جميع المواضيع


 أؤمن بأن اعظم الرابحين من علاقة الارتباط الفنى والحياتى التى نشأت بين المخرج محمد خان والكاتبة وسام سليمان فى مطلع هذا القرن هن البنات المصريات خاصة، والعربيات عامةً، فليس اجمل من ان تشاهدى نفسك بفيلم من اخراج شاعر الواقعية وتأليف ساحرتها، ايا كان موقعك فى تلك الشريحة، سواء كنتى فتاة الطبقة العاملة القاهرية، او الفتاة الصعيدية الساذجة الباحثة عن الحب، او الفتاة المتحررة دارسة الفن، او الفتاة الشعبية الرومانسية، او حتى لم تكونى احداهن، فإنك قطعاً ستجدى بكل نموذج منهن كثير من الملامح التى تشبهك، والهواجس التى تشغلك، والاحاسيس التى تثقلك، أحلام ضائعة، وواقع باطش، ومشاعر مع وقف التنفيذ، ونقطة ضوء وسط ظلام دامس تسيرين نحوها بخطى غير واثقة فى جدوى الرحلة التى لا تجدين بديل عن خوضها، او عزاء عن عدم خوضها سوى فى اغنية لليلى مراد او فيلم لسعاد حسنى، او رقصة على ايقاع أغنية لفرقة "المصريين" تؤكد لك كلماتها ان كل شىء على ما يرام.

 أتى فيلم فتاة المصنع ليتوج ذلك الارتباط الوجدانى -قبل اى شىء- بين الكاتبة والمخرج على قمة النضج السينمائى المصرى فى السنوات الأخيرة، من خلال قصة "هيام" عاملة مصنع الملابس، تلك الشابة الصغيرة الحالمة التى يوقعها تأثرها برومانسية أفلام سعاد حسنى وحقها الانسانى بأن تحب فى صدام مع واقعها الطبقى والثقافى والقيمى، وذلك عندما تغرم بالمهندس الشاب "صلاح" أحد شباب الطبقة المتوسطة والذى يُشرف على عملها بالمصنع، وتقودها غريزتها الرومانسية المبالغ فيها لفعل المستحيل للفت انتباهه الى مشاعرها الوليدة والمتصاعدة بفضل الوهم، وبفضل لا انتمائيتها لواقعها المزعج ورغبتها الطفولية فى التحليق بعيداً عن صديقاتها المشاكسات وعائلتها الفظة، وشارعها الصاخب المشحون بالعنف، وأغانى التكاتك التى تطاردها أينما تذهب، وباقى عوامل القبح التى تحاصرها. رغم ذلك لم تكن رغبتها فى التحليق بعيداً شديدة التطرف، فقد كان يكفيها قبلة رقيقة تلامس شفتاها كقبلة شكرى سرحان وسعاد حسنى، او اختلاس صورة لحبيبها من طرف واحد، او اهدائه كمية لا بأس بها من الجبن القريش تخفيفاً على مصرانه الأعور المصاب كلافتة تعتبر قمة فى التعبير عن طموحها الرومانسى البسيط، وكأنشطة كفيلة بتحويل لون حياتها "بمبى بمبى" كما عرفت من الأفلام، لكن الحياة لم تكن كالأفلام.

الفيلم يسحب روحك معه منذ البداية بايقاع مناسب وحس مبهج وصورة مُفعمة بالحياة، ولكن مع منتصف زمن الفيلم تشعر انه قلب مسلسل "الحقيقة والسراب"!، لدرجة تجعلك -إذا كنت احد مهاويس السينما مثل كاتب هذه السطور- تصاب بوسواس سينمائى يصور لك انك قد تعرضت لعملية نصب من دار العرض وأنهم يعرضون الفيلم الخطأ .. خواطر قد تنتابك ان هذا بالتأكيد ليس فيلم للعبقرى محمد خان، من المستحيل ان يكون الرجل قد أفلس لدرجة ان يُعيد تدوير قصص العذرية التى أكل عليها الفن وشرب، ولكن على أى حال فإن الشغف السينمائى وتفاصيل الصورة وتعقيد العلاقات والابداع السردى هو ما سيجبرك على مواصلة المشاهدة باستمتاع؛ حتى تكتشف فى النهاية ان الأمر لم يكن كما ظننت، وان ما حدث فى منتصف الفيلم كان مجرد إنذار كاذب أطلقته وسام سليمان لتدلل به على رؤية اجتماعية اكثر عمقاً مما بدا عليه الأمر، ومحفز درامى للكشف عن أبعاد ووجهات جديدة للشخصيات.

