جميع المواضيع


هذه كانت اللقطة الأولى التى تجمع ناثان بكاليب، وفى هذا الكادر تتوسط العمدان السوداء المسافة بينهما قاطعة إياها بشكل عمودى وهى بذلك تعمل عامل تأطير للعمق، ما يوحى من البداية بوجود حاجز أو فاصل بين عوالم الشخصيتين، وتباين وصدام بين أفكارهما، رغم الحميمية المفتعلة التى يتسم بها اللقاء. نفس أسلوب التأطير العميق يتكرر فى المشاهد التى تجمع بين كاليب وآفا وإن ظهر فيها بشكل أكثر فيزيائية وصلابة من هذا المشهد، ولكن بصفة عامة يمكننا القول بأن أسلوب تأطير العمق كان الدال الأبرز على الصراع الثلاثى فى الفيلم.

 
 
بعد الجلسة الاختبارية الأولى بين كاليب وآفا، يجتمع كاليب مرة أخرى بناثان ليعطيه رأيه المبدئى فى آفا. نرى كاليب فى هذه اللقطة وقد تلاشت ريبته وعدم أريحيته التى ظهرت فى بداية الفيلم وأخذ هنا فى الإندماج مع العالم الجديد، فهو يضحك ويحتسى البيرة ويتناقش مع ناثان بشغف، لكن الأهم هو خلفية الكادر والتى كانت نافذة شفافة تطل على منظر طبيعى حقيقى يظهر من نافذة المنزل، يعطى كاليب ظهره للمنظر الطبيعى بما يتناغم مع التجربة التكنولوجية التى تحدث فى المنزل والتى كانت هى الأخرى تعطى ظهرها للطبيعة. توحى اللقطة بعبقرية عن الصدام بين الحقيقى وهو الطبيعة وبين المصطنع وهو التجربة، وأيضاً توحى بتطور وضع كاليب فى دراما الفيلم وعملية اصطياده بالتدريج ليتخلى عن كونه الشىء النقى الوحيد بالفيلم.

 

فى الفيلم كانت السمة البارزة فى زوايا التصوير هى ارتفاع من يتحكم أو يسأل. فى هذا المشهد يقوم ناثان بالضغط على كاليب للقبول بصفقة العمل، ونراه يعلو كاليب فى الكادر، لأنه فى الموقف الأقوى والأكثر ثقة وتحكم.
 


هذه اللقطة هى إمتداد للقطة السابقة ولكن للإمعان بالتحكم، لم يكتفى الكادر بوضع ناثان أعلى من كاليب بل جعل الشخصيتين تتمركزان فى أقصى يمين الكادر، ما يزيد ويفاقم حالة الحصار والضغط الواقع على كاليب.



فى هذه اللقطة تتبدل الأمور، فيصبح كاليب هو الأعلى، لأنه بدأ يفهم الخدعة والمصيدة التى وضعه بها ناثان، فهو الآن من يطرح الأسئلة والإتهامات والشكوك، لذا فهو يتخذ الموقع الأعلى فى الكادر.


 
نلاحظ منذ اللقاء الأول بين كاليب وآفا أن التكوين البصرى دائماً ما يوحى بما هو غير مريح، فإما أن الشخصيات تقف، أو تسير، أو تجلس متناظرة ولكن الارتفاعات وزوايا التصوير كانت تعطى أفضلية لأحدهما على الآخر، والحركة توحى بوجود توتر بينهما. أما هذه اللقطة فهى الأولى بينهما التى تجعلهما متساويين تماماً وسكونهما يعطى شعوراً بالأريحية. السبب أن آفا أخيرا ارتدت الملابس والشعر الذى يجعلها تبدو كأنثى جميلة. وقد جائت اللقطة للتدليل على مولد الشرارة الأولى لانجذاب جنسى بين الشخصيتين. فتساوى ارتفاعهما بالكادر للمرة الأولى ما هو إللا إشارة على تكون رابط جديد وقوى بينهما وهو الجنس.

 

بعد أول لقاء بين كاليب وآفا يوجه ناثان سؤاله لكاليب: "بماذا شعرت نحوها؟ لا أريد منك رأى تحليلى، فقط أريد أن اعرف بماذا شعرت". يأخذنا ذلك إلى الخيط الأول فى صراع رئيسى فى الفيلم يدور بين العقل والعاطفة، وهذه اللقطة التى تنعكس فيها صورة آفا على الزجاج تمثل ذلك الصراع الذى كان بطله ناثان، كيف يرى آفا؟ بعاطفته أم بعقله؟ لآفا صورتان فى هذه اللقطة تعبران عن الحيرة والإختبار بالخيارات التى أمام ناثان.

 

فى هذه اللقطة يقدم الفيلم نظام التأطير المتعدد Multi-Framing، كأداة بصرية للتعبير عن حالة السجن والخناق التى تعيشها آفا فى قصر ناثان. الإطار الأول نافذة مستطيلة تطل على الخارج حيث بعض النباتات. والإطار الثانى يشمل الأول وهو سقف الغرفة مع فواصل الحوائط. أما الإطار الثالث فهو شاشة "اللابتوب" التى يتابع من خلالها ناثان المنظر وهى تحوى داخلها الإطار الاول والثانى. أما الإطار الرابع فهو إطار الفيلم الأساسى والذى يجمع الثلاثة إطارات الداخلية، وتكون آفا فى الوسط داخل كل تلك الأطر.


  يبرز هذا المشهد اشتياق وجوع آفا لتؤكد على حريتها من ناحية، وعلى كونها أنثى جميلة من ناحية أخرى. ومن أجل تمثيل هذا الجوع بصرياً فقد اُستخدِمَت المرايا لتأكيد هذه الحالة وتضخيمها من مرة إلى خمس مرات، نرى فيها جسد آفا مكتمل الأنسنة والجنسنة فى آن واحد.


سنعود لهذه اللقطة مرة أخرى، لكن ما يهم توضيحه الآن، هو أن آفا فى طريقها للحرية فهى تتجه من الزاوية اليسرى للكادر التى تحجب عنها الجبال ضوء الشمس وفى طريقها للزاوية اليمنى حيث الإضاءة الكاملة والخروج من الظل نحو النور، ولتكون إنساناً طبيعياً فهى تسير لأول مرة بالعالم الحقيقى.



آفا الآن أصبحت، ظاهرياً، حرة ومكتملة الأنسنة. فهى تسير بين البشر بصورة طبيعية، لكن ما نلاحظه أن الكادر يجمع ثلاثة ظلال، آفا على اليمين، وعلى يسارها حبيبين/زوجين متشابكا الأيدى فى صورة حميمية، وهو ما يسبب الصدمة الأولى ويطرح التساؤل المؤجل، وهو هل آفا حقاً حرة؟ أو بالأحرى هل هى بالفعل إنسان؟ هل نجح اختراع ناثان؟


فى اللقطة التالية تخرج ظلال الحبيبين من الكادر، ويبقى ظل آفا وحده وهى واقفة ساكنة لا تتحرك بينما الجميع يتحركون. الأهم هو أن الكاميرا لا ترصد آفا نفسها بل انعكاسها، الكاميرا أيضاً مقلوبة عن وضعها الأساسى، ما يوحى بأن هناك خطب ما، شيئاً مفقوداً، إنسانية غير مكتملة، وحرية بلا معنى.



الآن هذه اللقطة ترغمنا على العودة للقطة التحرر التى سارت فيها آفا بين النباتات والجبال والطبيعة، والتى كانت لقطة صافية بلا تشوش كدليل على يقين آفا لحظتها بأنها استردت حريتها، بينما هذه اللقطة النهائية فهى مشوشة لأنها ملتقطة من وراء زجاج. هذا التشوش يشكك بوهم آفا السابق بأنها حرة أو إنسان. لعدة أسباب أهمها أنها وحيدة، لا تملك مشاعر، ولا ذاكرة، ولا عاطفة، ولا يهتم لأمرها أحد. غريزة البقاء ليست وحدها ما يجعلنا بشراً، ولا الذكاء، ولا حتى الحرية والاستقلال، بينما هى تنويعة بين عديد من التناقضات، الحماقات، الأساطير، العاطفة، والأوهام. فالحرية خارج اللُحمة الإنسانية ستؤدى فى النهاية إلى سجن من نوع آخر، وهو سجن الوحدة والإغتراب.

حول خيارات الصورة فى Ex Machina

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:30 م 0 تعليقات


هذه كانت اللقطة الأولى التى تجمع ناثان بكاليب، وفى هذا الكادر تتوسط العمدان السوداء المسافة بينهما قاطعة إياها بشكل عمودى وهى بذلك تعمل عامل تأطير للعمق، ما يوحى من البداية بوجود حاجز أو فاصل بين عوالم الشخصيتين، وتباين وصدام بين أفكارهما، رغم الحميمية المفتعلة التى يتسم بها اللقاء. نفس أسلوب التأطير العميق يتكرر فى المشاهد التى تجمع بين كاليب وآفا وإن ظهر فيها بشكل أكثر فيزيائية وصلابة من هذا المشهد، ولكن بصفة عامة يمكننا القول بأن أسلوب تأطير العمق كان الدال الأبرز على الصراع الثلاثى فى الفيلم.

 
 
بعد الجلسة الاختبارية الأولى بين كاليب وآفا، يجتمع كاليب مرة أخرى بناثان ليعطيه رأيه المبدئى فى آفا. نرى كاليب فى هذه اللقطة وقد تلاشت ريبته وعدم أريحيته التى ظهرت فى بداية الفيلم وأخذ هنا فى الإندماج مع العالم الجديد، فهو يضحك ويحتسى البيرة ويتناقش مع ناثان بشغف، لكن الأهم هو خلفية الكادر والتى كانت نافذة شفافة تطل على منظر طبيعى حقيقى يظهر من نافذة المنزل، يعطى كاليب ظهره للمنظر الطبيعى بما يتناغم مع التجربة التكنولوجية التى تحدث فى المنزل والتى كانت هى الأخرى تعطى ظهرها للطبيعة. توحى اللقطة بعبقرية عن الصدام بين الحقيقى وهو الطبيعة وبين المصطنع وهو التجربة، وأيضاً توحى بتطور وضع كاليب فى دراما الفيلم وعملية اصطياده بالتدريج ليتخلى عن كونه الشىء النقى الوحيد بالفيلم.

 

فى الفيلم كانت السمة البارزة فى زوايا التصوير هى ارتفاع من يتحكم أو يسأل. فى هذا المشهد يقوم ناثان بالضغط على كاليب للقبول بصفقة العمل، ونراه يعلو كاليب فى الكادر، لأنه فى الموقف الأقوى والأكثر ثقة وتحكم.
 


هذه اللقطة هى إمتداد للقطة السابقة ولكن للإمعان بالتحكم، لم يكتفى الكادر بوضع ناثان أعلى من كاليب بل جعل الشخصيتين تتمركزان فى أقصى يمين الكادر، ما يزيد ويفاقم حالة الحصار والضغط الواقع على كاليب.



فى هذه اللقطة تتبدل الأمور، فيصبح كاليب هو الأعلى، لأنه بدأ يفهم الخدعة والمصيدة التى وضعه بها ناثان، فهو الآن من يطرح الأسئلة والإتهامات والشكوك، لذا فهو يتخذ الموقع الأعلى فى الكادر.


 
نلاحظ منذ اللقاء الأول بين كاليب وآفا أن التكوين البصرى دائماً ما يوحى بما هو غير مريح، فإما أن الشخصيات تقف، أو تسير، أو تجلس متناظرة ولكن الارتفاعات وزوايا التصوير كانت تعطى أفضلية لأحدهما على الآخر، والحركة توحى بوجود توتر بينهما. أما هذه اللقطة فهى الأولى بينهما التى تجعلهما متساويين تماماً وسكونهما يعطى شعوراً بالأريحية. السبب أن آفا أخيرا ارتدت الملابس والشعر الذى يجعلها تبدو كأنثى جميلة. وقد جائت اللقطة للتدليل على مولد الشرارة الأولى لانجذاب جنسى بين الشخصيتين. فتساوى ارتفاعهما بالكادر للمرة الأولى ما هو إللا إشارة على تكون رابط جديد وقوى بينهما وهو الجنس.

 

بعد أول لقاء بين كاليب وآفا يوجه ناثان سؤاله لكاليب: "بماذا شعرت نحوها؟ لا أريد منك رأى تحليلى، فقط أريد أن اعرف بماذا شعرت". يأخذنا ذلك إلى الخيط الأول فى صراع رئيسى فى الفيلم يدور بين العقل والعاطفة، وهذه اللقطة التى تنعكس فيها صورة آفا على الزجاج تمثل ذلك الصراع الذى كان بطله ناثان، كيف يرى آفا؟ بعاطفته أم بعقله؟ لآفا صورتان فى هذه اللقطة تعبران عن الحيرة والإختبار بالخيارات التى أمام ناثان.

