جميع المواضيع

Ex Machina .. هل الرجال ضروريون؟ (عندما يتصادم الجنسان)

السيرة السينمائية للمؤلف والروائى البريطانى "أليكس جارلاند" وما تتضمنها من أفلام مثل Sunshine و 28 Days Later و Dredd، تؤكد أن الرجل مصاب بوسواس الأفكار الأبوكاليبسية، سواء تلك التى تبشر بنهاية البشرية أو حتى بأوضاع مستقبلية متشائمة. فمثلا الفيلم الأول يضع ذلك الوسواس فى اطار كوزموسى تكون فيه حياة الانسان على الارض مهددة بسب إنطفاء الشمس، أما الثانى فهو أحد أشهر الأفلام التى تروج لأسطورة الزومبى وتكون فيه البشرية مهددة بانتشار هذا الوباء الخيالى المرعب، والثالث يدور فى حقبة زمنية طاغية الديستوبيا تكون فيها البشرية مهددة بسبب اختفاء مفهوم النظام. وحتى فيلمه Never Let Me Go المأخوذ عن الرواية الأكثر مبيعاً والذى ابتعد قليلاً عن هذا الوسواس لكنه ظل يبث التشاؤم حول المصير الظالم للحالة الانسانية مع تقدم الطب وتطور أنشطة نقل الأعضاء فى عالم صار فيه الانسان ذو الثروة وكرم النسب هو الأحق بالحياة ولو على حساب حياة الآخرين.

لم يتغير شىء فى فيلمه الأخير والأحدث Ex Machina سوى أنه انتقل من مرتبة الكاتب إلى مرتبة الكاتب والمخرج معاً، أما وسواس الفناء الذى يؤرقه فقد ظل حاضراً وبقوة فى حكايته عن "ناثان" ذلك المبرمج البليونير صاحب أكبر شركة لمحركات البحث فى العالم، والذى يجرى مسابقة لموظفى شركته جائزتها هى قضاء أسبوع فى قصره الأسطورى، يفوز بها "كاليب" الشاب الطموح المنطوى، وبعد ذهابه لقصر ناثان الغامض والمريب يكتشف أن مهمته هى أن يجرى "إختبار تيورينج" لأحدث اختراعات "ناثان" والذى كان عبارة عن روبوت فى هيئة أنثى مصممة بأعقد أساليب الذكاء الاصطناعى، ولمن لا يعلم "إختبار تيورينج" فهو طريقة علمية لإختبار آلات وبرامج الذكاء الاصطناعى وتقييم مدى تشابهها مع عقل الإنسان فى طريقة التفكير واتخاذ القرارات. ناثان يخبر كاليب بأنه يريد التأكد من كون اختراعه يملك وعياً حقيقياً مثل الذى يتمتع به الإنسان وليس مجرد وعى إستيهامى يعمل بطرق البرمجة التقليدية والألجوريزمات البسيطة.

بحماس حذر يوافق كاليب مخبراً ناثان بأن نجاح هذا الاختبار يعنى أن الإنسان قد تحول إلى إله، لكن ناثان لم يكن يشاطره نفس الحماس والطموح الإنسانوى، على العكس فقد أخبره لاحقاً أنه ذات يوم ستنظر آلات الذكاء الإصطناعى إلى الإنسان نفس النظرة التى ينظرها إنسان اليوم لحفريات الإنسان البدائى المنقرض فى أفريقيا. وهنا تظهر تيمتان رئيسيتان من تيمات الفيلم، تيمة الخلق وتيمة الإنقراض أو أن يحل الروبوت محل الإنسان فتكون النهاية، فكما نعرف أن جارلاند مصاب بوسواس الفناء. لكن السؤال هل التهديد هذه المرة حقاً يأتى من الروبوت؟


فى مقابلة أجرتها صحفية النيويورك تايمز "مورين دوود" مع صانع الفيلم جارلاند سألته متأثرة بتاريخه الروائى "من تظنه سيقضى على البشرية أولاً، الروبوت أم الزومبى؟"، فجائت إجابته "لا هذا ولا ذاك، سنقوم نحن [يقصد الإنسان] بهذه المهمة بدون أية مساعدة من الروبوت أو الزومبى". هذه المقابلة ضمنتها "دوود" داخل مقالة تحليلية كتبتها عن الفيلم من منظور نسوى معجب بالفيلم حيث ترى أن وقوع الذكر فى حب أنثى بلاستيكية بلا شعر هو انتصار لمفهوم الأنثى ككيان فوق جنسى. وهنا تجدر الإشارة إلى أن "دوود" كاتبة نسوية ذائعة الصيت لها كتاب بعنوان "هل الرجال ضروريون؟ عندما يتصادم الجنسان" بجانب عنوانه الصادم يروج هذا الكتاب لأفكار الحركات النسوية المعاصرة فى التمرد على طبيعة العلاقة التى تحكم الجنسين وفقا للمعايير البيولوجية، حتى انها ترفض معايير الجمال وإظهار الأنوثة التى تجذب الرجل لأنها فى نظرها تجعل من الأنثى أداة جنسية أو ساقطة.

على أية حال فإن تناول الأفلام من منظور نسوى أصبح موضة السنوات الأخيرة حتى لو لم يكن للفيلم علاقة بالصراع النوعى/الجنسى، فالنسوية تصيب أتباعها بنوع من البارانويا يجعلهم لا يرون الأشياء كما تبدو ويؤثرن التعمق المفتعل لفضح مؤامرة ما تحاك ضد المرأة، حتى انه ظهرت دعابة بإحدى مجلات الكوميك عن هذا الأمر ثم تحولت إلى إختبار فى تقييم الأفلام يسمى Bechdel Test إختبار بيتشدل وهذا الاختبار ينص على انه يجب على أى فيلم أن يحتوى على مشهد واحد على الأقل به أنثتين يتحدثن فى موضوع آخر غير الرجل كى لا يصنف ذلك الفيلم عنصرى ضد المرأة!

الآن، هل تناول فيلم Ex Machina من منظور نسوى أو لنقل جنسانى بشكل عام سيكون هو الآخر امتداد لهذه الموضة من البارانويا النسوية؟ الإجابة فى رأيى هى لا؛ حيث أن الفيلم احتوى على عديد من التفصيلات بل الأساسيات التى تؤكد ضلوعه فى التعرض للصراع الجنسانى Gender War، وبالتالى فالتعامل معه من المنطق الذى فرضه بنفسه إنما يكون عين الموضوعية.

 أولاً، خياره إعطاء الروبوت صفة جنسية (أنثى) بالرغم من انه لم يكن بحاجة لذلك لو كان محور قضية الفيلم يقتصر على البُعد التكنولوجى، كما حدث مع العديد من الروبوتات فى تاريخ السينما على سبيل المثال Hal 9000 فى فيلم "2001: أوديسة الفضاء" أو تارس فى فيلم Interstellar.