"كويس انك عارفة انها ما كانتش اكتر من بوسة"
فى رأيى ان تلك الجملة هى أهم جمل الفيلم، وكانت على لسان المهندس "صلاح" أثناء المواجهة التى تمت بينه وبين "هيام" فى مقهى "جروبى"، كل شىء يدور حول هذه الجملة، حتى الانذار الكاذب الذى اطلقته سليمان فى منتصف الفيلم صنع تمهيداً لتلك المواجهة وتلك الجملة الحوارية، التى يتضح مغزاها أكثر قبل نهاية الفيلم. انها المقارنة بين موقفين غير متشابهين عند جميع شخصيات الفيلم، ماعدا "هيام"، هى الوحيدة التى لم ترى فرقاً جوهرياً بين قبلة العشق وما اهو أكثر، فى قاموسها البرىء الشيئان يعبران عن نفس الموقف ونفس الالتزامات. ساهمت تلك المقارنة وذلك التباين فى الرؤى فى اثراء الفيلم موضوعياً، كما قدمت خطاب إدانة ذكى لنفاق وفساد وخلل معايير المجتمع بطبقتيه الوسطى المتمثلة فى "صلاح"، والطبقة الفقيرة المتمثلة فى المحيطين بـ "هيام". فعندما يقع الحب بين سندان الجبن ومطرقة الجهل، تفقد المفاهيم معناها ويقع ذوى القلوب الصادقة فى فخ قواعد متعسفة يفرضها مجتمع مريض كانت "هيام" ضحيته.

الصورة فى أفلام خان دائماً مختلفة، فهذا الرجل لديه مخزون بصرى حقيقى يجعله لا يلجأ لتقديم المكان بمرجعيته السينمائية التقليدية بل بنظرته شديدة الخصوصية لمجتمعه والتى لا تتصادم ابداً مع الحقيقة، فتجد حارة "الحريف" ليست كالحارة التقليدية التى عرفتها السينما المصرية، وريف "خرج ولم يعد" ليس كالريف التقليدى للسينما الذى تبنته لاحقاً مسلسلات السابعة والربع، كما كان المنزل فى "عودة مواطن" شديد الخصوصية، هذا ينبطق ايضاً على المصنع فى "فتاة المصنع" خاصة باللقطات شديدة الطزاجة التى صوّرت الممثلين داخل الدهاليز الضيقة للمصنع، ومكان تناولهم للطعام، فضلاً عن تصوير نهم تناول الطعام نفسه الذى ذكرنى بـ "خرج ولم يعد" رغم بساطة اصناف الطعام هذه المرة بالمقارنة، كما ذكرتنى القبلة بقبلة "بنات وسط البلد" بين خالد ابوالنجا ومنة شلبى التى وقعت داخل المطبخ ايضاً، مثلما جاء مشهد لحاق "صلاح" باتوبيس الرحلة ليحاكى مشهد لحاق خالد ابو النجا لغادة عادل فى "فى شقة مصر الجديدة". حسناً يمكننى الاختصار بقول ان خان مازال محتفظاً بسماته المميزة وبشبابه السينمائى، بل يزداد شباباً، ويعيد احياء ما تم اسقاطه بالتقادم، فمن كان يتصوّر ان يرى فيلماً من انتاج 2014 يتقابل بطليه فى مقهى كـ"جروبى"؟! وهذا بالطبع لم يمنعه المعاصرة وعدم التخاصم مع مستجدات الواقع، فمن كان يتصوّر ايضاً ان يرى مشهد احضار أهل فتاة لعشيقها فى "شوال" بفيلم للمخرج الأكثر رقة وشاعرية؟!

