Skyfall .. اللجوء للأساليب القديمة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  12:53 م 0


نُشر هذا المقال فى عدد أغسطس 2015 من مجلة أبيض وأسود

أسابيع قليلة تفصلنا عن إستقبال آخر الأفلام فى سلسلة الجاسوسية الأشهر "جيمس بوند 007" والذى يحمل عنوانSpectre ، من إخراج الأوسكارى "سام مينديز" فى ثانى مشروع له على التوالى بسلسلة بوند. وهذا وإن دلّ على شىء فهو النجاح والنقلة التى أحدثها مينديز فى مشروعه الأول فى سلسلة بوند بعنوان Skyfall مع نفس طاقم الكُتّاب. ولكن حتى يصدر ذلك المشروع الثانى فلنتعامل مع الأول إذاً على أنه آخر أفلام بوند.

Skyfall هو الفيلم الثالث والعشرون فى السلسلة التى بدأت كروايات للكاتب "أيان فيلمينج" فى أوائل خمسينيات القرن الماضى ثم تحولت إلى أعمال سينمائية فى ستينياته وبالتحديد عام 1962 بفيلم Dr.No. أى ما يفصله عن Skyfall الذى صدر عام 2012 هو خمسون عاماً بالتمام، ما يمثل يوبيلاً ذهبياً للسلسلة احتفى به صناع الفيلم فى تيترات النهاية وفى الأساليب الدعائية للفيلم. ويمكننا أيضاً إضافة أنها بذلك تعد السلسلة الأكثر استمرارية بل وخلوداً فى تاريخ السينما الروائية.

بعد إخفاق الفيلم السابق له بعنوان Quantum of Solace على الصعيدى النقدى وما سببه من إحباط لعشاق السلسلة الذين اعتبره بعضهم الفيلم الأسوأ فى تاريخها على الإطلاق، أتى نجاح Skyfall ليكون طوق النجاة فى مسيرة عميل المخابرات البريطانية الوسيم 007 والذى يلعب دوره الممثل "دانيال كريج" للمرة الثالثة. ويمكننا لمس هذا النجاح على المستويين النقدى والجماهيرى، فعلى المستوى النقدى نجد - على سبيل المثال - الناقد الكبير "روجر إيبيرت" يعطى الفيلم العلامة الكاملة مؤكداً على أن سام مينديز قد أعاد إكتشاف هذه السلسلة من جديد بهذا الفيلم، أما على المستوى الجماهيرى فنجده الفيلم الأعلى صعوداً بالإيرادات فى تاريخ السلسلة، وعلى مستوى الجوائز نجده الفيلم الأكثر ترشحاً لجوائز الأوسكار برصيد 5 ترشيحات والأكثر فوزاً برصيد جائزتين بالاضافة لترشحه وفوزه بجوائز أخرى كالبافتا.

 
 الآن، كيف أعاد "سام مينديز" لتلك السلسلة وقارها ورونقها؟ هذا ما سيدفعنا أول شىء لتحديد العقبات الموضوعية التى تقف أمام إستمرار السلسلة ويأتى على رأسها - فى رأيى – الحس الوطنى البريطانى British Nationalism أو أحيانا ما تترجم Patriotism. فبعد أن تغولت العولمة الثقافية أصبحت هذه الفكرة الانتمائية مرفوضة فى الفن أو على الاقل مثيرة لبعض التحفظ عند البعض. هوليوود فهمت هذا الأمر مبكراً وأصبحت توجه بوصلتها الوطنية فى أفلام الأكشن والبلوكباستر إلى زوايا أكثر تناغماً مع هذه العولمة بحيث تكون مهمة أبطالها الخارقين هى إنقاذ العالم والبشرية أو الطبيعة والنظام لا إنقاذ الدولة الأميريكية بعينها، وهو ما يجعل تلك الافلام أكثر انتشاراً بين الشرائح الأكبر من الجماهير فى كافة بقاع العالم، لأنها تلعب على وتر غريزة بقاء يمكن لأى شخص فى أى دولة التآلف معها.