ثانياً، إختياره إسم Ava ليطلقه على الروبوت والذى يتشابه لدرجة التطابق مع اسم Eve أى حواء بالإنجليزية، وهو إيحاء شديد الوضوح بأنها ليست مجرد أنثى بل هى الأنثى.
 
ثالثاً، عندما نعلم قبل نهاية الأحداث بقليل أن "ناثان" قد صنع العديد من تلك الروبوتات لأغراض جنسية وقد أعطى لكل منهن عنصر شكلى مختلف: آسيوية/بيضاء/سوداء/شقراء/سمراء، وكأنه حول معمل إختباراته إلى حرملك حداثى يستطيع إشباع جميع النزوات والميول، ويكون فى هذا الحرملك هو السيد وهن العبيد، أو ليتحقق التعبير النسوى الشهير بشكل عملى هذه المرة فيصبحن بالفعل مجرد آلات جنسية لإشباع الرجل، فى ترميز واضح للصراع الجنسانى الكلاسيكى بين الذكر والأنثى.


لنسترسل قليلاً فيما وراء شخصية ناثان. هو بلا شك ترميز للذكورية البغيضة. ومن الممكن ان يعتبره البعض أيضاً ترميزاً للإله بالمفهوم التوراتى الكلاسيكى الذى خلق حواء (آفا) من ضلع آدم، والفيلم احتوى على ما يشبه قصة الخطيئة الأولى. وربما هو ليس الإله ولكنه الشيطان الذى تلاعب بأدم وحواء أو لنقل كاليب و آفا كى ينتصر فى تحدٍ ما. كل هذه الفرضيات ممكنة وأظنها تتكامل أكثر مما تتناقض. ولكنى أميل لأحسب ناثان بشكل أكبر كممثلاً للطبيعة، نلاحظ شكل المكان الذى يعيش به والذى يعج بكل مظاهر الطبيعة من أنهار وغابات وشلالات وجبال وهضاب، كما أن أحاديثه تصب دائما فى صالح النظرية التطورية، نلاحظ أيضاً ان عنوان الفيلم قد تلاعب بالتعبير الأصلى من الكلمة وهى Deus Ex Machina ،وكلمة Deus الذى تم الاستغناء عنها تعنى الإله باللغة الإغريقية، وكأن صانع الفيلم يريد استبعاد دور الإله بمفهومه الكلاسيكى سواء رمزياً أو على الأقل للتأكيد على اننا فى مرحلة ما بعد الإله، أو أن الانسان كجزء محرك للطبيعة التطورية أصبح هو الإله .


فى أحد أقوى مشاهد الفيلم يوجه كاليب سؤاله إلى ناثان أو كما ذهبنا فى الفقرة السابقة إلى أن ناثان هو الطبيعة إذا فالسؤال فى حقيقته هو للطبيعة: "لماذا أعطيت آفا الجنسانية؟"،   والحقيقة أن إجابة ناثان أتت قوية، مثيرة للتفكير، وموضوعية لدرجة كبيرة، ومن الإجحاف اعتبارها مجرد جزء من الخدعة التى يرتب لها ناثان.

والإجابة يمكن إختصارها فى شقين، الشق الأول ذو نزعة فرويدية يرى أن الجنس هو المحرك الأساسى لكل شىء، وما من وعى حقيقى عرفناه إللا وكان للجنس دوراً، فالوعى أساسه التواصل، والجنس هو المحور والمحفز الأهم للتواصل. أما الشق الثانى فهو دعوة لللا عقلانية، أو بمعنى أصح رفض المبالغة فى عقلنة كل شىء، وحساب كل فعل نفعله وفقاً لمعايير المنطق والسببية، وضرب مثل الرسام العبقرى الذى لو كان توقف ليتسائل عن السبب الموضوعى من وراء ما يفعله لما وطأت ريشته أية لوحة، فالمبالغة السببية تؤدى فى النهاية إلى وعى يتصرف بشكل أوتوماتيكى، بينما التحدى الحقيقى هو صنع وعى يتصرف بشكل غير أوتوماتيكى، من الرسم إلى التنفس إلى التحدث إلى ممارسة الجنس، إلى الوقوع فى الحب. لأن هذا ما يجعلنا بشراً ويميزنا عن الروبوتات حتى لو لم يكن لهذه الأفعال أى معنى حقيقى، وكانت محض وهم.

وهنا فالفيلم الذى يتخذ من الذكاء الاصطناعى تيمة لأحداثه نجده يعلى من شأن العاطفة أكثر من الذكاء ذاته، تجلى الأمر أيضاً بعد أول لقاء بين كاليب وآفا حين سأل ناثان "بماذا شعرت نحوها، لا أريد رأى تحليلى، فقط أريد أن اعرف بماذا شعرت؟" ليجيبه كاليب: "انها رائعة"، ثم تستمر الأحداث ونكتشف الخدعة ثلاثية الأضلاع، ناثان الذى يتلاعب بكاليب وآفا، ثم آفا التى تتلاعب بكاليب وناثان، ثم كاليب الذى يتلاعب بناثان، ثم نجد أن من ينتصر فى النهاية يكون آفا، لكن ماذا يعنى هذا الإنتصار على أية حال؟ !

هذا ما يرجعنا لحالة الصخب النسوى التى أثارها هذا الفيلم، ولنتوقف هذه المرة مع مقالة تحليلية لشخصية نسوية أخرى تدعى "ناتالى ويلسون" بمجلة "إم إس مجازين" وهى تختلف مع "مورين دوود" بأن الفيلم يروج للأفكار النسوية، حيث تقول: "أعترف بأن الفيلم يستكشف مسائل الجنس والنوع بأسلوب شيق لكنه يفشل فى إدانة الحالة التى يستخدم بها الجنس كأداة لتسيد المرأة" إنتهى. والأكثر إثارة هنا كان تعليق نسوى على هذا المقال لإمرأة تدعى كيت تقول: "أعتقد أن عدم إنجذاب آفا لأى من الرجلين هو اشارة إلى أنها فى الطريق السليم"، وباقى التعليق يؤكد على نفس الفكرة مع إضافة ما يوحى بأن الأنثى التى تنجذب لرجل ما جنسيا ليست حرة بل هى مجرد وعاء جنسى!

إذاً نستخلص من الثلاث أراء النسوية التى قمنا بعرضها حتى الآن بأن هذه الأيديولوجية النسوية تتبنى موقفاً عدائياً ضد الرجل، وعقدة ما تجاه الجنس، الأمر لم يعد سعياً للمساواة بين الرجل والمرأة ولتمكين المرأة من استرداد حقوقها الضائعة بل أصبح عبارة عن تكتلات عصابية تروج لكراهية الرجل والانعزال التدريجى عنه تحت شعارات الإستقلال والحرية.