أفلام خان التمانيناتية شهدت لمسات ونزعات سياسية معادية للانفتاح والرأسمالية والقبح وتفسخ القيم وغيره، وكانت موظفة بشكل مُحكم ومُتسق مع عمومية الموضوع، تلك اللمسات غابت مع سلسلة افلامه الاخيرة مع وسام سليمان، حتى عادت مرة أخرى بهذا الفيلم أو لنقل بدأت، من خلال مشهد لمظاهرة يتمثل بها شعارات احتجاجات يناير 2011، من عيش وحرية وعدالة إجتماعية، فى محاولة لخلق نوع من التناغم بين مأساة البطلة والوضع السياسى، وفى رأيى انها لم تكن محاولة موفقة، وبدت مُقحمة وغير ذات صلة، حيث ان مأساة البطلة لم تكن السلطة سبب فيها بشكل مباشر او غير مباشر، بل ان المجتمع هو من قهرها.

تعطى "ياسمين رئيس" بدورها فى هذا الفيلم روحاً جديدة للتمثيل فى السينما المصرية، اداءها شديد الصدق، لو راجعنا مشهد القبلة على سبيل المثال وراقبنا تزايد معدّل تنفسها الذى ظهر جلياً بانقباضات وانبساطات صدرها النحيل مع اقتراب القبلة فى موقف لطالما تمنته فى احلامها وافلامها، لادركنا اننا امام ممثلة محترفة فى تقمصها، لم تكن الشخصية كثيفة الملامح مثل شخصية خالتها التى ادتها "سلوى محمد على"، وربما كانت تلك هى النقطة، ربما قلة ملامح الشخصية كانت فى حد ذاتها من اهم ملامح الشخصية، لم تختلف باقى شخصيات الفيلم عنها فى جودة التصميم، ماعدا شخصية "صلاح" التى أتت أحادية ومتطرفة أنثوياً فى رؤيتها، وهذه أهم نقطة الضعف فى السيناريو.

مشهد النهاية وإن كان من أقوى مشاهد النهايات فى تاريخ السينما المصرية على المستوى الجمالى والدرامى، فإنه على المستوى الفكرى به بعض الالتباس، حيث قد يفسره البعض على انه يمثل بذرة لثورة وتمرد أنثوي واعلان قوة، وقد يفسره البعض الآخر بانه تكريس لامتهان الأنثى وذلها حيث انه يحاكى الرقصة الشهيرة لسعاد حسنى فى "خلى بالك من زوزو" انقاذاً لأمها من المهانة، أما تفسيرى الشخصى فلم يبتعد كثيراً عن مشهد سعاد حسنى، ولكن ليس من منظور ان الرقص فى حد ذاته اهانة، بل من منظور انه يمثل عودة "هيام" الى فقاعة "سعاد حسنى" الرومانسية والتى كانت سبب رئيسى فى مأساتها من البداية، فى تمثيل لحلقة مفرغة من معاناة الأنثى الحالمة فى العالم القاسى والتى لن تنتهى بتلك البساطة.


تقييمى: 8/10

«فتاة المصنع» .. الحياة فيلم لسعاد حسنى

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:17 ص 1 تعليق


 أؤمن بأن اعظم الرابحين من علاقة الارتباط الفنى والحياتى التى نشأت بين المخرج محمد خان والكاتبة وسام سليمان فى مطلع هذا القرن هن البنات المصريات خاصة، والعربيات عامةً، فليس اجمل من ان تشاهدى نفسك بفيلم من اخراج شاعر الواقعية وتأليف ساحرتها، ايا كان موقعك فى تلك الشريحة، سواء كنتى فتاة الطبقة العاملة القاهرية، او الفتاة الصعيدية الساذجة الباحثة عن الحب، او الفتاة المتحررة دارسة الفن، او الفتاة الشعبية الرومانسية، او حتى لم تكونى احداهن، فإنك قطعاً ستجدى بكل نموذج منهن كثير من الملامح التى تشبهك، والهواجس التى تشغلك، والاحاسيس التى تثقلك، أحلام ضائعة، وواقع باطش، ومشاعر مع وقف التنفيذ، ونقطة ضوء وسط ظلام دامس تسيرين نحوها بخطى غير واثقة فى جدوى الرحلة التى لا تجدين بديل عن خوضها، او عزاء عن عدم خوضها سوى فى اغنية لليلى مراد او فيلم لسعاد حسنى، او رقصة على ايقاع أغنية لفرقة "المصريين" تؤكد لك كلماتها ان كل شىء على ما يرام.

