جميع المواضيع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفلام أجنبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفلام أجنبية. إظهار كافة الرسائل

Youth .. الخلود، الجحود، والفرص الضائعة


نشر هذا المقال ورقياً بعدد شهر نوفمبر من مجلة أبيض وأسود

"ماذا بعد؟" .. السؤال الذى يؤرق منام كل مبدع بعد أى خطوة مضيئة فى مشواره، إنه مجهول المعادلة الأصعب على أى فنان حلها. ماذا يقدم بعد تحفته الفنية؟ كيف ينجو من حصار نهم توقعات المحبين وتحفز سيوف الكارهين فى ظل واقع تنافسى طاحن يتطلب ما هو أكثر من النجاة؟
باولو سورنتينو .. الإسم السينمائى الإيطالى الأكثر صعوداً ولمعاناً فى السنوات الأخيرة يواجه هذا التحدى بفيلمه الأحدث "شباب" بعد النجاح الملحوظ الذى حققه فيلمه السابق "الجمال العظيم" قبل عامين، وخاصة بحصول الأخير على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبى وأيضا كونه من أكثر الأفلام التى نالت إهتمام النقاد وعشاق السينما فى سنة عرضه. هذا لا يلغى وجود نوع من الإنقسام فى الرأى حول "الجمال العظيم"، ويتجلى هذا الإنقسام برمزية فى حدث خروج الفيلم خالى الوفاض من المسابقة الرسمية لمهرجان كان فى نفس العام، وهى مفارقة تنحاز فيها الأوسكار -على غير العادة- للفيلم المحسوب على السينما الفنية، بينما تتخلى السعفة وباقى جوائز كان عنه رغم تحيزها التاريخى لما هو فنى وتجريبى.
يقول جان كوكتو "الشِعر ضرورة .. وليتنى أعرف لماذا." وتأتى هذه المقولة كتفسير على ظاهرة إنقسامات الأراء حول تلك النوعية من الأفلام أيضاً. فإنها أكثر ما يخضع للذوق الشخصى وللحالة المزاجية، وهو ما يجعلنا فى كثير من الأحيان عاجزين عن تقييمها بشكل موضوعى، لأننا وكما قال "كوكتو" لا نعرف لماذا، وربما لو علمنا لضاع كل السحر.
أميل لتصنيف الفن الذى يقدمه سورنتينو كنوع متطور من السينما الشعرية، وهى شعرية تعترف وتطوّع مستجدات الثقافة الشعبية فى داخلها، فتسمع المقطوعات الكلاسيكية جنباً إلى جنب مع موسيقى البوب الراقصة، وترى الطبيعة الخالصة جنباً إلى جنب مع المعمار والديكور الحداثى، وتجد الحوارات العفوية تتحول إلى نثريات وأبيات شعر مصقلة بخلاصة الحكمة ومحفزات التأمل، بل كان من الممكن سماعها فى أحد أفلام أباطرة السينما الشعرية كـ"أندريه تاركوفسكى" أو "تيرينس ماليك" ولكنك كنت لتسمعها فى هيئة تعليق صوتى مبتور العلاقة مع الحدث الروائى.







هذه المرة يرتكز قوام فيلم "شباب" حول ثلاث شخصيات رئيسية تقضى إجازة فى أحد المنتجعات السويسرية الفخمة، وهم بترتيب الأهمية، الموسيقار وقائد الأوركيسترا "فريد بالينجر" الذى أدى دوره الممثل"مايكل كين"، ذلك العجوز الذى اعتزل الموسيقى ويخفى بين تجاعيد وجهه وترهلات جسده جرحاً نفسياً هائلاً يتكشف تدريجياً للمتفرج على مدار زمن الفيلم. والشخصية الثانية هى "ميك بويل" التى أداها الممثل "هارفى كيتيل"، وهو صانع الأفلام الذى شاخ بعد اكتشافه أنه لم يقدم بعد الفيلم الذى يحقق له ذاته كمبدع. والشخصية الثالثة هى شخصية "جيمى" أداها "بول دانو" وهو عن ذلك الممثل الذى يتذكره الجميع بدور تافه فى أحد أفلام الخيال العلمى الجماهيرية مع تناسى باقى الأدوار القوية التى قدمها، لذا فهو يعانى من إحباط كبير أشبه بالإحباط الذى عانته شخصية "مايكل كيتون" بفيلم "بيردمان".

نلاحظ أن الثلاث شخصيات الرئيسية تجمعها مهنة الفن، وأظن ذلك سبب الربط الدائم بين سينما سورنتينو وسينما فيدريكو فيلينى، وبغض النظر عن الهوية الإيطالية المشتركة ففى رأيى أنه ربط غير دقيق لو تحدثنا من الناحية الأسلوبية. ولكنه يجوز لو تحدثنا من ناحية التيمات والمواضيع التى قدمها فيلينى فى فيلميه الأشهر على الأقل "8 ونصف" و "لا دولشى فيتا"، والتى تعرضت هى الأخرى لصراع الفنان/الوسط الفنى مع العالم. أيضا يختلف سورنتينو عن فيلينى فى عرضه للطبقة الأريستقراطية من منظور به وفاء وكأنه واحد من تلك الطبقة، بينما عرضها فيلينى من منظور وافد أو متنصت على تلك الطبقة.
يبدأ فيلم "شباب" بمشهد تقوم فيه مطربة شابة بأداء وصلة غنائية داخل المنتجع، والطريقة التى اختارها سورنتينو لعرض ذلك المشهد الإفتتاحى تتماهى مع همّ رئيسى لشخصيات الفيلم، فالكاميرا تدور بثبات مع دوران المسرح الذى تعتليه المطربة، وهو نفس الدوران الذى تواجهه الشخصيات على مدار زمن الفيلم، الدوران فى حلقة مفرغة من المعاناة. ويتم التعبير بصرياً عن ذلك بشكل أكثر تجلى فى اللقطات التى يصطف بها المسنون عرايا الجسد فى صفوف دائرية وهم فى طريقهم لأخذ دورهم بجلسات الساونا والعلاج الطبيعى بالمنتجع. نتوقف أيضاً أمام مشهد حوارى لفريد بالينجر أثناء احدى جلسات العلاج الطبيعى حين يطلب منه الطبيب تحمل وجع العلاج حيث يتبعه راحة، فيجيبه بالينجر يائساً: "وماذا بعد الراحة؟ وجع آخر".
 
هذا الكم من المعاناة فى حياة هؤلاء يتنقل بهم بين البؤس واليأس تارة، وتارة أخرى نحو البحث عن معنى من وراءه أو مكافأة نظير تحمله. ومن هنا يأتى دور الفن فى حياتهم. فإذا كانت أهداف الفنان الظاهرية هى التواصل والتقدير اللحظى والإحساس بالتأثير وتغيير العالم أو حتى مجرد تفريغ شحنات عاطفية يتعبه بقائها، فإن الهدف الكامن والأقوى هو الخلود، يريد كل فنان أن يترك وراءه الإرث الذى يجعله باقياً مهما تلاشى جسده عن الدنيا، بغض النظر عن كون هذا الخلود وهمى، ففى النهاية لن ينتفع أى فنان من بقاء فنه إذا لم يبقى هو بجسده ووعيه للمس هذا البقاء، ولكنها كما قلت مجرد قشة يتعلق بها إنسان لديه ما يكفى من الألم للقبول بأى تعويض وإن كان محض وهم.
نرصد ما سبق بشكل أكثر وضوحاً فى شخصية ميك، صانع الأفلام الذى قرر إنهاء تاريخه الفنى بكتابة سيناريو يصفه بغرور بأنه إنجيله الخاص أو وصيته الأخيرة للعالم، فهو السيناريو الذى يريد به تحقيق أحلامه الضائعة عبر سنوات من تقديم أفلام اكتشف فجأة كونها هراء، ما يجعله يرتعد، فنهايته تقترب ويظن أنه لم يترك الشىء الذى يحفظ تاريخه. يتجسد هذا الارتعاد أيضاً فى ذلك المشهد الذى يسأله أحد رفاقه عن نهاية الفيلم الذى يكتبه فيصمت قليلاً فى توتر ثم يجيب "سنأتى بواحدة آجلا أو عاجلا" ثم يقوم بعدها بفتح زجاجة الشمانيا بحركة عصبية. فمفهوم النهاية عموما أصبح هو مصدر الرعب الأكبر له، إنه السبب الرئيسى الذى يجعله يكتب ذلك الإنجيل أو الوصية المزعومة، كى يهرب من نهايته.
كما نرصد نفس الهم عند شخصية جيمى، حين يدخل فى ذلك الحوار اليائس مع بالينجر عن خطأ الإنجراف فى حياة الطيش الخفيفة والتسامح مع النزوات، حيث أنه يعانى كل ما يعانيه الآن من نزوة فنية قدم فيها شخصية تافهة التصقت به فوصمته ثم قامت بمحو باقى تاريخه الفنى الأكثر جدية. لو دققنا فى هذا الهم لوجدناه يعود بنا لمعضلة الخلود نفسها، بماذا سيتذكرك الناس حين تنتهى، بالإضافة لمعضلة أخرى وهى الجحود، عن طريق اختزال سيرة إنسان فى نزوة.
 
