Wild Tales .. أعصاب على حافة الانهيار

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:53 م 0

لهذا الفيلم تعريفات دعائية عديدة، فهو الفيلم الذى تحمس لإنتاجه المخرج الإسبانى الإستثنائى "بيدرو ألمودفار"، وهو أيضاً الفيلم الذى وبعد انتهاء عرضه الأول بمهرجان كان وقف له الحضور مصفقين لمدة تصل إلى 10 دقائق تحية لصناعه بحسب كلام شبكة "كلارين" الأرجنتينية، فضلاً عن أنه الفيلم الذى رشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى وخسر أمام منافسه القوى "إيدا". إذا فكلها تعريفات مشجعة لوضعه على رأس قوائم المشاهدة فى وقت صعود للسينما الأرجنتينية خصوصاً واللاتينية عموماً، ومع تواجد ممثل كـ"ريكاردو دارين" أيقونة السينما الأرجنتينية الذى قدم فى السنوات الأخيرة أوراق إعتماده فى قلوب متابعى السينما العالمية.

"حكايات جامحة" .. لعله وصف يظل عاجزاً فى التعبير بدقة عن حقيقة هذا التسلسل الأرجنتينى الصادم، ست قصص من الكوميديا السوداء الأكثر جنوناً، وعلى غير العادة تأتى أقرب لمجموعة من الأفلام القصيرة بحيث لا يجمعها رابط درامى حقيقى أو تلاعب تزامنى، أى بإختصار لا تسير على الموضة التى فرضها تارانتينو فى العشرين عاماً الأخيرة بفيلمه "قصة شعبية رخيصة"، بقدر ما يجمعها رابط إنفعالى وأحياناً شعورى قد لا يصل الكثيرون حتى لإدراكه لكنه يبقى حاضراً.

هذا الرابط موزع على مستووين: المستوى الأول هو إنفعال خارجى خاص بالمتفرج وبالحالة التى يضعه الفيلم بها من إيقاع مكوكى وتفاصيل مربكة وأحداث تجعل العين تتسع لغرابتها أو توصد لبشاعتها. أما المستوى الآخر فهو إنفعال داخلى يخص شخصيات الفيلم وما تواجهه تلك الشخصيات من مواقف مصيرية حرجة تأتى من تفاصيل الحياة اليومية لتهدد حياتهم أو مستقبلهم المهنى والعائلى وتجعل كل منهم أمام إختبار صعب وهو إلى أى مدى سيستطيع التحكم بأعصابه وكبت سلوكيات لم يظن يوماً أنه قد يلجأ لها؛ خاصة وأن العواقب مجهولة فى كلا الحالات.

Wild Tales 2014
تشذ الحكاية الأولى قليلاً عن هذا المحور، وهى الحكاية التى تدور فى طائرة إختطفها أحد المحبطين ويدعى "باسترناك"، بعد أن رصد فخاً لجميع الشخصيات التى ساهمت فى تنغيص حياته، حبيبته السابقة وصديقه اللذان خاناه، والناقد الفنى الذى رفضه فى لجنة الإستماع وكتب مقالاً يهاجمه بضراوة أفسدت حالته النفسية، وأستاذته التى ظل يرسب فى مادتها لسنوات، وطبيبه النفسى الذى تخلى عنه. تظن فى البداية أن السيناريو فج ويبالغ فى اعتماده على المصادفات لكنك سرعان ما تتفهم حقيقة الأمر وتشرع فى الضحك، فهذه الحكاية كانت أقرب فى بنائها إلى نكتة عبثية، خاصة وان قوامها مشيب بالمبالغات والثغرات التى لا تتوافق مع الخمس حكايات الأخرى، ولكن يتضح مغزاها أكثر مع نهاية الفيلم لتكون بمثابة رسالة تحذير إستباقية موجهة لجميع الأوغاد الذين ظهروا على مدار الفيلم بأنهم ربما لا يسلموا فى كل مرة من أفعالهم الدنيئة .. الأمر أقرب لأسطورة "غرفة الفئران".

أقوى ما بالسيناريو هو الطريقة المدهشة التى تتطور بها الأحداث والشخصيات بنهج شديد التطرف اذا ما تمت مقارنته بالمدة الزمنية التى يحدث فيها هذا التطور، ولا أقصد هنا المدة الزمنية الفيلمية بل الفعلية، أى واقع ما تدور فيه الأحداث. أبرز تجليات هذه السمة تظهر فى الحكاية الثالثة التى تحدث فى الطريق السريع بين السائق الثرى المتعجرف والسائق الفقير الذى يخفى وراء هدوئه جانب شديد التوحش.

المشهد يبدأ بموسيقى حالمة ومناظر طبيعية خلابة على حافتى الطريق ولا يأخذ أكثر من بضع دقائق لينتهى بأبشع ما يمكن تصوره، البديع هنا أن المشهد رغم جموحه كان شديد المعقولية والتعبير عن أسوأ ما يمكن أن يصدر من النفس البشرية فى لحظات استثنائية خرقاء قد تخرج الإنسان عن إطاره الحضارى وتجعله أقرب إلى كائن أكثر غرائزية كحيوان مفترس، خاصة مع ذلك المناخ البرى القاحل الذى يدور به المشهد وتغيب عنه أى صورة لمفهوم الدولة او العدالة او القانون، (نلاحظ صور الحيوانات فى تيترات بداية الفيلم).