 

فى هذه اللقطة يقدم الفيلم نظام التأطير المتعدد Multi-Framing، كأداة بصرية للتعبير عن حالة السجن والخناق التى تعيشها آفا فى قصر ناثان. الإطار الأول نافذة مستطيلة تطل على الخارج حيث بعض النباتات. والإطار الثانى يشمل الأول وهو سقف الغرفة مع فواصل الحوائط. أما الإطار الثالث فهو شاشة "اللابتوب" التى يتابع من خلالها ناثان المنظر وهى تحوى داخلها الإطار الاول والثانى. أما الإطار الرابع فهو إطار الفيلم الأساسى والذى يجمع الثلاثة إطارات الداخلية، وتكون آفا فى الوسط داخل كل تلك الأطر.


  يبرز هذا المشهد اشتياق وجوع آفا لتؤكد على حريتها من ناحية، وعلى كونها أنثى جميلة من ناحية أخرى. ومن أجل تمثيل هذا الجوع بصرياً فقد اُستخدِمَت المرايا لتأكيد هذه الحالة وتضخيمها من مرة إلى خمس مرات، نرى فيها جسد آفا مكتمل الأنسنة والجنسنة فى آن واحد.


سنعود لهذه اللقطة مرة أخرى، لكن ما يهم توضيحه الآن، هو أن آفا فى طريقها للحرية فهى تتجه من الزاوية اليسرى للكادر التى تحجب عنها الجبال ضوء الشمس وفى طريقها للزاوية اليمنى حيث الإضاءة الكاملة والخروج من الظل نحو النور، ولتكون إنساناً طبيعياً فهى تسير لأول مرة بالعالم الحقيقى.



آفا الآن أصبحت، ظاهرياً، حرة ومكتملة الأنسنة. فهى تسير بين البشر بصورة طبيعية، لكن ما نلاحظه أن الكادر يجمع ثلاثة ظلال، آفا على اليمين، وعلى يسارها حبيبين/زوجين متشابكا الأيدى فى صورة حميمية، وهو ما يسبب الصدمة الأولى ويطرح التساؤل المؤجل، وهو هل آفا حقاً حرة؟ أو بالأحرى هل هى بالفعل إنسان؟ هل نجح اختراع ناثان؟


فى اللقطة التالية تخرج ظلال الحبيبين من الكادر، ويبقى ظل آفا وحده وهى واقفة ساكنة لا تتحرك بينما الجميع يتحركون. الأهم هو أن الكاميرا لا ترصد آفا نفسها بل انعكاسها، الكاميرا أيضاً مقلوبة عن وضعها الأساسى، ما يوحى بأن هناك خطب ما، شيئاً مفقوداً، إنسانية غير مكتملة، وحرية بلا معنى.



الآن هذه اللقطة ترغمنا على العودة للقطة التحرر التى سارت فيها آفا بين النباتات والجبال والطبيعة، والتى كانت لقطة صافية بلا تشوش كدليل على يقين آفا لحظتها بأنها استردت حريتها، بينما هذه اللقطة النهائية فهى مشوشة لأنها ملتقطة من وراء زجاج. هذا التشوش يشكك بوهم آفا السابق بأنها حرة أو إنسان. لعدة أسباب أهمها أنها وحيدة، لا تملك مشاعر، ولا ذاكرة، ولا عاطفة، ولا يهتم لأمرها أحد. غريزة البقاء ليست وحدها ما يجعلنا بشراً، ولا الذكاء، ولا حتى الحرية والاستقلال، بينما هى تنويعة بين عديد من التناقضات، الحماقات، الأساطير، العاطفة، والأوهام. فالحرية خارج اللُحمة الإنسانية ستؤدى فى النهاية إلى سجن من نوع آخر، وهو سجن الوحدة والإغتراب.

0 التعليقات:


لماذا ثمانية لا عشرة؟ فى رأيى أن العام السابق كان الأضعف سينمائياً فى هذا العقد، هذا تجلى بصورة ما فى مشهد الجوائز، حيث الإختيارات بعيدة التوافق بين مسابقة وأخرى، وللمرة الأولى منذ سنوات لا يوجد مرشح بارز front runner للأوسكار، ولا توجد المبارزة التاريخية المعتادة، Birdman ضد Boyhood أو Gravity ضد 12 Years a Slave أو Argo ضد Les Miserables، ففى هذا العام كل الخيارات متاحة، بل أن الترشيحات نفسها نالت كثير من الهجوم وعدم الرضا سواء من باب إثنى أو ذوقى. كل ذلك اللغط والعشوائية نابعين من تقارب المستويات؛ ما يخضع الجميع فى النهاية للتفضيلات الشخصية. صنعت هذه القائمة بأفضل أفلام العام بناء على ذوقى الشخصى، واكتفيت بـ8 أفلام فقط لكى أحافظ على مستوى معين أكون راضى تمام الرضا عنه. إليكم القائمة:




08
Me And Earl And The Dying Girl
هناك رأى سلبى مُنتشر، لدرجة، بين من شاهدوا هذا الفيلم وهو أنه لم يكن مؤثراً أو عاطفياً بما يكفى مقارنة بتجارب مشابهة مثل The Fault in Our Stars. أعتقد أنها كانت النقطة من الأساس، بل إنها من الأسباب الرئيسية التى جعلتنى أضعه فى تلك القائمة، فصانع الفيلم لم يكن يسعى من الأصل لدغدغة المشاعر لدى المشاهد .. وهذا ما يجعله فيلماً متفرداً. إنها من المرات الأولى التى نرى بها فيلماً يتناول تيمة المرض بهذا الشكل العبثى الساخر، بألعابه الدرامية وتحطيمه الكليشيهات ومحاولة هدم وإعادة تعريف هذا النوع من الدراما، والجميل أن هذا التمرد السينمائى أتى بما يتناغم مع هواية البطل والتى كانت السينما. الفيلم يقدم شخصية مراهق فريدة تماماً من نوعها وبأبعاد وصفات جديدة وثائرة على مفهوم الطبقية فى المدارس الثانوية، فهو لم يتحرر، فقط، درامياً من تلك التصنيفات بل قدّم فى أحد مونولوجات الروى شرحاً ذكياً وبديعاً لهذا اللا إنتماء. الفيلم به احتفاء رائع بالسينما وخاصة السينما الفنية الأوروبية القديمة، وبصورة تجعل قلوب عشاق هذا النوع من السينما تنتفض بالنشوة مع كل لقطة يظهر بها عنوان أو محاكاة لفيلم من تلك الأفلام.



07
Brooklyn
ظاهرياً، لا يوجد ما هو مميز فى هذا الفيلم، فهو لا يكتفى بحقبة الخمسينيات كزمن لأحداثه لكنه أيضاً مصنوع على الطراز الكلاسيكى التقليدى لهذه الحقبة، القصة البسيطة وأسلوب السرد الخطى الخالى من أى ألعاب، ولحظات التراجيديا العتيقة ومشاهد الرومانسية كما يقول الكتاب، حتى أنه فى إحدى لقطات الفيلم يسير البطل والبطلة بجوار دار عرض سينمائية معلق عليها ملصق دعائى كبير لفيلم Singing in The Rain،
فى هذه اللقطة شعرت أن باقى الكادر ليس سوى ملصق دعائى آخر لفيلم كلاسيكى منافس وهو "بروكلين"، وكأن السينما تعرض الفيلمين معاً! ما سبق يمكن اعتباره ميزة أو عيب لكنى أعتبره ميزة كبرى، أن يستطيع فيلم إثارة كل هذا الإعجاب وحصد ثلاثة ترشيحات أوسكار بينها أفضل  فيلم، فضلاً عن تجربة مشاهدته التى لمستنى بشكل خاص ووضعتنى فى حالة استثنائية من الشحن العاطفى، وكل هذا بأدوات السينما القديمة، ودون أى بهرجة أو افتعال، فذلك بالطبع ميزة. يتناول الفيلم أفكار مثل الوطن والحنين والحب والعلاقات وتحقيق الذات، بصورة شاعرية ودافئة لا تخلو من العمق وبعض الصدمة. استطاعت المثلة "سيرشى رونان" تقديم الأداء التمثيلى النسائى الأقوى فى العام، فى رأيى، فما فعلته كان أكثر من حالة تقمص أو إنفعالات قوية، فالشخصية التى جسدتها أكثر تركيباً من أن تجسد بتلك الطريقة، إنها الأنثى نفسها فى أكثر حالاتها تعقيداً وغموضاً على نفسها قبل الآخرين، يكفى القول أنها لم تجعلنا نحكم بالسب أو نكره الشخصية رغم سلوكها النفعى، أو الخبيث احياناً، فقد كستها سيرشى لحماً ودماءً وجعلتها إنساناً حقيقياً، لا شخصية بفيلم.



06
The Brand New Testament
هذا الفيلم لا يقدم الفكرة الأجرأ فى هذا العام وحسب، بل لعلها الأجرأ فى تاريخ السينما والدراما والرواية والحكى بصفة عامة، فهو يدخل أكثر المناطق المحرمة بشجاعة محاولاً تشريح ميثولوجيا الإله وفقاً للتصورات الأكثر شيوعا بين البشر، يفعل هذا مباشرة بدون اللجوء لرمزية أو مواراة. وهو لا يكتفى بالنقد بل فقط يستخدمه كنقطة إنطلاق للبناء، وهذا ما يعطيه قوته وتميزه عن أفلام لعبت فى نفس المنطقة التابوهية مثل The Invention of Lying، فالأخير ناقص إبداعياً بالمقارنة كونه صنع نفسه مكتفياً بالإقتيات أو التطفل على الموروث الميثولوجى بسخرية تميل للصبيانية، بينما هذا الفيلم يعد تجربة إبداعية مكتملة الأركان والنضج والتطور. لقد وعى مؤلف ومخرج الفيلم "جاكو فان دوراميل" أن بيانات موت الإله التى بنيت عليها الفلسفة الغربية الحديثة، كانت بحاجة لأن تسبقها ثورة عليه قبل إعلان موته. يتسائل الإله فى أحد مشاهد الفيلم بفزع واستنكار عن ماذا لو نجحت ابنته المتمردة عليه فى جعل البشر أقل تعاسة وأكثر قدرة على تخطى معاناتهم، هادمة المخطط والقدر الإلهى الذى صنعه. ذلك كان السؤال الرئيسى الذى يحاول الفيلم الإجابة عنه. وبرغم كوميديا الفيلم وسخريته اللاذعة إللا أنه حافظ على كوميديته من التحول للسفه، وعلى سخريته من أن تميل إلى السينيكالية. فقد كان الضحك برائحة الشجن، والسخرية حالمة وشاعرية. النكهة الأوروبية تفوح من الكادرات ومن الموسيقى المنتقاة بعناية. الفيلم هو الخطوة التالية فى مشوار دورمايل بعد رائعته السابقة Mr. Nobody وهى خطوة لم تخيّب توقعاتى.



05
Youth
فى الغالب ستحب هذا الفيلم حتى وإن لم تكن من معجبى باولو سورنتينو وأفلامه السابقة، فهو النموذج الأكثر إكتمالاً ونضجاً لسينماه الشعرية، الشعرية التى تعترف وتطوّع مستجدات الثقافة الشعبية فى داخلها، فتسمع فيها المقطوعات الكلاسيكية جنباً إلى جنب مع موسيقى البوب الراقصة، وترى الطبيعة الخالصة جنباً إلى جنب مع المعمار والديكور الحداثى، وتجد الحوارات العفوية تتحول إلى نثريات وأبيات شعر مصقلة بخلاصة الحكمة ومحفزات التأمل. يحافظ سورنتينو فى هذا الفيلم على نفس قدر الجماليات بفيلمه السابق "الجمال العظيم" ولكنه تدارك أيضاً عيوبه الكبرى والتى تلخصت فى تهميش العاطفة والمغزى. هذه المرة تتضح صراعات وهموم الشخصيات من اللحظة الأولى، هذه المرة أنت قادر على الشعور بخوائهم النفسى قبل وهنهم الجسدى. وحتى اللحظات الشعرية التأملية كانت أكثر ارتباطاً بالدراما وأعلى فى جرعة الشحن العاطفى، وأقل فى الإدعاء. وبرغم حصة الكآبة إلا إنه احتوى على لحظات شديدة الظرف والسخرية تجعله واحد من أرقى أفلام الكوميديا السوداء فى الفترة الأخيرة.



