«12 عاماً من العبودية» وساعتين وربع من المكوينية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:26 ص 1




بالطبع لسنا بحاجة الى فيلم سينمائى ليخبرنا بأن العبودية شىء بشع، وان الحرية والمساواة اشياء عظيمة، ولكننا نحتاج من حين لآخر الى فيلم ينتزع منا الآهات المكتومة والدمعات الجافة لزوم الوقار، اليست مشاهدة السينما قائمة على رغبة اساسية بأن نكون الابطال الذين نشاهدهم، فإن لم نستطع فلنقع فى غرامهم، فإن لم نستطع فلنتعاطف معهم، وهذا اضعف الايمان؟!. ومن هنا أعرف ان ابرز المشكلات التى تحول دون وقوع ذلك التعاطف هى ان تشعر بأن صانع العمل يبالغ ليستجديها، ولكن هذا بالطبع لن ينطبق على فيلم يحمل امضاء المثير للجدل «ستيف مكوين»، حتى وان شعرت احياناً بانه يبالغ، فسيميل تقييمك للتعسف لانه مبنى على قياس بين عالم «مكوين» والعوالم الاخرى، وليس على عالم «مكوين» وحده وهو ما يجب القياس عليه، فاسلوب الصدمة والتوتر والبؤس وعدم الاستحياء فى نقل الابشع، هو سمة تميّز جميع افلامه، بما يعنى ان عالمه الصادم هو بمثابة "خلقة ربنا" التى لم يتصنّع او يبالغ للوصول اليها.

 هذه المرة من خلال دراما تاريخية مبنية على قصة حقيقية حدثت فى منتصف القرن التاسع عشر لعازف الكمان السيد «سوليمون نورثاب» ذى الاصول الزنجية، وهو رب اسرة سعيدة تنتمى للطبقة المتوسطة بمدينة «نيويورك» ويكسب رزقه من عزف الكمان بالحفلات العامة. حتى الآن كل شىء على ما يرام الى ان يقابل رجلان قادمان من «واشنطن» يعرضان عليه الحضور معهما للعزف باحدى الحفلات مقابل اجر مادى سخى، ثم يتضح له بعدها انه قد وقع فى قبضة عصابة قامت بعملية اختطافه واخفاء هويته الاصلية لبيعه فى سوق النخاسة على انه عبد، ومن هنا تبدأ رحلته مع العبودية، من معاناة لمعاناة، ومن مأساة لمأساة، ومن سيد لآخر، بحثاً عن الخلاص، وعن الحرية المغتصبة بشكل غير قانونى احياناً، وغير انسانى دائماً.

يبدأ الفيلم بداية سريعة جدا، حيث لم يأخذ الفصل الاول وهو الفصل التمهيدى والتعريفى بالشخصية الكثير حتى يقع فى فخ العبودية وينتقل به للفصل الثانى (الوسط) حيث الصراع مع تلك العبودية، لعب اسلوب السرد اللا طولى (Non Linear) الدور الاكبر فى سرعة ايقاع الفصل الاول، فكان الحدث البارز يحدث اولاً ثم يتبعه مجموعة لقطات سريعة تشرح ممهدات واسباب ما حدث، قد يقترح البعض بأن حياة «سوليمون» السعيدة كانت تستحق ان يفرد لها مساحة اكبر حتى يكون هنالك سبب اقوى للتعاطف معه فى نكبته التالية، وقد يكون هذا الطرح به بعض الوجاهة ولكنى اظن ان ما قدم كان كافى، بالاضافة الى انى قد تعاطفت مع شخصية «باتسى» دون ان اعلم شىء عن تاريخها، غير ان الفصل الثانى لم يخلو ايضاً من بعض التفاصيل الشخصية التى تساهم فى اجبار المتفرج على التعلق بشخصية «سوليمون»، اهمها لهجته الراقية، وسلوكه النبيل، وعلاقته الرقيقة مع رفاقه ومع الكمان، وطاعته الاخلاقية لاسياده التى لم تخلو من بعض عزة النفس الظاهرة والباطنة لشخص كريم أذلته وضاعة الآخرين.

التمثيل كان من اقوى عناصر الفيلم، وخاصة شخصية «باتسى» التى أدتها الممثلة الصاعدة «لوبيتا نيونج» وحازت بها على جائزة افضل ممثلة مساعدة من رابطة النقاد الأمريكية مع ترشيح للاوسكار، فقد قامت بدور من اصعب الادوار، ونجحت بترك علامة لن تمحى من ذاكرة كل من شاهد الفيلم، لن اتحدث عن مشهد الجلد او مشهد الصابون او مشهد الاغتصاب او غيرها من المشاهد الصعبة، ولكن يكفينى جدا اللقطة التى تنظر فيها الى «سوليمون» وهى ممدة فوق مضجعها تتلقى التضميد متوجعة من آلامها وجراحها التى ساهم الأخير فى صنعها دون ذنب، لقد كانت نظرة لا توصف، احتوت على العديد من المعانى المتناقضة والمتسقة فى آن واحد، ومن الجانب الآخر فلم يقل اداء «تشيوتيل ايجيفور» الذى جسد شخصية «سوليمون» عنها، وهى شخصية لا تقل صعوبة، لأنها باختصار شخصية لا تملك حرية البوح بما فى ضميرها باريحية حتى لا يعاقبها سيدها، شخصية لا تملك رفاهية التواصل مع المتفرج اللا عن طريق تعبيرات الوجه مضطرة، كما قدم «مايكل فاسبيندر» وهو الابن البار لسينما «ستيف مكوين» اداء لا بأس به فى دور «ايبس» الوغد.

