«حلاوة روح» .. محاكاة فاقت التوقعات ولم تصل للأصل

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  11:39 م 0


على نهج مقولة "كيشلوفسكى" الشهيرة والتى تفيد بأن السرقة الفنية عندما تكون من العظماء فهى مجرد استلهام، قرر محمد السبكى ورفاقه خوض التجربة لصناعة محاكاة مصرية شعبية للتحفة الايطالية "مالينا" التى صنعها العظيم -رغم قلة اعماله- "تورناتورى" فى مطلع العقد الماضى، هذه المرة من اخراج "سامح عبد العزيز" صاحب التجربتين المميزتين اللتين ساههمتا فى احداث نقلة ملحوظة للأيديولوجية السبكاوية التقليدية نحو الجدية، وهما فيلمى "الفرح" و"كباريه"، وإن كانت تلك النقلة محصورة على فرع واحد من العائلة الانتاجية المثيرة للجدل، وهو تحديداً الفرع الذى يمثله "أحمد السبكى" وانضم له فيما بعد ابنه "كريم السبكى" ليصنعوا المزيد من التجارب المختلفة والجادة؛ على رأسها فيلمى "واحد صحيح" و "ساعة ونص" وحالياً يتم التحضير لعرض "الحرب العالمية الثالثة"، بينما ظل الفرع الآخر من العائلة والذى يمثله "محمد السبكى" متمسكاً بنهجه التقليدى بصنع افلام شعبية خفيفة تارة، ومسفة تارة أخرى، وإن كان يحسب لتلك الافلام انها ساهمت بايراداتها الخيالية فى الحفاظ على صناعة السينما المصرية من الاندثار تماماً، وعلى دور العرض من الإفلاس وتغيير النشاط فى وقت تمر به السينما المصرية بأزمة شديدة التعقيد.، وبإعتقادى أن "حلاوة روح" هو البداية الجادة الحقيقية لمحمد السبكى.

بالحديث عن سرقة العظماء، فإن "مالينا" ليس فيلم عظيم وحسب، بل انه من الأفلام القليلة التى تذكرنا بالسبب الذى يجعلنا نحب السينما بالاساس، وهو من الأفلام التى غالباً ما نعجز عن ايجاد عامل منطقى لوقوعنا فى غرامها فنلجأ فى بحثنا على العوامل الجمالية والانفعالية التى غلفت الفيلم، ومشكلة تقييم الفن بمذهبيه الجمالى والانفعالى انه تقييم لا يتبع اى قواعد ملموسة وينحصر بشكل أكبر على التجربة الشخصية، وفى رأيى ان من أهم مميزات فيلم "حكاية روح" هو ان التغييرات الدرامية غير الموفقة التى أجراها السيناريست "على الجندى" فى نصه على النص الأصلى ساعدت بشكل كبير فى الإجابة على سؤال "لماذا أحببنا "مالينا؟"، بل وعلى السؤال الأعم والذى حيّر فلاسفة الفن وهو "كيف تعمل العناصر الجمالية والانفعالية؟"

التهمة الرئيسية التى يتشارك فى اطلاقها المشككين فى موهبة "تورناتورى" هو أنه يعتمد -فى فيلميه الأشهر على الأقل- على أسلوب دغدغة المشاعر، بإمكانك ان تشاركهم الرأى بأن تلك تعتبر تهمة، وبإمكانك ان تنتظر لتشاهد "حلاوة روح" لتتأكد ان دغدغة المشاعر ليست أمر بتلك البساطة التى يقلل بها المشككون من شأن مخرج محترف، وبأنها أمر شديد التعقيد وتحتاج لدقة طبيب شديد المهارة يدرى جيداً ماذا يفعل داخل غرفة العمليات، كل حركة ولفتة وقرار بلا داعى قد يكلفه حياة المريض. هذا لا يعنى بالضرورة ان "على الجندى" قد فشل فى دغدغة المشاعر بفيلمه أو لم يحاول، ولكن الدغدغة درجات!

كما ان المقاييس النقدية الحديثة تكره النهايات الميلودراما، وهو الأسلوب الذى إتبعه "تورناتورى" بعودة زوج "مالينا" من الحرب والعثور على رسالة من الطفل تخبره بما حدث ...الخ، بينما حاول "على الجندى" الابتعاد عن ذلك الأسلوب ليختم فيلمه بنهاية أكثر واقعية لا يظهر فى نهايتها شخص من العدم ولا مصادفات ومفاجئات مُبالغ فيها، ولكن رغم ذلك لو حكمنا حكم متجرد على النهايتين بغض النظر عن التصنيفات النقدية التى فى الغالب لا تستند على قاعدة ملموسة، فسنجد ان نهاية "تورناتورى" الميلودرامية المكروهة نقدياً كانت أقوى من نهاية "على الجندى" الواقعية المرحب بيها نقدياً (بشكل مبدئى). ولو سألتنى عن المقياس الذى أقيس به الأقوى، سأجيبك بإنه "دغدغة المشاعر"، فهذه كانت الغاية التى وضح سعى صناع الفيلمين لتحقيقها. 