04
Ex Machina
 
عادة ما يتم تجاهل الأفلام الصادرة فى بدايات العام على صعيد الجوائز، هذا الفيلم استثناء، فبرغم صدوره فى شهر يناير من عام 2015 إللا أنه استطاع الصمود لأشهر داخل ذاكرة من رآه، وفرض نفسه فى موسم الجوائز بـ5 ترشيحات بافتا وترشيحين أوسكار. الفيلم هو التجربة الإخراجية الأولى لأليكس جارلاند بعد مشوار ناجح مع كتابة سيناريوهات أفلام جمعها كلها وسواس فناء البشر، سواء عن طريق الزومبى أو الكوارث الطبيعية والكونية، وفى هذا الفيلم مازال ذلك الوسواس يؤرقه. لكن العدو هذه المرة، كما يبدو، هو الذكاء الإصطناعى. المواجهة بين الإنسان والروبوت ليست جديدة على السينما، لكن هذا الفيلم يأخذها إلى مستويات جديدة وصادمة. هذه النوعية من الأفلام مثل her تجعلك تظن فى بداياتها أنها بالفعل عن استكشاف المستقبل وما قد تصل إليه التكنولوجيا، لكنك تشعر فى النهاية أن ما تستكشفه حقاً ليس سوى الإنسان نفسه، وفى أكثر حالاته بدائية، وما التكنولوجيا إللا وسيلة للتنقيب داخل النفس البشرية. فى هذا الفيلم يكون الأمر أكثر تجلياً مع اللعبة الدرامية twist  التى تحدث فى النهاية. الفيلم متعدد الطبقات وله عديد من التأويلات، وقد طرحت أحد هذه التأويلات والتى تخص الصراع الجنسانى فى هذا المقال.




03 
Mustang
تصف "دينيس إرجوفان" مخرجة الفيلم هذه اللقطة التى تتشابك فيها أجساد الفتيات بأنها تمثل "وحش الأنوثة" Femininity Monster. وهو فى رأيى أقرب توصيف للفيلم نفسه، فإن كان لهرمونات البروجيستيرون والاستروجين رائحة فهى داخل كل شهيق تأخذه وأنت تشاهد هذا الفيلم! فهى بالفعل من المرات النادرة التى يحتوى بها فيلماً نسوى الطابع على هذا القدر من الإحتفاء بجمال الأنثى، وصانعة الفيلم كانت على وعى شديد بهذا الأمر للدرجة التى تجعلها تضخم من شأن هذا الجمال من مرة إلى 5 مرات. وعلى عكس الأعراف السائدة بهذا التيار الفكرى التى تربط أحياناً مساواة المرأة وتحررها بجعلها تتبنى صفات الذكر وتحضها على عدم التعبير عن جسدها بحجة أن ذلك يعد تشيىء وتسليع لها. إرجوفان فى هذا الفيلم استطاعت بناء هذا الجسر المتجاهل بين النسوية والأنوثة .. بين ما هو واقعى وما هو حالم، ما هو وثير وما هو قاسى، بين اللعب والموت، بين البهجة والسجن، بين الخضوع والتمرد. هذا ليس مجرد فيلم وعظى آخر عن حقوق المرأة، بل هو أنشودة بصرية فى حب المرأة، ودرس فى كيفية التعامل السينمائى مع الأنثى كعنصر جمالى استطيقى فى حد ذاته، يتناغم مع باقى العناصر الجمالية التى قدمها الفيلم من صورة خلابة وموسيقى ساحرة وهارمونى إستثنائى بين ممثلات مبتدئات.



02
Anomalisa
 
"تشارلى كوفمان" يعود بفيلم بعد غياب 8 سنوات، هل هذا يكفى؟! إن ما يجعل، فى رأيى، كوفمان النجم الألمع فى عالم الكتابة السينمائية اليوم، هو إيمانه المطلق بأنه لا سبيل للأصالة سوى التعّرى، تعرى النفس، الضمير، والنوايا. أى نص يحتاج لقدر غير بسيط من الشجاعة ليجد له قبولاً وإهتماماً عند المتلقى، والشجاعة فى قاموس كوفمان ليست إظهار القوة، بل الضعف، أن تظهر مكامن هشاشتك الإنسانية، تحتفى بصفاتك البشرية المنفرة والمثيرة للشفقة، تبروز خوفك ووحدتك واكتئابك بصدق وحق؛ إيماناً بأن الجميع لديهم جُرحهم الداخلى الذى يجعلهم مرغمين على التماهى مع كل جُرح آخر بما في ذلك جُرحك، وأنه مهما بدت لك نفسك غير مثيرة للإهتمام، فهى تظل الشىء الوحيد الذى يمكنك تقديمه. هكذا يصنع كوفمان أفلامه وآخرها هذا الفيلم الذى يحكى قصة رجل يواجه أزمة منتصف العمر بالشكل الأكثر غرابة، منذ الدقائق المبكرة من الفيلم يشعرك كوفمان بريبة شديدة حيال هذا العالم وأشخاصه، الصوت الواحد، أقنعتهم التى تخبىء وجوههم وتجعلهم جميعاً متشابهين فى الزيف. يبدو مايكل الشخص الحقيقى الوحيد فى هذا العالم الديستوبى، هل لمجرد أنه هو صانع الزيف ومصدره بكتب ومحاضرات التنمية البشرية التى ينتجها والتى تعلم البشر كيف يكونوا روبوتات؟ مازالت العزلة والوحدة والخواء والفصام والبارانويا عناصر أساسية فى أفلام كوفمان، ومازال البحث جارى عن جوهر الانسان بتجريده من أقنعته. فيلم يحتاج أكثر من مشاهدة لإستيعاب طبقاته الفلسفية. فهو بالفعل، كما يصفه أحد النقاد الأميريكيين، الفيلم الأكثر إنسانية فى العام دون أن يظهر به إنسان واحد.



01
The Lobster
 
الفيلم الذى يوازن بين قوة الفكرة وطزاجة الشكل، فهو العمل الأكثر تكاملاً. حيث ينتزع الرومانسية من مخالب القسوة، ويقدم التسلية مع القيمة، و يكون الضحك فيه نابع من شدة السوداوية. نجح "يورجوس لانتيموس" فى خلق عالم جديد، هو أقرب فى إحكامه وغرائبيته لعوالم "ويس أندرسون" الكارتونية، باستثناء خلوه من بهجة وألوان أندرسون التى استعاض عنها لانتيموس بمسحة أسطورية تدعمها لزمة متكررة من الموسيقى الكلاسيكية الحزينة، وطرح فلسفى شديد العمق. فى أحد مشاهد الفيلم يركض البطل فى الغابة هارباً من تلك المؤسسة المجنونة التى تحوّل البشر لحيوانات إن لم يستطيعوا التكيّف مع النظام الإجتماعى المفروض، وقد بدت اللقطة، مع التعليق الصوتى من راوية الأحداث، أقرب لجدارية أو رسمة مقتطعة من إحدى القصص المصورة التى تدور حول الأساطير الأوروبية القديمة أو عصور الانحطاط وكأن البطل فى هذه اللقطة يركض للخروج من احدى صفحات التاريخ الملعونة نحو عالم أكثر انسانية. سيناريو الفيلم شديد الدقة، لا توجد جملة بلا معنى، أو لقطة بلا مغزى، أو مشهد خارج عضوية الفيلم .. لا مجال للإستعراض، فكل شىء متضافر لتكثيف الحالة الذهنية. أما نقطة تفوق الإخراج الأبرز فهى القيادة لعنصر الزمن والمكان، فالتتابعات تشهد تنقلات شديدة التطرف بين أماكن وأحداث لا ترتبط بعلاقة تاريخية واضحة، وقد وصلت براعة قيادة لانتيموس فى هذا الشق إلى تشويه عنصر الزمن والمكان بالمفهوم الواقعى وإرساء قواعده وتصوراته شديدة الخصوصية عنهما فى علاقتها مع أحداث الفيلم.

أفضل 8 أفلام فى عام 2015

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:13 ص 0 تعليقات


لماذا ثمانية لا عشرة؟ فى رأيى أن العام السابق كان الأضعف سينمائياً فى هذا العقد، هذا تجلى بصورة ما فى مشهد الجوائز، حيث الإختيارات بعيدة التوافق بين مسابقة وأخرى، وللمرة الأولى منذ سنوات لا يوجد مرشح بارز front runner للأوسكار، ولا توجد المبارزة التاريخية المعتادة، Birdman ضد Boyhood أو Gravity ضد 12 Years a Slave أو Argo ضد Les Miserables، ففى هذا العام كل الخيارات متاحة، بل أن الترشيحات نفسها نالت كثير من الهجوم وعدم الرضا سواء من باب إثنى أو ذوقى. كل ذلك اللغط والعشوائية نابعين من تقارب المستويات؛ ما يخضع الجميع فى النهاية للتفضيلات الشخصية. صنعت هذه القائمة بأفضل أفلام العام بناء على ذوقى الشخصى، واكتفيت بـ8 أفلام فقط لكى أحافظ على مستوى معين أكون راضى تمام الرضا عنه. إليكم القائمة:




08
Me And Earl And The Dying Girl
هناك رأى سلبى مُنتشر، لدرجة، بين من شاهدوا هذا الفيلم وهو أنه لم يكن مؤثراً أو عاطفياً بما يكفى مقارنة بتجارب مشابهة مثل The Fault in Our Stars. أعتقد أنها كانت النقطة من الأساس، بل إنها من الأسباب الرئيسية التى جعلتنى أضعه فى تلك القائمة، فصانع الفيلم لم يكن يسعى من الأصل لدغدغة المشاعر لدى المشاهد .. وهذا ما يجعله فيلماً متفرداً. إنها من المرات الأولى التى نرى بها فيلماً يتناول تيمة المرض بهذا الشكل العبثى الساخر، بألعابه الدرامية وتحطيمه الكليشيهات ومحاولة هدم وإعادة تعريف هذا النوع من الدراما، والجميل أن هذا التمرد السينمائى أتى بما يتناغم مع هواية البطل والتى كانت السينما. الفيلم يقدم شخصية مراهق فريدة تماماً من نوعها وبأبعاد وصفات جديدة وثائرة على مفهوم الطبقية فى المدارس الثانوية، فهو لم يتحرر، فقط، درامياً من تلك التصنيفات بل قدّم فى أحد مونولوجات الروى شرحاً ذكياً وبديعاً لهذا اللا إنتماء. الفيلم به احتفاء رائع بالسينما وخاصة السينما الفنية الأوروبية القديمة، وبصورة تجعل قلوب عشاق هذا النوع من السينما تنتفض بالنشوة مع كل لقطة يظهر بها عنوان أو محاكاة لفيلم من تلك الأفلام.



07
Brooklyn
ظاهرياً، لا يوجد ما هو مميز فى هذا الفيلم، فهو لا يكتفى بحقبة الخمسينيات كزمن لأحداثه لكنه أيضاً مصنوع على الطراز الكلاسيكى التقليدى لهذه الحقبة، القصة البسيطة وأسلوب السرد الخطى الخالى من أى ألعاب، ولحظات التراجيديا العتيقة ومشاهد الرومانسية كما يقول الكتاب، حتى أنه فى إحدى لقطات الفيلم يسير البطل والبطلة بجوار دار عرض سينمائية معلق عليها ملصق دعائى كبير لفيلم Singing in The Rain،
فى هذه اللقطة شعرت أن باقى الكادر ليس سوى ملصق دعائى آخر لفيلم كلاسيكى منافس وهو "بروكلين"، وكأن السينما تعرض الفيلمين معاً! ما سبق يمكن اعتباره ميزة أو عيب لكنى أعتبره ميزة كبرى، أن يستطيع فيلم إثارة كل هذا الإعجاب وحصد ثلاثة ترشيحات أوسكار بينها أفضل  فيلم، فضلاً عن تجربة مشاهدته التى لمستنى بشكل خاص ووضعتنى فى حالة استثنائية من الشحن العاطفى، وكل هذا بأدوات السينما القديمة، ودون أى بهرجة أو افتعال، فذلك بالطبع ميزة. يتناول الفيلم أفكار مثل الوطن والحنين والحب والعلاقات وتحقيق الذات، بصورة شاعرية ودافئة لا تخلو من العمق وبعض الصدمة. استطاعت المثلة "سيرشى رونان" تقديم الأداء التمثيلى النسائى الأقوى فى العام، فى رأيى، فما فعلته كان أكثر من حالة تقمص أو إنفعالات قوية، فالشخصية التى جسدتها أكثر تركيباً من أن تجسد بتلك الطريقة، إنها الأنثى نفسها فى أكثر حالاتها تعقيداً وغموضاً على نفسها قبل الآخرين، يكفى القول أنها لم تجعلنا نحكم بالسب أو نكره الشخصية رغم سلوكها النفعى، أو الخبيث احياناً، فقد كستها سيرشى لحماً ودماءً وجعلتها إنساناً حقيقياً، لا شخصية بفيلم.