وبالرغم من إجابة بالينجر التى اتسمت بالتبرير والدفاع عن الطيش إلا أننا نكتشف بمرور الأحداث أنها إجابة مزيفة يتخفى بها من جرحه الشخصى، فبالينجر يعانى هو الآخر من نفس معضلة الجحود مع إبنته، يظهر ذلك فى المشهد الحوارى بينه وبين ميك حين يخبره بحزنه عندما يجد إبنته قد نست أو لا تعلم شىء عن حجم المساعى والتضحيات التى بذلها من أجل إسعادها منذ كانت طفلة، كل ذلك بسبب نزوة أو أكثر قام فيها بخيانة أمها، وأنه خائف إذا مات الآن أللا تتذكره بما هو جيد. ومن هنا وهناك تتعقد معضلة الخلود بمعضلة أخرى وهى الجحود، أو لنسميها الذاكرة، فحتى إن كنت تركت ما هو قيّم لإبقائك خالداً، فإن الذاكرة الإنسانية - أداة الخلود الوهمى - ليست دوماً عادلة.
نتوقف قليلاً لنتذكر حفل الأوسكار منذ عامين والذى تسلم فيه سورنتينو جائزته، ونلاحظ أنه فى خطابه قد قدّم التحية لشخص من الذين ألهموه يدعى "دييجو أرماندو مارادونا". رغم عظمة هذا الإسم إللا أنى أشك بقوة اذا كان أغلب من بالقاعة يومها يعرفوا عمن يتحدث سورنتينو، فالأميريكيون لا يهتمون بكرة القدم، وحتى معظم مقالات النقاد الأميريكيين لم تصل إلى أن سورنتينو يقدم شخصية "مارادونا" بشكل متنكر فى فيلمه "شباب".

تلك مفارقة تتناغم مع فكرة الذاكرة غير العادلة التى طرحناها، كما أن مارادونا نفسه بسيرته الدراماتيكية هو أحد الرموز الساطعة للتدليل على مفهوم العلاقة الشائكة بين العظمة والنزوات وكيف تلغى إحداهما الأخرى، وهو من صميم ما يطرحه الفيلم. كما أن ذلك ظهر فى أحد مشاهد الفيلم بحمام السباحة حين يتدخل هو فى مناقشة بين بالينجر والطفل العازف للكمان ويخبرهم بأنه أيضاً أيسر مثل الطفل، فيرد جيمى "الجميع يعلم أنك أيسر". لكن ما قاله جيمى  ليس مؤكداً، فربما هناك من لا يعلم، وهذا اللا يقين هو السبب الذى دفع مارادونا للتدخل فى الحوار من الأساس وتذكيرهم بأنه أيضاً "أيسر" وكأنه فى الحقيقة يستجدى منهم الخلود بطلب أن تظل ذكراه معروفة .. "أنا أشول" .. "تذكرونى".
هذه الرغبة اليائسة فى الخلود عبر عنها سورنتينو أيضاً بشكل بصرى رائع فى مشاهد خلوة الشخصيات مع أنفسها. مارادونا ينطىء كرة التنس فى الهواء بحماس وغيظ اعتراضاً على سنوات المجد التى لا تريد العودة، وبالينجر يقوم بقيادة أوركيسترا أصوات الطبيعة والمواشى والطيور، كما يناجى ميك الشخصيات النسائية بأفلامه والتى اجتمعت كلها أمام عينيه فى الغابة. كل منهم يقلب فى دفاتره القديمة ويحزن. لعل محاولة بالينجر كانت الأنجح لأنها تهدف للتوحد مع الطبيعة التى لا تفنى وإن فنى الإنسان، وكأن بالينجر قد قبِل بالأمر الواقع ولا يمانع فى أن يخلد حتى ولو عن طريق تحلل جسده وتحوله لعناصر أخرى فى الطبيعة.
المعاناة فى الفيلم لم تقتصر على المسنين، فحتى الشخصيات الشابة خائفة، ويظهر ذلك فى أحد المشاهد البديعة التى تنتقل فيها الكاميرا بسلاسة بين أوجه صناع الفيلم الذى يصنعه ميك وهم نائمون بجوار بعضهم البعض وفى حالة عصف ذهنى وروحى بحثاً عن نهاية للفيلم، ولكن نبرة أصواتهم احتوت على ما يكفى من يأس وكآبة لنفهم أن الأمر لا يقتصر على نهاية الفيلم وحده بل على نهايتهم هم أيضاً، هل ستكون درامية أم واقعية أم رومانسية؟ هم عاجزين عن إيجاد نهاية لأنهم فى أعماقهم يعتقدون أنه لا يجب أن تكون هناك نهاية من الأساس!
وبمثل حادثة التواصل الأجيالى التى تمت بين مارادونا والطفل عازف الكمان والتى بدت وكأن الأول يريد من الأخير أن يتذكره فيخلده، فإن الأمر يتكرر أيضاً مع بالينجر وعاملة التدليك المراهقة، التى فى نهاية الفيلم وجدناها تقلع عن الرقص على إيقاعات موسيقى البوب وتؤثر بدلا منها التمايل على أنغام المقطوعة الكلاسيكية التى ألفها بالينجر، وكأن الأخير قد نجح فى تلك اللقطة بالفوز ببعض الخلود.
رغم أن "شباب" لن يحصد ربع عدد الجوائز التى حصدها "الجمال العظيم"، إلا أنى أراه الفيلم الأفضل، حيث حافظ سورنتينو على نفس قدر الجماليات بفيلمه السابق ولكنه تدارك أيضاً عيوبه الكبرى والتى تلخصت فى تهميش العاطفة والمغزى. هذه المرة تتضح صراعات وهموم الشخصيات من اللحظة الأولى، هذه المرة أنت قادر على الشعور بخوائهم النفسى قبل وهنهم الجسدى. وحتى اللحظات الشعرية التأملية كانت أكثر ارتباطاً بالدراما وأعلى فى جرعة الشحن العاطفى، وأقل فى الإدعاء. وبرغم حصة الكآبة إلا إنه احتوى على لحظات شديدة الظرف والسخرية تجعله واحداً من أرقى أفلام الكوميديا السوداء فى الفترة الأخيرة.

Youth .. الخلود، الجحود، والفرص الضائعة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:45 م 0 تعليقات


نشر هذا المقال ورقياً بعدد شهر نوفمبر من مجلة أبيض وأسود

"ماذا بعد؟" .. السؤال الذى يؤرق منام كل مبدع بعد أى خطوة مضيئة فى مشواره، إنه مجهول المعادلة الأصعب على أى فنان حلها. ماذا يقدم بعد تحفته الفنية؟ كيف ينجو من حصار نهم توقعات المحبين وتحفز سيوف الكارهين فى ظل واقع تنافسى طاحن يتطلب ما هو أكثر من النجاة؟
باولو سورنتينو .. الإسم السينمائى الإيطالى الأكثر صعوداً ولمعاناً فى السنوات الأخيرة يواجه هذا التحدى بفيلمه الأحدث "شباب" بعد النجاح الملحوظ الذى حققه فيلمه السابق "الجمال العظيم" قبل عامين، وخاصة بحصول الأخير على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبى وأيضا كونه من أكثر الأفلام التى نالت إهتمام النقاد وعشاق السينما فى سنة عرضه. هذا لا يلغى وجود نوع من الإنقسام فى الرأى حول "الجمال العظيم"، ويتجلى هذا الإنقسام برمزية فى حدث خروج الفيلم خالى الوفاض من المسابقة الرسمية لمهرجان كان فى نفس العام، وهى مفارقة تنحاز فيها الأوسكار -على غير العادة- للفيلم المحسوب على السينما الفنية، بينما تتخلى السعفة وباقى جوائز كان عنه رغم تحيزها التاريخى لما هو فنى وتجريبى.
يقول جان كوكتو "الشِعر ضرورة .. وليتنى أعرف لماذا." وتأتى هذه المقولة كتفسير على ظاهرة إنقسامات الأراء حول تلك النوعية من الأفلام أيضاً. فإنها أكثر ما يخضع للذوق الشخصى وللحالة المزاجية، وهو ما يجعلنا فى كثير من الأحيان عاجزين عن تقييمها بشكل موضوعى، لأننا وكما قال "كوكتو" لا نعرف لماذا، وربما لو علمنا لضاع كل السحر.
أميل لتصنيف الفن الذى يقدمه سورنتينو كنوع متطور من السينما الشعرية، وهى شعرية تعترف وتطوّع مستجدات الثقافة الشعبية فى داخلها، فتسمع المقطوعات الكلاسيكية جنباً إلى جنب مع موسيقى البوب الراقصة، وترى الطبيعة الخالصة جنباً إلى جنب مع المعمار والديكور الحداثى، وتجد الحوارات العفوية تتحول إلى نثريات وأبيات شعر مصقلة بخلاصة الحكمة ومحفزات التأمل، بل كان من الممكن سماعها فى أحد أفلام أباطرة السينما الشعرية كـ"أندريه تاركوفسكى" أو "تيرينس ماليك" ولكنك كنت لتسمعها فى هيئة تعليق صوتى مبتور العلاقة مع الحدث الروائى.