 أتى فيلم فتاة المصنع ليتوج ذلك الارتباط الوجدانى -قبل اى شىء- بين الكاتبة والمخرج على قمة النضج السينمائى المصرى فى السنوات الأخيرة، من خلال قصة "هيام" عاملة مصنع الملابس، تلك الشابة الصغيرة الحالمة التى يوقعها تأثرها برومانسية أفلام سعاد حسنى وحقها الانسانى بأن تحب فى صدام مع واقعها الطبقى والثقافى والقيمى، وذلك عندما تغرم بالمهندس الشاب "صلاح" أحد شباب الطبقة المتوسطة والذى يُشرف على عملها بالمصنع، وتقودها غريزتها الرومانسية المبالغ فيها لفعل المستحيل للفت انتباهه الى مشاعرها الوليدة والمتصاعدة بفضل الوهم، وبفضل لا انتمائيتها لواقعها المزعج ورغبتها الطفولية فى التحليق بعيداً عن صديقاتها المشاكسات وعائلتها الفظة، وشارعها الصاخب المشحون بالعنف، وأغانى التكاتك التى تطاردها أينما تذهب، وباقى عوامل القبح التى تحاصرها. رغم ذلك لم تكن رغبتها فى التحليق بعيداً شديدة التطرف، فقد كان يكفيها قبلة رقيقة تلامس شفتاها كقبلة شكرى سرحان وسعاد حسنى، او اختلاس صورة لحبيبها من طرف واحد، او اهدائه كمية لا بأس بها من الجبن القريش تخفيفاً على مصرانه الأعور المصاب كلافتة تعتبر قمة فى التعبير عن طموحها الرومانسى البسيط، وكأنشطة كفيلة بتحويل لون حياتها "بمبى بمبى" كما عرفت من الأفلام، لكن الحياة لم تكن كالأفلام.

الفيلم يسحب روحك معه منذ البداية بايقاع مناسب وحس مبهج وصورة مُفعمة بالحياة، ولكن مع منتصف زمن الفيلم تشعر انه قلب مسلسل "الحقيقة والسراب"!، لدرجة تجعلك -إذا كنت احد مهاويس السينما مثل كاتب هذه السطور- تصاب بوسواس سينمائى يصور لك انك قد تعرضت لعملية نصب من دار العرض وأنهم يعرضون الفيلم الخطأ .. خواطر قد تنتابك ان هذا بالتأكيد ليس فيلم للعبقرى محمد خان، من المستحيل ان يكون الرجل قد أفلس لدرجة ان يُعيد تدوير قصص العذرية التى أكل عليها الفن وشرب، ولكن على أى حال فإن الشغف السينمائى وتفاصيل الصورة وتعقيد العلاقات والابداع السردى هو ما سيجبرك على مواصلة المشاهدة باستمتاع؛ حتى تكتشف فى النهاية ان الأمر لم يكن كما ظننت، وان ما حدث فى منتصف الفيلم كان مجرد إنذار كاذب أطلقته وسام سليمان لتدلل به على رؤية اجتماعية اكثر عمقاً مما بدا عليه الأمر، ومحفز درامى للكشف عن أبعاد ووجهات جديدة للشخصيات.

"كويس انك عارفة انها ما كانتش اكتر من بوسة"
فى رأيى ان تلك الجملة هى أهم جمل الفيلم، وكانت على لسان المهندس "صلاح" أثناء المواجهة التى تمت بينه وبين "هيام" فى مقهى "جروبى"، كل شىء يدور حول هذه الجملة، حتى الانذار الكاذب الذى اطلقته سليمان فى منتصف الفيلم صنع تمهيداً لتلك المواجهة وتلك الجملة الحوارية، التى يتضح مغزاها أكثر قبل نهاية الفيلم. انها المقارنة بين موقفين غير متشابهين عند جميع شخصيات الفيلم، ماعدا "هيام"، هى الوحيدة التى لم ترى فرقاً جوهرياً بين قبلة العشق وما اهو أكثر، فى قاموسها البرىء الشيئان يعبران عن نفس الموقف ونفس الالتزامات. ساهمت تلك المقارنة وذلك التباين فى الرؤى فى اثراء الفيلم موضوعياً، كما قدمت خطاب إدانة ذكى لنفاق وفساد وخلل معايير المجتمع بطبقتيه الوسطى المتمثلة فى "صلاح"، والطبقة الفقيرة المتمثلة فى المحيطين بـ "هيام". فعندما يقع الحب بين سندان الجبن ومطرقة الجهل، تفقد المفاهيم معناها ويقع ذوى القلوب الصادقة فى فخ قواعد متعسفة يفرضها مجتمع مريض كانت "هيام" ضحيته.