06
The Brand New Testament
هذا الفيلم لا يقدم الفكرة الأجرأ فى هذا العام وحسب، بل لعلها الأجرأ فى تاريخ السينما والدراما والرواية والحكى بصفة عامة، فهو يدخل أكثر المناطق المحرمة بشجاعة محاولاً تشريح ميثولوجيا الإله وفقاً للتصورات الأكثر شيوعا بين البشر، يفعل هذا مباشرة بدون اللجوء لرمزية أو مواراة. وهو لا يكتفى بالنقد بل فقط يستخدمه كنقطة إنطلاق للبناء، وهذا ما يعطيه قوته وتميزه عن أفلام لعبت فى نفس المنطقة التابوهية مثل The Invention of Lying، فالأخير ناقص إبداعياً بالمقارنة كونه صنع نفسه مكتفياً بالإقتيات أو التطفل على الموروث الميثولوجى بسخرية تميل للصبيانية، بينما هذا الفيلم يعد تجربة إبداعية مكتملة الأركان والنضج والتطور. لقد وعى مؤلف ومخرج الفيلم "جاكو فان دوراميل" أن بيانات موت الإله التى بنيت عليها الفلسفة الغربية الحديثة، كانت بحاجة لأن تسبقها ثورة عليه قبل إعلان موته. يتسائل الإله فى أحد مشاهد الفيلم بفزع واستنكار عن ماذا لو نجحت ابنته المتمردة عليه فى جعل البشر أقل تعاسة وأكثر قدرة على تخطى معاناتهم، هادمة المخطط والقدر الإلهى الذى صنعه. ذلك كان السؤال الرئيسى الذى يحاول الفيلم الإجابة عنه. وبرغم كوميديا الفيلم وسخريته اللاذعة إللا أنه حافظ على كوميديته من التحول للسفه، وعلى سخريته من أن تميل إلى السينيكالية. فقد كان الضحك برائحة الشجن، والسخرية حالمة وشاعرية. النكهة الأوروبية تفوح من الكادرات ومن الموسيقى المنتقاة بعناية. الفيلم هو الخطوة التالية فى مشوار دورمايل بعد رائعته السابقة Mr. Nobody وهى خطوة لم تخيّب توقعاتى.



05
Youth
فى الغالب ستحب هذا الفيلم حتى وإن لم تكن من معجبى باولو سورنتينو وأفلامه السابقة، فهو النموذج الأكثر إكتمالاً ونضجاً لسينماه الشعرية، الشعرية التى تعترف وتطوّع مستجدات الثقافة الشعبية فى داخلها، فتسمع فيها المقطوعات الكلاسيكية جنباً إلى جنب مع موسيقى البوب الراقصة، وترى الطبيعة الخالصة جنباً إلى جنب مع المعمار والديكور الحداثى، وتجد الحوارات العفوية تتحول إلى نثريات وأبيات شعر مصقلة بخلاصة الحكمة ومحفزات التأمل. يحافظ سورنتينو فى هذا الفيلم على نفس قدر الجماليات بفيلمه السابق "الجمال العظيم" ولكنه تدارك أيضاً عيوبه الكبرى والتى تلخصت فى تهميش العاطفة والمغزى. هذه المرة تتضح صراعات وهموم الشخصيات من اللحظة الأولى، هذه المرة أنت قادر على الشعور بخوائهم النفسى قبل وهنهم الجسدى. وحتى اللحظات الشعرية التأملية كانت أكثر ارتباطاً بالدراما وأعلى فى جرعة الشحن العاطفى، وأقل فى الإدعاء. وبرغم حصة الكآبة إلا إنه احتوى على لحظات شديدة الظرف والسخرية تجعله واحد من أرقى أفلام الكوميديا السوداء فى الفترة الأخيرة.



04
Ex Machina
 
عادة ما يتم تجاهل الأفلام الصادرة فى بدايات العام على صعيد الجوائز، هذا الفيلم استثناء، فبرغم صدوره فى شهر يناير من عام 2015 إللا أنه استطاع الصمود لأشهر داخل ذاكرة من رآه، وفرض نفسه فى موسم الجوائز بـ5 ترشيحات بافتا وترشيحين أوسكار. الفيلم هو التجربة الإخراجية الأولى لأليكس جارلاند بعد مشوار ناجح مع كتابة سيناريوهات أفلام جمعها كلها وسواس فناء البشر، سواء عن طريق الزومبى أو الكوارث الطبيعية والكونية، وفى هذا الفيلم مازال ذلك الوسواس يؤرقه. لكن العدو هذه المرة، كما يبدو، هو الذكاء الإصطناعى. المواجهة بين الإنسان والروبوت ليست جديدة على السينما، لكن هذا الفيلم يأخذها إلى مستويات جديدة وصادمة. هذه النوعية من الأفلام مثل her تجعلك تظن فى بداياتها أنها بالفعل عن استكشاف المستقبل وما قد تصل إليه التكنولوجيا، لكنك تشعر فى النهاية أن ما تستكشفه حقاً ليس سوى الإنسان نفسه، وفى أكثر حالاته بدائية، وما التكنولوجيا إللا وسيلة للتنقيب داخل النفس البشرية. فى هذا الفيلم يكون الأمر أكثر تجلياً مع اللعبة الدرامية twist  التى تحدث فى النهاية. الفيلم متعدد الطبقات وله عديد من التأويلات، وقد طرحت أحد هذه التأويلات والتى تخص الصراع الجنسانى فى هذا المقال.




03 
Mustang
تصف "دينيس إرجوفان" مخرجة الفيلم هذه اللقطة التى تتشابك فيها أجساد الفتيات بأنها تمثل "وحش الأنوثة" Femininity Monster. وهو فى رأيى أقرب توصيف للفيلم نفسه، فإن كان لهرمونات البروجيستيرون والاستروجين رائحة فهى داخل كل شهيق تأخذه وأنت تشاهد هذا الفيلم! فهى بالفعل من المرات النادرة التى يحتوى بها فيلماً نسوى الطابع على هذا القدر من الإحتفاء بجمال الأنثى، وصانعة الفيلم كانت على وعى شديد بهذا الأمر للدرجة التى تجعلها تضخم من شأن هذا الجمال من مرة إلى 5 مرات. وعلى عكس الأعراف السائدة بهذا التيار الفكرى التى تربط أحياناً مساواة المرأة وتحررها بجعلها تتبنى صفات الذكر وتحضها على عدم التعبير عن جسدها بحجة أن ذلك يعد تشيىء وتسليع لها. إرجوفان فى هذا الفيلم استطاعت بناء هذا الجسر المتجاهل بين النسوية والأنوثة .. بين ما هو واقعى وما هو حالم، ما هو وثير وما هو قاسى، بين اللعب والموت، بين البهجة والسجن، بين الخضوع والتمرد. هذا ليس مجرد فيلم وعظى آخر عن حقوق المرأة، بل هو أنشودة بصرية فى حب المرأة، ودرس فى كيفية التعامل السينمائى مع الأنثى كعنصر جمالى استطيقى فى حد ذاته، يتناغم مع باقى العناصر الجمالية التى قدمها الفيلم من صورة خلابة وموسيقى ساحرة وهارمونى إستثنائى بين ممثلات مبتدئات.



02
Anomalisa
 
"تشارلى كوفمان" يعود بفيلم بعد غياب 8 سنوات، هل هذا يكفى؟! إن ما يجعل، فى رأيى، كوفمان النجم الألمع فى عالم الكتابة السينمائية اليوم، هو إيمانه المطلق بأنه لا سبيل للأصالة سوى التعّرى، تعرى النفس، الضمير، والنوايا. أى نص يحتاج لقدر غير بسيط من الشجاعة ليجد له قبولاً وإهتماماً عند المتلقى، والشجاعة فى قاموس كوفمان ليست إظهار القوة، بل الضعف، أن تظهر مكامن هشاشتك الإنسانية، تحتفى بصفاتك البشرية المنفرة والمثيرة للشفقة، تبروز خوفك ووحدتك واكتئابك بصدق وحق؛ إيماناً بأن الجميع لديهم جُرحهم الداخلى الذى يجعلهم مرغمين على التماهى مع كل جُرح آخر بما في ذلك جُرحك، وأنه مهما بدت لك نفسك غير مثيرة للإهتمام، فهى تظل الشىء الوحيد الذى يمكنك تقديمه. هكذا يصنع كوفمان أفلامه وآخرها هذا الفيلم الذى يحكى قصة رجل يواجه أزمة منتصف العمر بالشكل الأكثر غرابة، منذ الدقائق المبكرة من الفيلم يشعرك كوفمان بريبة شديدة حيال هذا العالم وأشخاصه، الصوت الواحد، أقنعتهم التى تخبىء وجوههم وتجعلهم جميعاً متشابهين فى الزيف. يبدو مايكل الشخص الحقيقى الوحيد فى هذا العالم الديستوبى، هل لمجرد أنه هو صانع الزيف ومصدره بكتب ومحاضرات التنمية البشرية التى ينتجها والتى تعلم البشر كيف يكونوا روبوتات؟ مازالت العزلة والوحدة والخواء والفصام والبارانويا عناصر أساسية فى أفلام كوفمان، ومازال البحث جارى عن جوهر الانسان بتجريده من أقنعته. فيلم يحتاج أكثر من مشاهدة لإستيعاب طبقاته الفلسفية. فهو بالفعل، كما يصفه أحد النقاد الأميريكيين، الفيلم الأكثر إنسانية فى العام دون أن يظهر به إنسان واحد.



01
The Lobster
 
الفيلم الذى يوازن بين قوة الفكرة وطزاجة الشكل، فهو العمل الأكثر تكاملاً. حيث ينتزع الرومانسية من مخالب القسوة، ويقدم التسلية مع القيمة، و يكون الضحك فيه نابع من شدة السوداوية. نجح "يورجوس لانتيموس" فى خلق عالم جديد، هو أقرب فى إحكامه وغرائبيته لعوالم "ويس أندرسون" الكارتونية، باستثناء خلوه من بهجة وألوان أندرسون التى استعاض عنها لانتيموس بمسحة أسطورية تدعمها لزمة متكررة من الموسيقى الكلاسيكية الحزينة، وطرح فلسفى شديد العمق. فى أحد مشاهد الفيلم يركض البطل فى الغابة هارباً من تلك المؤسسة المجنونة التى تحوّل البشر لحيوانات إن لم يستطيعوا التكيّف مع النظام الإجتماعى المفروض، وقد بدت اللقطة، مع التعليق الصوتى من راوية الأحداث، أقرب لجدارية أو رسمة مقتطعة من إحدى القصص المصورة التى تدور حول الأساطير الأوروبية القديمة أو عصور الانحطاط وكأن البطل فى هذه اللقطة يركض للخروج من احدى صفحات التاريخ الملعونة نحو عالم أكثر انسانية. سيناريو الفيلم شديد الدقة، لا توجد جملة بلا معنى، أو لقطة بلا مغزى، أو مشهد خارج عضوية الفيلم .. لا مجال للإستعراض، فكل شىء متضافر لتكثيف الحالة الذهنية. أما نقطة تفوق الإخراج الأبرز فهى القيادة لعنصر الزمن والمكان، فالتتابعات تشهد تنقلات شديدة التطرف بين أماكن وأحداث لا ترتبط بعلاقة تاريخية واضحة، وقد وصلت براعة قيادة لانتيموس فى هذا الشق إلى تشويه عنصر الزمن والمكان بالمفهوم الواقعى وإرساء قواعده وتصوراته شديدة الخصوصية عنهما فى علاقتها مع أحداث الفيلم.

0 التعليقات:

(هذا المقال يحتوى على حرق لأحداث الأفلام)
------
دائماً ما كانت الفنون متهمة بتقديم رؤى حالمة ومضللة عن مفهوم الحب والعلاقات العاطفية، تلك التهمة كانت حصرية فى الماضى على الرواية والشعر، إلى أن ظهر ذلك الفن المرئى/الصوتى الإعجازى المسمى بالسينماتوجراف فى أواخر القرن ال19، ليتلقف الضربات والتهم. فإذا كنا نتحدث عن التضليل فالسينما هى أكثر الفنون امتلاكاً لأدوات التضليل، إنها فن الهروب من الواقع بإمتياز، فبمجرد أن تنطفىء أنوار صالات العرض تسحبك معها إلى عوالمها الأخرى، بقواعدها الجديدة، ولمستويات تفوق غيرها من الوسائط والفنون الأخرى، لدرجة تجعلك بالفعل تستسلم لما تبثه فى وعيك قبل لا وعيك.

والعلاقات العاطفية هى العنصر شبه الدائم بالسينما، ما جعل الأفلام تقوم فى الأساس على فكرة الثنائيات، حيث بطل وبطلة. واستغلت السينما نفوذها الفكرى فى تقديم الصورة المنشودة عن هذا المفهوم الشائك المعروف بالحب، الصورة التى ترضى أحلام وتطلعات الجموع. فالحب دائما سلوك مُعظّم ومنزه ومُسَلّم به، وأحياناً يكون هو المعنى والمحور لكل شىء، وإن لم تكن العلاقات العاطفية هى غاية الأبطال النهائية فهى على الأقل أحد الأصناف الأساسية على المائدة. وذلك الحب، غالباً، ذو طابع أسطورى مُخلّد، إنه شيئ حقيقي حتى لو تفرق الأحبة بنهاية الفيلم، فالنهاية السعيدة أو "التبات والنبات" لم تكن فقط ما يجلّ شأن الحب على الشاشة، ولعل نهاية فيلم مثل "كازابلانكا" هى أوضح نموذج على ذلك. فالغاية الكبرى هى تقديم الصورة الحالمة والمسحة الأسطورية التى تجعل المتفرج يخرج وهو يحلم بأن يحيا إحدى قصص الحب العظيمة والبراقة التى تبيعها له السينما كأمل مخدّر يجعل الحياة أكثر تحمُلاً.