هذه المرة يرتكز قوام فيلم "شباب" حول ثلاث شخصيات رئيسية تقضى إجازة فى أحد المنتجعات السويسرية الفخمة، وهم بترتيب الأهمية، الموسيقار وقائد الأوركيسترا "فريد بالينجر" الذى أدى دوره الممثل"مايكل كين"، ذلك العجوز الذى اعتزل الموسيقى ويخفى بين تجاعيد وجهه وترهلات جسده جرحاً نفسياً هائلاً يتكشف تدريجياً للمتفرج على مدار زمن الفيلم. والشخصية الثانية هى "ميك بويل" التى أداها الممثل "هارفى كيتيل"، وهو صانع الأفلام الذى شاخ بعد اكتشافه أنه لم يقدم بعد الفيلم الذى يحقق له ذاته كمبدع. والشخصية الثالثة هى شخصية "جيمى" أداها "بول دانو" وهو عن ذلك الممثل الذى يتذكره الجميع بدور تافه فى أحد أفلام الخيال العلمى الجماهيرية مع تناسى باقى الأدوار القوية التى قدمها، لذا فهو يعانى من إحباط كبير أشبه بالإحباط الذى عانته شخصية "مايكل كيتون" بفيلم "بيردمان".

نلاحظ أن الثلاث شخصيات الرئيسية تجمعها مهنة الفن، وأظن ذلك سبب الربط الدائم بين سينما سورنتينو وسينما فيدريكو فيلينى، وبغض النظر عن الهوية الإيطالية المشتركة ففى رأيى أنه ربط غير دقيق لو تحدثنا من الناحية الأسلوبية. ولكنه يجوز لو تحدثنا من ناحية التيمات والمواضيع التى قدمها فيلينى فى فيلميه الأشهر على الأقل "8 ونصف" و "لا دولشى فيتا"، والتى تعرضت هى الأخرى لصراع الفنان/الوسط الفنى مع العالم. أيضا يختلف سورنتينو عن فيلينى فى عرضه للطبقة الأريستقراطية من منظور به وفاء وكأنه واحد من تلك الطبقة، بينما عرضها فيلينى من منظور وافد أو متنصت على تلك الطبقة.
يبدأ فيلم "شباب" بمشهد تقوم فيه مطربة شابة بأداء وصلة غنائية داخل المنتجع، والطريقة التى اختارها سورنتينو لعرض ذلك المشهد الإفتتاحى تتماهى مع همّ رئيسى لشخصيات الفيلم، فالكاميرا تدور بثبات مع دوران المسرح الذى تعتليه المطربة، وهو نفس الدوران الذى تواجهه الشخصيات على مدار زمن الفيلم، الدوران فى حلقة مفرغة من المعاناة. ويتم التعبير بصرياً عن ذلك بشكل أكثر تجلى فى اللقطات التى يصطف بها المسنون عرايا الجسد فى صفوف دائرية وهم فى طريقهم لأخذ دورهم بجلسات الساونا والعلاج الطبيعى بالمنتجع. نتوقف أيضاً أمام مشهد حوارى لفريد بالينجر أثناء احدى جلسات العلاج الطبيعى حين يطلب منه الطبيب تحمل وجع العلاج حيث يتبعه راحة، فيجيبه بالينجر يائساً: "وماذا بعد الراحة؟ وجع آخر".
 
هذا الكم من المعاناة فى حياة هؤلاء يتنقل بهم بين البؤس واليأس تارة، وتارة أخرى نحو البحث عن معنى من وراءه أو مكافأة نظير تحمله. ومن هنا يأتى دور الفن فى حياتهم. فإذا كانت أهداف الفنان الظاهرية هى التواصل والتقدير اللحظى والإحساس بالتأثير وتغيير العالم أو حتى مجرد تفريغ شحنات عاطفية يتعبه بقائها، فإن الهدف الكامن والأقوى هو الخلود، يريد كل فنان أن يترك وراءه الإرث الذى يجعله باقياً مهما تلاشى جسده عن الدنيا، بغض النظر عن كون هذا الخلود وهمى، ففى النهاية لن ينتفع أى فنان من بقاء فنه إذا لم يبقى هو بجسده ووعيه للمس هذا البقاء، ولكنها كما قلت مجرد قشة يتعلق بها إنسان لديه ما يكفى من الألم للقبول بأى تعويض وإن كان محض وهم.
نرصد ما سبق بشكل أكثر وضوحاً فى شخصية ميك، صانع الأفلام الذى قرر إنهاء تاريخه الفنى بكتابة سيناريو يصفه بغرور بأنه إنجيله الخاص أو وصيته الأخيرة للعالم، فهو السيناريو الذى يريد به تحقيق أحلامه الضائعة عبر سنوات من تقديم أفلام اكتشف فجأة كونها هراء، ما يجعله يرتعد، فنهايته تقترب ويظن أنه لم يترك الشىء الذى يحفظ تاريخه. يتجسد هذا الارتعاد أيضاً فى ذلك المشهد الذى يسأله أحد رفاقه عن نهاية الفيلم الذى يكتبه فيصمت قليلاً فى توتر ثم يجيب "سنأتى بواحدة آجلا أو عاجلا" ثم يقوم بعدها بفتح زجاجة الشمانيا بحركة عصبية. فمفهوم النهاية عموما أصبح هو مصدر الرعب الأكبر له، إنه السبب الرئيسى الذى يجعله يكتب ذلك الإنجيل أو الوصية المزعومة، كى يهرب من نهايته.
كما نرصد نفس الهم عند شخصية جيمى، حين يدخل فى ذلك الحوار اليائس مع بالينجر عن خطأ الإنجراف فى حياة الطيش الخفيفة والتسامح مع النزوات، حيث أنه يعانى كل ما يعانيه الآن من نزوة فنية قدم فيها شخصية تافهة التصقت به فوصمته ثم قامت بمحو باقى تاريخه الفنى الأكثر جدية. لو دققنا فى هذا الهم لوجدناه يعود بنا لمعضلة الخلود نفسها، بماذا سيتذكرك الناس حين تنتهى، بالإضافة لمعضلة أخرى وهى الجحود، عن طريق اختزال سيرة إنسان فى نزوة.
 
وبالرغم من إجابة بالينجر التى اتسمت بالتبرير والدفاع عن الطيش إلا أننا نكتشف بمرور الأحداث أنها إجابة مزيفة يتخفى بها من جرحه الشخصى، فبالينجر يعانى هو الآخر من نفس معضلة الجحود مع إبنته، يظهر ذلك فى المشهد الحوارى بينه وبين ميك حين يخبره بحزنه عندما يجد إبنته قد نست أو لا تعلم شىء عن حجم المساعى والتضحيات التى بذلها من أجل إسعادها منذ كانت طفلة، كل ذلك بسبب نزوة أو أكثر قام فيها بخيانة أمها، وأنه خائف إذا مات الآن أللا تتذكره بما هو جيد. ومن هنا وهناك تتعقد معضلة الخلود بمعضلة أخرى وهى الجحود، أو لنسميها الذاكرة، فحتى إن كنت تركت ما هو قيّم لإبقائك خالداً، فإن الذاكرة الإنسانية - أداة الخلود الوهمى - ليست دوماً عادلة.
نتوقف قليلاً لنتذكر حفل الأوسكار منذ عامين والذى تسلم فيه سورنتينو جائزته، ونلاحظ أنه فى خطابه قد قدّم التحية لشخص من الذين ألهموه يدعى "دييجو أرماندو مارادونا". رغم عظمة هذا الإسم إللا أنى أشك بقوة اذا كان أغلب من بالقاعة يومها يعرفوا عمن يتحدث سورنتينو، فالأميريكيون لا يهتمون بكرة القدم، وحتى معظم مقالات النقاد الأميريكيين لم تصل إلى أن سورنتينو يقدم شخصية "مارادونا" بشكل متنكر فى فيلمه "شباب".