حسناً، هل ما فعلته آفا فى النهاية كان معبراً عن الأيديولوجية النسوية؟ الإجابة هى نعم بكل تأكيد، فهى استخدمت الإغواء الجنسى كسلاح مبدئى لنيل استقلالها، وبعد أن أعطاها هذا السلاح بعض القوة للوصول لسلاح آخر إستحدمته فى قتل ناثان ممثل الذكورية والاستعباد، ولا يمكننا أن نلومها هنا لو تناولنا هذا القتل من منظور رمزى، حتى ما فعلته مع كاليب، الرجل الجيد الذى حاول مساعدتها لنيل حريتها وأحبها وبالتأكيد ليس معنى انجذابه الجنسى لها أنه كان يريد استخدامها كوعاء، ولكنها فى النهاية غدرت به أيضاً، وهذا يذكرنى بمبدأ أحمق تتبناه الحركات النسوية ينص على رفض مساعدة الرجل أو تدخله فى الشأن النسوى حتى لو بشكل إيجابى، وهناك مثال واضح على هذا الأمر سيعرفه من يتابع الشأن المصرى وقد حدث منذ شهرين عندما أعلن أحد النشطاء السياسيين الرجال عن مبادرة لدعم الإناث اللاتى يردن نيل حريتهن فى خلع الحجاب، وجاء رد فعل احدى الحركات النسوية تجاه هذا الأمر بالرفض لكون المبادرة أتت من رجل!

نعود للفيلم إذاً ونتسائل مجدداً، هل خيار آفا فى النهاية يعبر عن نجاح ناثان فى إختراعه الذى أراد به محاكاة تامة لوعى الإنسان؟، والإجابة سيسهل إستنتاجها مما ذكرناه طوال هذا المقال، والإجابة باختصار هى لا لم ينجح اختراع ناثان، لأن غريزة البقاء ليست وحدها ما يجعلنا بشراً، ولا الذكاء وحده ما يجعلنا بشراً، ولا حتى الحرية والاستقلال، بينما هى تنويعة بين عديد من التناقضات، الحماقات، الأساطير، العاطفة، والأوهام. فالحرية خارج اللُحمة الإنسانية ستؤدى فى النهاية إلى سجن من نوع آخر، وهو سجن الوحدة والإغتراب، هذان الشعوران هما تماماً ما شعرت بهما آفا فى آخر لقطة بالفيلم وهى متوقفة وسط طوفان من البشر الذين يسيرون فى تلاحم وحميمية مع أصدقائهم وأحبائهم وأقربائهم أو حتى يسيرون وحدهم ولكن هناك من ينتظرهم، أما آفا فهى ليست مثلهم ولن تكون، لذلك وجدناها تنسحب من وسط الجموع سريعاً وبفزع.

والآن بالرجوع للسؤال الذى وجهته "مورين دوود"" لصانع الفيلم: "من سيقضى على البشرية أولاً؟"، يمكننا أن نضيف خيارين جديدين، الاول هو النسوية التى تمثلها "دوود"، والثانى هو ان يفكر الإنسان بطريقة الروبوت. ولعلهم فى الحقيقة خيار واحد يتناغم مع رأى جارلاند بأننا نحن من سنقضى على أنفسنا!

Ex Machina .. هل الرجال ضروريون؟ (عندما يتصادم الجنسان)

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:34 م 0 تعليقات

السيرة السينمائية للمؤلف والروائى البريطانى "أليكس جارلاند" وما تتضمنها من أفلام مثل Sunshine و 28 Days Later و Dredd، تؤكد أن الرجل مصاب بوسواس الأفكار الأبوكاليبسية، سواء تلك التى تبشر بنهاية البشرية أو حتى بأوضاع مستقبلية متشائمة. فمثلا الفيلم الأول يضع ذلك الوسواس فى اطار كوزموسى تكون فيه حياة الانسان على الارض مهددة بسب إنطفاء الشمس، أما الثانى فهو أحد أشهر الأفلام التى تروج لأسطورة الزومبى وتكون فيه البشرية مهددة بانتشار هذا الوباء الخيالى المرعب، والثالث يدور فى حقبة زمنية طاغية الديستوبيا تكون فيها البشرية مهددة بسبب اختفاء مفهوم النظام. وحتى فيلمه Never Let Me Go المأخوذ عن الرواية الأكثر مبيعاً والذى ابتعد قليلاً عن هذا الوسواس لكنه ظل يبث التشاؤم حول المصير الظالم للحالة الانسانية مع تقدم الطب وتطور أنشطة نقل الأعضاء فى عالم صار فيه الانسان ذو الثروة وكرم النسب هو الأحق بالحياة ولو على حساب حياة الآخرين.

لم يتغير شىء فى فيلمه الأخير والأحدث Ex Machina سوى أنه انتقل من مرتبة الكاتب إلى مرتبة الكاتب والمخرج معاً، أما وسواس الفناء الذى يؤرقه فقد ظل حاضراً وبقوة فى حكايته عن "ناثان" ذلك المبرمج البليونير صاحب أكبر شركة لمحركات البحث فى العالم، والذى يجرى مسابقة لموظفى شركته جائزتها هى قضاء أسبوع فى قصره الأسطورى، يفوز بها "كاليب" الشاب الطموح المنطوى، وبعد ذهابه لقصر ناثان الغامض والمريب يكتشف أن مهمته هى أن يجرى "إختبار تيورينج" لأحدث اختراعات "ناثان" والذى كان عبارة عن روبوت فى هيئة أنثى مصممة بأعقد أساليب الذكاء الاصطناعى، ولمن لا يعلم "إختبار تيورينج" فهو طريقة علمية لإختبار آلات وبرامج الذكاء الاصطناعى وتقييم مدى تشابهها مع عقل الإنسان فى طريقة التفكير واتخاذ القرارات. ناثان يخبر كاليب بأنه يريد التأكد من كون اختراعه يملك وعياً حقيقياً مثل الذى يتمتع به الإنسان وليس مجرد وعى إستيهامى يعمل بطرق البرمجة التقليدية والألجوريزمات البسيطة.

بحماس حذر يوافق كاليب مخبراً ناثان بأن نجاح هذا الاختبار يعنى أن الإنسان قد تحول إلى إله، لكن ناثان لم يكن يشاطره نفس الحماس والطموح الإنسانوى، على العكس فقد أخبره لاحقاً أنه ذات يوم ستنظر آلات الذكاء الإصطناعى إلى الإنسان نفس النظرة التى ينظرها إنسان اليوم لحفريات الإنسان البدائى المنقرض فى أفريقيا. وهنا تظهر تيمتان رئيسيتان من تيمات الفيلم، تيمة الخلق وتيمة الإنقراض أو أن يحل الروبوت محل الإنسان فتكون النهاية، فكما نعرف أن جارلاند مصاب بوسواس الفناء. لكن السؤال هل التهديد هذه المرة حقاً يأتى من الروبوت؟


فى مقابلة أجرتها صحفية النيويورك تايمز "مورين دوود" مع صانع الفيلم جارلاند سألته متأثرة بتاريخه الروائى "من تظنه سيقضى على البشرية أولاً، الروبوت أم الزومبى؟"، فجائت إجابته "لا هذا ولا ذاك، سنقوم نحن [يقصد الإنسان] بهذه المهمة بدون أية مساعدة من الروبوت أو الزومبى". هذه المقابلة ضمنتها "دوود" داخل مقالة تحليلية كتبتها عن الفيلم من منظور نسوى معجب بالفيلم حيث ترى أن وقوع الذكر فى حب أنثى بلاستيكية بلا شعر هو انتصار لمفهوم الأنثى ككيان فوق جنسى. وهنا تجدر الإشارة إلى أن "دوود" كاتبة نسوية ذائعة الصيت لها كتاب بعنوان "هل الرجال ضروريون؟ عندما يتصادم الجنسان" بجانب عنوانه الصادم يروج هذا الكتاب لأفكار الحركات النسوية المعاصرة فى التمرد على طبيعة العلاقة التى تحكم الجنسين وفقا للمعايير البيولوجية، حتى انها ترفض معايير الجمال وإظهار الأنوثة التى تجذب الرجل لأنها فى نظرها تجعل من الأنثى أداة جنسية أو ساقطة.