ولأن الواقع مختلف، فقد ظهر من يقاوم تلك الرؤية الخادعة محاولاً تقديم رؤى أكثر موضوعية ونقدية للحب والعلاقات، وإن على إستحياء. وأميل إلى كون إرهاصة هذه المقاومة كانت مبكرة وتحديداً فى فيلم Sherlock Junior لباستر كيتون عام 1924، فمشهد الفيلم الأخير الذى يجمع البطل وحبيبته داخل غرفة البث فى قاعة السينما، وهما يتابعان فيلماً رومانسياً ويقلدان ما يفعلاه الحبيبان على الشاشة من مسك أيدى وتقبيل، إلى أن ينقلب فجأة الفيلم الذى يشاهدانه ليأخذ منحى واقعى، فالحبيبان على الشاشة يتزوجان ونرى الزوجة وهى تمارس الأعمال المنزلية المملة وقد أصبح جسدها أكثر سمنة وشكلها أقل جمالاً، بينما الزوج مشغول بأهوال رعاية الأطفال. يُصدم كيتون مما يراه على الشاشة ويتوقف عن التقليد، لأن البداية الرومانسية تتحول إلى كابوس إجتماعى بفعل الزمن والواقع. تلك المحاولة لنقض الفكرة الرومانسية فى السينما، تذكرنى بالمقولة الشهيرة "أنا لا أريد من الحب سوى البدايات".
 
الصدمة الثانية كانت فى أواخر سبعينيات القرن الماضى بفيلم Annie Hall، تحفة "وودى آلن" وفيلم العلاقات الأشهر الذى ينتهى نهاية شديدة العبثية يلخص فيها آلن رؤيته المثيرة عن الحب فى نكتة على لسان "ألفى" بعد نهاية قصة حبه الملحمية مع "آنى"، والنكتة عن ذلك الشخص الذى يذهب للطبيب النفسى ليخبره بأن أخاه مجنون، فهو يظن نفسه دجاجة! يطلب منه الطبيب أن يحضر له أخاه كى يفحصه، فيجاوبه: "كنت لأفعل ذلك ولكنى أحتاج البيض". تنتهى النكتة ليضيف "ألفى" أن هذا ما يتفق مع رأيه فى الحب، إنه فعل عبثى مجنون وغير عقلانى ولكننا نسعى نحوه لأن معظمنا بحاجة للبيض. قبل هذه النهاية يقرر ألفى إنهاء المسرحية التى يؤلفها بنهاية سعيدة يتحدى فيها الحبيبان الصعاب ويقرران البقاء سوياً، ويعلق ألفى على هذه النهاية قائلاً "أحاول أن أجعل الأمور تسير بصورة مثالية من خلال الفن، لأن ذلك مستحيل فى الواقع".

والمحطة الثالثة كانت فيلم 500 Days of Summer، أحد أفلام الألفية الأكثر انتشارا بين الشباب والمراهقين، وهو عن قصة الحب الصادمة بين الثنائى "طوم" و"سمر"، والتى تبدأ بغرابة وتنتهى بصورة لا تقل فى عبثيتها عن نهاية Annie Hall، فـ"طوم" الذى يعمل بمؤسسة لإنتاج بطاقات المعايدة، تلك الأوراق المدونة بمقولات الحب والغزل ويتهادى بها الناس، فى أحد مشاهد الفيلم يثور على رؤساءه فى العمل، متأثراً بجراحه التى سببها فراق "سمر" له وقد فقد إيمانه بوظيفته وبمفهوم الحب كليةً، يقول: "أليس الحب عظيم؟ ماذا تعنى تلك الجملة على أى حال؟! ماذا تعنى كلمة "حب"؟ هل تعلم؟ هل هناك أحد يعلم؟ إنها تلك البطاقات، والأفلام، وأغانى البوب، تلك الأشياء هى المسئولة عن كل الكذب والألم الذى نعيشه .. تلك القلوب المحطمة. ونحن مسئولون. وأنا مسئول."

ما جمع الثلاثة أفلام السابقة ليس فقط هدمها للفكرة الرومانسية واتفاقها على تقديم الحب كشعور عارض لا يبقى وبذلك فهو يفقد معناه، بل كونها أيضاً قد نسبت مبعث تلك الفكرة الحالمة عنه إلى الفنون وخاصة السينما، فالفنون/السينما فى هذه الأفلام كانت هى مصدر إيهام البشر بالفكرة الرومانسية وأيضا الوسيلة للتطهر منها، وهى إشارة إلى أنها ستبقى معملاً للبحث والتنقيب داخل نفوسنا ومشاعرنا واحتياجاتنا من أجل تفكيكها وهدم ما نعتقده من الثوابت. وقد كان عام 2015 عاماً حافلاً بالمحاولات السينمائية التى تسعى لتفكيك الرومانسية ومفهوم العلاقات، حيث صدرت أربعة أفلام دفعة واحدة تدور حول وتتلامس مع تلك القضية.

 
أول هذه الأفلام هو Brooklyn للمخرج البريطانى جون كرولى، والمرشح لثلاث جوائز أوسكار من بينها جائزة أفضل فيلم. "بروكلين" يروى قصة الفتاة الأيرلندية "ايليش" التى تترك بلدتها الصغيرة وتهاجر للعمل والحياة بنيويورك فى خمسينيات القرن الماضى، وهناك تجد صعوبة فى التأقلم، وتجتاحها مشاعر الوحشة والوحدة والحنين لوطنها وأهلها، حتى تتعرف على "طونى" فى إحدى حفلات الرقص، الشاب اللطيف من الطبقة العاملة والذى يقع فى غرامها من اللقاء الأول، وتتوالى بينهما المواعدات إلى أن يصرح لها فى أحد المشاهد بحبه على الطريقة الكلاسيكية، لكن تكون الصدمة حين لا ترد عليه "ايليش" فوراً بالرد التقليدى "أنا أيضاً أحبك"! لا شك أن أيليش كانت معجبة بالفتى، لكن هل هى تحبه؟ ذلك السؤال الذى تتوه الإجابة عنه بين سطور الفيلم، ويأخذنا لسؤال "طوم" السابق، "ماذا تعنى كلمة حب على أى الأحوال؟!"

كانت أيليش تعانى منذ بداية الفيلم من قلة ثقة بنفسها، فهى دائماً ما تُرفَض فى حفلات الرقص، سواء فى بروكلين أو فى بلدتها الأصلية بأيرلندا، لم تجرب إنجذاب الفتية لها، كما انها الآن فى بروكلين تعتصرها آلام الوحدة والحنين للوطن، فضلا عن شقاء العمل والإغتراب ومضايقات زميلاتها فى السكن. لقد كان طونى بمثابة طوق النجاة لها، الونس فى الوحدة، النور فى العتمة، الأمل ساعة اليأس، والدعم وقت الضعف. لكن هل هذا هو الحب؟ فى المواعدة التالية تخبره أيليش بأنها قد فكرت فى تصريحه لها بالحب وأنها تعتقد أنها تبادله نفس المشاعر واعدةً إياه فى المرة القادمة التى يخبرها بأنه يحبها سوف تجيبه فورياً أنها أيضاً تحبه!

وما سبق يشوبه نوع من اللا معقولية، فالحب – إن وُجَد – لا يحتاج لكل هذه المباحثات والحسابات من أجل التعبير عنه، إنه إما موجود أو لا. لكن ما بطن من هذا التتابع من الفيلم يشير إلى جانب نفعى فى شخصية أيليش، نابع من الحيرة التى لا تخلو من بعض الخبث.

هذا الجانب النفعى يتضح أكثر مع التتابع التالى والذى يدور فى البلدة الأيرلندية الصغيرة، حيث تعود أيليش للوطن فى زيارة قصيرة لتأبين أختها المتوفية، وهناك تتعرف على شاب آخر، هذه المرة شديد الثراء والوسامة، ويقع فى غرامها، واعداً إياها بمستقبل رغد إن وافقت على الزواج منه، ثم نجدها تنجرف بالفعل فى تلك العلاقة المغرية، ناسية تماماً عهدها مع طونى فى بروكلين خاصة وأنهما قد تزوجا بالفعل قبل سفرها، وكانت لتهمل تلك الزيجة التى تفصلها المحيطات وتكمل خطتها الجديدة مع الشاب الجديد لولا أن كُشِفَ سر زواجها بالبلدة عن طريق المصادفة، ففسدت خطتها الناشئة رغماً عنها.

الإختيارات هى تيمة الفيلم الرئيسية، المعادلة المعقدة بين من تحب وأين تعيش، وقد تعمدْتُ استخدام كلمتى "إختيارات" و"معادلة" لأن الأمر فى حقيقته كان حسابياً، عقلانياً، نفعياً بصورة بحتة، وإن غلّف إطاره طبقة زائفة من العاطفة والرومانسية. فأيليش لم تعشق قط .. فقط عُشقت من رجلين، وأخذت تبدل بينهما بصورة روبوتية وكأنهما فساتين للإرتداء. يأخذنا هذا إلى سؤال أخطر وهو هل تعشق الأنثى من الأساس أم ان هذا الشعور ذكورى حصراً.

حسناً، أيليش هى نموذج رائع للأنثى ككائن شديد الغموض والتعقيد مقارنة بالرجل، فإذا كانت الاحصائيات والدراسات تشير إلى أن النساء تُقدِم على تزييف وإفتعال نشوة الجماع وبنسب تصل لـ80%، فهذا يعنى أنه من السهل جدا أن تقمن بتزييف وإفتعال ما هو بالأصل أكثر استتارة وأقل فيزيائية من النشوة .. شىء كالمشاعر مثلاً! وهو ليس تزييفاً مُتعمداً فى رأيى بقدر ما هو الإستيهام self delusion؛ نتيجة لعدم فهم الأنثى لنفسها وماذا تريد فى المقام الأول. إنها أكثر غموضاً حتى على نفسها؛ وسر حيرتها يكمن فى أن الخيارات دائماً وكلها لديها، فهى من تتحكم وتقود حقاً، حتى وإن أوهمت الرجال بعكس ذلك! جسّدت أيليش الأنثى ككائن يحتاج أكثر مما يحب، وعلى عكس ما تجرى المقولة "الوطن يكون حيث يوجد القلب" فقد عبرت اختيارات وتفضيلات وتخبطات أيليش على مدار الفيلم عن أن القلب يسهل توجيهه حيث يوجد الوطن، أو لنقل حيث توجد المنفعة.

وإن كان "بروكلين" يقدم جانب الأنثى المظلم فيما يتعلق بمعادلات الحب والعلاقات، فإن فيلم Anomalisa للمخرج والسيناريست الإستثنائى تشارلى كوفمان والمرشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم تحريك، يقدم جانباً مظلما آخر ولكن هذه المرة للرجل. الفيلم يدور حول شخصية "مايكل ستون" المُنظّر والمُحاضر فى مجال تدريب موظفين خدمة العملاء بالشركات، والذى يسافر لإحدى المدن البعيدة فى الولايات لإلقاء احدى محاضراته. مايكل يعانى خليط من الوحدة والفصام وعداء البشر Misanthrope، فضلا عن أزمة منتصف العمر، عبّر عن ذلك كوفمان بصرياً وصوتياً بأن جعل جميع شخصيات الفيلم لها نفس الصوت والملامح ما عدا مايكل.

فى احدى لقطات الفصل الأول من الفيلم نجد مايكل ينظر عبر نافذة غرفته مراقباً شخص آخر داخل شقة بالعقار المقابل، حيث يقوم ذلك الشخص بمشاهدة فيلم جنسى والإستمناء عليه، هذه اللقطة ضاعفت من حجم الشعور بديستوبيا هذا العالم وانعدام التواصل والحميمية بين البشر، كما كانت انعكاسا لمايكل نفسه الذى يجلس هو الآخر فى غرفته وحيداً ومحاصراً بين ألمه وخواءه النفسى وبين احتياجاته وغرائزه الفسيولوجية، وكأن اللقطة كانت بمثابة إيحاء بأن الإستمناء هو الخيار الوحيد أمامه بما يكفله من إهانة وعجز، هذا ما يجعله يتصل بحبيبته السابقة، منذ 10 أعوام مضت، لمقابلتها ومن ثم يعرض عليها الذهاب معه لغرفته لممارسة الجنس، فترفض وتتشاجر معه لشعورها بالإهانة، حيث أنه لم يعد يجمعهما شىء كى يمارسا الجنس على أساسه، فهو تركها منذ زمن بعيد وتزوج وأنجب، ولا يبدو وكأنه محتفظ لها بأى مشاعر، هو يدعوها لممارسة حميمية بلا معنى وكأنها عاهرة؛ لمجرد أنها الأنثى الوحيدة التى يعرفها بالمكان.

