جميع المواضيع


الطبقية تُعد عنصر شبه أساسى بأفلام المدارس الثانوية، وما يجعل هذه الطبقية مثيرة هو ان لها قوانينها الخاصة البعيدة كل البُعد عن معانى الطبقية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، فالأخيرة ترتكز فى الأساس على عوامل غير شخصية، عوامل يُهمّش فيها الدور الإنسانى ويطغى فى المقابل دور الصدفة البيولوجية (ظروف ولادة الإنسان)، التى تتحكم -غالباً- فى الطبقة الاقتصادية والاجتماعية التى ينتمى لها ذلك الإنسان. أما طبقية أفلام المدارس الثانوية فيطغى عليها العامل الإنسانى، سلوكياً وشعورياً ونفسياً وطبائعياً، فإن تصنيفك فى هذا النظام الطبقى لن تحدده ثروة من أنجبك وضمك بدوره لطبقته، بل سيتحدد بما تحب وما تكره؟، ومن تحب ومن تكره؟، وكيف تحب وكيف تكره؟ .. وما يزيد هذا النظام الطبقى إثارة هو ذلك التحدى الإجبارى الذى ستواجهه رغماً عنك، والتحدى هو إلى أى مدى ستتوافق أجوبتك على الأسئلة السابقة مع مقاييس ظالمة وتعسفية تبناها هذا النظام فى ظروف غامضة، وقام من خلالها بالحكم على المنتمين واللا منتمين، ليضع كل فرد منهم أمام التحدى الأكبر .. هل ستكون نفسك فتترك النظام ليصنفك كما شاء وفى الغالب سيهمشك؟، أم تنحى ذاتيتك جانباً وتسير مع الجماعة وفق المقاييس فيكافئك النظام بموقع طبقى متميز يطل على واجهة مضيئة تنظر من خلالها للآخرين بحس تفوق زائف؟! .. إنها جدلية الفرد والجماعة الشهيرة، التى لم ينجح فى تجسيدها فنياً أكثر من أفلام المدارس الثانوية، بإختلاف مستوياتها، وبتفاوت مقدار عمقها وجديتها فى تناول هذه التيمة.

وبالحديث عن الجدية والعمق، فإنى لم أشاهد، حتى الآن، فيلم مدرسة ثانوية يضاهى هذا الفيلم اليابانى، سواء بعمقه او بلغته السينمائية الغامضة غموض السحر، ربما ما يدور فى قشرته الفوقية تقليدى من حيث القصة، ولكن هناك شىء خاطف من الصعب تحديده، ربما هو ذلك المناخ التنويمى الذى يخلط بين الفعل والتأمل فى سلاسة، وربما هو أسلوب السرد الذى يعيد نفس الأحداث مراراً ولكن بتنوع وجهات نظر الشخصيات، وربما هى المدرسة نفسها بثراء انشطتها المبالغ فيه لدرجة تجعلها مكان مثالى لاستخلاص دراما مفعمة بالجاذبية.

تبدأ أحداث الفيلم عندما يتغيّب الطالب الأكثر شعبية "كيريشيما" عن المدرسة، فنشاهد رد فعل زملاءه حول هذا الغياب، بداية من زملاءه فى فريق الكرة الطائرة، فـ "كيريشيما" هو اللاعب الأبرز بالفريق المدرسى، وهى أيضاً الرياضة الأكثر شعبية فى المدرسة ويتجمع حولها الأغلبية طامحين فى موقع طبقى مدرسى وجيه. وفى هذه الأجواء المترقبة لعودة "كيريشيما" نتعرف على باقى شخصيات الصف الدراسى المنتمى له، سواء الطلبة الشعبيين او الفتيات المشاكسات، او زهور الحائط (الطلبة المنبوذين)، ونرى كيف يرى كل منهم الآخر من منظوره. وكانت الشخصيات الأبرز بالطبع للطلبة المنبوذين زهور الحائط، خاصة شخصية "مايدا" الذى يصنع الأفلام مع زملاءه من الطلبة المهمشين فى نادى الأفلام المدرسى ويتقبل، بقلة حيلة، سخرية باقى الطلبة من عنوان الفيلم الذى صنعه ونال به مراكز متقدمة فى المسابقة المحلية .. "لقد جففت دمعتك الساخنة"، ذلك كان عنوان الفيلم! وهناك أيضاً شخصية "شيورى" تلك الفتاة الوحيدة دائماً، والتى تجلس فى الصف الدراسى خلف "هيروكى" مباشرةً، وتختلس النظر اليه كثيراً بإعجاب دون أن يدرى، فهو مشغول مع فتاة أخرى هى "سانا" احدى الفتيات المشاكسات وهى الفئة التى تعد المقابل اليابانى لزعيمات المشجعات فى الأفلام الأمريكية.