تلك مفارقة تتناغم مع فكرة الذاكرة غير العادلة التى طرحناها، كما أن مارادونا نفسه بسيرته الدراماتيكية هو أحد الرموز الساطعة للتدليل على مفهوم العلاقة الشائكة بين العظمة والنزوات وكيف تلغى إحداهما الأخرى، وهو من صميم ما يطرحه الفيلم. كما أن ذلك ظهر فى أحد مشاهد الفيلم بحمام السباحة حين يتدخل هو فى مناقشة بين بالينجر والطفل العازف للكمان ويخبرهم بأنه أيضاً أيسر مثل الطفل، فيرد جيمى "الجميع يعلم أنك أيسر". لكن ما قاله جيمى  ليس مؤكداً، فربما هناك من لا يعلم، وهذا اللا يقين هو السبب الذى دفع مارادونا للتدخل فى الحوار من الأساس وتذكيرهم بأنه أيضاً "أيسر" وكأنه فى الحقيقة يستجدى منهم الخلود بطلب أن تظل ذكراه معروفة .. "أنا أشول" .. "تذكرونى".
هذه الرغبة اليائسة فى الخلود عبر عنها سورنتينو أيضاً بشكل بصرى رائع فى مشاهد خلوة الشخصيات مع أنفسها. مارادونا ينطىء كرة التنس فى الهواء بحماس وغيظ اعتراضاً على سنوات المجد التى لا تريد العودة، وبالينجر يقوم بقيادة أوركيسترا أصوات الطبيعة والمواشى والطيور، كما يناجى ميك الشخصيات النسائية بأفلامه والتى اجتمعت كلها أمام عينيه فى الغابة. كل منهم يقلب فى دفاتره القديمة ويحزن. لعل محاولة بالينجر كانت الأنجح لأنها تهدف للتوحد مع الطبيعة التى لا تفنى وإن فنى الإنسان، وكأن بالينجر قد قبِل بالأمر الواقع ولا يمانع فى أن يخلد حتى ولو عن طريق تحلل جسده وتحوله لعناصر أخرى فى الطبيعة.
المعاناة فى الفيلم لم تقتصر على المسنين، فحتى الشخصيات الشابة خائفة، ويظهر ذلك فى أحد المشاهد البديعة التى تنتقل فيها الكاميرا بسلاسة بين أوجه صناع الفيلم الذى يصنعه ميك وهم نائمون بجوار بعضهم البعض وفى حالة عصف ذهنى وروحى بحثاً عن نهاية للفيلم، ولكن نبرة أصواتهم احتوت على ما يكفى من يأس وكآبة لنفهم أن الأمر لا يقتصر على نهاية الفيلم وحده بل على نهايتهم هم أيضاً، هل ستكون درامية أم واقعية أم رومانسية؟ هم عاجزين عن إيجاد نهاية لأنهم فى أعماقهم يعتقدون أنه لا يجب أن تكون هناك نهاية من الأساس!
وبمثل حادثة التواصل الأجيالى التى تمت بين مارادونا والطفل عازف الكمان والتى بدت وكأن الأول يريد من الأخير أن يتذكره فيخلده، فإن الأمر يتكرر أيضاً مع بالينجر وعاملة التدليك المراهقة، التى فى نهاية الفيلم وجدناها تقلع عن الرقص على إيقاعات موسيقى البوب وتؤثر بدلا منها التمايل على أنغام المقطوعة الكلاسيكية التى ألفها بالينجر، وكأن الأخير قد نجح فى تلك اللقطة بالفوز ببعض الخلود.
رغم أن "شباب" لن يحصد ربع عدد الجوائز التى حصدها "الجمال العظيم"، إلا أنى أراه الفيلم الأفضل، حيث حافظ سورنتينو على نفس قدر الجماليات بفيلمه السابق ولكنه تدارك أيضاً عيوبه الكبرى والتى تلخصت فى تهميش العاطفة والمغزى. هذه المرة تتضح صراعات وهموم الشخصيات من اللحظة الأولى، هذه المرة أنت قادر على الشعور بخوائهم النفسى قبل وهنهم الجسدى. وحتى اللحظات الشعرية التأملية كانت أكثر ارتباطاً بالدراما وأعلى فى جرعة الشحن العاطفى، وأقل فى الإدعاء. وبرغم حصة الكآبة إلا إنه احتوى على لحظات شديدة الظرف والسخرية تجعله واحداً من أرقى أفلام الكوميديا السوداء فى الفترة الأخيرة.

Ed Wood .. حين انتصر الشغف

 

 (نشر هذا المقال ورقياً للمرة الأولى بمجلة "أبيض وأسود" فى عدد شهر يونيه ضمن ملف خاص عن المخرج "تيم بورتن)

يقول وينستن تشيرشل: "النجاح هو أن تتنقل بين فشل وآخر دون أن تفقد حماسك"، ربما لم يسمع المخرج الأميريكى "تيم بورتن" بهذه المقولة قط، ولكنها على أية حال قد أتت بخلاصة ما دار فى باله وباقى صناع فيلم "إد وود - 1994" قبل شروعهم فى تنفيذه. فما أكثر تلك الأفلام التى قدمت قصص النجاح، سواء لمشاهير أو لشخصيات خيالية، ولكن ما أكثرها ندرة تلك التى تقدم قصص الفشل بهذا الشكل الاحتفائى!


هذا بالرغم من أن الأخيرة كثيراً ما تحتوى على ما يفوق الأولى من روعة وحماسة وملحمية، لدرجة قد تجعل المتلقى يعيد تعريف النجاح ويصبح أكثر تصالحاً وتفهماً لما تفرضه الحياة من واقع قد يتنافى مع ثقافة التنمية الذاتية مثلا، التى تبشر بنتائج مضمونة كرد فعل بديهى على الجهد والشغف والمثابرة والحلم والتفاؤل وأشياء أخرى، بجانب مقالات وكتب "العشر أشياء" التى تقدم الوعود لفاعلها بأنه سيصبح أعظم إنساناً فى الكون، متناسيين أن قانون الحياة الأول هو أنه لا قانون. فأحياناً يتلخص الامر ببساطة فى عدم وجود تقاطع بين طريقك وطريق النجاح، الأمر ليس شخصياً .. لا يجب أن تقتل نفسك .. فقط تآمرت عليك ظروف أقوى منك، كالحتمية والحظ والجينات والقدرات. كل ما عليك فعله أن تقبل بأن الفشل جزء من الحياة، وأن ما يبقيك حياً ليس النجاح بقدر ما هو الشغف.

بميزانية تصل إلى 18 مليون دولار قدم "تيم بورتن" بالتعاون مع المؤلفين "سكوت اليكساندر" و"لارى كاراسفزكى" فيلما عن "إدوارد وود"، صانع أفلام الدرجة الثانية الكلاسيكية الرخيصة أو كما تعرف بـ B Movies، وهى ميزانية تفوق بنحو مئة ضعف ميزانيات الأفلام التى صنعها وود مجتمعة، وسيسهل استنتاج ذلك حين تشاهد تلك الأفلام أو بمجرد العلم بحقيقة أن وود قد لقّب بـ "أسوأ صانع أفلام فى التاريخ"!


وإن أردنا الدقة فلا نستطيع وصف فيلم بورتن بأنه سيرة ذاتية تقليدية عن إدوارد وود، لأنه أولاً يتعامل مع حياة الاخير بمنطق هزلى ساخر يخلط بين الأحداث الواقعية من ناحية وبين المبالغات والتجويد من ناحية أخرى، وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن حتى ما عايشه وود فعلياً كان أغرب من الخيال، ما يجعلنا كمشاهدين نقف فى النهاية فى منطقة ضبابية لا نستطيع التمييز بين ما هو فعلى وما هو مختلق.
أحد أبرز الأمثلة على حالة التجويد التى تجدر الاشارة لها تخص الخط الدرامى المتعلق بشخصية "دولوريسا فولر" عشيقة وود الأولى التى أدت دورها الممثلة "سارة جيسيسكا باركر"، وقد أظهرها الفيلم بصورة أنانية فهى تتخلى عن شريك حياتها بسبب تعثره المهنى، أما الحقيقة فهى أنها انفصلت عنه نظراً لإدمانه الكحوليات، ولكننا فى النهاية لا نهتم على أية حال؛ لأن الحالة التى أمامنا على الشاشة تفوق فى اثارتها الدرامية وجاذبيتها الجمالية تلك الاعتبارات التقليدية عن أفلام السير الذاتية.

أما السبب الثانى الذى لا يجعلنا نتعاطى مع الفيلم كونه سيرة ذاتية، هو انه اقتطع جزء صغير من حياة وود ليقدمه لنا، وهو الجزء المتعلق بمرحلة صناعة أول أفلامه "جلين أو جليندا" من انتاج عام 1953، وحتى صناعة فيلمه الأكثر قبولاً "الخطة 9 من الفضاء الخارجى"، من انتاج عام 1959، أى أن المدة الفعلية التى تدور بها الأحداث هى ست سنوات فقط من حياة وود، وهى الفترة التى تمثل سنوات البراءة والشغف.