هل تخطى سام مينديز هذا الأمر؟ ليس تماماً، فقد رأينا بعض اللقطات التى تغذى الفكرة الوطنية، منها لقطة تتصاعد فيها الكاميرا للأعلى كاشفة عن عدد من توابيت ضحايا تفجير مبنى المخابرات وتكون هذه التوابيت مكسوة بالعلم البريطانى فى إطار إستعراضى حزين يوحى بفكرة الموت فى سبيل بريطانيا، لقطات أخرى نرى فيها بوند أعلى سطح مبنى المخابرات ويرفرف بجواره العلم البريطانى. وبجانب تلك اللقطات عندما ننظر للطريقة التى يسوق بها الفيلم ونتوقف أمام معلومة مثل أن العرض الأول والخاص للفيلم تم بصالة الرويال ألبيرت ذات المكانة التاريخية والقومية فى وجدان الشعب البريطانى، وأن هذا العرض الخاص قد حضره الأمير تشارلز وزوجته. كلها لمحات تغذى تلك الفكرة الوطنية، وإن كانت فى صورة بسيطة وسطحية.

ولكن هذا ليس كل ما فى الأمر، لذا فلنستعرض أحد مشاهد الفيلم لشخصية M المسئولة المخابراتية التى أدت دورها الممثلة الكبيرة "جودى دينش" أثناء استجوابها أمام احدى المحاكم البريطانية الكبرى ونتوقف أمام ذلك المونولوج الذى قالته: "أننى الآن أرى عالماً غير الذى ترونه. والحقيقة أن ما أراه يثير بداخلى الرعب. أنا خائفة لأن أعدائنا لم يعودوا معروفين لنا، غير متواجدين على الخريطة، ليسوا أمماً بل أفراداً. أنظروا حولكم وفكروا. مما تخافون؟ هل ترون وجوهاً أو أعلاماً أو ملابس مميزة؟ لا. فالعالم لم يعد شفافاً الآن، بل هو ظلال، وهناك ما ينبغى أن تكون معاركنا." إنتهى. وما سبق يأخذنا بوضوح إلى قضية أصبحت تفرض نفسها بقوة على الساحة العالمية وهى قضية الإرهاب والفوضى، أظن هذا ما يجعل الأمر أكثر عالمية ويتخطى به لدرجة ما ذلك الحس الوطنى الضيق، ما يجعل أى شخص يتوحد ويتآلف مع ما يرى.

 
 وقد تم تكريس ذلك الشعور أيضاً على المستوى الأسلوبى فى إخراج الفيلم، والذى جاء لنقل متأثراً بوضوح بالموجة السوداوية الجديدة التى طغت على أفلام الكوميك وأشهرها Watchmen و The Dark Knight، وخاصة الأخير، فبجانب أنه أشهر وأهم الأفلام الحديثة فى تناول قضية الفوضى والإرهاب، فحتى أسلوب التصوير والقطع والمزج ورسم الشخصية الشريرة Villain قد جاء مشابهاً لدرجة مريبة فى الفيلمان، ويتجلى هذا بقوة تحديداً فى مشهد الإستجواب الذى يحدث بالتزامن مع شخص "سيلفا" الذى أدى دوره الممثل الإسبانى الموهوب "خافيير بارديم" وهو منطلقاً فى تنفيذ مخططه الإرهابى، مرتدياً زى شرطة مثل الذى ارتدته شخصية الجوكر فى أحد مشاهد فيلم "فارس الظلام"، كما نسمع فى هذا المشهد تعليق صوتى شاعرى مع لقطات لبوند وهو يطارد سيلفا، مع مشاهد فوضى مذهلة مثل تحطم قطار.

ولا نغفل أيضاً اللقطات التى يقف فيها بوند أعلى سطح مبنى المخابرات ناظراً إلى لندن نفس النظرة التى ينظر بها باتمان إلى مدينة جوثام. كلها لمسات شديدة التأثر بأسلوب "كريستوفر نولان". وبالمناسبة فقد إعترف مينديز فى أحد لقائاته بهذا التأثر مضيفاً بأن نولان قد أخذ هذا اللون السينمائى لمستوى آخر يستوجب على كل صانع أفلام التوقف أمامه والبدء من حيث انتهى منه.

