حكايات لا أخلاقية .. بين الإيروتيكية والفن

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  1:41 م 0

 

أقوال متضاربة، هذا ما كنت أسمعه عن المخرج البولندى "فاليريان بوروفيتشك" قبل مشاهدة هذا الفيلم .. فمنها من يعتبره عبقرى سينمائى ومنها من يعتبره صانع بورنو أو الأمران معاً .. أفلامه تباع على مستوى "أندر جراوند" وفى الوقت نفسه تنافس على سعفات فى مهرجان كان .. لكن ما تم الإجماع عليه هو أن الايروتيكية عنصر اساسى فى أفلامه.

 
أما عن ما شاهدته فى هذا الفيلم فلم يكن ايروتيكية بالمعنى الدارج والموجود فى أفلام أعلام هذا النوع على شاكلة أعمال "كين راسيل" أو "راس مايرز" أو غيرهما، بمعنى أصح نعم الأمر جنسى لكنه ليس رخيصاً، لا يهدف لإثارة المتفرج جنسياً قدر ما يهدف إلى إثارته جمالياً، بل إنى قد وجدتى أمام رسام كلاسيكى موهوب مصاب باحباط كونه لم يولد فى عصور مجد وازدهار فن الرسم ويحتج على هذا الأمر من خلال أفلامه (أو على الأقل هذا الفيلم فهو أول فيلم اشاهده له ولن يكون الأخير) .. ولم أتعجب كثيرا حين عرفت فيما بعد انه درس الرسم فى كلية الفنون الجميلة قبل أن يتجه للسينما.

"حكايات لا أخلاقية\  Immoral Tales" فيلم يأخذك لزمن لوحات العرى الأوروبية ما بين عصور الكلاسيكية والباروك والنهضة ... يأخذك إليها من بوابة السينما، وبتمرد على طبيعة الرسم الستاتيكية يعطيك فرصة استمتاع ديناميكى مضاعف بلوحة كانت تعجبك فى يوم ما بأن يجعلك تعيش عصرها، مستخدماً كل الوسائل التى يتيحها له فن السينما من زمان ومكان وموسيقى وحركة وايقاع ومعايشة ليكثف تذوقك لهذا الجمال الأسطورى.

 للدرجة أن أحد الملصقات الدعائية للفيلم كُتب عليها جملة تقول: "لا يجب عليك الذهاب للمتحف لترى لوحات بيكاسو الفاضحة"، وإن كنت أختلف مع المقولة فى كون أسلوب بيكاسو مختلف لدرجة كبيرة عن أسلوب الرسم الذى تأثر به المخرج فى هذا الفيلم، حيث أن الفيلم يحتفى أكثر بحيوية الجسد وطبيعيتة ونقاط جماله وجاذبيته على عكس لوحات بيكاسو التى تحاكى الهيئة الإنسانية فى إطار خيالى كارتونى. المقولة على الملصق يمكن أن تظل سارية لو اعتبرنا ان بيكاسو رمز للفن بصفة عامة بالاضافة لكون إبنته "بالوما بيكاسو" تشارك بدور تمثيلى بالفيلم، ما يعنى انه يوجد سبب ما للربط.

فيما يتعلق بالبوابة السينمائية التى يأخذنا منها الفيلم إلى هذا العالم وبجانب التأثر بفن الرسم والعرى .. وجدت ـن الفيلم يمكن أن يكون الناتج الطبيعي لاجتماع الإيطالى "باولو بازولينى" مع السويدى "إنجمار بيرجمان"، وأكثر ما يعطينى هذا الشعور هو الحكاية الثالثة بالفيلم بمناخها الحلمى Dream-Like، وبديكوراتها ذات الجدران الحمراء، وبموسيقتها الوترية الكئيبة تذكرنا بفيلم بيرجمان ،Cries and Whispers وحين نضيف لها المحتوى الإستعبادى الدموى الجنسى الإجرامى التاريخى سيأتى فى أذهاننا بلا شك فيلم بازولينى Salo, 120 Days of Sodom الذى أنتج بعدها بسنة!

الرجل ليس رسام وحسب .. بل هو شاعر أيضاً .. ومن أقوى لحظات الفيلم بالحكاية الأولى على شاطىء البحر أثناء ممارسة الفتاة الجنس الفموى مع الفتى، نرى معها بالتزامن لقطات للبحر بموجه الهائج، ونسمع تعليق صوتى للفتى يقول "إن الموج نتيجة انجذاب الأرض للقمر" يقول الجملة وهو يلهث لأنه أصبح على أعتاب الوصول لذروته الجنسية
Climax، لقطة حققت مبادىء سينمائية مثل الـ Subtext والرمزية واللغة البصرية فى ثوانى معدودة بشكل ذكى وجمالى وشاعرى.

الحكاية الثانية عن فتاة صغيرة ذات أنوثة متفجرة ومقموعة، يتم حبسها داخل غرفة لمدة ثلاثة أيام؛ عقاباً على شغفها بالحياة، والغرفة تكون خالية تماماً إللا منها وفراش نوم وكتاب دين وكتاب فلسفة وثلاث ثمرات خيار، ولك أن تتخيل ما هى مقدمة عليه. الإضاءة وتصحيح الألوان فى هذه الحكاية اتسما بالإحمرار الشديد، وأعتقد أن الهدف كان التعبير عن حالة الظلم والقمع التى تعيشها الفتاة، بجانب انه يضفى على جسدها العارى احمرار موحى بحالة الكبت الجنسى التى تنتابها فتجعل جسدها متوهجاً، بجانب انه يعمل تمايز Contrast مع عنصر شديد الأهمية فى المشهد وهو بالطبع ثمرة الخيار بلونها الأخضر .

الحكاية الثالثة برأيى هى الأقوى والأكثر صدمة وجمالية فى الصورة خاصة فى عنصر التكوين والتحكم فى المجاميع التى اقتصرت على فتيات منتقين بعناية شديدة، جمال أجسادهم أضاف لجمالية الصورة بلا إثارة جنسية، الأمر إستطيقى Aesthetically للغاية، بجانب انك مجبر للتتعاطف مع مصيرهم المأساوى. الجدران الحمراء الكئيبة مع أجسادهم ناصعة البياض تعطيك الإيحاء بأنهم ملائكة داخل الجحيم. مشهد الإستحمام فى حوض من الدماء هو من أكثر المشاهد الصادمة التى رأيتى فى حياتى، وما ضاعف صدمته أنه جاء بلا مقدمات وتركك لتستنتج بصرياً الجريمة البشعة اللى تمت قبله.
 
الحكاية الرابعة صادمة على المستوى الأخلاقى فقط، استخدم فيها بكثافة اللون الأبيض كى يُظهر نوع من التناقض بين الفعل النجس وبين أبطاله الذين يمثلون قداسة دينية .. ياقات بيضاء فى وضع زنا محارم. من المشاهد الذكية عندما يزيل احد الشخصيات تمثال "مريم العذراء" ويضع مكانه الفتاة العارية بجانب أوضاع ممارسة الجنس فوق الصليب ...الخ
أرشح هذا الفيلم لشخص يبحث عن الجمالية كغاية فى حد ذاتها.

التسميات:

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top