White God .. تحفة العام الماضى المُتجاهلة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  4:52 م 0

 

هل تذكر تلك المرات القليلة التى خرجت منها من دار عرض بعد مشاهدة إحدى التحف السينمائية وجسدك يرتجف أو يكاد ينتفض من أثر تدفق هرمونات السعادة أو الشجن أو النشوة التى سببتها لك هذه التحفة، لدرجة أنك حتى لم تعد تقوى على دخول نقاش مع رفاقك حول هذا الشىء الذى قد شاهدتموه للتو؟! هذا الفيلم المجرى سيحقق لك هذا الشعور بإمتياز. ولا يجب أن تنزعج من كونه فيلماً مجرياً لو كنت ممن تشعرهم السينما الأوروبية بالملل والإدعاء، فهذا الفيلم ينزع بدرجة كبيرة ليحسب على أفلام النوع الهوليوودية التى تسلى، وإن كنت أجزم أنه سيجعل من يشاهده، على كل الأحوال، أكثر امتناناً لهويته الأوروبية حين يصل لنقطة نهايته الأكثر ولاء للسينما الفنية.

البداية كانت فى مهرجان كان نسخة عام 2014 وتحديداً فى قسم "نظرة ما"، حين نجح الفيلم فى نيل إعجاب لجنة التحكيم والحصول على الجائزة الكبرى بالمسابقة. ثم أكمل طريقه بعدها من مهرجان إلى آخر محصلاً مزيد من الإعجاب حتى يصل لقمة انجازه باختياره مُمثِلا لدولة المجر فى منافسات جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى وللأسف لم يحالفه الحظ فى الوصول حتى للقائمة القصيرة، والأمر ليس غريباً، فنفس المصير من التجاهل الأوسكارى قد لاقته تحفاً سينمائية أخرى - بغرابة - فى نفس العام مثل الفيلم الكندى Mommy لـ "كزافييه دولان"، وإن كان الأخير قد نجح فى صنع شهرة لنفسه بطرق أخرى أكبر من شهرة فيلمنا اليوم.

لن أستطيع وصف White God بأنه فيلم فريد من نوعه أو بأنه أتى بشىء لم نشاهده من قبل، فقد سبق ورأينا حيوانات فى أدوار رئيسية بأفلام سابقة، كما رأينا أفلاماً عن الإنتقام والثورات والتمرد والبحث عن المأوى والأهل والذات. البطل هنا ليس الفكرة بل هى التوليفة بالأخذ فى الإعتبار مكانها وزمانها، إنه بإختصار كل ما سبق. فهذا الفيلم الذى يروى قصة الفتاة الصغيرة "ليلى" التى لظروف سفر أمها مع زوجها تذهب بصحبة كلبها "هاجين" للإقامة عند والدها، رجل الطبقة العاملة التقليدى الذى يكره وجود "هاجين" فى منزله لما تسبب فيه الأخير من مشكلات، فى البداية يتقبل الأمر على مضض نظراً لتعلق ابنته الشديد بالكلب، ولكن حين تتعقد الأمور فى حياتهما يقرر فى النهاية إلقاء هذا الكلب من سيارته وسط إحدى الطرق النائية كى يجعل "هاجين" يعود إلى المكان الذى يؤمن إنه أتى منه ويجب أن يبقى به، وهو الشارع، ضارباً بمشاعر إبنته عرض الحائط.

بهذا التأسيس الدرامى، الذى يبدو تقليدياً، يبدأ الفيلم ومنه تبدأ رحلتان، الرحلة الأولى هى رحلة "هاجين" مع الحياة الوعرة بحالته الجديدة ككلب شوارع وحيد يلاقى أهوال الحياة اليومية بين بشراً لا يهتمون كثيراً فى أفضل الأحوال، وفى أسوأها يستغلونه أو يستعبدونه، وبين كلاب أخرى تشاركه نفس القدر من المعاناة. أما الرحلة الثانية فهى رحلة "ليلى" التى لم تدخر وقتاً للبدء فى مهمة البحث عن كلبها فى شوارع وأزقة مدينة بودابيست مما يزج بالفتاة البريئة فى تجارب السهرات والحياة الليلية وما يؤثر به ذلك على حياتها اليومية فى دراستها للموسيقى وحالتها النفسية المضطربة التى لن يعالجها سوى العثور على النصف المفقود من روحها والمتمثل فى "هاجين".