حيث أن وود قد انتقل بعدها بسنوات لصناعة الأفلام الايروسية والبورن، وهذا ما تغاضى عنه فيلم بورتن وقد اكتفى بالقدر الذى يحقق احترامه وتقديره لوود، كما يحقق لبورتن دوافعه الذاتية من وراء صنع هذا الفيلم والتى كانت فى رأيى التأكيد على ان الفشل المهنى ليس النهاية، هذا لو علمنا أن أول الأفلام التى صنعها بورتن نفسه مع شركة ديزنى قد فشلت فشلاً ذريعاً. أما الدافع الذاتى الآخر لبورتن والذى كان قد تحدث عنه كان العلاقة الحميمية التى ربطت بين إدوارد وود وبطل أفلامه "بيلا لوجوسى"، والتى تذكره (أى بورتن) بعلاقته مع الممثل "فينسينت برايس" أحد أبطال فيلمه السابق "إدوارد ذو يد المقص - 1990"

شخصية وود تتشارك فى غرائبيتها مع كل الشخصيات التى قدمها بورتن قبل هذا الفيلم، فهو مولع بهذا النوع وقد استمد هذا الولع من عشقه القديم لفن الرسوم المتحركة، لعل شخصية وود كانت الاقل غرائبية من حيث عدم تمتعها بقدرات خارقة مثل "باتمان" أو "ادوارد ذو يد المقص" أو "بيتلجوس"، لكنها تظل حالة عجيبة ومحيرة، وقد كساها بورتن فى أسلوبه الاخراجى بزى الرسوم المتحركة عن طريق إضفاء عدة سمات، أبرزها تصحيح الألوان الذى جاء متطرف فى التمايز Contrast بين الأبيض والأسود، ما يعطى الايحاء بأننا لسنا أمام فيلماً كلاسيكياً تقليدياً بل شىء أقرب لمجلة كوميك تحوى قصة سوداوية. السمة الأخرى كانت الموسيقى الكلاسيكية التى تحاكى موسيقى أفلام فترة الخمسينيات مع بعض التنويعات على مقطوعة "بحيرة البجعة" لتشايكوفسكى، وهذه الخلطة ساعدت فى تكريس ايحاء بالحقبة الكلاسيكية التى يتناولها الفيلم، وايحاء آخر بالعالم الأسطورى الغرائبى الذى يفرضه الفيلم كغلاف أسلوبى لسرد الأحداث.


ولم تكن المحاكاة الموسيقية والبصرية هى كل ما اتبعه بورتن فى بناءه لهذا الفيلم، بل تأتى أيضاً آلية اختيار الممثلين لتحاكى الشخصيات التى يجسدونها. فيبرر بورتن اختياره للمثل "مارتن لاندايو" لأداء دور "بيلا لوجوسى"، وقد فاز بجائزة الأوسكار عن أداء هذا الدور، قائلاً: "فكرت بأن هذا هو ممثل بدأ عمله التمثيلى مع هيتشكوك وانتهى به الأمر إلى أدوار ثانوية فى أعمال تلفزيونية لمدة العشرين سنة الأخيرة. إنه سيفهم بامتياز ما سيؤول إليه وضع بيلا لوجوسى، سيقوم بفهمه على مستوى إنسانى بدون المبالغة الدرامية فى تجسيده." (من كتاب "محاضرات فى الإخراج السينمائى" تحرير لوران تيرار وترجمة محسن ويفى.)

يبقى الهم الأكبر لدى البطل هو الخلود، الخلود عبر الفن بأن يتذكره الناس، فهو حلم مغرى ويستحق هذا العناء والتعثر من فشل إلى فشل، يعبر وود عن هذا الحلم بجملة حوارية يقولها بعد انتهاء العرض الأول لفيلم "الخطة 9 من الفضاء الخارجى" الذى نال استحسان لا بأس به من الجمهور لأول مرة، "هذا ما سوف يتذكرنى الناس من خلاله"، لكن هذا الحلم لم يتم التعبير عنه من خلال الدراما والحوار فقط فهو يظهر أحياناً من خلال الأسلوب المونتاجى أيضاً، ويمكن ملاحظة ذلك بتنقلات المزج من أعلى أو أسفل، وكأن المشاهد هى صفحات تاريخ تطوى رغم أنف أبطالها، وكل ما عليهم فعله بين طى صفحة وأخرى هو العثور لنفسهم على مكان للخلود بعد الموت، وما يؤكد هذه الرؤية مشهد دفن "بيلا لوجوسى" بحيث تصعد الكاميرا من أعلى غطاء التابوت الذى قام بدور الظلام وكأنه مزج أو طوى بين الحياة والموت وما بينهما من مساحة تمثل أثر الانسان فى هذه الحياة إن كان قد ترك ما يضمن له البقاء أدبياً أم لا.

"إد وود" ليس فقط قصة عن النجاح والفشل المهنى، أو مجرد خطاب غرامى موجه للشغف، بل هو أيضاً لوحة متوهجة الصدق والشاعرية عن الصداقة والحب والتضحية، فما ظهر فى البداية بأنه استغلال من وود لنجومة لوجوسى المنطفئة لتسويق الأفلام قد تحول فى النهاية إلى علاقة صداقة ملهمة لا تتكرر كثيراً فى السينما أو حتى الواقع. لقد شعرنا أن وود ربما لن يحالفه الحظ أبداً فى النجاح الفنى وأنه لن يصل يوماً لمثل نجاح عرّابه السينمائى "أورسن ويلز"، ولكنه أكثر سعادة من ويلز، أقل كآبة وعبوساً واحباطاً منه، فضلاً عن أن له حبيبة شغوفة وتتقبل ميوله فى ارتداء الملابس النسائية وتبقى مخلصة لذكراه فلا تتزوج غيره أبداً حتى بعد وفاته، لننهى الفيلم بشعور أن "إدوارد وود" لم يفشل حقاً.

Ed Wood .. حين انتصر الشغف

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  2:24 م 0 تعليقات

 

 (نشر هذا المقال ورقياً للمرة الأولى بمجلة "أبيض وأسود" فى عدد شهر يونيه ضمن ملف خاص عن المخرج "تيم بورتن)

يقول وينستن تشيرشل: "النجاح هو أن تتنقل بين فشل وآخر دون أن تفقد حماسك"، ربما لم يسمع المخرج الأميريكى "تيم بورتن" بهذه المقولة قط، ولكنها على أية حال قد أتت بخلاصة ما دار فى باله وباقى صناع فيلم "إد وود - 1994" قبل شروعهم فى تنفيذه. فما أكثر تلك الأفلام التى قدمت قصص النجاح، سواء لمشاهير أو لشخصيات خيالية، ولكن ما أكثرها ندرة تلك التى تقدم قصص الفشل بهذا الشكل الاحتفائى!


هذا بالرغم من أن الأخيرة كثيراً ما تحتوى على ما يفوق الأولى من روعة وحماسة وملحمية، لدرجة قد تجعل المتلقى يعيد تعريف النجاح ويصبح أكثر تصالحاً وتفهماً لما تفرضه الحياة من واقع قد يتنافى مع ثقافة التنمية الذاتية مثلا، التى تبشر بنتائج مضمونة كرد فعل بديهى على الجهد والشغف والمثابرة والحلم والتفاؤل وأشياء أخرى، بجانب مقالات وكتب "العشر أشياء" التى تقدم الوعود لفاعلها بأنه سيصبح أعظم إنساناً فى الكون، متناسيين أن قانون الحياة الأول هو أنه لا قانون. فأحياناً يتلخص الامر ببساطة فى عدم وجود تقاطع بين طريقك وطريق النجاح، الأمر ليس شخصياً .. لا يجب أن تقتل نفسك .. فقط تآمرت عليك ظروف أقوى منك، كالحتمية والحظ والجينات والقدرات. كل ما عليك فعله أن تقبل بأن الفشل جزء من الحياة، وأن ما يبقيك حياً ليس النجاح بقدر ما هو الشغف.

بميزانية تصل إلى 18 مليون دولار قدم "تيم بورتن" بالتعاون مع المؤلفين "سكوت اليكساندر" و"لارى كاراسفزكى" فيلما عن "إدوارد وود"، صانع أفلام الدرجة الثانية الكلاسيكية الرخيصة أو كما تعرف بـ B Movies، وهى ميزانية تفوق بنحو مئة ضعف ميزانيات الأفلام التى صنعها وود مجتمعة، وسيسهل استنتاج ذلك حين تشاهد تلك الأفلام أو بمجرد العلم بحقيقة أن وود قد لقّب بـ "أسوأ صانع أفلام فى التاريخ"!


وإن أردنا الدقة فلا نستطيع وصف فيلم بورتن بأنه سيرة ذاتية تقليدية عن إدوارد وود، لأنه أولاً يتعامل مع حياة الاخير بمنطق هزلى ساخر يخلط بين الأحداث الواقعية من ناحية وبين المبالغات والتجويد من ناحية أخرى، وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن حتى ما عايشه وود فعلياً كان أغرب من الخيال، ما يجعلنا كمشاهدين نقف فى النهاية فى منطقة ضبابية لا نستطيع التمييز بين ما هو فعلى وما هو مختلق.
أحد أبرز الأمثلة على حالة التجويد التى تجدر الاشارة لها تخص الخط الدرامى المتعلق بشخصية "دولوريسا فولر" عشيقة وود الأولى التى أدت دورها الممثلة "سارة جيسيسكا باركر"، وقد أظهرها الفيلم بصورة أنانية فهى تتخلى عن شريك حياتها بسبب تعثره المهنى، أما الحقيقة فهى أنها انفصلت عنه نظراً لإدمانه الكحوليات، ولكننا فى النهاية لا نهتم على أية حال؛ لأن الحالة التى أمامنا على الشاشة تفوق فى اثارتها الدرامية وجاذبيتها الجمالية تلك الاعتبارات التقليدية عن أفلام السير الذاتية.