ما كان يجمع أغلب الشخصيات هو الكبت الذاتى، كل منهم لا يستطيع ان يكون نفسه، أن يفعل ما يريد، وليس ما تريده الفئة التى هو عضو بها، كلهم اتخذ من مجموعته مصدر للونس والدعم، حتى لو جاء ذلك على حساب حلمه، ان جميعهم يتطلع لـ "كيريشيما" الغائب، فهو رمز الوجاهة الوهمية، وهم بدورهم يسيرون وراء هذا الوهم، أحدهم يفضل رياضة كرة السلة ولكن يمارس الطائرة لأنها الأكثر شعبية ووجاهة، وأحدهم على علاقة بفتاة لا يحبها لأنها الأكثر شعبية ووجاهة، وإحداهن معجبة بالفتى المنبوذ وتتودد له سراً، ولكنها تقتل ذلك الاحساس بداخلها وتتطلع نحو فتى آخر أكثر شعبية، ولا تجد غضاضة فى مشاركة زميلاتها الحديث بتهكم وسوء عن ذلك الفتى المنبوذ الذى تحبه، حتى لا تنبذها مجموعتها. إن جميعهم واقع تحت سطوة الجماعة التى تمحى شخصية الفرد. أما ما كان يميز شخصيتى "مايدا" و"شيورى"، هو الرغبة العازمة فى التمرد، فتجد الأخيرة تقف أعلى نقطة بسطح المدرسة لتعزف آلة الساكسفون وكأنها طائر يغرد خارج السرب، وتجد الأول يجاهد من أجل صنع فيلم يعبّر عن طموحاته وذوقه الشخصى بعيداً عن تعليمات المدرس الذى يشرف على نشاط الأفلام بالمدرسة.

"غرباء الأطوار هم أنتم" 
هكذا كان رد "مايدا" على زملاءه الشعبيين قبل نهاية الفيلم بقليل، فى مشهد مواجهة Confrontation من أفضل ما يكون، إنها لحظة الإنفجار الكبرى، وهو مشهد يحتوى على عديد من عناصر الجمال التى عرفها فن السينما: أولاً الرمزية، حيث يركض الطلبة الشعبيين بحماس شديد وراء الوهم المتمثل فى "كيريشيما" وفى طريقهم يفسدون حياة الآخرين ممن يرغبون ببعض الاستقلالية والفردية. ثانياً الإنفعالية، فهو مشهد يخرق قانون مشاهد المواجهات بعدم توقفه على التعبير عن المشاعر من خلال الدراما فقط بل من خارجها أيضاً، بداية من خلفية المقطوعة الموسيقية التى تعزفها "شيورى"، ومروراً بخيال "مايدا" السينمائى الذى أسقط المواجهة على أحدمشاهد فيلمه المفضل، وصولاً إلى المنهجية؛ حيث يخلط مخرج الفيلم "دايهاشو يوشيدا" بين الواقعية والسيريالية ببساطة شديدة أضافت للصورة شكلياً وشعورياً. ثالثاً، تطور الشخصيات، فلأول مرة نرى "مايدا" فى حالة ثورة وتمرد وصدام مع الجماعة، ولأول مرة نرى "هيروكى" يعيد تفكيره بأمر الشللية ويقرر الخروج عنها، ولأول مرة نرى "كازومى" ترفض هجوم زميلاتها على "مايدا" وتقوم بصفع زميلتها "سانا" على وجهها، وبالطبع هى المرة الأولى التى نرى "شيورى" وقد استردت ثقتها بنفسها بعد اداءها الموسيقى الجيد. حتى يلخص "كيريشيما" مضمون الفيلم برسالة أرسلها لهيروكى.