على أية حال فإن تناول الأفلام من منظور نسوى أصبح موضة السنوات الأخيرة حتى لو لم يكن للفيلم علاقة بالصراع النوعى/الجنسى، فالنسوية تصيب أتباعها بنوع من البارانويا يجعلهم لا يرون الأشياء كما تبدو ويؤثرن التعمق المفتعل لفضح مؤامرة ما تحاك ضد المرأة، حتى انه ظهرت دعابة بإحدى مجلات الكوميك عن هذا الأمر ثم تحولت إلى إختبار فى تقييم الأفلام يسمى Bechdel Test إختبار بيتشدل وهذا الاختبار ينص على انه يجب على أى فيلم أن يحتوى على مشهد واحد على الأقل به أنثتين يتحدثن فى موضوع آخر غير الرجل كى لا يصنف ذلك الفيلم عنصرى ضد المرأة!

الآن، هل تناول فيلم Ex Machina من منظور نسوى أو لنقل جنسانى بشكل عام سيكون هو الآخر امتداد لهذه الموضة من البارانويا النسوية؟ الإجابة فى رأيى هى لا؛ حيث أن الفيلم احتوى على عديد من التفصيلات بل الأساسيات التى تؤكد ضلوعه فى التعرض للصراع الجنسانى Gender War، وبالتالى فالتعامل معه من المنطق الذى فرضه بنفسه إنما يكون عين الموضوعية.

 أولاً، خياره إعطاء الروبوت صفة جنسية (أنثى) بالرغم من انه لم يكن بحاجة لذلك لو كان محور قضية الفيلم يقتصر على البُعد التكنولوجى، كما حدث مع العديد من الروبوتات فى تاريخ السينما على سبيل المثال Hal 9000 فى فيلم "2001: أوديسة الفضاء" أو تارس فى فيلم Interstellar.

ثانياً، إختياره إسم Ava ليطلقه على الروبوت والذى يتشابه لدرجة التطابق مع اسم Eve أى حواء بالإنجليزية، وهو إيحاء شديد الوضوح بأنها ليست مجرد أنثى بل هى الأنثى.
 
ثالثاً، عندما نعلم قبل نهاية الأحداث بقليل أن "ناثان" قد صنع العديد من تلك الروبوتات لأغراض جنسية وقد أعطى لكل منهن عنصر شكلى مختلف: آسيوية/بيضاء/سوداء/شقراء/سمراء، وكأنه حول معمل إختباراته إلى حرملك حداثى يستطيع إشباع جميع النزوات والميول، ويكون فى هذا الحرملك هو السيد وهن العبيد، أو ليتحقق التعبير النسوى الشهير بشكل عملى هذه المرة فيصبحن بالفعل مجرد آلات جنسية لإشباع الرجل، فى ترميز واضح للصراع الجنسانى الكلاسيكى بين الذكر والأنثى.


لنسترسل قليلاً فيما وراء شخصية ناثان. هو بلا شك ترميز للذكورية البغيضة. ومن الممكن ان يعتبره البعض أيضاً ترميزاً للإله بالمفهوم التوراتى الكلاسيكى الذى خلق حواء (آفا) من ضلع آدم، والفيلم احتوى على ما يشبه قصة الخطيئة الأولى. وربما هو ليس الإله ولكنه الشيطان الذى تلاعب بأدم وحواء أو لنقل كاليب و آفا كى ينتصر فى تحدٍ ما. كل هذه الفرضيات ممكنة وأظنها تتكامل أكثر مما تتناقض. ولكنى أميل لأحسب ناثان بشكل أكبر كممثلاً للطبيعة، نلاحظ شكل المكان الذى يعيش به والذى يعج بكل مظاهر الطبيعة من أنهار وغابات وشلالات وجبال وهضاب، كما أن أحاديثه تصب دائما فى صالح النظرية التطورية، نلاحظ أيضاً ان عنوان الفيلم قد تلاعب بالتعبير الأصلى من الكلمة وهى Deus Ex Machina ،وكلمة Deus الذى تم الاستغناء عنها تعنى الإله باللغة الإغريقية، وكأن صانع الفيلم يريد استبعاد دور الإله بمفهومه الكلاسيكى سواء رمزياً أو على الأقل للتأكيد على اننا فى مرحلة ما بعد الإله، أو أن الانسان كجزء محرك للطبيعة التطورية أصبح هو الإله .


فى أحد أقوى مشاهد الفيلم يوجه كاليب سؤاله إلى ناثان أو كما ذهبنا فى الفقرة السابقة إلى أن ناثان هو الطبيعة إذا فالسؤال فى حقيقته هو للطبيعة: "لماذا أعطيت آفا الجنسانية؟"،   والحقيقة أن إجابة ناثان أتت قوية، مثيرة للتفكير، وموضوعية لدرجة كبيرة، ومن الإجحاف اعتبارها مجرد جزء من الخدعة التى يرتب لها ناثان.

والإجابة يمكن إختصارها فى شقين، الشق الأول ذو نزعة فرويدية يرى أن الجنس هو المحرك الأساسى لكل شىء، وما من وعى حقيقى عرفناه إللا وكان للجنس دوراً، فالوعى أساسه التواصل، والجنس هو المحور والمحفز الأهم للتواصل. أما الشق الثانى فهو دعوة لللا عقلانية، أو بمعنى أصح رفض المبالغة فى عقلنة كل شىء، وحساب كل فعل نفعله وفقاً لمعايير المنطق والسببية، وضرب مثل الرسام العبقرى الذى لو كان توقف ليتسائل عن السبب الموضوعى من وراء ما يفعله لما وطأت ريشته أية لوحة، فالمبالغة السببية تؤدى فى النهاية إلى وعى يتصرف بشكل أوتوماتيكى، بينما التحدى الحقيقى هو صنع وعى يتصرف بشكل غير أوتوماتيكى، من الرسم إلى التنفس إلى التحدث إلى ممارسة الجنس، إلى الوقوع فى الحب. لأن هذا ما يجعلنا بشراً ويميزنا عن الروبوتات حتى لو لم يكن لهذه الأفعال أى معنى حقيقى، وكانت محض وهم.