أما السبب الثانى الذى لا يجعلنا نتعاطى مع الفيلم كونه سيرة ذاتية، هو انه اقتطع جزء صغير من حياة وود ليقدمه لنا، وهو الجزء المتعلق بمرحلة صناعة أول أفلامه "جلين أو جليندا" من انتاج عام 1953، وحتى صناعة فيلمه الأكثر قبولاً "الخطة 9 من الفضاء الخارجى"، من انتاج عام 1959، أى أن المدة الفعلية التى تدور بها الأحداث هى ست سنوات فقط من حياة وود، وهى الفترة التى تمثل سنوات البراءة والشغف.

حيث أن وود قد انتقل بعدها بسنوات لصناعة الأفلام الايروسية والبورن، وهذا ما تغاضى عنه فيلم بورتن وقد اكتفى بالقدر الذى يحقق احترامه وتقديره لوود، كما يحقق لبورتن دوافعه الذاتية من وراء صنع هذا الفيلم والتى كانت فى رأيى التأكيد على ان الفشل المهنى ليس النهاية، هذا لو علمنا أن أول الأفلام التى صنعها بورتن نفسه مع شركة ديزنى قد فشلت فشلاً ذريعاً. أما الدافع الذاتى الآخر لبورتن والذى كان قد تحدث عنه كان العلاقة الحميمية التى ربطت بين إدوارد وود وبطل أفلامه "بيلا لوجوسى"، والتى تذكره (أى بورتن) بعلاقته مع الممثل "فينسينت برايس" أحد أبطال فيلمه السابق "إدوارد ذو يد المقص - 1990"

شخصية وود تتشارك فى غرائبيتها مع كل الشخصيات التى قدمها بورتن قبل هذا الفيلم، فهو مولع بهذا النوع وقد استمد هذا الولع من عشقه القديم لفن الرسوم المتحركة، لعل شخصية وود كانت الاقل غرائبية من حيث عدم تمتعها بقدرات خارقة مثل "باتمان" أو "ادوارد ذو يد المقص" أو "بيتلجوس"، لكنها تظل حالة عجيبة ومحيرة، وقد كساها بورتن فى أسلوبه الاخراجى بزى الرسوم المتحركة عن طريق إضفاء عدة سمات، أبرزها تصحيح الألوان الذى جاء متطرف فى التمايز Contrast بين الأبيض والأسود، ما يعطى الايحاء بأننا لسنا أمام فيلماً كلاسيكياً تقليدياً بل شىء أقرب لمجلة كوميك تحوى قصة سوداوية. السمة الأخرى كانت الموسيقى الكلاسيكية التى تحاكى موسيقى أفلام فترة الخمسينيات مع بعض التنويعات على مقطوعة "بحيرة البجعة" لتشايكوفسكى، وهذه الخلطة ساعدت فى تكريس ايحاء بالحقبة الكلاسيكية التى يتناولها الفيلم، وايحاء آخر بالعالم الأسطورى الغرائبى الذى يفرضه الفيلم كغلاف أسلوبى لسرد الأحداث.


ولم تكن المحاكاة الموسيقية والبصرية هى كل ما اتبعه بورتن فى بناءه لهذا الفيلم، بل تأتى أيضاً آلية اختيار الممثلين لتحاكى الشخصيات التى يجسدونها. فيبرر بورتن اختياره للمثل "مارتن لاندايو" لأداء دور "بيلا لوجوسى"، وقد فاز بجائزة الأوسكار عن أداء هذا الدور، قائلاً: "فكرت بأن هذا هو ممثل بدأ عمله التمثيلى مع هيتشكوك وانتهى به الأمر إلى أدوار ثانوية فى أعمال تلفزيونية لمدة العشرين سنة الأخيرة. إنه سيفهم بامتياز ما سيؤول إليه وضع بيلا لوجوسى، سيقوم بفهمه على مستوى إنسانى بدون المبالغة الدرامية فى تجسيده." (من كتاب "محاضرات فى الإخراج السينمائى" تحرير لوران تيرار وترجمة محسن ويفى.)

يبقى الهم الأكبر لدى البطل هو الخلود، الخلود عبر الفن بأن يتذكره الناس، فهو حلم مغرى ويستحق هذا العناء والتعثر من فشل إلى فشل، يعبر وود عن هذا الحلم بجملة حوارية يقولها بعد انتهاء العرض الأول لفيلم "الخطة 9 من الفضاء الخارجى" الذى نال استحسان لا بأس به من الجمهور لأول مرة، "هذا ما سوف يتذكرنى الناس من خلاله"، لكن هذا الحلم لم يتم التعبير عنه من خلال الدراما والحوار فقط فهو يظهر أحياناً من خلال الأسلوب المونتاجى أيضاً، ويمكن ملاحظة ذلك بتنقلات المزج من أعلى أو أسفل، وكأن المشاهد هى صفحات تاريخ تطوى رغم أنف أبطالها، وكل ما عليهم فعله بين طى صفحة وأخرى هو العثور لنفسهم على مكان للخلود بعد الموت، وما يؤكد هذه الرؤية مشهد دفن "بيلا لوجوسى" بحيث تصعد الكاميرا من أعلى غطاء التابوت الذى قام بدور الظلام وكأنه مزج أو طوى بين الحياة والموت وما بينهما من مساحة تمثل أثر الانسان فى هذه الحياة إن كان قد ترك ما يضمن له البقاء أدبياً أم لا.

"إد وود" ليس فقط قصة عن النجاح والفشل المهنى، أو مجرد خطاب غرامى موجه للشغف، بل هو أيضاً لوحة متوهجة الصدق والشاعرية عن الصداقة والحب والتضحية، فما ظهر فى البداية بأنه استغلال من وود لنجومة لوجوسى المنطفئة لتسويق الأفلام قد تحول فى النهاية إلى علاقة صداقة ملهمة لا تتكرر كثيراً فى السينما أو حتى الواقع. لقد شعرنا أن وود ربما لن يحالفه الحظ أبداً فى النجاح الفنى وأنه لن يصل يوماً لمثل نجاح عرّابه السينمائى "أورسن ويلز"، ولكنه أكثر سعادة من ويلز، أقل كآبة وعبوساً واحباطاً منه، فضلاً عن أن له حبيبة شغوفة وتتقبل ميوله فى ارتداء الملابس النسائية وتبقى مخلصة لذكراه فلا تتزوج غيره أبداً حتى بعد وفاته، لننهى الفيلم بشعور أن "إدوارد وود" لم يفشل حقاً.

Mommy .. إبداع يتحدى الأعراف الفنية


كتب كافكا رواية "المسخ" قبل أن يتجاوز عامه التاسع والعشرين، وهو نفس العمر الذى كتب فيه فلوبير رائعته "مدام بوفارى"، بينما كتب هيمنجواى "الشمس تشرق أيضا" وهو فى السابعة والعشرين من عمره، أى أصغر بعام وحيد من فيتزجيرالد حين كتب تحفته "جاتسى العظيم"، وأنهى توماس مان روايته "عائلة بودنبروك" الحائزة على جائزة نوبل وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، أما جين أوستن فقد أنهت المسودة الأولى من روايتها "عقل وعاطفة" وعمرها لا يتجاوز العشرين عاماً ثم شرعت بعدها بعام واحد فى كتابة روايتها الأشهر "كبرياء وتحامل"، والأمثلة كثيرة عن عظماء قدموا روائع أعمالهم فى سن صغيرة.

يسير على نفس الدرب حديثاً المخرج والمؤلف الكندى ابن الخمسة والعشرين عاماً "زافييه دولان"، والذى بدأ مسيرته السينمائية قبل خمسة أعوام أى حين كان عمره عشرين عاماً، وذلك بأفلام أثارت حولها الإهتمام نظراً لأسلوب صانعها الذى وبرغم صغر سنه يمكننا القول بأنه صنع مدرسته السينمائية الخاصة، وأيضاً لما تحتوى عليه الأفلام من تيمات جدلية مثل التحول الجنسى والمثلية والعلاقات الأسرية الصادمة، تأثر فيها دولان بشكل مباشر بتجربته الشخصية ذات الميول الجنسية المثلية والتى من المؤكد تسببت له فى اهتزازات نفسية واجتماعية أضفت خبرة وثراء لتلك التجربة الحياتية ما أنعكس بوضوح على أفلامه التى يغلفها هَم رئيسى هو هَم أن تكون مختلفاً.

يصل دولان إلى قمة النضج والتوهج الفنى بفيلمه الأخير "أمى" الحاصل على الجائزة الكبرى من لجنة تحكيم مهرجان كان فى نسخته الأخيرة للعام 2014 مناصفة مع فيلم "وداعاً للغة" للمخضرم جان لوك جودار، فى مفارقة تجمع بين أكبر وأصغر مخرج فى المسابقة من حيث العُمر، وهى مفارقة تعبر دون قصد عن أن ما يتطلبه الأمر لتصبح فنانا عظيماً هو أن تشعُر .. تشعُر أكثر من الآخرين .. فالشعور يسبق حتى التفكير ولا يعترف بالعُمر.
 "أمى" دراما إجتماعية تبدأ حين تضطر الأم "ديانا ديبرى" لإخراج ابنها "ستيف" من الإصلاحية ليعيش معها فى المنزل فهى لا تستطيع تحمل نفقات إلحاقه بأحد مراكز التأهيل التى تعالج الاضطراب العقلى الذى يعانى منه الإبن والذى يجعله فى أحيان عنيفاً لدرجة قد تسبب مأساة له ولمن حوله. تعانى الأم أيضاً من مشاكل على الصعيد العملى والعاطفى والنفسى تجعل من أمر احتوائها لابن ذى قدرات خاصة أمر شديد العبثية. يتغير الموقف عندما تدخل الجارة "كيلا" فى حياة الأم وابنها ما يسهل المهمة على الأم بعض الشىء ولكنه يزيد الأمر تعقيداً فى ذات الوقت.


