النصف الأول من 2014: تجارب تستحق التوقف

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:11 م 0

(جميع الأفلام المذكورة بهذه التدوينة متاحة عبر الإنترنت)

مثل كل عام سينمائى، إعتدنا أن يتسم نصفه الأول بندرة فى صدور الأفلام الفنية فى مقابل وفرة هائلة فى صدور الأفلام التجارية ضخمة الميزانية والتى تعتمد فى غالبها على التسلية فقط، ما يجعل عشاق السينما ينتظرون موسم الخريف أو ما يعرف أحياناً بموسم الجوائز حيث تبدأ التجارب الجادة فى التدفق إستعداداً لسباق الأوسكار، أو تكون مرت فترة مناسبة تسمح لصدور أفلام مهرجانات "كان" و"برلين" و"صندانس" للعرض جماهيرياً، ولكن مع ذلك يظل هناك عدد قليل من الأفلام الهامة التى ربما لم تصل للنضج الكافى لاعتبارها روائع ولكنها تستحق التوقف والانتباه.
البداية كانت مع "ويس أنرسون"، وقد يختلف معى الكثيرون لو عبرت عن عدم إعجابى بـ The Grand Budapest Hotel آخر أفلامه، لا أعلم ولكنى شعرت تجاهه أن أندرسون كتب هذا الفيلم على الطريقة المصرية الشهيرة "بعد ما اكلمكم عن الفيل هكلمكم عن الدرفيل" مع تقديرى وإعجابى بالألوان والتصوير والبناء الجيد لذلك العالم الغرائبى، لكن شعرت انه يخلو موضوعياً مما يستحق الإعجاب أو ما يمثل اضافة حقيقة لهذا الصانع الموهوب، مجرد لت وعجن وتنويعات على ما سبق وأن قدمه، بعد أن أصبح اسلوبه أشبه بنكتة مرحة لكن قديمة.

صُدمت أيضاً من المستوى فائق العادية لفيلم Noah آخر أفلام "دارين أرونوفسكى"، الذى افتقد لكل العناصر التى يتميز بها أرونوفسكى، وقدّم رؤية يمكن قبولها من أى مخرج صنايعى آخر، وليس من صانع أفلام فيلسوف وله بصمة سينمائية مميزة مثله، رغم استدعائه للمسات روحية جذابة كان قد استخدمها من قبل فى فيلمه الأسبق "النافورة"، لكنها أتت هذه المرة باهتة ومشوشة ببدائية الخيال التوراتى، وبهرجة الانتاج الهوليوودى، والالتباس والعشوائية فى التجويد على النص الأصلى.


Calvary 
أما "كالفارى" فهو من الأفلام التى تستحق التوقف أمامها، وهو التجربة التالية لمخرجه "جون مايكل ماكدونا" بعد فيلم "الحارس" الذى لفت اليه الأنظار منذ عامين، والتعاون الثانى مع الممثل الأيرلندى الموهوب "بريندن جليسون". أقوى ما بهذا الفيلم هو السيناريو، سواء بجمله الحوارية المُداعبة للذهن، أو الموضوع الجرىء والشائك، أو البداية الخاطفة التى تجعلك فى قمة تشوقك لمعرفة ماذا سيحدث، فهو يبدأ بقس يستمع إلى اعترافات روّاد كنيسته من وراء ستار يمنعه عن رؤية وجوههم، ليفاجأ بأن أحدهم أتى ليخبره بأنه سيقتله بعد أسبوع إنتقاماً من قس آخر كان قد اعتدى عليه جنسياً وهو طفل، ياله من سطر مريب ومشوّق وكفيل لإقناع أى منتج بشراء هذا السيناريو! لكن الجميل بالفيلم أنه يتجاوز مرحلة الخطف أو الـ Hooking سريعاً ويضعك أمام فيلم درامى فنى وليس فيلم "جونرا" تقليدى، وهو فيلم صادم ومختلف عن باقى الأفلام التى تعرضت لحياة الكنائس والقساوسة، يثير أسئلة جادة حول أفكار المعنى والعبث والإنسان والدين والإيمان والعدالة. التنوّع الهائل فى الشخصيات يجعلك تشعر وكأنك أمام مسرحية لشكسبير، تماماً مثلما تفعل القرية الأيرلندية الصغيرة المثيرة التى تدور بها الأحداث.



 
Under the Skin
ليس كأفلام الرعب التقليدية التى تستهوى المراهقين، بل يتشارك أيضاً مع الفيلم السابق بكونه من الظلم تصنيفه كفيلم "جونرا"، ولكن فيلم فنى تجريبى فى المقام الأول، لم أشاهد الفيلم السابق لهذا المخرج لأحدد تماماً المدرسة التى ينتمى إليها لكن أظن فيلمه هذا يمثل الخطوة الثانية لموجة سينمائية صاعدة تخلط تجريدية الصورة مع صدمة الحبكة فى إطار تنويمى أو Hypnotic، الخطوة الأولى كانت فى العام الماضى بفيلم Upstream Color، وهذه الموجة يمكن توصيفها بشكل آخر بأن هيتشكوك قد إجتمع مع تيرينس ماليك ليقدما سوياً فيلماً مشتركاً، الفيلم يكاد يخلو من الحوار، وإعتمد بشكل كلّى على التعبير بالصورة التى كانت أخاذة فعلاً، ورغم إعتماد المخرج على تقنيات بصرية حديثة خاصة فى مشهد العين فى البداية ومشاهد سقوط الضحايا فى ذلك السائل الأسود الغامض، إلى أنها أتت بعيدة كل البُعد عن الإصطناع او الرغة الصبيانية فى الإبهار، بل إحتوت على نزعة استطيقية لا تخطئها عين ذوّاقة.