هنا اصطدم مايكل بقوانين عالمه فيما يخص العلاقات، وتلك القوانين باختصار قائمة على مبدأ "المشاعر مقابل الجنس" أو "المعنى مقابل الجنس"، وكان هذا الإصطدام هو نقطة الحبكة الأولى فى الفيلم والتى ستأخذه لشراءه دمية جنسية عن طريق الصدفة. ليصبح الآن أمام خيار آخر لقضاء ليلته - بجانب الإستمناء - وهو خيار مضاجعة الدمية الجنسية، لكنه يظل خياراً مهيناً وغير مشبع. هنا يتدخل كوفمان ليلعب لعبته بعبقريته المعهودة، فيدخل بطله فى قصة حب طارئة مع إمرأة تدعى ليزا، جعلها الصوت الوحيد المميز عن باقى أصوات الشخصيات، وجعل تلك الندبة على وجهها لا تقلل من إعجاب مايكل بها. تطورت علاقتهما فى مدة زمنية قياسية لا تزيد عن ساعة من الزمن الفعلى للأحداث ودقائق من الزمن السينمائى إلى أن وصلا معاً لقمة التوهج فى مشهد جنسى بديع قلما يتكرر فى السينما بهذا الصدق والشاعرية، ثم فى الصباح تلاشى انبهاره بها تدريجياً وانفصلا بنفس السرعة التى ارتبطا بها.

ما الذى حدث؟ لم يعد مايكل بحاجة لتقنيع غرائزه البدائية بادعائات عاطفية مزيفة، هو لم يكن يريد سوى الاشباع الجنسى وتخفيف ألم الوحدة، ولكنه اضطر لإختلاق أو إستيهام معنى من وراء وجوده مع ليزا، معنى كالحب، الحب هنا وإن كان وهماً فهو يظل الملجأ من خيارات ومشاعر أكثر احباطاً، فضلا عو كونه الضريبة التى عليك دفعها لمجاراة قواعد المجتمع الجنسية، ومن آثاره أنه يجعلنا نرى من نعتقد أننا نحبهم بصورة رائعة وفريدة من نوعها (صوت ليزا المميز) ونغض الطرف عن العوار والقبح البادى عياناً بياناً عليهم (الندبة على وجه ليزا) فالحب أعمى كما يقولون.

لكن ما هو مرعب حقاً كان تساؤل طفل مايكل فى نهاية الفيلم عن ذلك السائل الموجود بالدمية، قبل أن تضيف زوجته بأنه يشبه السائل المنوى. بعدها نسمع صوت الدمية الجنسية تغنى بنفس صوت ليزا، ما يأخذنا إلى أن ليزا ليس لها وجود، لقد كانت مجرد وهم أو حلم أو فانتازيا جنسية بعقل مايكل، وأن من شاركه الفراش ليلتها حقاً لم تكن سوى الدمية الجنسية! وهذا المنحى الصادم كان إمعاناً فى الترميز عن الحب نفسه كوهم لا وجود له، وعن أن الحقيقة لا تحتوى سوى على الهرمونات المتمثلة فى سائل مايكل المنوى على الدمية الجنسية!

هناك جملة مأثورة شهيرة عن العلاقات تذهب كالتالى: "يتعلم الرجل أن يحب الأنثى التى انجذب [جنسيا] إليها، بينما تتعلم الأنثى أن تنجذب[جنسياً] للرجل الذى تحبه". أعتقد أن الجملة تعبر تماماً مع ما خلصنا إليه فى فيلمى "بروكلين" و"أنوماليزا"، فقط مع تعديل نصف المقولة الأخير لتصبح "... تتعلم الأنثى أن تنجذب للرجل الذى تحتاجه".

وبالحديث عن الإنجذاب، نصل للفيلم الثالث وهو The Danish Girl للمخرج البريطانى "توم هوبر"، عن القصة الحقيقية للرسام الدنماركى "إينار فيجنر" الذى أقدم على إجراء أول عملية تحوّل جنسى فى التاريخ كى يصبح الأنثى "ليلى بيبى"، وبغض النظر عن المستوى الفنى لهذا الفيلم الذى خيّب التوقعات، إللا أننى أرى فكرته العامة مازالت تطرح تساؤل شديد العمق والخطورة، وهو هل الجنسانية هى جوهر العلاقات؟ ذلك نبع تلقائياً من كون إينار/ليلى بالفعل متزوج/ة من امرأة هى "جريدا"، وتجمعهما علاقة شديدة الخصوصية. والتحدى الذى تواجهه "جريدا" لا يقل صعوبة عن تحدى إينار.

أعلم بأن مطلب أن تضع نفسك مكان الشخصية يبدو صبيانياً ولكنها من الحالات النادرة التى يجب فعلا أن تضع نفسك مكان الشخصية، وهنا أقصد شخصية جريدا الزوجة. لتتخيل، ولو نظرياً، أنك استيقظت يوماً لتفاجأ بأن شريك حياتك قرر تغيير هويته الجنسية؟ إنه نفس الشخص الذى كنت تقول أنك تحبه، بنفس هيئته وأفكاره ومشاعره، ومازالت تجمع بينكما نفس التفضيلات والذكريات والأحلام والتوافق، إن كان هذا فعلا يصنع الحب!

لم يتغير سوى شكل عضو ما فى جسده، بالطبع كنت ستظل تشاركه حياتك لو كان استأصل اللوز أو احدى الكليتين أو بعض الضروس، أما أن يكون هذا العضو جنسياً فالأمر مختلف ويجعلك تفكر، وقد يدحض ما كنت تظن أنك تكنه من مشاعر حب غير مشروطة وأبدية، ويهز الرغبة العارمة بالارتباط أو يذهب بها إلى الجحيم.

هل يوجد أقوى من هذا الإختبار دليلاً على أن فرويد وداروين كانوا على حق عندما ذهبوا إلى أن الجنسانية هى الأساس لكل شىء؟! الخطير أن ذلك يؤكد رؤية تشارلى كوفمان السوداوية التى طرحناها سلفاً فى حديثنا عن Anomalisa، وهى أننا لسنا سوى حيوانات استطاعت وضع تسميات حضارية لغرائزها البدائية.

انتشر بالعام الماضى شعار "الحب ينتصر Love Wins" تزامناً مع نجاح حملات المثليين فى أمريكا بانتزاع حقهم المدنى فى الزواج، هذا الشعار نال كثيرا من السخرية والاستهزاء من قبل المصابين برهاب المثلية، والشعار، فى رأيى ومن زاوية أخرى، يعد بالفعل ملتبساً، خاصة وهو يبالغ فى الإعلاء من شأن العلاقات المثلية ويحصر الحب بداخلها، بينما الطبيعى أن ينجذب الشخص المُثلى لمثيله الجنسي، لا توجد هنا فضيلة أو بطولة، إنما البطولة والإختبار الحقيقى يكمن فى موقف "جريدا"، أى الشخصية المُغايرة hetero التى تحارب للحفاظ على حبها من شخصية متحولة جنسياً؛ لذا فإنى أؤمن بأن فيلم هوبر نجح فى القيام بأول شرح وتجسيد عملى حقيقى لشعار "الحب ينتصر"، وإن كان حتى على هيئة سؤال لا تقرير.

الفيلم الرابع والأخير هو The Lobster للمخرج اليونانى يورجوس لانتيموس، الفائز بجائزة لجنة التحكيم بالنسخة الأخيرة من مهرجان كان. هذا الفيلم يتناول العلاقات العاطفية من زاويتها الإجتماعية، وذلك فى إطار يخلط بين الفانتازيا والديستوبيا، فالأحداث تدور فى ذلك العالم الذى يضطهد العُزاب بأن يلقى بهم داخل مؤسسة أشبه بسجن لتضعهم تحت اختبار مدته 45 يوماً، إذا لم يعثر خلالها كل عازب على رفيق حياة مناسب يتطابق مع صفاته فإنه سوف يعاقب بتحويل جسده إلى جسد حيوان يختاره، وهو ما يجعل هؤلاء العزاب يبذلون كل ما بوسعهم للنجاة بالبحث عن شريك، مهما كلفهم ذلك من غش وكذب ونفاق ودسائس.

نخرج من النصف الأول من الفيلم بوجهة نظر تبدو معادية لمفهوم العلاقات من الأساس، إلى أن ننتقل إلى عالم آخر فى النصف الثانى من الفيلم، ويكون هذا العالم مناهض ومناقض تماماً للعالم الأول، ففى العالم الثانى العلاقات مُجرمة، الغزل ممنوع، المشاعر محرمة، وحتى الموسيقى ليس مسموح منها سوى النوع الإليكترونى الراقص لأنه الوحيد الذى لا يهيّج المشاعر. ولهذا العالم أيضاً عقوباته الصارمة على من يخرج عن قوانينه. وهنا ندرك أن مغزى الفيلم ليس إدانة مفهوم العلاقات أو عدمه، بل إدانة القواعد والضغوط والأحكام التى يفرضها المجتمع على أفراده، فلم يكن هذان العالمان سوى تمثيل كاريكاتورى لنظامين إجتماعيين فعليين، الأول نلمسه فى الإتجاه المحافظ التقليدى الذى يقدس التجانس والترابط ويُعلى من شأن المجتمع على حساب الفرد، أما الآخر فهو خليط بين إتجاهات التزمت الدينى والرهبنة والحركات النسوية المتطرفة التى تعادى مفاهيم كالعاطفة والعلاقات.

لم يجد بطل الفيلم "ديفيد" الحب داخل العالم الذى يفرضه، بينما وجده حين هرب إلى العالم الذى يجرمه، فى مفارقة تدلل على عداء الإنسان مع القيود الخارجية. لكن الأعمق كان التحول لتناول قيوده الداخلية، أو ما ترسب فى لا وعيه من أفكار ومعتقدات ورثها من العوالم المحيطة به ومازالت تسيّره ولم يتحرر منها بعد. فعندما يقع ديفيد فى غرام الشخصية التى جسدتها "راشيل ويز" نجده مازال مهتماً بتحديد الصفة المشتركة بينهما والتى كانت قصر النظر، وكأن ذلك له معنى! رغم أن مشاعره سبقت إدراكه لهذه المعلومة من الأساس، ولكن قواعد وأساطير المجتمع مازالت تحتل وجدانه، وأجدنى هنا تحديداً أمام إسقاط لأسطورة "توأم الروح Soul Mate"، القائمة على مبدأ التطابق فى الصفات بين طرفى العلاقة، والتى يؤمن بها الكثير من البشر وتكون أحياناً سبب فى نشأة علاقات أو انتهائها، رغم أن التطابق ليس من الضرورى أن يكون قرينة للحكم على نجاح علاقة أو فشلها، فقد وزّع علم الأحياء الحب على ثلاثة مكونات: شهوة وإنجذاب وارتباط. بينما وزعه علم النفس إلى: حميمية، وتكريس، ووله.

الستة مكونات السابقة لم يذكر "التطابق" بينهم، بل هى تنطبق كلها على ما عايشه ديفيد مع راشيل فى بداية علاقتهما قبل أن يهددها هوس التطابق، خاصة بعد أن فقدت راشيل بصرها تماماً وأصبحت عمياء، أى ضاعت الصفة المشتركة التى ظنا بأنها أساس علاقتهما، ما جعل ديفيد يقدم على إعماء نفسه هو الآخر فقط ليُرضى صنم التوافق المزعوم، لم يطلعنا لانتيموس على ما انتهى إليه مصير ديفيد، لكنه أعطانا إيحاء ذكى عن طريق تسويد الشاشة لبعض الثوانى قبل ظهور التيترات، وهو إيحاء له تفسير وأيضاً له مغزى، يكمل كلاهما الآخر. والتفسير هو أن ديفيد قد أعمى نفسه بالفعل ليصبح العالم الذى يتشاركه الثنائى مجرد ظلام فى ظلام، وقد عبرت الشاشة السوداء عن هذا المعنى. أما المغزى فهو أن العالم الذى ينتظرنا نحن البشر حين نتبع قوانين وقواعد تتنافى مع رغباتنا ومشاعرنا هو عالم عبثى، عدمى، سوداوى، كئيب .. تنتصر فيه القيود والنظريات الجوفاء على الإنسان وسعادته التى هى الغاية الحقيقية لحياته.

تفكيك الرومانسية فى سينما 2015

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:25 م 0 تعليقات

(هذا المقال يحتوى على حرق لأحداث الأفلام)
------
دائماً ما كانت الفنون متهمة بتقديم رؤى حالمة ومضللة عن مفهوم الحب والعلاقات العاطفية، تلك التهمة كانت حصرية فى الماضى على الرواية والشعر، إلى أن ظهر ذلك الفن المرئى/الصوتى الإعجازى المسمى بالسينماتوجراف فى أواخر القرن ال19، ليتلقف الضربات والتهم. فإذا كنا نتحدث عن التضليل فالسينما هى أكثر الفنون امتلاكاً لأدوات التضليل، إنها فن الهروب من الواقع بإمتياز، فبمجرد أن تنطفىء أنوار صالات العرض تسحبك معها إلى عوالمها الأخرى، بقواعدها الجديدة، ولمستويات تفوق غيرها من الوسائط والفنون الأخرى، لدرجة تجعلك بالفعل تستسلم لما تبثه فى وعيك قبل لا وعيك.