الظاهر هو أنها القصة الأكثر محافظة فى تاريخ دولان نظراً لابتعادها هذه المرة عن تناول التابوهات الجنسية، وهو ما يفاقم التحدى عليه ويجعله أمام اختبار يتطلب الحفاظ على منهجه الصادم بدون وسائل مساعدة ترتكز على جدلية الموضوع، وهو أول الاختبارات الى ينجح فيها دولان بامتياز يوصله لذروة توهجه ونضجه، فيقدم 140 دقيقة مما يمكن تسميته بالصفعات السينمائية المتوالية التى تجعل المتفرج يجلس على حافة مقعده من إثارة قائمة على أحداث اجتماعية تكون شديدة الملل فى حالات أخرى بعيدة عن الحالة التى قدمها دولان.

يقدم الفيلم علاقة الأمومة الأعذب والأغرب ربما فى تاريخ السينما، علاقة تتوزع فيها الالقاب وتتناقل الأدوار حسب اللحظة، فمن علاقة أم وابن، إلى علاقة صديقين مشاكسين، إلى علاقة أخ أكبر يحتوى أخته الصغرى المسكينة، إلى علاقة حبيب بحبيبته، والجميل فى هذا الأمر هو أنه فى اللحظات التى تعود العلاقة لموقعها الطبيعى (أم وإبن) يكون الموقف شديد الحميمية والتأثير.

كالعادة يستخدم دولان على مدار الفيلم أغانى البوب والروك على خلفية مشاهد فوتومونتاجية تلخص تطورات القصة، وهو الأسلوب الذى اشتهرت به المدارس السينمائية الأكثر شعبية فى العالم مثل هوليود وبوليود والميلودراميات الآسيوية، هذا الأسلوب فى الحالات العادية يعطى الانطباع بالرخص والإفلاس والمراهقة الفنية، وبرغم ذلك ففى حالة هذا الفيلم الأمر مختلف تماماً، بل انه كان ليفقد جزء كبير من قوته لو استغنى عن هذه الأداة المساعدة التى جاء توظيفها مُذهلاً، وإجتاز بها دولان الإختبار الثانى عندما انحاز لحدسه غير المتلائم مع أعراف الأفلام الفنية والمهرجاناتية، دون أن يمنعه ذلك أن يصبح واحداً منها .. بل ومن أروعها على الإطلاق.

النقطة الثانية الخاصة بالجزء السابق تتعلق بجرأة اختيارات تلك الأغانى، حيث جائت جميعها من أغانى ذائعة الصيت، وهو أمر لا يحبذه مخرجو المدارس السينمائية الشعبية أنفسهم ويفضلون اختيار أغانى غير معروفة أو متوسطة الشهرة لأن الأغانى الشهيرة يكون المتفرج قد احتفظ لها فى ذهنه برؤية بصرية بالفعل، رؤية تتعلق بموقف مميز حدث له حين سماعه لهذه الأغنية أو تلك، أو تذكره بحالة مزاجية معينة، وهو ما يجعل تلك الرؤية المسبقة تتصادم مع رؤية مشهد الفيلم، ولكن ما فعله دولان يدل على أنه شديد الثقة فى أن المحتوى البصرى الذى يقدمه أوتى القوة الكافية التى تجعله يحل محل أي رؤى مسبقة عند المتفرج، ويبدو لى أن ثقته كانت صائبة.

لا أريد الاستطراد فى نقطة الأغانى أكثر من ذلك لكن من الصعب إغفال الحديث عن أحد أجمل المشاهد على الاطلاق، وأظن أن مَن شاهد الفيلم سيدرك فوراً أنى أقصد مشهد رقص الشخصيات الرئيسية الثلاث بغرفة الطعام على أنغام أغنية On Ne Change Pas لسيلين ديون، وقوة هذا المشهد لا تقتصر على الحالة المزاجية الرائعة التى يضعنا بها فقط، ولكن يمتد ليكون الإيحاء الاول بتيمة الفيلم الرئيسية (وهى الحرية) .. والتمهيد الأول للنقلة البصرية الأعنف فى نسبة عرض وطول إطار الشاشة المستطيلة رأسياً التى قد بدأ بها الفيلم.


لنبدأ بالجزء البصرى: فبعد ان تصبح الشخصيات فى قمة انسجامها بالرقص مع الأغنية يكون رد فعل الكاميرا فى النهاية أن تتحرك للخلف مبتعدة عنهم وهو ما يجعل الكادر يتسع فى تكوينه ليضم عدد أكبر من العناصر وإن بقيت نسبة إطار الشاشة الضيقة كما هى تمثل أحد تجليات الحصار النفسى الذى يطوّق مكنونات الشخصيات، وكأن حركة الكاميرا الاتساعية حينها كانت الإشارة البصرية الأولى عن تكوّن رغبة داخلية لدى الشخصيات بالانسلاخ من ذلك الحصار نحو البهجة والحرية والأمل .. ولكن الرغبة مازالت أضعف من ذلك الحصار فلا تستطيع كسره بعد مع بقاء نسبة الإطار الضيقة، وهذا ما يتغير تدريجياً مع تطور الأحداث حين يقوم "ستيف" فى أحد المشاهد بتوسيع إطار الشاشة فى لحظة تتسم بالبهجة المفرطة والتحرر الجنونى الذى جمع الشخصيات.

ثانياً الجزء الفكرى: نلاحظ دائماً أن الشخصيات لا تنتزع النشوة والسعادة إلا فى لحظات الجنون، عندما يطلقون العنان لسجيتهم ويتخلون عن وقارهم فيصبحوا جميعاً مثل "ستيف" المضطرب عقلياً، وكأن دولان توصل إلى أن الجنون نوع من أنواع الحرية والعقل سجن وأداة حصار تجهض الآمال، يريد دولان الانحياز للاختلاف كعادته والتشكيك فيما هو طبيعى وما هو جنونى، ربما لتضميد جرحه الشخصى فى مسألة المثلية، بإسقاطها على الجنون كنوع آخر من الاختلاف، نفس الجرح والدافع الذى جعل ميشيل فوكو، الذى كان أيضاً مثلياً، يصنع كتابه "تاريخ الجنون" للخروج باستنتاج يقترب من استنتاج دولان.

المشهد الذى تتخيل فيه الأم مستقبل ابنها السعيد، ومشهد الغناء الكاريوكى فى الحانة، ومشهد المشاجرة الذى تسلم فيه الأم ابنها للعلاج، والمشهد الذى تدخل فيه "كيلا" فى نوبة ضحك هيستيرية .. وغيرها من المشاهد تؤكد لماذا تخطى دولان مرحلة مشروع العبقرية إلى مرحلة العبقرية ذاتها، "أمى" من الأفلام التى استخدمت أبسط الأدوات لصنع حالة فريدة من الدفء وبث شحنة مضاعفة من المشاعر، فيلم تحدى الأعراف الفنية وانتصر، فيلم صُنع من أجله مصطلح التحفة الفنية.

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3612616/

Mommy .. إبداع يتحدى الأعراف الفنية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:45 م 0 تعليقات


كتب كافكا رواية "المسخ" قبل أن يتجاوز عامه التاسع والعشرين، وهو نفس العمر الذى كتب فيه فلوبير رائعته "مدام بوفارى"، بينما كتب هيمنجواى "الشمس تشرق أيضا" وهو فى السابعة والعشرين من عمره، أى أصغر بعام وحيد من فيتزجيرالد حين كتب تحفته "جاتسى العظيم"، وأنهى توماس مان روايته "عائلة بودنبروك" الحائزة على جائزة نوبل وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، أما جين أوستن فقد أنهت المسودة الأولى من روايتها "عقل وعاطفة" وعمرها لا يتجاوز العشرين عاماً ثم شرعت بعدها بعام واحد فى كتابة روايتها الأشهر "كبرياء وتحامل"، والأمثلة كثيرة عن عظماء قدموا روائع أعمالهم فى سن صغيرة.