لكن تلك المعقولية البشعة التى تحلى بها المشهد السابق غابت إلى درجة ما فى الحكاية الثانية التى تدور بالمطعم واقتصرت على بشاعة لا معقولية أو شبه معقولية، صحيح أن الأمر يتطور بصورة مقنعة تحافظ على الإيقاع اللاهث للفيلم حتى نصل لفقرة الطعن، لكن ما لم أتفهمه هو الشرارة التى أشعلت المشهد حين وضعت العجوز السم فى الطعام، فالدافع ضعيف والتصرف مفتعل، ما أنقذ المشهد قليلاً هو احد تجليات العدالة الشعرية التى لا تخلو من سخرية وخفة ظل واضحة تبدأ بتساؤل العجوز "هل انتهاء تاريخ صلاحية السم يجعله أكثر أم أقل فتكاً بضحاياه؟"، وتنتهى بنجاة الصبى البرىء من السم ومقتل الأب الفاسد بصورة لم يتم التخطيط لها.


 أقل الحكايات اتساقاً مع الإطار البرى الجامح الذى يغلف حكايات الفيلم كانت الحكاية الخامسة المتعلقة برجل ثرى يحاول رشوة حارس عقاره لتحمل مسئولية حادث سيارة قد ارتكبه إبنه، هذه الحكاية بخروجها عن ايقاع الفيلم اللاهث واحداثه الطازجة كانت بمثابة المطب الذى أبطأ من حركة تدفق سلسة لأحداث صادمة وعفوية وغير مكررة فى بنائها او فى معدل تطورها، بعكس تلك الحكاية لأسرية المبتذلة التى هى أقرب إلى حلقة تلفزيونية أخرى فى مسلسل جريمة قد نفذت الأفكار من عقول كاتبيه الملتزمين مع منتجه بمعاد تسليم قد حان موعده.

الآن لم يتبقى سوى الحكايتين الأروع، سأبدأ مع الأقوى ثم أنتقل إلى الأكثر قوة. فى الحكاية الرابعة يتحول رجل الطبقة المتوسطة شديد الانضباط والتقليدية إلى مجرم من النوع الذى يفخخ السيارات، هذا التطور لا يأخذ سوى أيام قليلة تنقلب فيها حياته رأساً على عقب بعد أن يواجه بسوء حظ عجيب وتعنت بيروقراطى وفساد حكومى وحياة عائلية مهددة، يكمن عنصر الإقناع الأكبر بتحول هذه الشخصية فى الطريقة التى جعله المؤلف بها لا يملك ما يخسره. نحن هنا أمام قصة بارعة التكثيف وأداء شديد القوة من "ريكاردو دارين" وتتمة مفعمة بحس ثورى ناضج وسخرية ناجحة من الطريقة ما بعد الحداثية فى صناعة البطل عبر مواقع التواصل الإجتماعى.

يختتم الفيلم بحكاية فى رأيى هى الأقوى على الإطلاق، والقوة هنا تتوزع على عدة عوامل أولها تصميم المشهد وموقعه ومناسبته. فهى حفلة عرس لشاب وفتاة جمعتهم قصة حب منذ الصبى، الجموح هنا يأتى من كسر مهابة الموقع وقدسية المناسبة، أعرف أن هناك العديد من الأفلام التى قد استهلكت فكرة افساد العرس، لكن لا شىء يمكنه مناطحة هذا الجنون الذى يحدث فى هذه الحكاية، ولا شىء يضاهى كمية الشحن التصاعدية التى تحتوى عليها، انها التهيئة النموذجية لصدمات عاطفية وصدامات عائلية وانهيارات عصبية وأخلاقية وقِناعِية، وكل شىء يمكنه صنع حدث شديد الإثارة.


عامل آخر مهم يزيد من تميز هذه الحكاية هو النهاية الخلابة التى تذهب إليها، ولهذه النهاية تفسيران. التفسير الأول هو رغبة فى الإمعان والتأكيد على الحالة الحيوانية بصفة الجنس يعد غريزة بدائية تتناغم مع كل السلوكيات البدائية البرية الذى قدمها الفيلم، لكنى لا أميل لهذا التفسير لأن الطريقة التى مارسا البطلان بها الجنس ابتعدت تماماً عن الطريقة الحيوانية وتحلت بحميمية مفرطة، وبوضع الوجه فى الوجه الذى يميز الإنسان عن باقى الكائنات فيما يتعلق بهذه الممارسة، لذلك أذهب إلى التفسير الثانى وهو أن هذه النهاية كانت بمثابة الدعوة الختامية للتطهر من كافة الأشكال الهمجية التى قدمها الفيلم على مدار ساعتين وإدراك أن البشر مازالوا بحاجة للتلاحم والتسامح فضلا عن التناحر والعداء، ولم يكن هناك ما هو أجمل من الجنس للتعبير عن ذلك المعنى، فهو الحل السحرى لكافة المشكلات!

تقييمى:
9/10

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3011894/


شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top