«لمسة خطيئة» .. أربعة حكايات عن العنف

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  1:50 ص 0


ثانى فيلم أشاهده من انتاج العام الماضى ويعتمد على الفكرة السردية لحكايات منفصلة-متصلة عن طريق التلاحم الدائرى، فبجانب الفيلم الإيرانى الجميل "اكريد"، أتى الفيلم الصينى "لمسة خطيئة" للمخرج والسيناريست "جيا زانكيى"، ليقدم نفس الأسلوب المميز ولكن بمضمون أعمق وأجرأ استطاع ان ينافس به على السعفة الذهبية الأخيرة لمهرجان "كان"، وحصل على جائزة أفضل سيناريو من نفس المهرجان.

"لمسة خطيئة" بجانب كونه فيلم شيّق، وأحياناً خاطف للأنفاس، وكثيراً ثرى بصرياً، فهو ايضاً صادم على المستوى المجتمعى والانسانى. المستوى الاول لفهم الفيلم هو انه رصد وتصوير لحالات العنف المركبة التى تجتاح المجتمع الصينى فى الفترة الاخيرة، خاصة وان صانع الفيلم صرح بأنه قد استمد الافكار العامة للجرائم المرتكبة فى فيلمه عن طريق قراءاته لمدونات حوادث قد حدثت بالفعل، قدمها هو بشكل فنى اقرب للمدرسة التارنتيناوية التى من أهم قواعدها ان يُقتل الأوغاد. أما المستوى الثانى للفهم فقد رأيته على انه حنين لاشتراكية ماو، وصرخة ظلم فى وجه الصعود الرأسمالى المعاصر، ليس مهماً ان توافق صانع الفيلم على المضمون الذى يقصده، ما يهم هو كيف أتم بلورة نقطته وإخضاعها للمبادىء الفنية، وفى رأيى انه قد نجح فى ذلك.

من خلال أربعة قصص، بداية من عامل المنجم الذى يحتج على اسلوب حياة صاحب العمل الفاحش ثراءً، فيتم ضربه واهانته وجعله اضحوكة الجميع فى قريته الصغيرة، ثم سائق الدراجة البخارية المعدوم مادياً ولكن يهوى اقتناء المسدسات والذى يعود الى منزل عائلته فى عيد ميلاد أمه، إلى المرأة العاملة فى قسم الاستقبال لنادى صحى وعلى علاقة غرامية مع رجل متزوج، ووصولاً الى الشاب الذى يهرب من عمله بأحد المصانع بعد ان الزمه مديره بدفع مرتبه الى زميله المصاب ليسافر بلدة أخرى ويعمل كنادل بأحد الفنادق ويقع فى غرام احدى عاهرات الفندق.

كانت هنالك روابط استحيائية للخطوط الاربعة، متعلقة احياناً بتصادف الاماكن، واحيان أخرى بالمضمون الفكرى والرمزى للعمل، ولكنهم اشتركوا دائماً فى مأساوية وبشاعة النهايات. أضعف الخطوط فى رأيى وأقلها اتساقاً مع الفكرة العامة هو الخط الثانى لسائق الدراجة البخارية، أما الأقوى فهو الخط الثالث لسيدة النادى الصحى (التى قامت بدورها زوجة المخرج)؛ لأنه جاء شديد الشحن والتواصل والواقعية والدراماتيكية، وكانت الشخصية مكتوبة بشكل اكثر اتزاناً وأصدق فيما تتعرض له من مواقف تمس العاطفة. لا استطيع الجزم بأن زانكىى كان متعاطف مع شخصياته تمام التعاطف، او يحاول تبرير افعالهم، لكن تعاطفه كان أكثر مع عبثية الحالة العامة.

قلت سابقاً ان الفيلم به حنين ملحوظ لعصر "ماو"، أوحي لى بذلك فى اللقطة التى يقوم فيها عامل المنجم بقتل مديره أسفل تمثال ضخم للزعيم الصينى، كما تم تقديم الاغنياء واصحاب الاعمال بصورة شديدة الاستغلال، وتصوير الطبقة العاملة بأنها ضحية ذلك الاستغلال وتلك السياسات الاقتصادية والطبقية والاجتماعية -واحياناً الجنسية- غير العادلة، لقطات كثيرة لعمال المصانع وبخلفيتها موسيقى شجنة، بدا فيها وكأن النظرية الشهيرة لتحويل الانسان الى ترس فى آلة أصبحت الواقع (بغض النظر عن اتفاقك او اختلافك مع هذا فهو نجح فى تصويره)، بل  ووصل فى تصويره لامتهان الطبقة العاملة بتشبيهها بالحيوانات، ظهر ذلك خلال المشهد الرائع لعاملة النادى وهى ترفض ممارسة الجنس مقابل المال؛ فيضربها الرجل الثرى بطريقة اقرب لصفع الخيول بالسوط، وهو المحاكاة البشرية للمشهد الذى أدى بعامل المنجم لقتل صافع الخيل اثناء ثورته على رأس المال فى بداية الفيلم، كما فعلت عاملة النادى مع مغتصبها بعد محادثة سريعة مع زميلة عملها حول الحقيقة العلمية بأن الحيوانات ايضاً تنتحر، ليتم الخط الرابع بانتحار بطله، مع بعض اللقطات لقطع الماشية على مدار الفيلم.

ينتهى الفيلم بلقطة لجمهور من الطبقة العاملة يشاهد بامعان مسرحية شعبية يدور موضوعها حول الظلم، وجوههم تشبه ابطالنا الاربعة، وربما مصائرهم، لكنهم اكتفوا بالمشاهدة! الفيلم متميز بكافة عناصره ويستحق المشاهدة.

التسميات:

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top