الصورة فى أفلام خان دائماً مختلفة، فهذا الرجل لديه مخزون بصرى حقيقى يجعله لا يلجأ لتقديم المكان بمرجعيته السينمائية التقليدية بل بنظرته شديدة الخصوصية لمجتمعه والتى لا تتصادم ابداً مع الحقيقة، فتجد حارة "الحريف" ليست كالحارة التقليدية التى عرفتها السينما المصرية، وريف "خرج ولم يعد" ليس كالريف التقليدى للسينما الذى تبنته لاحقاً مسلسلات السابعة والربع، كما كان المنزل فى "عودة مواطن" شديد الخصوصية، هذا ينبطق ايضاً على المصنع فى "فتاة المصنع" خاصة باللقطات شديدة الطزاجة التى صوّرت الممثلين داخل الدهاليز الضيقة للمصنع، ومكان تناولهم للطعام، فضلاً عن تصوير نهم تناول الطعام نفسه الذى ذكرنى بـ "خرج ولم يعد" رغم بساطة اصناف الطعام هذه المرة بالمقارنة، كما ذكرتنى القبلة بقبلة "بنات وسط البلد" بين خالد ابوالنجا ومنة شلبى التى وقعت داخل المطبخ ايضاً، مثلما جاء مشهد لحاق "صلاح" باتوبيس الرحلة ليحاكى مشهد لحاق خالد ابو النجا لغادة عادل فى "فى شقة مصر الجديدة". حسناً يمكننى الاختصار بقول ان خان مازال محتفظاً بسماته المميزة وبشبابه السينمائى، بل يزداد شباباً، ويعيد احياء ما تم اسقاطه بالتقادم، فمن كان يتصوّر ان يرى فيلماً من انتاج 2014 يتقابل بطليه فى مقهى كـ"جروبى"؟! وهذا بالطبع لم يمنعه المعاصرة وعدم التخاصم مع مستجدات الواقع، فمن كان يتصوّر ايضاً ان يرى مشهد احضار أهل فتاة لعشيقها فى "شوال" بفيلم للمخرج الأكثر رقة وشاعرية؟!

أفلام خان التمانيناتية شهدت لمسات ونزعات سياسية معادية للانفتاح والرأسمالية والقبح وتفسخ القيم وغيره، وكانت موظفة بشكل مُحكم ومُتسق مع عمومية الموضوع، تلك اللمسات غابت مع سلسلة افلامه الاخيرة مع وسام سليمان، حتى عادت مرة أخرى بهذا الفيلم أو لنقل بدأت، من خلال مشهد لمظاهرة يتمثل بها شعارات احتجاجات يناير 2011، من عيش وحرية وعدالة إجتماعية، فى محاولة لخلق نوع من التناغم بين مأساة البطلة والوضع السياسى، وفى رأيى انها لم تكن محاولة موفقة، وبدت مُقحمة وغير ذات صلة، حيث ان مأساة البطلة لم تكن السلطة سبب فيها بشكل مباشر او غير مباشر، بل ان المجتمع هو من قهرها.

تعطى "ياسمين رئيس" بدورها فى هذا الفيلم روحاً جديدة للتمثيل فى السينما المصرية، اداءها شديد الصدق، لو راجعنا مشهد القبلة على سبيل المثال وراقبنا تزايد معدّل تنفسها الذى ظهر جلياً بانقباضات وانبساطات صدرها النحيل مع اقتراب القبلة فى موقف لطالما تمنته فى احلامها وافلامها، لادركنا اننا امام ممثلة محترفة فى تقمصها، لم تكن الشخصية كثيفة الملامح مثل شخصية خالتها التى ادتها "سلوى محمد على"، وربما كانت تلك هى النقطة، ربما قلة ملامح الشخصية كانت فى حد ذاتها من اهم ملامح الشخصية، لم تختلف باقى شخصيات الفيلم عنها فى جودة التصميم، ماعدا شخصية "صلاح" التى أتت أحادية ومتطرفة أنثوياً فى رؤيتها، وهذه أهم نقطة الضعف فى السيناريو.