والعلاقات العاطفية هى العنصر شبه الدائم بالسينما، ما جعل الأفلام تقوم فى الأساس على فكرة الثنائيات، حيث بطل وبطلة. واستغلت السينما نفوذها الفكرى فى تقديم الصورة المنشودة عن هذا المفهوم الشائك المعروف بالحب، الصورة التى ترضى أحلام وتطلعات الجموع. فالحب دائما سلوك مُعظّم ومنزه ومُسَلّم به، وأحياناً يكون هو المعنى والمحور لكل شىء، وإن لم تكن العلاقات العاطفية هى غاية الأبطال النهائية فهى على الأقل أحد الأصناف الأساسية على المائدة. وذلك الحب، غالباً، ذو طابع أسطورى مُخلّد، إنه شيئ حقيقي حتى لو تفرق الأحبة بنهاية الفيلم، فالنهاية السعيدة أو "التبات والنبات" لم تكن فقط ما يجلّ شأن الحب على الشاشة، ولعل نهاية فيلم مثل "كازابلانكا" هى أوضح نموذج على ذلك. فالغاية الكبرى هى تقديم الصورة الحالمة والمسحة الأسطورية التى تجعل المتفرج يخرج وهو يحلم بأن يحيا إحدى قصص الحب العظيمة والبراقة التى تبيعها له السينما كأمل مخدّر يجعل الحياة أكثر تحمُلاً.

ولأن الواقع مختلف، فقد ظهر من يقاوم تلك الرؤية الخادعة محاولاً تقديم رؤى أكثر موضوعية ونقدية للحب والعلاقات، وإن على إستحياء. وأميل إلى كون إرهاصة هذه المقاومة كانت مبكرة وتحديداً فى فيلم Sherlock Junior لباستر كيتون عام 1924، فمشهد الفيلم الأخير الذى يجمع البطل وحبيبته داخل غرفة البث فى قاعة السينما، وهما يتابعان فيلماً رومانسياً ويقلدان ما يفعلاه الحبيبان على الشاشة من مسك أيدى وتقبيل، إلى أن ينقلب فجأة الفيلم الذى يشاهدانه ليأخذ منحى واقعى، فالحبيبان على الشاشة يتزوجان ونرى الزوجة وهى تمارس الأعمال المنزلية المملة وقد أصبح جسدها أكثر سمنة وشكلها أقل جمالاً، بينما الزوج مشغول بأهوال رعاية الأطفال. يُصدم كيتون مما يراه على الشاشة ويتوقف عن التقليد، لأن البداية الرومانسية تتحول إلى كابوس إجتماعى بفعل الزمن والواقع. تلك المحاولة لنقض الفكرة الرومانسية فى السينما، تذكرنى بالمقولة الشهيرة "أنا لا أريد من الحب سوى البدايات".
 
الصدمة الثانية كانت فى أواخر سبعينيات القرن الماضى بفيلم Annie Hall، تحفة "وودى آلن" وفيلم العلاقات الأشهر الذى ينتهى نهاية شديدة العبثية يلخص فيها آلن رؤيته المثيرة عن الحب فى نكتة على لسان "ألفى" بعد نهاية قصة حبه الملحمية مع "آنى"، والنكتة عن ذلك الشخص الذى يذهب للطبيب النفسى ليخبره بأن أخاه مجنون، فهو يظن نفسه دجاجة! يطلب منه الطبيب أن يحضر له أخاه كى يفحصه، فيجاوبه: "كنت لأفعل ذلك ولكنى أحتاج البيض". تنتهى النكتة ليضيف "ألفى" أن هذا ما يتفق مع رأيه فى الحب، إنه فعل عبثى مجنون وغير عقلانى ولكننا نسعى نحوه لأن معظمنا بحاجة للبيض. قبل هذه النهاية يقرر ألفى إنهاء المسرحية التى يؤلفها بنهاية سعيدة يتحدى فيها الحبيبان الصعاب ويقرران البقاء سوياً، ويعلق ألفى على هذه النهاية قائلاً "أحاول أن أجعل الأمور تسير بصورة مثالية من خلال الفن، لأن ذلك مستحيل فى الواقع".

والمحطة الثالثة كانت فيلم 500 Days of Summer، أحد أفلام الألفية الأكثر انتشارا بين الشباب والمراهقين، وهو عن قصة الحب الصادمة بين الثنائى "طوم" و"سمر"، والتى تبدأ بغرابة وتنتهى بصورة لا تقل فى عبثيتها عن نهاية Annie Hall، فـ"طوم" الذى يعمل بمؤسسة لإنتاج بطاقات المعايدة، تلك الأوراق المدونة بمقولات الحب والغزل ويتهادى بها الناس، فى أحد مشاهد الفيلم يثور على رؤساءه فى العمل، متأثراً بجراحه التى سببها فراق "سمر" له وقد فقد إيمانه بوظيفته وبمفهوم الحب كليةً، يقول: "أليس الحب عظيم؟ ماذا تعنى تلك الجملة على أى حال؟! ماذا تعنى كلمة "حب"؟ هل تعلم؟ هل هناك أحد يعلم؟ إنها تلك البطاقات، والأفلام، وأغانى البوب، تلك الأشياء هى المسئولة عن كل الكذب والألم الذى نعيشه .. تلك القلوب المحطمة. ونحن مسئولون. وأنا مسئول."

ما جمع الثلاثة أفلام السابقة ليس فقط هدمها للفكرة الرومانسية واتفاقها على تقديم الحب كشعور عارض لا يبقى وبذلك فهو يفقد معناه، بل كونها أيضاً قد نسبت مبعث تلك الفكرة الحالمة عنه إلى الفنون وخاصة السينما، فالفنون/السينما فى هذه الأفلام كانت هى مصدر إيهام البشر بالفكرة الرومانسية وأيضا الوسيلة للتطهر منها، وهى إشارة إلى أنها ستبقى معملاً للبحث والتنقيب داخل نفوسنا ومشاعرنا واحتياجاتنا من أجل تفكيكها وهدم ما نعتقده من الثوابت. وقد كان عام 2015 عاماً حافلاً بالمحاولات السينمائية التى تسعى لتفكيك الرومانسية ومفهوم العلاقات، حيث صدرت أربعة أفلام دفعة واحدة تدور حول وتتلامس مع تلك القضية.

 
أول هذه الأفلام هو Brooklyn للمخرج البريطانى جون كرولى، والمرشح لثلاث جوائز أوسكار من بينها جائزة أفضل فيلم. "بروكلين" يروى قصة الفتاة الأيرلندية "ايليش" التى تترك بلدتها الصغيرة وتهاجر للعمل والحياة بنيويورك فى خمسينيات القرن الماضى، وهناك تجد صعوبة فى التأقلم، وتجتاحها مشاعر الوحشة والوحدة والحنين لوطنها وأهلها، حتى تتعرف على "طونى" فى إحدى حفلات الرقص، الشاب اللطيف من الطبقة العاملة والذى يقع فى غرامها من اللقاء الأول، وتتوالى بينهما المواعدات إلى أن يصرح لها فى أحد المشاهد بحبه على الطريقة الكلاسيكية، لكن تكون الصدمة حين لا ترد عليه "ايليش" فوراً بالرد التقليدى "أنا أيضاً أحبك"! لا شك أن أيليش كانت معجبة بالفتى، لكن هل هى تحبه؟ ذلك السؤال الذى تتوه الإجابة عنه بين سطور الفيلم، ويأخذنا لسؤال "طوم" السابق، "ماذا تعنى كلمة حب على أى الأحوال؟!"

كانت أيليش تعانى منذ بداية الفيلم من قلة ثقة بنفسها، فهى دائماً ما تُرفَض فى حفلات الرقص، سواء فى بروكلين أو فى بلدتها الأصلية بأيرلندا، لم تجرب إنجذاب الفتية لها، كما انها الآن فى بروكلين تعتصرها آلام الوحدة والحنين للوطن، فضلا عن شقاء العمل والإغتراب ومضايقات زميلاتها فى السكن. لقد كان طونى بمثابة طوق النجاة لها، الونس فى الوحدة، النور فى العتمة، الأمل ساعة اليأس، والدعم وقت الضعف. لكن هل هذا هو الحب؟ فى المواعدة التالية تخبره أيليش بأنها قد فكرت فى تصريحه لها بالحب وأنها تعتقد أنها تبادله نفس المشاعر واعدةً إياه فى المرة القادمة التى يخبرها بأنه يحبها سوف تجيبه فورياً أنها أيضاً تحبه!

وما سبق يشوبه نوع من اللا معقولية، فالحب – إن وُجَد – لا يحتاج لكل هذه المباحثات والحسابات من أجل التعبير عنه، إنه إما موجود أو لا. لكن ما بطن من هذا التتابع من الفيلم يشير إلى جانب نفعى فى شخصية أيليش، نابع من الحيرة التى لا تخلو من بعض الخبث.

هذا الجانب النفعى يتضح أكثر مع التتابع التالى والذى يدور فى البلدة الأيرلندية الصغيرة، حيث تعود أيليش للوطن فى زيارة قصيرة لتأبين أختها المتوفية، وهناك تتعرف على شاب آخر، هذه المرة شديد الثراء والوسامة، ويقع فى غرامها، واعداً إياها بمستقبل رغد إن وافقت على الزواج منه، ثم نجدها تنجرف بالفعل فى تلك العلاقة المغرية، ناسية تماماً عهدها مع طونى فى بروكلين خاصة وأنهما قد تزوجا بالفعل قبل سفرها، وكانت لتهمل تلك الزيجة التى تفصلها المحيطات وتكمل خطتها الجديدة مع الشاب الجديد لولا أن كُشِفَ سر زواجها بالبلدة عن طريق المصادفة، ففسدت خطتها الناشئة رغماً عنها.

الإختيارات هى تيمة الفيلم الرئيسية، المعادلة المعقدة بين من تحب وأين تعيش، وقد تعمدْتُ استخدام كلمتى "إختيارات" و"معادلة" لأن الأمر فى حقيقته كان حسابياً، عقلانياً، نفعياً بصورة بحتة، وإن غلّف إطاره طبقة زائفة من العاطفة والرومانسية. فأيليش لم تعشق قط .. فقط عُشقت من رجلين، وأخذت تبدل بينهما بصورة روبوتية وكأنهما فساتين للإرتداء. يأخذنا هذا إلى سؤال أخطر وهو هل تعشق الأنثى من الأساس أم ان هذا الشعور ذكورى حصراً.

حسناً، أيليش هى نموذج رائع للأنثى ككائن شديد الغموض والتعقيد مقارنة بالرجل، فإذا كانت الاحصائيات والدراسات تشير إلى أن النساء تُقدِم على تزييف وإفتعال نشوة الجماع وبنسب تصل لـ80%، فهذا يعنى أنه من السهل جدا أن تقمن بتزييف وإفتعال ما هو بالأصل أكثر استتارة وأقل فيزيائية من النشوة .. شىء كالمشاعر مثلاً! وهو ليس تزييفاً مُتعمداً فى رأيى بقدر ما هو الإستيهام self delusion؛ نتيجة لعدم فهم الأنثى لنفسها وماذا تريد فى المقام الأول. إنها أكثر غموضاً حتى على نفسها؛ وسر حيرتها يكمن فى أن الخيارات دائماً وكلها لديها، فهى من تتحكم وتقود حقاً، حتى وإن أوهمت الرجال بعكس ذلك! جسّدت أيليش الأنثى ككائن يحتاج أكثر مما يحب، وعلى عكس ما تجرى المقولة "الوطن يكون حيث يوجد القلب" فقد عبرت اختيارات وتفضيلات وتخبطات أيليش على مدار الفيلم عن أن القلب يسهل توجيهه حيث يوجد الوطن، أو لنقل حيث توجد المنفعة.

وإن كان "بروكلين" يقدم جانب الأنثى المظلم فيما يتعلق بمعادلات الحب والعلاقات، فإن فيلم Anomalisa للمخرج والسيناريست الإستثنائى تشارلى كوفمان والمرشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم تحريك، يقدم جانباً مظلما آخر ولكن هذه المرة للرجل. الفيلم يدور حول شخصية "مايكل ستون" المُنظّر والمُحاضر فى مجال تدريب موظفين خدمة العملاء بالشركات، والذى يسافر لإحدى المدن البعيدة فى الولايات لإلقاء احدى محاضراته. مايكل يعانى خليط من الوحدة والفصام وعداء البشر Misanthrope، فضلا عن أزمة منتصف العمر، عبّر عن ذلك كوفمان بصرياً وصوتياً بأن جعل جميع شخصيات الفيلم لها نفس الصوت والملامح ما عدا مايكل.