تم ترشيح الفيلم لعدة جوائز فى مسابقة الأكاديمية اليابانية والتى تعادل الأوسكار الأمريكى، فاز منها بجائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو، وهو واحد من أفضل إنتاجات عام 2012 التى رأيتها على الإطلاق.


تقييمى: 9/10

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt2142797/

The Kirishima Thing .. جدلية الفرد والجماعة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:46 ص 1 تعليق


الطبقية تُعد عنصر شبه أساسى بأفلام المدارس الثانوية، وما يجعل هذه الطبقية مثيرة هو ان لها قوانينها الخاصة البعيدة كل البُعد عن معانى الطبقية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، فالأخيرة ترتكز فى الأساس على عوامل غير شخصية، عوامل يُهمّش فيها الدور الإنسانى ويطغى فى المقابل دور الصدفة البيولوجية (ظروف ولادة الإنسان)، التى تتحكم -غالباً- فى الطبقة الاقتصادية والاجتماعية التى ينتمى لها ذلك الإنسان. أما طبقية أفلام المدارس الثانوية فيطغى عليها العامل الإنسانى، سلوكياً وشعورياً ونفسياً وطبائعياً، فإن تصنيفك فى هذا النظام الطبقى لن تحدده ثروة من أنجبك وضمك بدوره لطبقته، بل سيتحدد بما تحب وما تكره؟، ومن تحب ومن تكره؟، وكيف تحب وكيف تكره؟ .. وما يزيد هذا النظام الطبقى إثارة هو ذلك التحدى الإجبارى الذى ستواجهه رغماً عنك، والتحدى هو إلى أى مدى ستتوافق أجوبتك على الأسئلة السابقة مع مقاييس ظالمة وتعسفية تبناها هذا النظام فى ظروف غامضة، وقام من خلالها بالحكم على المنتمين واللا منتمين، ليضع كل فرد منهم أمام التحدى الأكبر .. هل ستكون نفسك فتترك النظام ليصنفك كما شاء وفى الغالب سيهمشك؟، أم تنحى ذاتيتك جانباً وتسير مع الجماعة وفق المقاييس فيكافئك النظام بموقع طبقى متميز يطل على واجهة مضيئة تنظر من خلالها للآخرين بحس تفوق زائف؟! .. إنها جدلية الفرد والجماعة الشهيرة، التى لم ينجح فى تجسيدها فنياً أكثر من أفلام المدارس الثانوية، بإختلاف مستوياتها، وبتفاوت مقدار عمقها وجديتها فى تناول هذه التيمة.

وبالحديث عن الجدية والعمق، فإنى لم أشاهد، حتى الآن، فيلم مدرسة ثانوية يضاهى هذا الفيلم اليابانى، سواء بعمقه او بلغته السينمائية الغامضة غموض السحر، ربما ما يدور فى قشرته الفوقية تقليدى من حيث القصة، ولكن هناك شىء خاطف من الصعب تحديده، ربما هو ذلك المناخ التنويمى الذى يخلط بين الفعل والتأمل فى سلاسة، وربما هو أسلوب السرد الذى يعيد نفس الأحداث مراراً ولكن بتنوع وجهات نظر الشخصيات، وربما هى المدرسة نفسها بثراء انشطتها المبالغ فيه لدرجة تجعلها مكان مثالى لاستخلاص دراما مفعمة بالجاذبية.