 
Boyhood
الأفلام نوعان، نوع صُنع كى يُشاهد، ونوع صُنع كى يُعاش، وهذا الفيلم من النوع الثانى. الفيلم وراءه شىء ساحر يُجبرك على أللا تتلقاه بمعزل عن الإنتباه لكواليس صناعته حتى وإن كان ذلك مناف للموضوعية، ولمن لا يعلم فلقد تم تصوير هذا الفيلم على مدار 12 عاماً، أى أنه صوّر فعلياً سنوات الصِبى ومراحل التطورات الشكلية للبطل وباقى الشخصيات وبنفس الممثلين، وهى مغامرة وعرة غير مضمونة النتائج تهددها عوامل طبيعية وقدرية ونفسية أهمها فقدان الشغف، ولكن "ريتشارد لينكلاتر" فعلها بسلاسة، كما فعل فى ثلاثية "ما قبل" خلال مدة زمنية أطول، وإن كانت هذه التجربة أصعب بلا شك! الفيلم فى أحيان يذكرنى بـ"شجرة الحياة" ولكن بمزيد من الدراما وقليل من التجريدية، تجربة تعلّق رائعة بتلك الأسرة تجعلك واحد منها، كأنك تكبر معهم، تحب معهم وتفرح معهم وتعانى معهم، وتعيد قراءة التطورات السياسية والإجتماعية والتكنولوجية والثقافية التى حدثت خلال تلك الفترة، فيلم مثير لكل أنواع التأملات، وإن شاب الإيقاع بعض الفتور فى الفصل الثالث، فيبقى هو الفيلم الأفضل والأروع على الإطلاق لهذا العام حتى الآن.



Exhibition
 هذا أول فيلم أشاهده لمخرجة الأفلام المستقلة البريطانية "جونا هوج"، وأظنه لن يكون الأخير، تشعر معه أن روح "مايكل هانيكى" ترفرف فى الأجواء، أول ما يجذبك للفيلم هو تصميمه الإنتاجى، المكان الذى يدور به يبدو مثير للغاية، إنه منزل حداثى عاش به البطلان لمدة 18 عاماً، ويستعدان الآن للرحيل منه، لا نعرف لماذا، بالأحرى نحن لا نعرف أى شىء حقيقى عما يدور، لقد حولتنا صانعة العمل من متفرجين بالمعنى التقليدى إلى مجرد متنصتين فضوليين حشريين نتطلع لمتابعة تفاصيل حياتية خاصة ومحرجة عن زوجين برجوازيين، يعمل الإثنان بمجال الفن، لكن لا نعرف ماهية هذا الفن هل هو رسم أم ديكور أم معمار، نتابع لحظات اكتئابهم وفرحهم وانقطاعهم وتواصلهم بدون أى سياق أو تيمة مفهومة، التيمة هنا تشبه الحياة البرجوازية برتابتها، يمارسان الجنس والفانتازيا الجنسية والعادة السرية بطرق مريبة، لسنا متأكدين أيضاً ان كانت هى المريبة أم ان ما هو مريب يصبح بإقتحام أسوار المنازل واختراق خصوصيات البشر أمر طبيعى، ليس لهما أبناء رغم طول مدة زواجهما، هل هذا له علاقة بحالة اليأس المتواصلة عند البطلة؟ تجربة سينمائية عجيبة!



Palo Alto
التجربة الأولى فى كتابة السيناريو والإخراج لـ"جيا كوبولا" - حفيدة "فرانسيس فورد كوبولا" - لها نكهة خاصة تنبىء بمولد صانعة أفلام جيدة. بميزانية قليلة للغاية استطاعت إضافة حجر جديد فى بناء سينما المراهقين، وما يميّز مراهقين هذا الفيلم أنهم خارج التصنيفات النمطية تماماً، شخصيات حقيقية جدا، تجمع حماقة وبلاهة وبراءة وإندفاع المراهقين بدون تجميلات سينمائية، درجة عفوية لا تتكرر كثيراً، الطريقة التى تلبس بها البطلة سواء ملابس الكرة، أو قميص النوم الذى تتراقص به أمام المرآة فى منزلها فى لحظات خرقاء، أو ذلك الحلق الطفولى الذى يزيّن أذنيها ويزيدها براءة وعفوية، أو ملابسها الداخلية المدوّنة بأيام الأسبوع، وطريقة حديثها مع مدرب كرة القدم الذى تحبه سراً، أشياء تجعلك تظن أن "كوبولا" واقعة فى غرام "إيما روبيرتس" لمنحها هذا الدور وتلك الشخصية الجميلة حقأ. مشهد مشاجرة شديد العفوية بين شاب وفتاة على حمام السباحة، كيف تعامل الرجل المُثلى مع صديق إبنه فى منزله، خيبة الأمل التى تجمع الثلاث شخصيات الرئيسية وكيف عبّرت عنها النهاية .. فيلم رقيق .. بسيط .. وحميمى.

التسميات:

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top