة الى نجاح جماهيرى لا بأس به مقارنة بافلامه السابقة، وذلك بفيلمه الاخير "فرانسيس ها"، والذى كتب له السيناريو بنفسه بالتعاون مع بطلته "جريتا جيرويج" .. وهو ليس التعاون الاول بينهما كمخرج وممثلة، ولكنه الاول كمخرج وممثلة ومؤلفة فى نفس الوقت، فالتفاهم بينهما واضح ومثمر، ومن المقرر ان يجمعهم فيلم آخر فى العام القادم ايضاً، هم الآن فى مرحلة التحضير له.

"فرانسيس ها" ليس مجرد دراما كوميدية ظريفة تقتل وقت الفراغ، ولكنه ايضا رحلة للبحث عن الذات وعن معنى يناسبها للحياة، بالاضافة الى انه تجربة اخراجية حاولت بشكل ناجح مزج بعض المدارس السينمائية فى فيلم واحد، ابرزها مدرسة "الموجة الفرنسية الجديدة"، الذى وضح تأثر المخرج بها فى عدة اشياء، منها مشاهد التصوير الخارجى فى شوارع نيو يورك، وطريقة قطع اللقطات التى عرفتها السينما من أفلام العظماء "فرانسوا تروفو" و "جان لوك جودار"، بالاضافة لوجود التيمة الفرعية ذات البعد الوجودى، وحتى نوعية المقطوعات الموسيقية المستخدمة.
 

أما المدرسة الأخرى التى قد تأثر بها فهى مدرسة "وودى ألين" وقد تجد نفسك تلقائيا تعقد مقارنات بين افلام ألين وهذا الفيلم، وخاصة فيلم "مانهاتن" .. فالفيلمان تدوران احداثهما فى مدينة نيو يورك، والفيلمان فضّل مخرجهم استخدام نظام الصورة "الابيض والأسود" بدلاً من الالوان، والفيلمان يقدمان شخصيات متشابهة فى عدد لا بأس به من الاشياء، ليس فقط لأن بكلاهما شخصيات"هيبيسترز" أو "شبه هيبسترز" تتحدث دائما عن الفن والكتب والفلسفة والحب والعلاقات، ولكن ايضا لأنهم جميعاً يتمحوروا حول نفس المعضلة الفكرية .. معضلة الصراع بين الواقع والرومانسية، بين ان يقرر الانسان انه قد نضج وعليه تحمّل المسئولية وبين رفضه لواقع النضج ورغبته فى ان يظل خفيفاً صغيراً رابطاً على الوضع الذى قد ألفه، وهذا ما تعبّر عنه الصورة "الابيض والأسود" بايحائاتها النوستالجية، ولكن الواقع يحدث شائت الشخصية ام أبت، وان كان وودى الين قد نصح بطلته مارييل هيمنجواى فى اخر مشاهد "مانهاتن" بأن تظل صغيرة الى الأبد، فيبدو ايضا ان بطلتنا "فرانسيس" كانت مخلصة للنصيحة بعد مرور ثلاثة عقود عليها.

تبدأ الأحداث بمشاهد فوتو مونتاجية ترصد العلاقة الوطيدة بين "فرانسيس" الفتاة ذات الـ27 عاماً وصديقتها منذ اعوام الجامعة "صوفى"، فهن من شدة تعلقهن ببعضهن قد وصفن من احد الاصدقاء بـ"المُثليات اللاتى لا يمارسن الجنس"، ولكن لا شىء يبقى على حاله، فبعد ان تقرر فرانسيس قطع علاقتها الغرامية بصديقها لأنه طلب منها ان تأتى لتعيش معه وتترك مسكنها الآخر الذى تتشارك فيه مع صديقتها "صوفى"، تفاجأ "فرانسيس" بأن صوفى لم تعد تشاركها نفس الحرص علي بقاء علاقتهن بنفس تلك الدرجة، وتود الرحيل لاقتناء شقة فى مدينة ترايبيكا التى طالما حلمت بالعيش بها والبدء فى حياة جديدة بشكل اكثر نضجا ومسئولية، لتترك صديقتها "فرانسيس" وحيدة فى نيويورك، تتنقل بين شقق معارفها لأنها لم تعد تستطع تحمل تكاليف مسكنها السابق، وفى نفس الوقت لازال يراودها حلمها السابق بأن تصبح راقصة، ولكن المشكلة انها لا تجيد الرقص وليست موهوبة، لذا فهى تتدرب فى احدى مدارس الرقص وتتكسب معيشتها من خلال تأدية بعض الاعمال الادارية لتلك المدرسة .. وتتوالى الأحداث.

الحوار هو افضل عناصر الفيلم، فقل ما تجد حوار بتلك العفوية والصدق اللذان يجعلانك تتشكك فى وجود نص محفوظ وليس مجرد ارتجالات، ولكن فى نفس الوقت قل ما تجد ارتجالات معبّرة وذكية وخفيفة الظل وأحياناً شاعرية لتلك الدرجة. أما تانى أفضل عناصر الفيلم فهى الصورة، بداية من اختيار نظام "الأبيض والاسود" الذى شرحت ابعاده فى الفقرة الثانية، مروراً بالاجادة الملحوظة فى المشاهد الخارجية وخاصة مشاهد تجرى فيها البطلة فى شوارع "نيو يورك" مثل المشهد الذى فى الصورة اعلاه، والمشهد الليلى الذى كانت تبحث فيه "فرانسيس" عن ماكينة الصرف اللآلى والمشهد الذى كانت ترقص فيه امام النافورة، ومشاهد باريس التى نجحت فى ايصال مشاعر الوحشة والوحدة التى عانتها البطلة. اما عن التمثيل فلم يختبر أحد سوى "جريتا جيرويرج" والتى فى رأيى تفوّقت على نفسها وأدت دور الفتاة المزعجة الطفولية الحالمة على اكمل وجه.

مشهدين من أفضل مشاهد الفيلم، الأول هو مشهد تناول فرانسيس العشاء مع راشيل واصدقائها، حيث تشرح الأولى مفهومها عن الحب فى مشهد حوارى من افضل ما رأيت هذا العام. أما المشهد الثانى فهو آخر لقطة فى الفيلم التى نفهم من خلالها سبب تسمية الفيلم،  وهو مشهد يلخص فلسفة البطلة حول معضلة الثقل والخفة وعيش اليوم بيومه فى اسقاط شديد الذكاء، لولاه لكنت اقترح تسمية الفيلم باسم حى "بروكلين" النيو يوركى مضاهاةً لفيلم "مانهاتن" والذى شرحت العلاقة بينهم. وفى النهاية يترك الفيلم على وجهك تلك الابتسامة التى تنتابك بعد رؤية عمل أعجبك تفانى صانعيه رغم قلة الامكانيات، والأهم هو اختلافهم وسيرهم عكس الموجة.

تقييمى : 8.5/10

صفحة الفيلم

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top