تبدأ أحداث الفيلم عندما يتغيّب الطالب الأكثر شعبية "كيريشيما" عن المدرسة، فنشاهد رد فعل زملاءه حول هذا الغياب، بداية من زملاءه فى فريق الكرة الطائرة، فـ "كيريشيما" هو اللاعب الأبرز بالفريق المدرسى، وهى أيضاً الرياضة الأكثر شعبية فى المدرسة ويتجمع حولها الأغلبية طامحين فى موقع طبقى مدرسى وجيه. وفى هذه الأجواء المترقبة لعودة "كيريشيما" نتعرف على باقى شخصيات الصف الدراسى المنتمى له، سواء الطلبة الشعبيين او الفتيات المشاكسات، او زهور الحائط (الطلبة المنبوذين)، ونرى كيف يرى كل منهم الآخر من منظوره. وكانت الشخصيات الأبرز بالطبع للطلبة المنبوذين زهور الحائط، خاصة شخصية "مايدا" الذى يصنع الأفلام مع زملاءه من الطلبة المهمشين فى نادى الأفلام المدرسى ويتقبل، بقلة حيلة، سخرية باقى الطلبة من عنوان الفيلم الذى صنعه ونال به مراكز متقدمة فى المسابقة المحلية .. "لقد جففت دمعتك الساخنة"، ذلك كان عنوان الفيلم! وهناك أيضاً شخصية "شيورى" تلك الفتاة الوحيدة دائماً، والتى تجلس فى الصف الدراسى خلف "هيروكى" مباشرةً، وتختلس النظر اليه كثيراً بإعجاب دون أن يدرى، فهو مشغول مع فتاة أخرى هى "سانا" احدى الفتيات المشاكسات وهى الفئة التى تعد المقابل اليابانى لزعيمات المشجعات فى الأفلام الأمريكية.

ما كان يجمع أغلب الشخصيات هو الكبت الذاتى، كل منهم لا يستطيع ان يكون نفسه، أن يفعل ما يريد، وليس ما تريده الفئة التى هو عضو بها، كلهم اتخذ من مجموعته مصدر للونس والدعم، حتى لو جاء ذلك على حساب حلمه، ان جميعهم يتطلع لـ "كيريشيما" الغائب، فهو رمز الوجاهة الوهمية، وهم بدورهم يسيرون وراء هذا الوهم، أحدهم يفضل رياضة كرة السلة ولكن يمارس الطائرة لأنها الأكثر شعبية ووجاهة، وأحدهم على علاقة بفتاة لا يحبها لأنها الأكثر شعبية ووجاهة، وإحداهن معجبة بالفتى المنبوذ وتتودد له سراً، ولكنها تقتل ذلك الاحساس بداخلها وتتطلع نحو فتى آخر أكثر شعبية، ولا تجد غضاضة فى مشاركة زميلاتها الحديث بتهكم وسوء عن ذلك الفتى المنبوذ الذى تحبه، حتى لا تنبذها مجموعتها. إن جميعهم واقع تحت سطوة الجماعة التى تمحى شخصية الفرد. أما ما كان يميز شخصيتى "مايدا" و"شيورى"، هو الرغبة العازمة فى التمرد، فتجد الأخيرة تقف أعلى نقطة بسطح المدرسة لتعزف آلة الساكسفون وكأنها طائر يغرد خارج السرب، وتجد الأول يجاهد من أجل صنع فيلم يعبّر عن طموحاته وذوقه الشخصى بعيداً عن تعليمات المدرس الذى يشرف على نشاط الأفلام بالمدرسة.

"غرباء الأطوار هم أنتم" 
هكذا كان رد "مايدا" على زملاءه الشعبيين قبل نهاية الفيلم بقليل، فى مشهد مواجهة Confrontation من أفضل ما يكون، إنها لحظة الإنفجار الكبرى، وهو مشهد يحتوى على عديد من عناصر الجمال التى عرفها فن السينما: أولاً الرمزية، حيث يركض الطلبة الشعبيين بحماس شديد وراء الوهم المتمثل فى "كيريشيما" وفى طريقهم يفسدون حياة الآخرين ممن يرغبون ببعض الاستقلالية والفردية. ثانياً الإنفعالية، فهو مشهد يخرق قانون مشاهد المواجهات بعدم توقفه على التعبير عن المشاعر من خلال الدراما فقط بل من خارجها أيضاً، بداية من خلفية المقطوعة الموسيقية التى تعزفها "شيورى"، ومروراً بخيال "مايدا" السينمائى الذى أسقط المواجهة على أحدمشاهد فيلمه المفضل، وصولاً إلى المنهجية؛ حيث يخلط مخرج الفيلم "دايهاشو يوشيدا" بين الواقعية والسيريالية ببساطة شديدة أضافت للصورة شكلياً وشعورياً. ثالثاً، تطور الشخصيات، فلأول مرة نرى "مايدا" فى حالة ثورة وتمرد وصدام مع الجماعة، ولأول مرة نرى "هيروكى" يعيد تفكيره بأمر الشللية ويقرر الخروج عنها، ولأول مرة نرى "كازومى" ترفض هجوم زميلاتها على "مايدا" وتقوم بصفع زميلتها "سانا" على وجهها، وبالطبع هى المرة الأولى التى نرى "شيورى" وقد استردت ثقتها بنفسها بعد اداءها الموسيقى الجيد. حتى يلخص "كيريشيما" مضمون الفيلم برسالة أرسلها لهيروكى.