مشهد النهاية وإن كان من أقوى مشاهد النهايات فى تاريخ السينما المصرية على المستوى الجمالى والدرامى، فإنه على المستوى الفكرى به بعض الالتباس، حيث قد يفسره البعض على انه يمثل بذرة لثورة وتمرد أنثوي واعلان قوة، وقد يفسره البعض الآخر بانه تكريس لامتهان الأنثى وذلها حيث انه يحاكى الرقصة الشهيرة لسعاد حسنى فى "خلى بالك من زوزو" انقاذاً لأمها من المهانة، أما تفسيرى الشخصى فلم يبتعد كثيراً عن مشهد سعاد حسنى، ولكن ليس من منظور ان الرقص فى حد ذاته اهانة، بل من منظور انه يمثل عودة "هيام" الى فقاعة "سعاد حسنى" الرومانسية والتى كانت سبب رئيسى فى مأساتها من البداية، فى تمثيل لحلقة مفرغة من معاناة الأنثى الحالمة فى العالم القاسى والتى لن تنتهى بتلك البساطة.


تقييمى: 8/10

1 التعليقات:


ثانى فيلم أشاهده من انتاج العام الماضى ويعتمد على الفكرة السردية لحكايات منفصلة-متصلة عن طريق التلاحم الدائرى، فبجانب الفيلم الإيرانى الجميل "اكريد"، أتى الفيلم الصينى "لمسة خطيئة" للمخرج والسيناريست "جيا زانكيى"، ليقدم نفس الأسلوب المميز ولكن بمضمون أعمق وأجرأ استطاع ان ينافس به على السعفة الذهبية الأخيرة لمهرجان "كان"، وحصل على جائزة أفضل سيناريو من نفس المهرجان.

"لمسة خطيئة" بجانب كونه فيلم شيّق، وأحياناً خاطف للأنفاس، وكثيراً ثرى بصرياً، فهو ايضاً صادم على المستوى المجتمعى والانسانى. المستوى الاول لفهم الفيلم هو انه رصد وتصوير لحالات العنف المركبة التى تجتاح المجتمع الصينى فى الفترة الاخيرة، خاصة وان صانع الفيلم صرح بأنه قد استمد الافكار العامة للجرائم المرتكبة فى فيلمه عن طريق قراءاته لمدونات حوادث قد حدثت بالفعل، قدمها هو بشكل فنى اقرب للمدرسة التارنتيناوية التى من أهم قواعدها ان يُقتل الأوغاد. أما المستوى الثانى للفهم فقد رأيته على انه حنين لاشتراكية ماو، وصرخة ظلم فى وجه الصعود الرأسمالى المعاصر، ليس مهماً ان توافق صانع الفيلم على المضمون الذى يقصده، ما يهم هو كيف أتم بلورة نقطته وإخضاعها للمبادىء الفنية، وفى رأيى انه قد نجح فى ذلك.

من خلال أربعة قصص، بداية من عامل المنجم الذى يحتج على اسلوب حياة صاحب العمل الفاحش ثراءً، فيتم ضربه واهانته وجعله اضحوكة الجميع فى قريته الصغيرة، ثم سائق الدراجة البخارية المعدوم مادياً ولكن يهوى اقتناء المسدسات والذى يعود الى منزل عائلته فى عيد ميلاد أمه، إلى المرأة العاملة فى قسم الاستقبال لنادى صحى وعلى علاقة غرامية مع رجل متزوج، ووصولاً الى الشاب الذى يهرب من عمله بأحد المصانع بعد ان الزمه مديره بدفع مرتبه الى زميله المصاب ليسافر بلدة أخرى ويعمل كنادل بأحد الفنادق ويقع فى غرام احدى عاهرات الفندق.