الفيلم احتوى على عديد من المشاهد الدموية العنيفة التى يكون ضحاياها أو أبطالها من الكلاب، مما سيجعل تجربة مشاهدته صعبة وغير مريحة لدرجة ما بالنسبة لمن لديهم الحب المهووس للكلاب وهواية اقتنائها. ولكن هل هذا يعنى أنه مجرد فيلم آخر عن حقوق الحيوانات وشحذ التعاطف معها؟ أظن أن عنوان الفيلم هو أول ما يجب التوقف أمامه للرد على سؤال كهذا. "الإله الأبيض" ماذا يعنى هذا الإسم؟ مرجح أنه محاكاة أو تلاعب وزنى بعنوان فيلم آخر هو "الكلب الأبيض"، لكن يظل السؤال بماذا يفيد هذا التلاعب؟ فى رأيى أن هذا الإله الأبيض لن يخرج عن كونه شيئين، الأول هو الفتاة "ليلى"، وهنا تشبيه بغرض التزكية والتكريم؛ كونها البشرية الوحيدة من شخصيات الفيلم التى تعاملت بنبل مع الحيوان لذلك فهى تستحق أن تكون الإله.

والتفسير الثانى هو أن الإله الأبيض المقصود به هنا هو الحالة التى فرضها الإنسان الأبيض المتقدم على الطبيعة من سيطرة وانتهاك وغطرسة، والغرض من التشبيه ليس التزكية هذه المرة بل السخرية والتوبيخ على طريقة "من نصبك لتحل مكان الإله وتقرر مصير باقى الكائنات؟!" .. وأنا أميل أكثر إلى التفسير الثانى الذى أراه يذهب بالفيلم إلى مستوى أعمق من مجرد محاضرة عاطفية عن الحيوان إلى خطاب إدانة للإنسان الذى أفسد الجمال والطبيعة بنرجسيته التى يخطو بها بخطى عمياء نحو إهلاك نفسه بنفسه، وكأن ثورة الإنتقام التى قادها "هاجين" قبل نهاية الفيلم كانت جرس الإنذار بأن الطبيعة فى يوم ما قريب سترد على هذه الغطرسة بغطرسة مضادة تكون هى النهاية. وإن كان التفسير الأول أيضاً لن يجعل من الفيلم سيئاً لأن نقطة القوة هنا ليست القضية.


أهم ما يميز الفيلم هو الانتقال السلس بين الأنواع Genres، فالتأسيس الدرامى يتخذ الشكل التقليدى للأفلام الشرق أوروبية بكادراته الضيقة وحواراته المقتضبة وأماكنه العادية فى الحياة اليومية وغياب الموسيقى التصويرية، بينما النصف الثانى يتخذ شكل أفلام الحركة والمعارك فى الخط الخاص بـ "هاجين"، أما الخط الخاص بـ "ليلى" فهو خليط بين أفلام المراهقة والمدارس الثانوية والموسيقى، ثم نصل إلى النصف الثالث والذى ينحرف فجأة ليأخذ خليطاً من شكل الأفلام الملحمية والرعب والكوارث الطبيعية.

ثلاثة مشاهد صنعوا من هذا الفيلم تحفة سينمائية: الأول هو المشهد الذى يصارع فيه "هاجين" أحد الكلاب ويسقطه صريعاً بفعل التدريبات والتلاعب الهرمونى الذى حلّ به وجعله أكثر شراسة وبرية، ثم ينظر بعدها للكلب الميت نظرة ندم وغضب وكأنه لازال يحتفظ بشىء جيد بداخله لم تفسده الانتهاكات البشرية بعد. والمشهد الثانى هو الذى يفتتح به الفيلم على طريقة ال Flash-Forward فنرى مجموعات رهيبة من الكلاب تركض خلف فتاة تقود دراجة ولا نعلم هل يطاردونها أم أن هى من تقودهم ثم نعلم قبل نهاية الفيلم. أما المشهد الثالث فهو لقطة المواجهة الأخيرة بين "هاجين" و"ليلى" حيث تنجح فيه الممثلة الطفلة "صوفيا سوتا" فى دقيقتين بإستعراض أكبر قدر من المشاعر الإنسانية .. الخوف، الحب، التضحية، التوسل، الندم، الفداء، العتاب، الشفقة، والإعتذار، قبل أن ينتهى الفيلم بلقطة يمكن إعتبارها جدارية فنية عبقرية فى تكوينها، وفى ألوانها، وفى أضوائها، لقطة تؤكد على الأصالة الأوروبية التى ينتمى لها هذا الفيلم.

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top