تم ترشيح الفيلم لعدة جوائز فى مسابقة الأكاديمية اليابانية والتى تعادل الأوسكار الأمريكى، فاز منها بجائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو، وهو واحد من أفضل إنتاجات عام 2012 التى رأيتها على الإطلاق.


تقييمى: 9/10

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt2142797/

1 التعليقات:

 
تذهب الكاتبة والمخرجة الجورجية "نانا إيفتيمشفيلى" فى رحلة تنقيب لأهم لمحات ذكريات طفولتها لتنقلها الى الشاشة فى هيئة قصة تشبه فى منطقها القصصى منطق نميمة الصبية، والتى دائماً ما ترتكز على حدث يمكن تناقله فى ابسط صورة .. فمثلاً تلك الفتاة تواعد ذلك الشاب .. أو هذا الرجل يتخاطب مع العفاريت .. أو هذا المنزل يحوى العاهرات .. أو هذا الرجل يتاجر فى المخدرات سراً ...الخ، ذلك المنطق الذى لا يهتم بممهدات ما يحدث ولا توابعه قدر اهتمامه بما يحدث فقط .. هناك دائماً فعل، وهناك شخصيات موصومة بكل فعل، وإن كان الفعل وحده غير كافٍ لتأسيس دراما، فإن التشابك الممنهج للأفعال مع الشخصيات التى تقوم بها هو كافى.

والأجمل فى هذا الفيلم انه يجعلك كمتلقى تتابع تلك الأحداث بنفس المنطق، وكأنك أحد المراهقين الذين يتزاملون مع بطلتى الفيلم صفهن الدراسى، او يسكنون شارعهن الكئيب .. فيستمعون للحواديت المتناقلة هنا وهناك، عن تلك الفتاة التى يتم اختطافها فى وضح النهار ومن وسط لفيف من الناس دون ان يتدخل احدهم لانقاذها، او الرجل السكير الذى يضرب زوجته لأتفه الاسباب، او الرجل الذى قتل رجلاً آخراً ويقضى عقوبته فى السجن، او الفتاة التى تتزوج بالاجبار، او السوق الذى يستحله جنود الجيش، او الفتاة التى طردت من بيت زوجها لأنه اكتشف انها لم تكن عذراء حين تزوجته، او الشاب الذى قتل حبيب زوجته السابق بدم بارد فى فوضى النهار ...الخ.

تدور الأحداث عام 1992 بعد تفكك الإتحاد السوفيتى وإستقلال جورجيا من ناحية، وحيث الحرب الأهلية وعدم الإستقرار السياسى وحظر التجول من ناحية أخرى. لم يخبرنا مخرج الفيلم بالسياق الزمنى بشكل مباشر ولكن عبر بيانات الإذاعة المنبعثة على استحياء من راديوهات المدينة على مدار زمن الفيلم، وعبر قليل من الجمل الحوارية على ألسن الشخصيات. وانعكست حالة الفوضى وعدم الاستقرار التى تمر بها الدولة على الشخصيات أنفسهم.