كان هنالك نقاط قوة فى السيناريو لم يتم استثمارها بشكل يضيف للفيلم، مثل عدم التركيز على هواية «سوليمون» فى العزف على الكمان، فقد كان الفيلم بحاجة ماسة لمزيد من اللقطات والمشاهد التى يعزف البطل فيها على آلته المحبوبة، ونقل مشاعره شديدة التعقيد الناتجة عن تجربته العجيبة من خلال الموسيقى، صحيح ان «هانزيمر» لم يقصر فى صناعة تيمات عالية الشجن وبارعة الحس، ولكنى فعلا كنت اريد ان ارى مزيد من موسيقى البطل.

ومن نقاط ضعف السيناريو الاخرى هو الالتباس فى تحديد المشكلة الاخلاقية التى يطرحها الفيلم، فقد طغى كثيراً تصوير المشكلة من زاويتها القانونية، اى ان «سوليمون» لا يستحق العبودية لكونه ذو اصل حر وتم اختطافه وتحويله الى عبد، وقدمت المشكلة احياناً من زاويتها الاخلاقية المحضة، اى ان لا أحد يستحق العبودية لأنها فعل شنيع يحط من قيمة الانسان دون وجه حق. قد يتسائل البعض، وما المانع ان يتم تقديم المشكلتين سوياً بشكل متوازٍ؟، ليس لدى مانع مطلق مع اسلوب الموازاة، ان كانت الفكرتان متسقتان، لكنهما هنا عبرا عن منطقين مختلفين فصنعا بجملتهما ما هو اقرب للمغالطة المنطقية التى اسماها «فرويد» بمغالطة الغلاية (Kettle Logic)، وهذا ما ادى لنوع من الالتباس بمورال الفيلم، ساهم فيه ايضا محاولات -على استحياء- لاقحام الدين كسبب فى المأساة، زادت من التشويش والسطحية، فكلنا نعلم ان العبودية وجدت ايضاً فى المجتمعات التى لم تعرف الديانات الابراهيمية.

تضاف الى المشكلتين السابقتين مشكلة اخرى فى الجمل الحوارية التى صدرت عن الشخصية التى اداها النجم «براد بيت»، فى حديثه عن رأيه فى العبودية وتعاطفه مع بطلنا، فلقد كانت جمل شديدة المباشرة والوعظ والسطحية، اعلم انها كانت مفيدة ليشعر بطلنا معه بالارتياح ومن ثم يطلب منه المساعدة، ولكنها لم تكن طريقة سينمائية جيدة، لن اطرح بدائل هنا، ولكنى اثق انه كان هنالك بدائل. 

ومن مشاكل الاخراج، التى قد يتشارك السيناريو فى تحمل مسئوليتها، هو السياق الزمنى المفقود، فعنوان الفيلم يحدد مدة زمنية معينة تدور بها الاحداث هى 12 عام، لم اشعر فى رحلة بطلنا انه عاصر تلك المدة، لم يوجد اى ايحاء شكلى او جوهرى على ان هناك تغيّر زمنى يحدث، ولا حتى بواسطة أقل الطرق السينمائية ابتكاراً حيث التيتر المكتوب ابجدياً ليوضح هذا التغيّر الزمنى، فقط فوجئت فى النهاية ان بطلنا اصبح له حفيد.

كل تلك الاخطاء وغيرها قللت من فرص الفيلم ليكون احد التحف الفنية التى صنعت فى الفترة الاخيرة، ولكنه لا يزال محتفظاً بكثير من عناصر القوة التى تجعله من اهم الافلام التى قدمت فى العام الماضى، حيث التواصل العاطفى المذهل، والقصة المبتكرة المؤثرة، والايقاع اللاهث، والموسيقى الباكية، والتمثيل الرائع، والمشاهد المُحكمة ان قُيّمت على حدى. وبالرغم من فقر التصميم الانتاجى الملحوظ، اللا ان التصوير استطاع لدرجة ما التحايل على ذلك الفقر، وحافظ على الكادرات من التطفل البانورامى الذى قد يفضح هذا الفقر. الفيلم حاصل على تسعة ترشيحات لجوائز الاوسكار، وهو المرشح الاول لنيل الجائزة الكبرى، ولكنى لا اصنفه كافضل افلام العام الماضى.


تقييمى: 8.5/10

شارك الموضوع



1 التعليقات:

غير معرف يقول...

فيلم مش كويس بالمرة مش مصدق انه العكاك ده مخرج العار

back to top