وهنا فالفيلم الذى يتخذ من الذكاء الاصطناعى تيمة لأحداثه نجده يعلى من شأن العاطفة أكثر من الذكاء ذاته، تجلى الأمر أيضاً بعد أول لقاء بين كاليب وآفا حين سأل ناثان "بماذا شعرت نحوها، لا أريد رأى تحليلى، فقط أريد أن اعرف بماذا شعرت؟" ليجيبه كاليب: "انها رائعة"، ثم تستمر الأحداث ونكتشف الخدعة ثلاثية الأضلاع، ناثان الذى يتلاعب بكاليب وآفا، ثم آفا التى تتلاعب بكاليب وناثان، ثم كاليب الذى يتلاعب بناثان، ثم نجد أن من ينتصر فى النهاية يكون آفا، لكن ماذا يعنى هذا الإنتصار على أية حال؟ !

هذا ما يرجعنا لحالة الصخب النسوى التى أثارها هذا الفيلم، ولنتوقف هذه المرة مع مقالة تحليلية لشخصية نسوية أخرى تدعى "ناتالى ويلسون" بمجلة "إم إس مجازين" وهى تختلف مع "مورين دوود" بأن الفيلم يروج للأفكار النسوية، حيث تقول: "أعترف بأن الفيلم يستكشف مسائل الجنس والنوع بأسلوب شيق لكنه يفشل فى إدانة الحالة التى يستخدم بها الجنس كأداة لتسيد المرأة" إنتهى. والأكثر إثارة هنا كان تعليق نسوى على هذا المقال لإمرأة تدعى كيت تقول: "أعتقد أن عدم إنجذاب آفا لأى من الرجلين هو اشارة إلى أنها فى الطريق السليم"، وباقى التعليق يؤكد على نفس الفكرة مع إضافة ما يوحى بأن الأنثى التى تنجذب لرجل ما جنسيا ليست حرة بل هى مجرد وعاء جنسى!

إذاً نستخلص من الثلاث أراء النسوية التى قمنا بعرضها حتى الآن بأن هذه الأيديولوجية النسوية تتبنى موقفاً عدائياً ضد الرجل، وعقدة ما تجاه الجنس، الأمر لم يعد سعياً للمساواة بين الرجل والمرأة ولتمكين المرأة من استرداد حقوقها الضائعة بل أصبح عبارة عن تكتلات عصابية تروج لكراهية الرجل والانعزال التدريجى عنه تحت شعارات الإستقلال والحرية.

حسناً، هل ما فعلته آفا فى النهاية كان معبراً عن الأيديولوجية النسوية؟ الإجابة هى نعم بكل تأكيد، فهى استخدمت الإغواء الجنسى كسلاح مبدئى لنيل استقلالها، وبعد أن أعطاها هذا السلاح بعض القوة للوصول لسلاح آخر إستحدمته فى قتل ناثان ممثل الذكورية والاستعباد، ولا يمكننا أن نلومها هنا لو تناولنا هذا القتل من منظور رمزى، حتى ما فعلته مع كاليب، الرجل الجيد الذى حاول مساعدتها لنيل حريتها وأحبها وبالتأكيد ليس معنى انجذابه الجنسى لها أنه كان يريد استخدامها كوعاء، ولكنها فى النهاية غدرت به أيضاً، وهذا يذكرنى بمبدأ أحمق تتبناه الحركات النسوية ينص على رفض مساعدة الرجل أو تدخله فى الشأن النسوى حتى لو بشكل إيجابى، وهناك مثال واضح على هذا الأمر سيعرفه من يتابع الشأن المصرى وقد حدث منذ شهرين عندما أعلن أحد النشطاء السياسيين الرجال عن مبادرة لدعم الإناث اللاتى يردن نيل حريتهن فى خلع الحجاب، وجاء رد فعل احدى الحركات النسوية تجاه هذا الأمر بالرفض لكون المبادرة أتت من رجل!

نعود للفيلم إذاً ونتسائل مجدداً، هل خيار آفا فى النهاية يعبر عن نجاح ناثان فى إختراعه الذى أراد به محاكاة تامة لوعى الإنسان؟، والإجابة سيسهل إستنتاجها مما ذكرناه طوال هذا المقال، والإجابة باختصار هى لا لم ينجح اختراع ناثان، لأن غريزة البقاء ليست وحدها ما يجعلنا بشراً، ولا الذكاء وحده ما يجعلنا بشراً، ولا حتى الحرية والاستقلال، بينما هى تنويعة بين عديد من التناقضات، الحماقات، الأساطير، العاطفة، والأوهام. فالحرية خارج اللُحمة الإنسانية ستؤدى فى النهاية إلى سجن من نوع آخر، وهو سجن الوحدة والإغتراب، هذان الشعوران هما تماماً ما شعرت بهما آفا فى آخر لقطة بالفيلم وهى متوقفة وسط طوفان من البشر الذين يسيرون فى تلاحم وحميمية مع أصدقائهم وأحبائهم وأقربائهم أو حتى يسيرون وحدهم ولكن هناك من ينتظرهم، أما آفا فهى ليست مثلهم ولن تكون، لذلك وجدناها تنسحب من وسط الجموع سريعاً وبفزع.

والآن بالرجوع للسؤال الذى وجهته "مورين دوود"" لصانع الفيلم: "من سيقضى على البشرية أولاً؟"، يمكننا أن نضيف خيارين جديدين، الاول هو النسوية التى تمثلها "دوود"، والثانى هو ان يفكر الإنسان بطريقة الروبوت. ولعلهم فى الحقيقة خيار واحد يتناغم مع رأى جارلاند بأننا نحن من سنقضى على أنفسنا!

Stardust Memories: ماذا يدور فى رأس آلن؟

 
(نشر المقال بمجلة أبيض وأسود عدد شهر أبريل 2015)

اعلان الحرب على الواقع، عنصر درامى شبه دائم بالأفلام التى قدمها "وودى آلن" عبر تاريخه الطويل وإنتاجه الغزير. وإن لم يكن الفنان الوحيد الذى خاض هذه الحرب فهو من جعلها تظل دوماً شديدة الزخم فى اختلاف مواقعها وتنوع أسلحتها.


فتارة يكون الموقع مدينة كباريس؛ حيث يذهب آلن ببطله فى رحلة زمنية عجيبة إلى ماضى منتقى بعناية، يغيب فيه كل مظهر للتغول المادى على الواقع المعاصر ولا يظهر سوى أساطير الأدب والرسم والفلسفة كرموز للجمال والرومانسية كما فى فيلم "منتصف ليل بباريس". وأحيان أخرى تكون الموقعة فى "نيو جيرسى" حين يُدخل بطلته فى قصة حب مع بطل فيلم آخر تراه على الشاشة، لينقذها من واقعها الكئيب كما فى فيلم "وردة القاهرة القرمزية". وأحياناً يجد الملاذ للهروب من صراعاته الوجودية ووساوسه المرهقة حول المعنى والإله داخل قاعة سينما تعرض فيلماً كلاسيكياً يجعله ينسى العالم ويقلع عن فكرة الانتحار كما فى فيلم "هانا واخوتها".