للدرجة التى ربما تجعل من الأحداث مجرد تجسيد رمزى للوضع السياسى، فتشعر وكأن مرحلة مراهقة ونشأة البطلتين أقرب لنشأة وطفولة الدولة الجورجية فى مهدها، سواء بجنوح واندفاع "ناتيا" ضد زوجها "كوت"، او بعقلانية وإتزان "إيكا" التى تكره الحلول العنيفة،كما تشعر بأن تقارب "لادو" من روسيا، التى كان يذهب اليها لزيارة عمه، له علاقة بنهايته، ومن ثم بنهاية علاقة روسيا بجورجيا، وبالمثل كان "كوت" يرمز بقبحه للوجه المعادى لروسيا برسمه تلك النهاية لـ"لادو"، كما أن حنين "إيكا" لأبيها الذى يمثل عصر ما قبل التفكيك يرمز لحنين لهذا العصر .. نخرج من كل ذلك بأن هناك حالة عامة من الحنين الجورجى للإتحاد السوفييتى

ولكن قوة الفيلم لا تكمن فى جانبه السياسى الرمزى بل فيما يدور على السطح من القصة، انها لوحة صادقة ومميزة عن المراهقة، صحيح انها تتناول مشكلات المراهقة التقليدية، لكنها تتناولها من خلال شخصيات مرسومة بشكل أكثر تعقيداً مما اعتادت علي تقديمه أفلام المراهقين، أضاف لذلك المناخ القاسى الذى تدور به الأحداث، ذلك المناخ الذى تتميز به الأفلام القادمة من شرق أوروبا بصفة عامة، على صعيد الصورة أو الصوت، فيكفى أن مصوّر الفيلم هو نفسه مصوّر الفيلم الرومانى الشهير "4 أشهر، 3 أسابيع، ويومان".


أما على صعيد الصوت فتغيب الموسيقى بشكل شبه تام، يقطع هذا الغياب الموسيقى المنبعثة من واقع الفيلم نفسه، مثل تلك الأغنية الوجودية التى تغنت بها البطلات فى درس الموسيقى على ايقاع البيانو، ومعها الموسيقى الفولكلورية التى رقصت عليها "ايكا" فى حفل زفاف "ناتيا" فى مشهد بديع يعج بمعانى التحدى والتقزز والتمرد على ذلك واقع القبيح الذى يتهادى فيه الأحبة بآلات القتل. ولم يكسر قسوة مناخ الأحداث سوى تلك العلاقة العذبة التى جمعت بين الصديقتين، رغم الاختلافات بينهن فى الشكل والطباع والتطلعات.

تبدأ الأحداث فى التعقيد عندما يقوم "لادو" بإهداء مسدس إلى حبيبته "ناتيا" كى تدافع به عن نفسها، ذلك المسدس الذى يتم تناقله فى الفيلم عدة مرات بين عدة شخصيات وعدة أماكن، فى تعبير عن حيرة الشخصيات بين إختيارات قد تشكل مصير حياتهم، حتى ينحاز الفيلم فى نهايته الى معنى الحياة والتعايش بدلاً من الإنتقام والتناحر، وأن الظلم فى كثير من الأحيان يكون أفضل من الفوضى.

غلب على الصورة اللونين الأزرق والأسود بما يمثلانه من إيحائات بالدفء والكآبة، كما زادت جرعة اللقطات المقربة من الشخصيات خاصة فى المشاهد الداخلية، ما أعطى ايحاء بالضيق والحصار الذى تعيشه المدينة وشخصيات الفيلم، شاب الإيقاع بعض الفتور نتيجة لتسامح المونتاج مع طول بعض اللقطات غير المبرر، بينما وازن السيناريو بين التعبير بالصورة والتعبير بالحوار، وإتسم السرد بالتحفظ، فحتى آخر لقطة بالفيلم مازلنا نتلقى معلومات عن ماضى الشخصيات لم نكن نعرفها، ولكن رغم ذلك التحفظ لم يقع الفيلم فى فخ الملل من غياب الأحداث، بل من خلل مقادير المونتاج فى عرض تلك الأحداث. أعطت "ليكا بابلوانى" و "مريم بوكيريا" أداء تمثيلى اتسم بالتلقائية والعفوية، ووضعونا أمام مراهقتين حقيقيتين.