كانت هنالك روابط استحيائية للخطوط الاربعة، متعلقة احياناً بتصادف الاماكن، واحيان أخرى بالمضمون الفكرى والرمزى للعمل، ولكنهم اشتركوا دائماً فى مأساوية وبشاعة النهايات. أضعف الخطوط فى رأيى وأقلها اتساقاً مع الفكرة العامة هو الخط الثانى لسائق الدراجة البخارية، أما الأقوى فهو الخط الثالث لسيدة النادى الصحى (التى قامت بدورها زوجة المخرج)؛ لأنه جاء شديد الشحن والتواصل والواقعية والدراماتيكية، وكانت الشخصية مكتوبة بشكل اكثر اتزاناً وأصدق فيما تتعرض له من مواقف تمس العاطفة. لا استطيع الجزم بأن زانكىى كان متعاطف مع شخصياته تمام التعاطف، او يحاول تبرير افعالهم، لكن تعاطفه كان أكثر مع عبثية الحالة العامة.

قلت سابقاً ان الفيلم به حنين ملحوظ لعصر "ماو"، أوحي لى بذلك فى اللقطة التى يقوم فيها عامل المنجم بقتل مديره أسفل تمثال ضخم للزعيم الصينى، كما تم تقديم الاغنياء واصحاب الاعمال بصورة شديدة الاستغلال، وتصوير الطبقة العاملة بأنها ضحية ذلك الاستغلال وتلك السياسات الاقتصادية والطبقية والاجتماعية -واحياناً الجنسية- غير العادلة، لقطات كثيرة لعمال المصانع وبخلفيتها موسيقى شجنة، بدا فيها وكأن النظرية الشهيرة لتحويل الانسان الى ترس فى آلة أصبحت الواقع (بغض النظر عن اتفاقك او اختلافك مع هذا فهو نجح فى تصويره)، بل  ووصل فى تصويره لامتهان الطبقة العاملة بتشبيهها بالحيوانات، ظهر ذلك خلال المشهد الرائع لعاملة النادى وهى ترفض ممارسة الجنس مقابل المال؛ فيضربها الرجل الثرى بطريقة اقرب لصفع الخيول بالسوط، وهو المحاكاة البشرية للمشهد الذى أدى بعامل المنجم لقتل صافع الخيل اثناء ثورته على رأس المال فى بداية الفيلم، كما فعلت عاملة النادى مع مغتصبها بعد محادثة سريعة مع زميلة عملها حول الحقيقة العلمية بأن الحيوانات ايضاً تنتحر، ليتم الخط الرابع بانتحار بطله، مع بعض اللقطات لقطع الماشية على مدار الفيلم.

ينتهى الفيلم بلقطة لجمهور من الطبقة العاملة يشاهد بامعان مسرحية شعبية يدور موضوعها حول الظلم، وجوههم تشبه ابطالنا الاربعة، وربما مصائرهم، لكنهم اكتفوا بالمشاهدة! الفيلم متميز بكافة عناصره ويستحق المشاهدة.

تقييمى: 8/10

«لمسة خطيئة» .. أربعة حكايات عن العنف

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  1:50 ص 0 تعليقات


ثانى فيلم أشاهده من انتاج العام الماضى ويعتمد على الفكرة السردية لحكايات منفصلة-متصلة عن طريق التلاحم الدائرى، فبجانب الفيلم الإيرانى الجميل "اكريد"، أتى الفيلم الصينى "لمسة خطيئة" للمخرج والسيناريست "جيا زانكيى"، ليقدم نفس الأسلوب المميز ولكن بمضمون أعمق وأجرأ استطاع ان ينافس به على السعفة الذهبية الأخيرة لمهرجان "كان"، وحصل على جائزة أفضل سيناريو من نفس المهرجان.

"لمسة خطيئة" بجانب كونه فيلم شيّق، وأحياناً خاطف للأنفاس، وكثيراً ثرى بصرياً، فهو ايضاً صادم على المستوى المجتمعى والانسانى. المستوى الاول لفهم الفيلم هو انه رصد وتصوير لحالات العنف المركبة التى تجتاح المجتمع الصينى فى الفترة الاخيرة، خاصة وان صانع الفيلم صرح بأنه قد استمد الافكار العامة للجرائم المرتكبة فى فيلمه عن طريق قراءاته لمدونات حوادث قد حدثت بالفعل، قدمها هو بشكل فنى اقرب للمدرسة التارنتيناوية التى من أهم قواعدها ان يُقتل الأوغاد. أما المستوى الثانى للفهم فقد رأيته على انه حنين لاشتراكية ماو، وصرخة ظلم فى وجه الصعود الرأسمالى المعاصر، ليس مهماً ان توافق صانع الفيلم على المضمون الذى يقصده، ما يهم هو كيف أتم بلورة نقطته وإخضاعها للمبادىء الفنية، وفى رأيى انه قد نجح فى ذلك.