بدا أن الأسلوب "السيد فيلدى" الشهير عند كتّاب السيناريو والذى يعتمد فى أساسه على تصعيب غاية البطل قدر المستطاع وخلق التحديات له بإستمرار ليكون هناك سبب عند المتفرج لمتابعة ما يجرى، أحياناً يكون أفضل من باقى الأساليب التى تعتمد على التوازن بين غاية البطل ووسيلته لتحقيقها واعتماد الحالة الجمالية فى المقابل، فلو إعتبرنا ان الطفل فى الفيلمين هو البطل، فلا شك ان عدم التواصل أو الخط الواقعى المبتور بين الطفل والسيدة فى الفيلم الايطالى، والذى حافظ "تورناتورى" عليه لآخر فيلمه، قد صعّبت الغاية فزادت المتفرج شغفاً للحكاية، وكان ذلك من أقوى عناصر الفيلم، ونفهم قوته بشكل أكبر عندما نشاهد اختفاءه من المحاكاة المصرية، فتواصل "سيد" مع "روح" لم يضف شىء للحكاية بل ساعد على تسهيل مبتغى البطل بالاقتراب والتواصل مع سيدة أحلامه وهو ما قلل من الشغف، خاصة وان ذلك التواصل او تلك العلاقة لم تتطور، كما لم يستغل ذلك التواصل للتخديم على معنى مثل معانى العجز والجبن والتردد التى خُدمت فى الفيلم الايطالى بسبب عدم التواصل.

تتفوق شخصية "مالينا" على شخصية "روح" بعنصر التطور الداخلى، وتعريفى للتطور الداخلى هو المشاعر والقرارات والمسالك التى تسلكها الشخصية أو تُجبر على سلكها، أما التطور الخارجى فهو ما يحدثه الآخرين بالشخصية بشكل مادى مثل ان تُسجن او تُقتل او تُضرب. السقوط فى مهنة الدعارة كان تطور داخلى مهم فى شخصية "مالينا"، بينما بقاء "روح" على حالها من البداية الى النهاية قلل من ثراء شخصيتها دراميا، ولكن لم يمحه تماماً، فكانا مشهدان رقصها الخيالى على أغنية "حكيم" وما تبعه من مشهد انفجار فى وجه أم زوجها ثائرة على تقاليد وعادات مجتمعها ومعلنة عن أنوثتها المقموعة معبرين عن تناقضات مثيرة لدى الشخصية، كما انها ربما تكون المرة الوحيدة فى تاريخ محمد السبكى التى تكون فيها أغنية الفيلم موظفة درامياً، وليست مجرد فقرة "لتهييص" الجمهور.

استطاع "سامح عبد العزيز" تعويض مشاهد فانتازيا الطفل الايطالى التى استحال تنفيذها بكافة تفاصيلها لأسباب رقابية واجتماعية، ببعض اللمسات التى عبّرت درامياً وحسياً عنها، ولكن بالطبع لم تعوض العنصر الجمالى لذات المشاهد. كما انه بَرَع كالعادة فى تقديم حارة مصرية حقيقية ومعاصرة لا يتصادم قبحها الواقعى مع جمالية تصويرها، كما قدم فى نهاية الفيلم أقوى 10 دقائق فى تاريخ السينما المصرية الحديثة، ساعدته فى ذلك موسيقى "خالد داغر" راقية الحس .. كما ظهر تفوق جميع عناصر الصورة من ديكور وتصوير وتصميم انتاجى وأزياء، ورغم كل عيوب السيناريو فإن الحوار كان أحد عوامل القوة فى الفيلم، هذا لو تغاضينا عن المونولوج الذى قدمه "صلاح عبد الله" فى النهاية ليخبر "روح" بأن "مش كل الناس وحشين".

مَن لم يشاهد الفيلم الايطالى قد يُذهل من روعة الفيلم المصرى، وهو بالطبع محق فالفيلم المصرى جميل بالفعل، وفاق توقعاتى الشخصية له، ولكن لازال هناك ماهو أجمل.
 فى النهاية هل نستطيع ان نقول بأن "سامح عبد العزيز" هو "صلاح ابو سيف" هذا العصر؟ .. ليس بعد، ولكنه فى طريقه!


تقييمى: 8/10

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top