ولكن لا نستطيع القول بأن ضخ هذه الروح الجديدة عن طريق مواكبة ألوان وأساليب السينما الحديثة الناجحة هو وحده ما تسبب فى نجاح الفيلم وإعادة الوقار للسلسلة، فأظن ان السر يكمن فى الخليط نفسه بين الاستفادة بما هو جديد مع عدم إغفال ما يتشوق الناس إليه من مسحة كلاسيكية. لنكن أكثر وضوحاً ونقر بأن جزء كبير من جاذبية سلسلة بوند يعتمد فى الأساس على نوستالجيا سينما الحركة والإثارة البدائية، وهذا أمر وعى له جيداً سام مينديز.

 
الأمر يظهر بوضوح فى المشهد الذى يلجأ فيه بوند قبل نهاية الفيلم إلى سيارته القديمةAston Martin DB5 وهى السيارة المميزة التى ظهرت فى أغلب أفلام بوند منذ ستينيات القرن الماضى، نظراً لإدراكه بأن السيارات الحديثة سيسهل تتبعها من قِبَل "سيلفا"، ولكن الأهم من استقلاله لتلك السيارة كان الحوار الذى دار بينه وبين M حين تسأله: "إلى أين نحن ذاهبون؟"، فيجيبها: "سنعود بالزمن للوراء، إلى مكان ما يعطينا التفوق"، ثم نجده فى المشهد التالى وقد توجه إلى القرية السكوتلاندية النائية التى قد ولد بها، حيث بيوت بدائية وكنائس مهجورة وفضاء مرعب، ليدور بعدها بينه وبين سيلفا ورجاله معارك سينما الأكشن البدائية، حيث المدافع الرشاشة والمطاردات على طريقة "إستغماية". ومع ذلك فقد أتت شديدة الإثارة والإتقان.

وكأن مينديز أراد توصيل رسالة فنية مفادها أنه لا أحد يستطيع منافستى فى ملعبى البدائى ولكنى استطعت منافستهم فى ملاعبهم الحداثية أيضاً، وهى رسالة تتناغم مع صراع الفيلم نفسه بين بوند وأعدائه ولا تقتصر على الصراع بين مينديز وصناع الأكشن الحداثيون، وهذا سر جمال الرسالة.

وإن كنا نتحدث عن عناصر نجاح فيلم كهذا فسيكون من العبث إغفال أحد أهم تلك العناصر وهو باختصار أغنية الفيلم. حسناً فمنذ صعود فرقة البيتلز فى ستينيات القرن الماضى وما تبعه من ظاهرة موسيقية سميت بالغزو البريطانى حيث اكتسح المطربون والفرق البريطانية الساحة الموسيقية العالمية لدرجة أنه ظهرت نظرية يعتنقها الكثيرون تنص على أن "السينما تأتى من أميريكا والموسيقى تأتى من بريطانيا". لعل بوند هو أحد الإستثناءات، فالسلسلة تمثل الرمز التاريخى للسينما البريطانيا، وستكون النتيجة مذهلة بالتأكيد حين يجتمع رمز السينما البريطانية مع رمز الموسيقى البريطانية "أديل أدكينس"، التى اعتبرها النقاد قائدة الغزو البريطانى الثانى فى الألفية الجديدة، فى عمل واحد، فهذا كفيل بإسقاط النظرية السالف ذكرها، لنقول حينها بأن السينما من بريطانيا والموسيقى أيضاً من بريطانيا.

جدير بالذكر أن أغنية Skyfall هى الأولى فى تاريخ أغانى بوند التى تحصل على جائزة أوسكار فضلا عن جائزة جرامى. ولقد أعطت أديل بكلماتها والحانها وصوتها الإستثنائى بُعداً ملحمياً للفيلم ومرجعية موسيقية ستبقى خالدة فى أذن المتفرج كلما تذكر هذا الفيلم الذى يمكن تلخيص تجربة مشاهدته بما يقوله مطلع الأغنية: "احبس أنفاسك .. واشعر بالأرض تتحرك".

شارك الموضوع



0 التعليقات:

back to top