Obvious Child .. سبب آخر للوقوع فى غرام السينما المستقلة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  2:41 ص 0


نعيش هذه الفترة واقعاً أصبحت فيه السينما الأميريكية المستقلة - أسميها أحياناً سينما الشاطىء الشرقى – تطل علينا فى كل عام بتجارب تخطف بها القلب والعقل معاً، وبميزانيات مالية شديدة التواضع. أفلام يتم تصويرها في غرفتين وصالة ومقهى وشارع ملكاً للحكومة، قادرة على إنتزاع المشاعر والضحكات والتأملات وأحياناً الدمعات بأبسط الطرق، دون إبتذال أو إبتزاز. فهى أقرب للسينما الأوروبية وربما لا تتشارك مع هوليوود فى شىء سوى فى أنها تعترف بالموسيقى التصويرية. لم ألتقط أنفاسى بعد من جنون Frances Ha فى العام الماضي، أو من عذوبة Liberal Arts فى العام قبل الماضي، لتتفاقم الجرعة هذا العام بطبيعية Obvious Child.

الطبيعية هى السمة الأبرز والأنسب لوصف هذا الفيلم بإختصار، فهى السمة الأكثر طغياناً على كل شىء، بداية من تركيبة شخصية بطلة الفيلم الخرقاء، مروراً بتناول قضية شائكة مثل الإجهاض تناولا يعبر عن حقيقة التجربة النفسية والوجودية التى يمر بها الأشخاص المقبلون على تلك الفعلة دون تسفيه أو تضخيم، ودون وعظ أو تسييس، تناولا يجعل الإنسان بمشاعره وهواجسه فوق كل شىء، ووصولاً لطبيعية القصة ذاتها وما يتخللها من علاقات إنسانية لا تسير على الدرب التقليدى للأفلام الكوميدية الرومانسية الأميريكية.

اثار هذا الفيلم كثيراً من الإهتمام وقت عرضه الأول بمهرجان "صندانس" بداية هذا العام، كونه فيلماً كوميدياً عن الإجهاض، نعم الإجهاض إحدى تيمات الفيلم الرئيسية، لكن لا نستطيع أن نقول إن الفيلم عن الإجهاض، بل هو بالأحرى عن شخصيته الرئيسية، "دونا"، وهى فتاة نيويوركية فى أواخر عقدها الثالث تعمل فى محل لبيع الكتب القديمة وفى المساء تؤدى عروضاً كوميدية Stand Up Comedy بإحدى الحانات، بعد إنفصالها عن حبيبها فى بداية الفيلم بسبب خيانته لها مع صديقتها المفضلة، ما يجعلها تمر بأزمة نفسية ثم ينتهى بها الحال إلى مضاجعة أحد الغرباء، ويدعى "ماكس"، فى ليلة عابرة أو One Night Stand، تكتشف بعدها بأسابيع قليلة أنها حملت منه، وتصبح أمام خيار واحد، أن تجهض هذا الحمل؛ لأنها غير مستعدة لحياة الأمومة، فهى بالكاد تتحمل مصاريف نفسها وأفعالها الخرقاء غير المسئولة، وهى حتى لا تملك ثمن عملية الإجهاض.


لو كان الفيلم عن موضوع ما بالفعل، فهو صراع داخلى بين النضج والطفولة يواجهانه "دونا" و"ماكس". تعبّر الأولى عن موقفها من التقدم فى العمر من خلال عرضها الكوميدى الأخير حين تقول "أردت دوماً أن أكون إمرأة ناضجة، أردت دائماً أن يكون لى حمالة صدر وبلوزة وجدول أعمال، وأن أشعر أنى متأخرة عن معياد ما" .. بينما يعبّر "ماكس" عن نفس الشعور حين يخبر "دونا" فى أحد حواراتهما العابرة أنه لا يستطيع الصبر حتى يصبح له أحفاد. ولكن التقدم فى العمر بما يحمله من مسئوليات وإلتزامات شىء مخيف أكثر من تمنياتهم الصبيانية التى تم كسرها فوق صخرة أول اختبار حقيقى لهما بدخول نادى النضج، ما جعلهما يلقيان بتلك التمنيات الكاذبة عرض الحائط ويتوافقان على إجهاض الطفل. يؤكد عنوان الفيلم هذا الطرح، وهو العنوان المأخوذ عن أغنية لـ"بول سايمون" موضوعها التقدم فى العمر، ويعطي هذا السلوك الواقعى تجاه هذا الأمر للفيلم نقاط اتميزه على أفلام مشابهة أخرى مثل Knocked Up و Juno، اللذين فضّلا الحل الآخر.

هذا الفيلم ينضم بقوة للموجة الجديدة من سينما المرأة النيويوركية التى بدأتها المؤلفة والمخرجة والممثلة "لينا دونهام" منذ أعوام بفيلم Tiny Furniture، ثم إستكملتها بمسلسلها الشهير Girls، وإنضم لنفس الموجة "نوه بامباك" و"جريتا جيرويج" فى العام الماضى بفيلمهما العلامة Frances Ha، ثم أتى هذا العام Obvious Child ليواصل تقديم معاناة أنثى المدينة الشابة الأكثر معاصرة بشكل واقعى تغيب فيه أى رتوش سينمائية تقليدية. أداء "جينى سليت" بهذا الفيلم كان مذهلاً حقاً، وهو أفضل أداء نسائى شاهدته هذا العام حتى الآن، هى من أعطت الفيلم سمته الرئيسية التى تحدثت عنها بالفقرة الثانية من هذا المقال، سمة الطبيعية، ساعدها فى ذلك خيار عدم إستخدامها للماكياج سوى فى مشاهد عروضها الكوميدية، بالإضافة لعفويتها الملحوظة وتمتعها بقدرات إنفعالية وتعبيرية غير تقليدية. استعان صُناع الفيلم بجملة كتبها أحد النقاد ليضعوها على أفيش فيلمهم، فى هذه الجملة يصف الناقد أداء "سليت" بأنه أداء صانع للنجومية .. أعتقد أنه أتى بالخلاصة.

رغم أن الفيلم يميل ليحسب على تصنيف الكوميديا الخفيفة أو Light Comedy إلا أنه نجح فى أن ينتزع كمية من الضحك لم تنجح فى إنتزاعها أفلام أخرى من إنتاج هذا العام تتعامل مع نفسها ككوميديا صريحة كفيلم Neighbours على سبيل المثال، وأخص بالذكر مشهد العرض الكوميدى الأخير، ومشهد إجتماع "دونا" مع زميلها فى الحانة داخل منزله حين إضطر لخلع قميصه. ينتهى الفيلم بمشهد يجمع "دونا" و"ماكس" وهما جالسان أمام شاشة التلفاز، يبحث "ماكس" عبر الريموت عن فيلم ليشاهدانه سوياً، لا يجد سوى فيلم Gone with the Wind، فى البداية تعترض "دونا" على هذا الفيلم بسبب مدة عرضه الطويلة جداً، فيسألها "ماكس" إن كان لديها ميعاد أو التزامات تمنعها من مشاهدة فيلم بمدة طويلة، فتجيبه بإبتسامة النفى ثم تلتفت نحو الشاشة لتشاهد الفيلم، حسناً، فتلك نهاية بها من الذكاء ما يحاكى الهم الرئيسى للشخصيتين بمواراة حوارية فذة، قد تكون معبّرة أيضاً عن ما هما مقدمان عليه فى أسلوب حياتهما.

التسميات:

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top