"فى الإزدهار" بذلك العنوان الساخر، يُعد تجربة سينمائية طازجة تستحق المتابعة وتسليط الضوء، وتبشر بصعود مخرجة واعدة لها رؤية مميزة للحياة.

تم عرض الفيلم فى القاهرة بالأمس على جدول "أسبوع أفلام شبكة ARTE" الذى يقيمه مشروع زاوية بسينما أوديون، وبإمكانكم متابعة صفحة المبادرة على هذا الرابط لمعرفة إن كان هنالك إمكانية لإعادة عرضه قريباً.


صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt2741806

In Bloom .. مُراهَقَة فتاتين وطفولة دولة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:37 م 0 تعليقات

 
تذهب الكاتبة والمخرجة الجورجية "نانا إيفتيمشفيلى" فى رحلة تنقيب لأهم لمحات ذكريات طفولتها لتنقلها الى الشاشة فى هيئة قصة تشبه فى منطقها القصصى منطق نميمة الصبية، والتى دائماً ما ترتكز على حدث يمكن تناقله فى ابسط صورة .. فمثلاً تلك الفتاة تواعد ذلك الشاب .. أو هذا الرجل يتخاطب مع العفاريت .. أو هذا المنزل يحوى العاهرات .. أو هذا الرجل يتاجر فى المخدرات سراً ...الخ، ذلك المنطق الذى لا يهتم بممهدات ما يحدث ولا توابعه قدر اهتمامه بما يحدث فقط .. هناك دائماً فعل، وهناك شخصيات موصومة بكل فعل، وإن كان الفعل وحده غير كافٍ لتأسيس دراما، فإن التشابك الممنهج للأفعال مع الشخصيات التى تقوم بها هو كافى.

والأجمل فى هذا الفيلم انه يجعلك كمتلقى تتابع تلك الأحداث بنفس المنطق، وكأنك أحد المراهقين الذين يتزاملون مع بطلتى الفيلم صفهن الدراسى، او يسكنون شارعهن الكئيب .. فيستمعون للحواديت المتناقلة هنا وهناك، عن تلك الفتاة التى يتم اختطافها فى وضح النهار ومن وسط لفيف من الناس دون ان يتدخل احدهم لانقاذها، او الرجل السكير الذى يضرب زوجته لأتفه الاسباب، او الرجل الذى قتل رجلاً آخراً ويقضى عقوبته فى السجن، او الفتاة التى تتزوج بالاجبار، او السوق الذى يستحله جنود الجيش، او الفتاة التى طردت من بيت زوجها لأنه اكتشف انها لم تكن عذراء حين تزوجته، او الشاب الذى قتل حبيب زوجته السابق بدم بارد فى فوضى النهار ...الخ.

تدور الأحداث عام 1992 بعد تفكك الإتحاد السوفيتى وإستقلال جورجيا من ناحية، وحيث الحرب الأهلية وعدم الإستقرار السياسى وحظر التجول من ناحية أخرى. لم يخبرنا مخرج الفيلم بالسياق الزمنى بشكل مباشر ولكن عبر بيانات الإذاعة المنبعثة على استحياء من راديوهات المدينة على مدار زمن الفيلم، وعبر قليل من الجمل الحوارية على ألسن الشخصيات. وانعكست حالة الفوضى وعدم الاستقرار التى تمر بها الدولة على الشخصيات أنفسهم.

للدرجة التى ربما تجعل من الأحداث مجرد تجسيد رمزى للوضع السياسى، فتشعر وكأن مرحلة مراهقة ونشأة البطلتين أقرب لنشأة وطفولة الدولة الجورجية فى مهدها، سواء بجنوح واندفاع "ناتيا" ضد زوجها "كوت"، او بعقلانية وإتزان "إيكا" التى تكره الحلول العنيفة،كما تشعر بأن تقارب "لادو" من روسيا، التى كان يذهب اليها لزيارة عمه، له علاقة بنهايته، ومن ثم بنهاية علاقة روسيا بجورجيا، وبالمثل كان "كوت" يرمز بقبحه للوجه المعادى لروسيا برسمه تلك النهاية لـ"لادو"، كما أن حنين "إيكا" لأبيها الذى يمثل عصر ما قبل التفكيك يرمز لحنين لهذا العصر .. نخرج من كل ذلك بأن هناك حالة عامة من الحنين الجورجى للإتحاد السوفييتى