يسير على نفس الدرب حديثاً المخرج والمؤلف الكندى ابن الخمسة والعشرين عاماً "زافييه دولان"، والذى بدأ مسيرته السينمائية قبل خمسة أعوام أى حين كان عمره عشرين عاماً، وذلك بأفلام أثارت حولها الإهتمام نظراً لأسلوب صانعها الذى وبرغم صغر سنه يمكننا القول بأنه صنع مدرسته السينمائية الخاصة، وأيضاً لما تحتوى عليه الأفلام من تيمات جدلية مثل التحول الجنسى والمثلية والعلاقات الأسرية الصادمة، تأثر فيها دولان بشكل مباشر بتجربته الشخصية ذات الميول الجنسية المثلية والتى من المؤكد تسببت له فى اهتزازات نفسية واجتماعية أضفت خبرة وثراء لتلك التجربة الحياتية ما أنعكس بوضوح على أفلامه التى يغلفها هَم رئيسى هو هَم أن تكون مختلفاً.

يصل دولان إلى قمة النضج والتوهج الفنى بفيلمه الأخير "أمى" الحاصل على الجائزة الكبرى من لجنة تحكيم مهرجان كان فى نسخته الأخيرة للعام 2014 مناصفة مع فيلم "وداعاً للغة" للمخضرم جان لوك جودار، فى مفارقة تجمع بين أكبر وأصغر مخرج فى المسابقة من حيث العُمر، وهى مفارقة تعبر دون قصد عن أن ما يتطلبه الأمر لتصبح فنانا عظيماً هو أن تشعُر .. تشعُر أكثر من الآخرين .. فالشعور يسبق حتى التفكير ولا يعترف بالعُمر.
 "أمى" دراما إجتماعية تبدأ حين تضطر الأم "ديانا ديبرى" لإخراج ابنها "ستيف" من الإصلاحية ليعيش معها فى المنزل فهى لا تستطيع تحمل نفقات إلحاقه بأحد مراكز التأهيل التى تعالج الاضطراب العقلى الذى يعانى منه الإبن والذى يجعله فى أحيان عنيفاً لدرجة قد تسبب مأساة له ولمن حوله. تعانى الأم أيضاً من مشاكل على الصعيد العملى والعاطفى والنفسى تجعل من أمر احتوائها لابن ذى قدرات خاصة أمر شديد العبثية. يتغير الموقف عندما تدخل الجارة "كيلا" فى حياة الأم وابنها ما يسهل المهمة على الأم بعض الشىء ولكنه يزيد الأمر تعقيداً فى ذات الوقت.


الظاهر هو أنها القصة الأكثر محافظة فى تاريخ دولان نظراً لابتعادها هذه المرة عن تناول التابوهات الجنسية، وهو ما يفاقم التحدى عليه ويجعله أمام اختبار يتطلب الحفاظ على منهجه الصادم بدون وسائل مساعدة ترتكز على جدلية الموضوع، وهو أول الاختبارات الى ينجح فيها دولان بامتياز يوصله لذروة توهجه ونضجه، فيقدم 140 دقيقة مما يمكن تسميته بالصفعات السينمائية المتوالية التى تجعل المتفرج يجلس على حافة مقعده من إثارة قائمة على أحداث اجتماعية تكون شديدة الملل فى حالات أخرى بعيدة عن الحالة التى قدمها دولان.

يقدم الفيلم علاقة الأمومة الأعذب والأغرب ربما فى تاريخ السينما، علاقة تتوزع فيها الالقاب وتتناقل الأدوار حسب اللحظة، فمن علاقة أم وابن، إلى علاقة صديقين مشاكسين، إلى علاقة أخ أكبر يحتوى أخته الصغرى المسكينة، إلى علاقة حبيب بحبيبته، والجميل فى هذا الأمر هو أنه فى اللحظات التى تعود العلاقة لموقعها الطبيعى (أم وإبن) يكون الموقف شديد الحميمية والتأثير.

كالعادة يستخدم دولان على مدار الفيلم أغانى البوب والروك على خلفية مشاهد فوتومونتاجية تلخص تطورات القصة، وهو الأسلوب الذى اشتهرت به المدارس السينمائية الأكثر شعبية فى العالم مثل هوليود وبوليود والميلودراميات الآسيوية، هذا الأسلوب فى الحالات العادية يعطى الانطباع بالرخص والإفلاس والمراهقة الفنية، وبرغم ذلك ففى حالة هذا الفيلم الأمر مختلف تماماً، بل انه كان ليفقد جزء كبير من قوته لو استغنى عن هذه الأداة المساعدة التى جاء توظيفها مُذهلاً، وإجتاز بها دولان الإختبار الثانى عندما انحاز لحدسه غير المتلائم مع أعراف الأفلام الفنية والمهرجاناتية، دون أن يمنعه ذلك أن يصبح واحداً منها .. بل ومن أروعها على الإطلاق.

النقطة الثانية الخاصة بالجزء السابق تتعلق بجرأة اختيارات تلك الأغانى، حيث جائت جميعها من أغانى ذائعة الصيت، وهو أمر لا يحبذه مخرجو المدارس السينمائية الشعبية أنفسهم ويفضلون اختيار أغانى غير معروفة أو متوسطة الشهرة لأن الأغانى الشهيرة يكون المتفرج قد احتفظ لها فى ذهنه برؤية بصرية بالفعل، رؤية تتعلق بموقف مميز حدث له حين سماعه لهذه الأغنية أو تلك، أو تذكره بحالة مزاجية معينة، وهو ما يجعل تلك الرؤية المسبقة تتصادم مع رؤية مشهد الفيلم، ولكن ما فعله دولان يدل على أنه شديد الثقة فى أن المحتوى البصرى الذى يقدمه أوتى القوة الكافية التى تجعله يحل محل أي رؤى مسبقة عند المتفرج، ويبدو لى أن ثقته كانت صائبة.

لا أريد الاستطراد فى نقطة الأغانى أكثر من ذلك لكن من الصعب إغفال الحديث عن أحد أجمل المشاهد على الاطلاق، وأظن أن مَن شاهد الفيلم سيدرك فوراً أنى أقصد مشهد رقص الشخصيات الرئيسية الثلاث بغرفة الطعام على أنغام أغنية On Ne Change Pas لسيلين ديون، وقوة هذا المشهد لا تقتصر على الحالة المزاجية الرائعة التى يضعنا بها فقط، ولكن يمتد ليكون الإيحاء الاول بتيمة الفيلم الرئيسية (وهى الحرية) .. والتمهيد الأول للنقلة البصرية الأعنف فى نسبة عرض وطول إطار الشاشة المستطيلة رأسياً التى قد بدأ بها الفيلم.


لنبدأ بالجزء البصرى: فبعد ان تصبح الشخصيات فى قمة انسجامها بالرقص مع الأغنية يكون رد فعل الكاميرا فى النهاية أن تتحرك للخلف مبتعدة عنهم وهو ما يجعل الكادر يتسع فى تكوينه ليضم عدد أكبر من العناصر وإن بقيت نسبة إطار الشاشة الضيقة كما هى تمثل أحد تجليات الحصار النفسى الذى يطوّق مكنونات الشخصيات، وكأن حركة الكاميرا الاتساعية حينها كانت الإشارة البصرية الأولى عن تكوّن رغبة داخلية لدى الشخصيات بالانسلاخ من ذلك الحصار نحو البهجة والحرية والأمل .. ولكن الرغبة مازالت أضعف من ذلك الحصار فلا تستطيع كسره بعد مع بقاء نسبة الإطار الضيقة، وهذا ما يتغير تدريجياً مع تطور الأحداث حين يقوم "ستيف" فى أحد المشاهد بتوسيع إطار الشاشة فى لحظة تتسم بالبهجة المفرطة والتحرر الجنونى الذى جمع الشخصيات.

ثانياً الجزء الفكرى: نلاحظ دائماً أن الشخصيات لا تنتزع النشوة والسعادة إلا فى لحظات الجنون، عندما يطلقون العنان لسجيتهم ويتخلون عن وقارهم فيصبحوا جميعاً مثل "ستيف" المضطرب عقلياً، وكأن دولان توصل إلى أن الجنون نوع من أنواع الحرية والعقل سجن وأداة حصار تجهض الآمال، يريد دولان الانحياز للاختلاف كعادته والتشكيك فيما هو طبيعى وما هو جنونى، ربما لتضميد جرحه الشخصى فى مسألة المثلية، بإسقاطها على الجنون كنوع آخر من الاختلاف، نفس الجرح والدافع الذى جعل ميشيل فوكو، الذى كان أيضاً مثلياً، يصنع كتابه "تاريخ الجنون" للخروج باستنتاج يقترب من استنتاج دولان.

المشهد الذى تتخيل فيه الأم مستقبل ابنها السعيد، ومشهد الغناء الكاريوكى فى الحانة، ومشهد المشاجرة الذى تسلم فيه الأم ابنها للعلاج، والمشهد الذى تدخل فيه "كيلا" فى نوبة ضحك هيستيرية .. وغيرها من المشاهد تؤكد لماذا تخطى دولان مرحلة مشروع العبقرية إلى مرحلة العبقرية ذاتها، "أمى" من الأفلام التى استخدمت أبسط الأدوات لصنع حالة فريدة من الدفء وبث شحنة مضاعفة من المشاعر، فيلم تحدى الأعراف الفنية وانتصر، فيلم صُنع من أجله مصطلح التحفة الفنية.

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3612616/

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top