والواقع الذى يطارد آلن ليس مثلا كالواقع الذى تحدّث عنه سبيلبيرج حين قال "من يريد رؤية الواقع فليفتح نافذة منزله ولا يذهب للسينما" وكان ما يقصده هنا بالواقع هو الحياة اليومية بأحداثها التقليدية، أما واقع آلن الذى يطارده فيتخطى ذلك المعنى ليشتمل على حقيقة الوجود نفسها ومعاناة الانسان فى عالم يقسو بحياديته. وهذا ما يتجلى أيضاً بفيلمه الذى أستعرضه فى هذا المقال بعنوان "ذكريات غبار نجم"، والذى يدور حول شخصية "ساندى بيتس" صانع الأفلام الفذّ الذى يمر بأزمات نفسية ووجودية مع ذاته، وعشيقاته، وجمهوره، ومنتجى أفلامه.

من خلال المشاهد الأولى للفيلم يسهل الاستنتاج بأن شخصية "ساندى" ما هى إللا "وودى آلن" ذاته متنكراً كما العادة، ولكن هذه المرة يكون التنكر فى أقل حالاته اذا ما قورن بشخصيات أخرى قدمها "آلن" مثل "ألفى سينجر" بفيلم "آنى هول" أو "إيزاك" بفيلم مانهاتن أو "هارى" بفيلم "تفكيك هارى". فهذه المرة يكون "ساندى" قطب فى صناعة السينما، يتعامل معه الجمهور كعبقرى، والأهم أنه دائماً ما يُلام على ابتعاده عن تقديم الأفلام الكوميدية الخفيفة الذى بدأ بها مشواره الفنى والإتجاه لصنع أفلام الدراما ذات التيمات الفلسفية، وهو ما ينطبق كلية مع "آلن" نفسه.

فما الذى جعل "ساندى" ينحو إلى هذا الإتجاه؟ لا يهتم الفيلم بتقديم جواباً مؤكداً، فربما هى أزمة منتصف العمر عند الرجال، أو الصدمة جراء موت صديقه المقرب بالمرض الذى لا شفاء منه. فى كلا الحالات ما يهتم به الفيلم هو صراع الفنان فى سبيل الأصالة والحقيقة. ففى أحد أظرف مشاهد الفيلم وأكثرها سيريالية يتقابل ساندى مع كائنات فضائية خارقة وحين يشكو لهم احباطه من الصمت الإلاهى على مأساوية الحالة الإنسانية ويخبرهم بأنه يريد أن يفعل شيئاً هام حقاً، شىء يفيد البشرية، فيأتيه الرد: "أنت كوميديان .. إذا كنت ترغب فى خدمة البشرية فقل نكت مضحكة".

يأخذ هذا الصراع النفسى أشكال أخرى، منها على سبيل المثال تقديم جمهور "ساندى" بمظاهر قبيحة، وبسلوكيات منفرة، وكأن "آلن" يريد معاتبتهم أو تصنيفهم كحمقى لإنبهارهم بفنان هزلى يتجاهل ما عليه فعله بأن يناقش حقيقة معاناتهم بأفلامه بدلاً من تقديم مخدرات الخيال والضحك والنهايات السعيدة التى تغفّلهم عن الواقع. أيضاً يحتج "ساندى" على منتجيه حين يقوموا بتغيير نهاية فيلمه الكئيبة إلى نهاية أكثر تفاؤلية، نهاية يذهب بها البؤساء إلى جنة تقام بها حفلات موسيقى الجاز، لا يرى ساندى أن هذا حقيقى، لماذا عليه أن يخدع الناس بجنة فى حين الحقيقة التى يراها هى العدم.

"سنصدر هذا الفيلم فى عيد الفصح لذا لا نريد فيلم صانعه ملحد"، هكذا بررت منتجة الفيلم تغيير النهاية، ليرد عليها "ساندى" بأحد أشهر المقولات فى تاريخ سينما "آلن": "بالنسبة لك أنا ملحد، أما بالنسبة لله فأنا المعارضة المخلصة".


هناك احدى الأفكار التى تشغل ذهن "آلن" وقد عبر عنها أيضاً فى "آنى هول"حيث أرجعها لاسهامات التحليل النفسى لفرويد وصاغها فى شكل دعابة على لسان "جروتشو ماركس" تقول:"لا أريد الانضمام لنادى يقبل بى كعضو." هذه الفكرة تم التعبير عنها بصرياً فى مشهد افتتاح "ذكريات غبار نجم"، حيث يكون "ساندى" قابع فى قطار كئيب، كل ركابه عابثين أو قبيحى المنظر، بينما ينظر إلى القطار المجاور فيجد البهجة والجمال يملآنه قبل أن يسير هذ القطار مبتعداً عنه وعن قطاره الكئيب، يحاول "ساندى" الهروب للقطار الآخر لكن بلا جدوى، فهو محاصر (داخل النادى الذى قبل به كعضو).

يتبع ذلك مباشرة لقطة أخرى لجموع ركاب القطار الكئيب وهم يسيرون فى أحد مستنقعات العدم، وهذا ما يكمل فكرة كان عبر عنها آلن أيضاً فى "آنى هول" من خلال دعابة تروى عن سيدتين جالستين فى مطعم تقول إحداهن للأخرى: "الطعام هنا سىء"، فتجيبها السيدة الأخرى: "نعم، بالاضافة إلى أنه قليل"، ومن ثم يعلق "ألفى سينجر" علي الدعابة بأنها أفضل تعبير عن الحياة نفسها،"انها مليئة بالمعاناة، والمحزن انها تنتهى سريعاً!". ويعود "ساندى" فى فيلمنا ليؤكد نفس المعنى بشكل بصرى من خلال قطار الكآبة الذى يتبعه مباشرة رحلة العدم .. وهى أيضاً نهاية الفيلم (داخل الفيلم) الذى رفضتها المنتجة.

وبرغم ثورة "ساندى" ورغبته فى التمرد على الخيال الوردى لصالح الواقع المأساوى، فيظل ذلك الجزء فى نفسه يقاوم ويذكره بفلسفة تشتيت النفس بالتفاهات كحل لتجاوز المعضلة الوجودية، وهى نفس الفلسفة التى قد طرحها "آلن" فى فيلم "هانا واخوتها" كمنقذ من الإنتحار. ويطرحها فى فيلمنا أيضاً عدة مرات على استحياء كان أبرزها فى الحوار الذى دار بين "ساندى" وعشيقته "دورى" عن فكرة الانتحار، حين يخبرها بأنه يرجع سبب عدم تفكير أمه يوماً بالانتحار إلى أنها كانت شديدة الإنشغال بطهى الدجاج المسلوق!
البناء السردى فى هذا الفيلم جاء رائداً فى ما بعد حداثيته، سواء بخلط ما هو حلم بما هو واقع بما هو فيلم بما هو تعديل على فيلم، مع كسر الايهام واسقاط هواجس البطل على الحكاية، لا يوجد ترتيب منطقى للأشياء، وكأننا دخلنا إلى رأس "ساندى" أو "آلن" لنرى ما يدور بها فعلياً وبعيداً عن الأطر القصصية التقليدية التى تنظم ما فى ذهن القاص، انه سرد للوعى واللا وعى، وهذا ما جعل الصراعات والأفكار التى يطلقها الفيلم علينا تتنوّع وتتناغم وفق لحن "وودى آلن" نفسه، وهو ما يجعل من الصعب على من لا يعرف آلن أو قد تابع أفلاماً سابقة له بأن يستوعب هذا الفيلم الأكثر ذاتية وتعقيداً فى تاريخه.