ولكن قوة الفيلم لا تكمن فى جانبه السياسى الرمزى بل فيما يدور على السطح من القصة، انها لوحة صادقة ومميزة عن المراهقة، صحيح انها تتناول مشكلات المراهقة التقليدية، لكنها تتناولها من خلال شخصيات مرسومة بشكل أكثر تعقيداً مما اعتادت علي تقديمه أفلام المراهقين، أضاف لذلك المناخ القاسى الذى تدور به الأحداث، ذلك المناخ الذى تتميز به الأفلام القادمة من شرق أوروبا بصفة عامة، على صعيد الصورة أو الصوت، فيكفى أن مصوّر الفيلم هو نفسه مصوّر الفيلم الرومانى الشهير "4 أشهر، 3 أسابيع، ويومان".


أما على صعيد الصوت فتغيب الموسيقى بشكل شبه تام، يقطع هذا الغياب الموسيقى المنبعثة من واقع الفيلم نفسه، مثل تلك الأغنية الوجودية التى تغنت بها البطلات فى درس الموسيقى على ايقاع البيانو، ومعها الموسيقى الفولكلورية التى رقصت عليها "ايكا" فى حفل زفاف "ناتيا" فى مشهد بديع يعج بمعانى التحدى والتقزز والتمرد على ذلك واقع القبيح الذى يتهادى فيه الأحبة بآلات القتل. ولم يكسر قسوة مناخ الأحداث سوى تلك العلاقة العذبة التى جمعت بين الصديقتين، رغم الاختلافات بينهن فى الشكل والطباع والتطلعات.

تبدأ الأحداث فى التعقيد عندما يقوم "لادو" بإهداء مسدس إلى حبيبته "ناتيا" كى تدافع به عن نفسها، ذلك المسدس الذى يتم تناقله فى الفيلم عدة مرات بين عدة شخصيات وعدة أماكن، فى تعبير عن حيرة الشخصيات بين إختيارات قد تشكل مصير حياتهم، حتى ينحاز الفيلم فى نهايته الى معنى الحياة والتعايش بدلاً من الإنتقام والتناحر، وأن الظلم فى كثير من الأحيان يكون أفضل من الفوضى.

غلب على الصورة اللونين الأزرق والأسود بما يمثلانه من إيحائات بالدفء والكآبة، كما زادت جرعة اللقطات المقربة من الشخصيات خاصة فى المشاهد الداخلية، ما أعطى ايحاء بالضيق والحصار الذى تعيشه المدينة وشخصيات الفيلم، شاب الإيقاع بعض الفتور نتيجة لتسامح المونتاج مع طول بعض اللقطات غير المبرر، بينما وازن السيناريو بين التعبير بالصورة والتعبير بالحوار، وإتسم السرد بالتحفظ، فحتى آخر لقطة بالفيلم مازلنا نتلقى معلومات عن ماضى الشخصيات لم نكن نعرفها، ولكن رغم ذلك التحفظ لم يقع الفيلم فى فخ الملل من غياب الأحداث، بل من خلل مقادير المونتاج فى عرض تلك الأحداث. أعطت "ليكا بابلوانى" و "مريم بوكيريا" أداء تمثيلى اتسم بالتلقائية والعفوية، ووضعونا أمام مراهقتين حقيقيتين.

"فى الإزدهار" بذلك العنوان الساخر، يُعد تجربة سينمائية طازجة تستحق المتابعة وتسليط الضوء، وتبشر بصعود مخرجة واعدة لها رؤية مميزة للحياة.

تم عرض الفيلم فى القاهرة بالأمس على جدول "أسبوع أفلام شبكة ARTE" الذى يقيمه مشروع زاوية بسينما أوديون، وبإمكانكم متابعة صفحة المبادرة على هذا الرابط لمعرفة إن كان هنالك إمكانية لإعادة عرضه قريباً.


صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt2741806

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top