من خلال أربعة قصص، بداية من عامل المنجم الذى يحتج على اسلوب حياة صاحب العمل الفاحش ثراءً، فيتم ضربه واهانته وجعله اضحوكة الجميع فى قريته الصغيرة، ثم سائق الدراجة البخارية المعدوم مادياً ولكن يهوى اقتناء المسدسات والذى يعود الى منزل عائلته فى عيد ميلاد أمه، إلى المرأة العاملة فى قسم الاستقبال لنادى صحى وعلى علاقة غرامية مع رجل متزوج، ووصولاً الى الشاب الذى يهرب من عمله بأحد المصانع بعد ان الزمه مديره بدفع مرتبه الى زميله المصاب ليسافر بلدة أخرى ويعمل كنادل بأحد الفنادق ويقع فى غرام احدى عاهرات الفندق.

كانت هنالك روابط استحيائية للخطوط الاربعة، متعلقة احياناً بتصادف الاماكن، واحيان أخرى بالمضمون الفكرى والرمزى للعمل، ولكنهم اشتركوا دائماً فى مأساوية وبشاعة النهايات. أضعف الخطوط فى رأيى وأقلها اتساقاً مع الفكرة العامة هو الخط الثانى لسائق الدراجة البخارية، أما الأقوى فهو الخط الثالث لسيدة النادى الصحى (التى قامت بدورها زوجة المخرج)؛ لأنه جاء شديد الشحن والتواصل والواقعية والدراماتيكية، وكانت الشخصية مكتوبة بشكل اكثر اتزاناً وأصدق فيما تتعرض له من مواقف تمس العاطفة. لا استطيع الجزم بأن زانكىى كان متعاطف مع شخصياته تمام التعاطف، او يحاول تبرير افعالهم، لكن تعاطفه كان أكثر مع عبثية الحالة العامة.

قلت سابقاً ان الفيلم به حنين ملحوظ لعصر "ماو"، أوحي لى بذلك فى اللقطة التى يقوم فيها عامل المنجم بقتل مديره أسفل تمثال ضخم للزعيم الصينى، كما تم تقديم الاغنياء واصحاب الاعمال بصورة شديدة الاستغلال، وتصوير الطبقة العاملة بأنها ضحية ذلك الاستغلال وتلك السياسات الاقتصادية والطبقية والاجتماعية -واحياناً الجنسية- غير العادلة، لقطات كثيرة لعمال المصانع وبخلفيتها موسيقى شجنة، بدا فيها وكأن النظرية الشهيرة لتحويل الانسان الى ترس فى آلة أصبحت الواقع (بغض النظر عن اتفاقك او اختلافك مع هذا فهو نجح فى تصويره)، بل  ووصل فى تصويره لامتهان الطبقة العاملة بتشبيهها بالحيوانات، ظهر ذلك خلال المشهد الرائع لعاملة النادى وهى ترفض ممارسة الجنس مقابل المال؛ فيضربها الرجل الثرى بطريقة اقرب لصفع الخيول بالسوط، وهو المحاكاة البشرية للمشهد الذى أدى بعامل المنجم لقتل صافع الخيل اثناء ثورته على رأس المال فى بداية الفيلم، كما فعلت عاملة النادى مع مغتصبها بعد محادثة سريعة مع زميلة عملها حول الحقيقة العلمية بأن الحيوانات ايضاً تنتحر، ليتم الخط الرابع بانتحار بطله، مع بعض اللقطات لقطع الماشية على مدار الفيلم.

ينتهى الفيلم بلقطة لجمهور من الطبقة العاملة يشاهد بامعان مسرحية شعبية يدور موضوعها حول الظلم، وجوههم تشبه ابطالنا الاربعة، وربما مصائرهم، لكنهم اكتفوا بالمشاهدة! الفيلم متميز بكافة عناصره ويستحق المشاهدة.

تقييمى: 8/10

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top