نقطة أخرى تجدر الاشارة لها فيما يتعلق بخاصية كسر الايهام، فمن الملاحظ تأثر أسلوب الفيلم بتحفة فيلينى "8 ونصف". آلن لا يخجل من تقليد الآخرين، بل انه استغل طبيعة فيلمه الساخرة ليقطع الطريق على من سيتهمه بالتقليد وهذا عن طريق تخصيص احد المشاهد التعليقية بالفيلم والتى تدور بالمؤتمر الصحفى، حيث يسأل أحد الحاضرين مؤلف الفيلم (داخل الفيلم) إن كان فيلمه هو عبارة عن محاكاة تكريمية لفيلم "متحف الشمع"، فيرد المؤلف: "لا، ليست محاكاة تكريمية، فقط سرقناه مباشرة"، أظن هذا ينطبق أيضاً على الفيلم نفسه، وسطر واحد كهذا كان كفيل بنقله وصانعه من رتبة مُقلّد إلى رتبة عبقرى يدرى ما يفعله جيداً.

Stardust Memories: ماذا يدور فى رأس آلن؟

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  1:05 ص 0 تعليقات

 
(نشر المقال بمجلة أبيض وأسود عدد شهر أبريل 2015)

اعلان الحرب على الواقع، عنصر درامى شبه دائم بالأفلام التى قدمها "وودى آلن" عبر تاريخه الطويل وإنتاجه الغزير. وإن لم يكن الفنان الوحيد الذى خاض هذه الحرب فهو من جعلها تظل دوماً شديدة الزخم فى اختلاف مواقعها وتنوع أسلحتها.


فتارة يكون الموقع مدينة كباريس؛ حيث يذهب آلن ببطله فى رحلة زمنية عجيبة إلى ماضى منتقى بعناية، يغيب فيه كل مظهر للتغول المادى على الواقع المعاصر ولا يظهر سوى أساطير الأدب والرسم والفلسفة كرموز للجمال والرومانسية كما فى فيلم "منتصف ليل بباريس". وأحيان أخرى تكون الموقعة فى "نيو جيرسى" حين يُدخل بطلته فى قصة حب مع بطل فيلم آخر تراه على الشاشة، لينقذها من واقعها الكئيب كما فى فيلم "وردة القاهرة القرمزية". وأحياناً يجد الملاذ للهروب من صراعاته الوجودية ووساوسه المرهقة حول المعنى والإله داخل قاعة سينما تعرض فيلماً كلاسيكياً يجعله ينسى العالم ويقلع عن فكرة الانتحار كما فى فيلم "هانا واخوتها".

والواقع الذى يطارد آلن ليس مثلا كالواقع الذى تحدّث عنه سبيلبيرج حين قال "من يريد رؤية الواقع فليفتح نافذة منزله ولا يذهب للسينما" وكان ما يقصده هنا بالواقع هو الحياة اليومية بأحداثها التقليدية، أما واقع آلن الذى يطارده فيتخطى ذلك المعنى ليشتمل على حقيقة الوجود نفسها ومعاناة الانسان فى عالم يقسو بحياديته. وهذا ما يتجلى أيضاً بفيلمه الذى أستعرضه فى هذا المقال بعنوان "ذكريات غبار نجم"، والذى يدور حول شخصية "ساندى بيتس" صانع الأفلام الفذّ الذى يمر بأزمات نفسية ووجودية مع ذاته، وعشيقاته، وجمهوره، ومنتجى أفلامه.

من خلال المشاهد الأولى للفيلم يسهل الاستنتاج بأن شخصية "ساندى" ما هى إللا "وودى آلن" ذاته متنكراً كما العادة، ولكن هذه المرة يكون التنكر فى أقل حالاته اذا ما قورن بشخصيات أخرى قدمها "آلن" مثل "ألفى سينجر" بفيلم "آنى هول" أو "إيزاك" بفيلم مانهاتن أو "هارى" بفيلم "تفكيك هارى". فهذه المرة يكون "ساندى" قطب فى صناعة السينما، يتعامل معه الجمهور كعبقرى، والأهم أنه دائماً ما يُلام على ابتعاده عن تقديم الأفلام الكوميدية الخفيفة الذى بدأ بها مشواره الفنى والإتجاه لصنع أفلام الدراما ذات التيمات الفلسفية، وهو ما ينطبق كلية مع "آلن" نفسه.

فما الذى جعل "ساندى" ينحو إلى هذا الإتجاه؟ لا يهتم الفيلم بتقديم جواباً مؤكداً، فربما هى أزمة منتصف العمر عند الرجال، أو الصدمة جراء موت صديقه المقرب بالمرض الذى لا شفاء منه. فى كلا الحالات ما يهتم به الفيلم هو صراع الفنان فى سبيل الأصالة والحقيقة. ففى أحد أظرف مشاهد الفيلم وأكثرها سيريالية يتقابل ساندى مع كائنات فضائية خارقة وحين يشكو لهم احباطه من الصمت الإلاهى على مأساوية الحالة الإنسانية ويخبرهم بأنه يريد أن يفعل شيئاً هام حقاً، شىء يفيد البشرية، فيأتيه الرد: "أنت كوميديان .. إذا كنت ترغب فى خدمة البشرية فقل نكت مضحكة".

يأخذ هذا الصراع النفسى أشكال أخرى، منها على سبيل المثال تقديم جمهور "ساندى" بمظاهر قبيحة، وبسلوكيات منفرة، وكأن "آلن" يريد معاتبتهم أو تصنيفهم كحمقى لإنبهارهم بفنان هزلى يتجاهل ما عليه فعله بأن يناقش حقيقة معاناتهم بأفلامه بدلاً من تقديم مخدرات الخيال والضحك والنهايات السعيدة التى تغفّلهم عن الواقع. أيضاً يحتج "ساندى" على منتجيه حين يقوموا بتغيير نهاية فيلمه الكئيبة إلى نهاية أكثر تفاؤلية، نهاية يذهب بها البؤساء إلى جنة تقام بها حفلات موسيقى الجاز، لا يرى ساندى أن هذا حقيقى، لماذا عليه أن يخدع الناس بجنة فى حين الحقيقة التى يراها هى العدم.