فى احدى لقطات الفصل الأول من الفيلم نجد مايكل ينظر عبر نافذة غرفته مراقباً شخص آخر داخل شقة بالعقار المقابل، حيث يقوم ذلك الشخص بمشاهدة فيلم جنسى والإستمناء عليه، هذه اللقطة ضاعفت من حجم الشعور بديستوبيا هذا العالم وانعدام التواصل والحميمية بين البشر، كما كانت انعكاسا لمايكل نفسه الذى يجلس هو الآخر فى غرفته وحيداً ومحاصراً بين ألمه وخواءه النفسى وبين احتياجاته وغرائزه الفسيولوجية، وكأن اللقطة كانت بمثابة إيحاء بأن الإستمناء هو الخيار الوحيد أمامه بما يكفله من إهانة وعجز، هذا ما يجعله يتصل بحبيبته السابقة، منذ 10 أعوام مضت، لمقابلتها ومن ثم يعرض عليها الذهاب معه لغرفته لممارسة الجنس، فترفض وتتشاجر معه لشعورها بالإهانة، حيث أنه لم يعد يجمعهما شىء كى يمارسا الجنس على أساسه، فهو تركها منذ زمن بعيد وتزوج وأنجب، ولا يبدو وكأنه محتفظ لها بأى مشاعر، هو يدعوها لممارسة حميمية بلا معنى وكأنها عاهرة؛ لمجرد أنها الأنثى الوحيدة التى يعرفها بالمكان.

هنا اصطدم مايكل بقوانين عالمه فيما يخص العلاقات، وتلك القوانين باختصار قائمة على مبدأ "المشاعر مقابل الجنس" أو "المعنى مقابل الجنس"، وكان هذا الإصطدام هو نقطة الحبكة الأولى فى الفيلم والتى ستأخذه لشراءه دمية جنسية عن طريق الصدفة. ليصبح الآن أمام خيار آخر لقضاء ليلته - بجانب الإستمناء - وهو خيار مضاجعة الدمية الجنسية، لكنه يظل خياراً مهيناً وغير مشبع. هنا يتدخل كوفمان ليلعب لعبته بعبقريته المعهودة، فيدخل بطله فى قصة حب طارئة مع إمرأة تدعى ليزا، جعلها الصوت الوحيد المميز عن باقى أصوات الشخصيات، وجعل تلك الندبة على وجهها لا تقلل من إعجاب مايكل بها. تطورت علاقتهما فى مدة زمنية قياسية لا تزيد عن ساعة من الزمن الفعلى للأحداث ودقائق من الزمن السينمائى إلى أن وصلا معاً لقمة التوهج فى مشهد جنسى بديع قلما يتكرر فى السينما بهذا الصدق والشاعرية، ثم فى الصباح تلاشى انبهاره بها تدريجياً وانفصلا بنفس السرعة التى ارتبطا بها.

ما الذى حدث؟ لم يعد مايكل بحاجة لتقنيع غرائزه البدائية بادعائات عاطفية مزيفة، هو لم يكن يريد سوى الاشباع الجنسى وتخفيف ألم الوحدة، ولكنه اضطر لإختلاق أو إستيهام معنى من وراء وجوده مع ليزا، معنى كالحب، الحب هنا وإن كان وهماً فهو يظل الملجأ من خيارات ومشاعر أكثر احباطاً، فضلا عو كونه الضريبة التى عليك دفعها لمجاراة قواعد المجتمع الجنسية، ومن آثاره أنه يجعلنا نرى من نعتقد أننا نحبهم بصورة رائعة وفريدة من نوعها (صوت ليزا المميز) ونغض الطرف عن العوار والقبح البادى عياناً بياناً عليهم (الندبة على وجه ليزا) فالحب أعمى كما يقولون.

لكن ما هو مرعب حقاً كان تساؤل طفل مايكل فى نهاية الفيلم عن ذلك السائل الموجود بالدمية، قبل أن تضيف زوجته بأنه يشبه السائل المنوى. بعدها نسمع صوت الدمية الجنسية تغنى بنفس صوت ليزا، ما يأخذنا إلى أن ليزا ليس لها وجود، لقد كانت مجرد وهم أو حلم أو فانتازيا جنسية بعقل مايكل، وأن من شاركه الفراش ليلتها حقاً لم تكن سوى الدمية الجنسية! وهذا المنحى الصادم كان إمعاناً فى الترميز عن الحب نفسه كوهم لا وجود له، وعن أن الحقيقة لا تحتوى سوى على الهرمونات المتمثلة فى سائل مايكل المنوى على الدمية الجنسية!

هناك جملة مأثورة شهيرة عن العلاقات تذهب كالتالى: "يتعلم الرجل أن يحب الأنثى التى انجذب [جنسيا] إليها، بينما تتعلم الأنثى أن تنجذب[جنسياً] للرجل الذى تحبه". أعتقد أن الجملة تعبر تماماً مع ما خلصنا إليه فى فيلمى "بروكلين" و"أنوماليزا"، فقط مع تعديل نصف المقولة الأخير لتصبح "... تتعلم الأنثى أن تنجذب للرجل الذى تحتاجه".

وبالحديث عن الإنجذاب، نصل للفيلم الثالث وهو The Danish Girl للمخرج البريطانى "توم هوبر"، عن القصة الحقيقية للرسام الدنماركى "إينار فيجنر" الذى أقدم على إجراء أول عملية تحوّل جنسى فى التاريخ كى يصبح الأنثى "ليلى بيبى"، وبغض النظر عن المستوى الفنى لهذا الفيلم الذى خيّب التوقعات، إللا أننى أرى فكرته العامة مازالت تطرح تساؤل شديد العمق والخطورة، وهو هل الجنسانية هى جوهر العلاقات؟ ذلك نبع تلقائياً من كون إينار/ليلى بالفعل متزوج/ة من امرأة هى "جريدا"، وتجمعهما علاقة شديدة الخصوصية. والتحدى الذى تواجهه "جريدا" لا يقل صعوبة عن تحدى إينار.

أعلم بأن مطلب أن تضع نفسك مكان الشخصية يبدو صبيانياً ولكنها من الحالات النادرة التى يجب فعلا أن تضع نفسك مكان الشخصية، وهنا أقصد شخصية جريدا الزوجة. لتتخيل، ولو نظرياً، أنك استيقظت يوماً لتفاجأ بأن شريك حياتك قرر تغيير هويته الجنسية؟ إنه نفس الشخص الذى كنت تقول أنك تحبه، بنفس هيئته وأفكاره ومشاعره، ومازالت تجمع بينكما نفس التفضيلات والذكريات والأحلام والتوافق، إن كان هذا فعلا يصنع الحب!

لم يتغير سوى شكل عضو ما فى جسده، بالطبع كنت ستظل تشاركه حياتك لو كان استأصل اللوز أو احدى الكليتين أو بعض الضروس، أما أن يكون هذا العضو جنسياً فالأمر مختلف ويجعلك تفكر، وقد يدحض ما كنت تظن أنك تكنه من مشاعر حب غير مشروطة وأبدية، ويهز الرغبة العارمة بالارتباط أو يذهب بها إلى الجحيم.

هل يوجد أقوى من هذا الإختبار دليلاً على أن فرويد وداروين كانوا على حق عندما ذهبوا إلى أن الجنسانية هى الأساس لكل شىء؟! الخطير أن ذلك يؤكد رؤية تشارلى كوفمان السوداوية التى طرحناها سلفاً فى حديثنا عن Anomalisa، وهى أننا لسنا سوى حيوانات استطاعت وضع تسميات حضارية لغرائزها البدائية.

انتشر بالعام الماضى شعار "الحب ينتصر Love Wins" تزامناً مع نجاح حملات المثليين فى أمريكا بانتزاع حقهم المدنى فى الزواج، هذا الشعار نال كثيرا من السخرية والاستهزاء من قبل المصابين برهاب المثلية، والشعار، فى رأيى ومن زاوية أخرى، يعد بالفعل ملتبساً، خاصة وهو يبالغ فى الإعلاء من شأن العلاقات المثلية ويحصر الحب بداخلها، بينما الطبيعى أن ينجذب الشخص المُثلى لمثيله الجنسي، لا توجد هنا فضيلة أو بطولة، إنما البطولة والإختبار الحقيقى يكمن فى موقف "جريدا"، أى الشخصية المُغايرة hetero التى تحارب للحفاظ على حبها من شخصية متحولة جنسياً؛ لذا فإنى أؤمن بأن فيلم هوبر نجح فى القيام بأول شرح وتجسيد عملى حقيقى لشعار "الحب ينتصر"، وإن كان حتى على هيئة سؤال لا تقرير.

الفيلم الرابع والأخير هو The Lobster للمخرج اليونانى يورجوس لانتيموس، الفائز بجائزة لجنة التحكيم بالنسخة الأخيرة من مهرجان كان. هذا الفيلم يتناول العلاقات العاطفية من زاويتها الإجتماعية، وذلك فى إطار يخلط بين الفانتازيا والديستوبيا، فالأحداث تدور فى ذلك العالم الذى يضطهد العُزاب بأن يلقى بهم داخل مؤسسة أشبه بسجن لتضعهم تحت اختبار مدته 45 يوماً، إذا لم يعثر خلالها كل عازب على رفيق حياة مناسب يتطابق مع صفاته فإنه سوف يعاقب بتحويل جسده إلى جسد حيوان يختاره، وهو ما يجعل هؤلاء العزاب يبذلون كل ما بوسعهم للنجاة بالبحث عن شريك، مهما كلفهم ذلك من غش وكذب ونفاق ودسائس.

نخرج من النصف الأول من الفيلم بوجهة نظر تبدو معادية لمفهوم العلاقات من الأساس، إلى أن ننتقل إلى عالم آخر فى النصف الثانى من الفيلم، ويكون هذا العالم مناهض ومناقض تماماً للعالم الأول، ففى العالم الثانى العلاقات مُجرمة، الغزل ممنوع، المشاعر محرمة، وحتى الموسيقى ليس مسموح منها سوى النوع الإليكترونى الراقص لأنه الوحيد الذى لا يهيّج المشاعر. ولهذا العالم أيضاً عقوباته الصارمة على من يخرج عن قوانينه. وهنا ندرك أن مغزى الفيلم ليس إدانة مفهوم العلاقات أو عدمه، بل إدانة القواعد والضغوط والأحكام التى يفرضها المجتمع على أفراده، فلم يكن هذان العالمان سوى تمثيل كاريكاتورى لنظامين إجتماعيين فعليين، الأول نلمسه فى الإتجاه المحافظ التقليدى الذى يقدس التجانس والترابط ويُعلى من شأن المجتمع على حساب الفرد، أما الآخر فهو خليط بين إتجاهات التزمت الدينى والرهبنة والحركات النسوية المتطرفة التى تعادى مفاهيم كالعاطفة والعلاقات.

لم يجد بطل الفيلم "ديفيد" الحب داخل العالم الذى يفرضه، بينما وجده حين هرب إلى العالم الذى يجرمه، فى مفارقة تدلل على عداء الإنسان مع القيود الخارجية. لكن الأعمق كان التحول لتناول قيوده الداخلية، أو ما ترسب فى لا وعيه من أفكار ومعتقدات ورثها من العوالم المحيطة به ومازالت تسيّره ولم يتحرر منها بعد. فعندما يقع ديفيد فى غرام الشخصية التى جسدتها "راشيل ويز" نجده مازال مهتماً بتحديد الصفة المشتركة بينهما والتى كانت قصر النظر، وكأن ذلك له معنى! رغم أن مشاعره سبقت إدراكه لهذه المعلومة من الأساس، ولكن قواعد وأساطير المجتمع مازالت تحتل وجدانه، وأجدنى هنا تحديداً أمام إسقاط لأسطورة "توأم الروح Soul Mate"، القائمة على مبدأ التطابق فى الصفات بين طرفى العلاقة، والتى يؤمن بها الكثير من البشر وتكون أحياناً سبب فى نشأة علاقات أو انتهائها، رغم أن التطابق ليس من الضرورى أن يكون قرينة للحكم على نجاح علاقة أو فشلها، فقد وزّع علم الأحياء الحب على ثلاثة مكونات: شهوة وإنجذاب وارتباط. بينما وزعه علم النفس إلى: حميمية، وتكريس، ووله.

الستة مكونات السابقة لم يذكر "التطابق" بينهم، بل هى تنطبق كلها على ما عايشه ديفيد مع راشيل فى بداية علاقتهما قبل أن يهددها هوس التطابق، خاصة بعد أن فقدت راشيل بصرها تماماً وأصبحت عمياء، أى ضاعت الصفة المشتركة التى ظنا بأنها أساس علاقتهما، ما جعل ديفيد يقدم على إعماء نفسه هو الآخر فقط ليُرضى صنم التوافق المزعوم، لم يطلعنا لانتيموس على ما انتهى إليه مصير ديفيد، لكنه أعطانا إيحاء ذكى عن طريق تسويد الشاشة لبعض الثوانى قبل ظهور التيترات، وهو إيحاء له تفسير وأيضاً له مغزى، يكمل كلاهما الآخر. والتفسير هو أن ديفيد قد أعمى نفسه بالفعل ليصبح العالم الذى يتشاركه الثنائى مجرد ظلام فى ظلام، وقد عبرت الشاشة السوداء عن هذا المعنى. أما المغزى فهو أن العالم الذى ينتظرنا نحن البشر حين نتبع قوانين وقواعد تتنافى مع رغباتنا ومشاعرنا هو عالم عبثى، عدمى، سوداوى، كئيب .. تنتصر فيه القيود والنظريات الجوفاء على الإنسان وسعادته التى هى الغاية الحقيقية لحياته.

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top