عُمر .. ماذا أراد هانى أبو أسعد؟

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  3:34 م 0


"كلنا صدقنا اللى ما بيتصدق"
يمكننا تناول هذا الفيلم من خلال قراءتين، القراءة الأولى وهى أرجح الى ما كان يرمى اليه هانى أبو أسعد مخرج ومؤلف العمل، بأن ابطال فيلمه –الفلسطينيين الأربعة- كانوا ضحايا عاطفياً وإجتماعياً لتلاعب ضابط اسرائيلى وغد بهم، إما بافساد حياتهم وإما بتشويه نفوسهم، وما يتبع ذلك من اسقاط واضح على الصراع الفسلطينى-الاسرائيلى بصفة عامة،وذلك على سبيل البروباجاندا للقضية الفلسطينية. أما القراءة الثانية فهى لمن يكره البروباجاندا ويريد تبرير قضاءه مدة ساعة ونصف فى مشاهدة هذا الفيلم، وهذه القراءة تتلخص فى أن الفيلم كان عن السذاجة، ويمكن الاستعانة بمقولة بطل الفيلم أعلاه للتدليل على أن مآسى الأبطال كانت عاقبة منطقية لتصديقهم ما لا يصدق، أى سذاجتهم، والجميل والمريح بهذه القراءة انها لن تنقذ الفيلم من فخ البروباجندا والأحادية وحسب، بل وأيضا ستبرىء الحبكة من ثغراتها وهشاشة دوافع شخصياتها، حيث لا حرج على السذج!

عُمر فى مقتبل شبابه، يعمل بأحد مخابز الحى، مرهف الحس، هادىء الطباع، متأثر بكلاسيكيات الفن المصرى الرومانسى، وعلى علاقة عاطفية بـ "ناديا" أخت صديق طفولته "طارق"، الذى كان يذهب معه عمر وصديقهما الثالث "أمجد" فى أوقات فراغهم لقنص وإغتيال الجنود الاسرائيليين، إلى ان يتم اعتقاله من قبل المخابرات الاسرائيلية (او هكذا ما قيل)، ثم يخيّروه بين ان يتعاون معهم للايقاع بشركاءه وخاصة "طارق"، أو يقضى بقية عمره بالسجن، فيُحرم إلى الابد من حبيبته "ناديا". إذن هذه التيمة ليست بجديدة علينا وشاهدناها كثير على مدار تاريخ السينما من أول "حنفى الأبهة" إلى "أميريكان هاسل"، ولكن الجديد هنا كان فى زيادة تعقيد المعضلة الأخلاقية، بحيث لم يكن الشركاء مجرمين بالشكل التقليدى، بل تم تقديمهم بأنهم ذوى أهداف وطنية نبيلة، كما ان خيانتهم كانت لتتم من أجل هدف يبدو نبيل أيضا، وهو الحب، وما زاد الصراع تعقيداً انهم اصدقاء طفولة.

مشكلة السيناريو الكبرى كانت الدوافع، فما الذى يدفع شاباً يانعاً حالماً عاشقاً أمامه مستقبل لا بأس به، للقيام بأنشطة عنيفة وخطرة كتلك؟، خاصة وأنه لم يكن صاحب اراء او اهتمامات سياسية تذكر، وحتى الموقف الذى تعرض له من احد الضباط الاسرائيليين فى بداية الفيلم فلم يكن مُبَرَراً ولا مُبَرِراً لما قام به، مثلما لم تكن ايضاً صداقته من "طارق" مبرراً قوياً، لقد بدا الأمر مصطنعاً للغاية، فتصوير الشاب الفلسطينى على انه بالضرورة عضواً بالمقاومة المسلحة أصبح استسهال وتنميط ساذج. نأتى للسؤال الأخر وهو لماذا تم القبض عليه وحده دوناً عن رفاقه؟، فلو ان ثمة أدلة او كاميرات مراقبة اشارت لتورطه فبالتأكيد ان نفس الأدلة تورط رفاقه معه، خاصة وأن الجهاز الامنى بدا وكأنه يعلم دبّة النملة. لماذا لم يتم تصفية المطلوبين فوراً وبلا قانون؟، خاصة وأن نفس الجهاز الأمنى لم يجد غضاضة فى انتهاك القانون عن طريق التعذيب الوحشى!

لن أحاسب أبو اسعد على ان خطه الرومانسى كان ساذجاً وغير مبتكر ويفتقد للشاعرية وأن حوارات الحبيبين أكل عليها الدهر وشرب؛ فمن السهل تبرير رتابة ذلك الخط وحواراته بأنه كان متناسب مع طبيعة شخصيات الحبيبين وأعمارهما الصغيرة وثقافتهما المتواضعة، ولكن استطيع محاسبته على الخطوة التى اتخذها فى النهاية لتكليل هذه القصة بنهاية ميلودرامية لم تتناغم مع عشوائية الخط من بدايته، فضلاً عن عدم منطقيتها، حيث انه رغم ثرثرة الحبيبين المتواصلة على مدار الفيلم، لم يفكر "عُمر" بمواجهة "ناديا" بادعاء "أمجد" تحبيله اياها، فى اعتقادى ان ذلك كان أمر بديهى يتناسب مع طبيعة شخصياتهما. والسؤال الأهم هو لماذا يلجأ "أمجد" من الاصل لحيلة عبثية كتلك التى من السهل إما كشفها وإما ان تودى بحياته التى انقذتها الصدفة فى اللحظة الأخيرة قبل ان يقتله "طارق"!

لعب الجدار العازل فى هذا الفيلم دور عزول العشق والحياة والنقاء الذى يحاول البطل تخطيه دائما، وفى رأيى انه كان ترميز متعسف لا يتفق مع طبيعة الجدار الأمنية المحضة، تلك الطبيعة التى أكدها الأبطال بأنفسهم عندما قاموا بانتهاكها بقتل الجندى، كما لعب الضابط "رامى" نفس دور الجدار، فى ترميز لا يقل تعسفاً، حيث ان الرؤية الموضوعية المتجردة لما فعله "رامى" تنصفه بكونه موظف مخلص لوظيفته يقوم بأداء واجبه لمنع قتل مواطنيه، وبالتالى لم يكن يستحق تلك النهاية العابثة، موت "رامى" هو الرؤية الأكثر ضحالة فى التاريخ عن مفهوم العدالة الشعرية. وبصفة عامة يمكن تبرير كل خطايا هذا الفيلم لو قرأناه بالقراءة الثانية التى اشرت لها فى بداية حديثى، وهو ان الابطال كانوا بالسذاجة الكافية التى تجعل تصرفاتهم اللا منطقية منطقية.

مشاهد المطاردات تم تنفيذها بمهارة وصدق جديدان على الافلام العربية، رغم ان الهروب من جهاز أمنى متمكن كان فى حد ذاته أمر عبثى، عدسة "العسال" اعطت الصورة أناقة شديدة، فى حين غابت الاحترافية عن اداء معظم الممثلين باستثناء "وليد زعيتر" الذى قام بدور "رامى" و"ليم لوبانى" التى قامت بدور "ناديا"، أما عن "هانى أبو أسعد" فهو مخرج عظيم ولكنه بحاجة ماسة إلى كاتب سيناريو. الفيلم مرشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبى، ولا أظنه يستحق الصمود فى وجه "الصيد" أو "الجمال العظيم"، كما أنه بالطبع ليس أفضل من فيلم "الماضى" لأصغر فرهادى، الذى لم يترشح!

تقييمى: 6.5/10

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top