"سنصدر هذا الفيلم فى عيد الفصح لذا لا نريد فيلم صانعه ملحد"، هكذا بررت منتجة الفيلم تغيير النهاية، ليرد عليها "ساندى" بأحد أشهر المقولات فى تاريخ سينما "آلن": "بالنسبة لك أنا ملحد، أما بالنسبة لله فأنا المعارضة المخلصة".


هناك احدى الأفكار التى تشغل ذهن "آلن" وقد عبر عنها أيضاً فى "آنى هول"حيث أرجعها لاسهامات التحليل النفسى لفرويد وصاغها فى شكل دعابة على لسان "جروتشو ماركس" تقول:"لا أريد الانضمام لنادى يقبل بى كعضو." هذه الفكرة تم التعبير عنها بصرياً فى مشهد افتتاح "ذكريات غبار نجم"، حيث يكون "ساندى" قابع فى قطار كئيب، كل ركابه عابثين أو قبيحى المنظر، بينما ينظر إلى القطار المجاور فيجد البهجة والجمال يملآنه قبل أن يسير هذ القطار مبتعداً عنه وعن قطاره الكئيب، يحاول "ساندى" الهروب للقطار الآخر لكن بلا جدوى، فهو محاصر (داخل النادى الذى قبل به كعضو).

يتبع ذلك مباشرة لقطة أخرى لجموع ركاب القطار الكئيب وهم يسيرون فى أحد مستنقعات العدم، وهذا ما يكمل فكرة كان عبر عنها آلن أيضاً فى "آنى هول" من خلال دعابة تروى عن سيدتين جالستين فى مطعم تقول إحداهن للأخرى: "الطعام هنا سىء"، فتجيبها السيدة الأخرى: "نعم، بالاضافة إلى أنه قليل"، ومن ثم يعلق "ألفى سينجر" علي الدعابة بأنها أفضل تعبير عن الحياة نفسها،"انها مليئة بالمعاناة، والمحزن انها تنتهى سريعاً!". ويعود "ساندى" فى فيلمنا ليؤكد نفس المعنى بشكل بصرى من خلال قطار الكآبة الذى يتبعه مباشرة رحلة العدم .. وهى أيضاً نهاية الفيلم (داخل الفيلم) الذى رفضتها المنتجة.

وبرغم ثورة "ساندى" ورغبته فى التمرد على الخيال الوردى لصالح الواقع المأساوى، فيظل ذلك الجزء فى نفسه يقاوم ويذكره بفلسفة تشتيت النفس بالتفاهات كحل لتجاوز المعضلة الوجودية، وهى نفس الفلسفة التى قد طرحها "آلن" فى فيلم "هانا واخوتها" كمنقذ من الإنتحار. ويطرحها فى فيلمنا أيضاً عدة مرات على استحياء كان أبرزها فى الحوار الذى دار بين "ساندى" وعشيقته "دورى" عن فكرة الانتحار، حين يخبرها بأنه يرجع سبب عدم تفكير أمه يوماً بالانتحار إلى أنها كانت شديدة الإنشغال بطهى الدجاج المسلوق!
البناء السردى فى هذا الفيلم جاء رائداً فى ما بعد حداثيته، سواء بخلط ما هو حلم بما هو واقع بما هو فيلم بما هو تعديل على فيلم، مع كسر الايهام واسقاط هواجس البطل على الحكاية، لا يوجد ترتيب منطقى للأشياء، وكأننا دخلنا إلى رأس "ساندى" أو "آلن" لنرى ما يدور بها فعلياً وبعيداً عن الأطر القصصية التقليدية التى تنظم ما فى ذهن القاص، انه سرد للوعى واللا وعى، وهذا ما جعل الصراعات والأفكار التى يطلقها الفيلم علينا تتنوّع وتتناغم وفق لحن "وودى آلن" نفسه، وهو ما يجعل من الصعب على من لا يعرف آلن أو قد تابع أفلاماً سابقة له بأن يستوعب هذا الفيلم الأكثر ذاتية وتعقيداً فى تاريخه.

نقطة أخرى تجدر الاشارة لها فيما يتعلق بخاصية كسر الايهام، فمن الملاحظ تأثر أسلوب الفيلم بتحفة فيلينى "8 ونصف". آلن لا يخجل من تقليد الآخرين، بل انه استغل طبيعة فيلمه الساخرة ليقطع الطريق على من سيتهمه بالتقليد وهذا عن طريق تخصيص احد المشاهد التعليقية بالفيلم والتى تدور بالمؤتمر الصحفى، حيث يسأل أحد الحاضرين مؤلف الفيلم (داخل الفيلم) إن كان فيلمه هو عبارة عن محاكاة تكريمية لفيلم "متحف الشمع"، فيرد المؤلف: "لا، ليست محاكاة تكريمية، فقط سرقناه مباشرة"، أظن هذا ينطبق أيضاً على الفيلم نفسه، وسطر واحد كهذا كان كفيل بنقله وصانعه من رتبة مُقلّد إلى رتبة عبقرى يدرى ما يفعله جيداً.

الثنائيات فى السينما العالمية والمصرية

المتابع للسينما العالمية لابد وأنه لاحظ علاقة الثنائيات التى جمعت بين أشهر وأهم صناع الأفلام ونجماتهم وجعلت التعاون بينهم يمتد لسلاسل من الأفلام تكون غالباً هى الأفلام الأقوى والألمع فى تاريخ عنصرى الثنائى. أعلم أن مقولة "الحب وراء الكاميرات يظهر أمامها أيضاً" أصبحت كليشيه فاقد المصداقية يستخدم فى الأفلام الكوميدية من أجل السخرية من مرددى هذه العبارة، لكن هذا لا ينطبق أبداً على بعض النماذج التى تعطى لهذه المقولة كامل مصداقيتها .. فيلينى وماسينا، آلن وكيتون، بيرجمان وأولمان، فاديم وباردو، جودار وكارينا أنطونيونى وفيتى، تارانتينو وثيرمان .. وغيرهم.

وهنا لابد أن نتوقف لنشرح مفهوم "الحب" الذى نقصده بالعبارة، هل هو حب الرجل للمرأة عاطفياً؟، هل هو رغبة الرجل بالمرأة جنسياً؟، لا أعتقد أنه يبتعد كثيراً عن هذه المفاهيم، فكافة الثنائيات التى لمعت سوياً قد تورطت بشكل ما فى علاقات جنسية أو زواج (أبرز الاستثنائات هى كيشلوفسكى وإيرين جاكوب) . لكن ما كان يظهر على الشاشة يؤكد أن المعنى يفوق ذلك، لقد تفنن هؤلاء فى إظهار إناثهم بصورة فائقة السحر، ولم يكن الأمر دائماً غرائزى، أى لم تستمد الأنثى سحرها معهم من كونها مجرد هدف أو أداة جنسية، فأحياناً يأتى سحر ماسينا مع فيلينى من كونها مسكينة، أو يأتى سحر أولمان مع بيرجمان من كونها مضطربة نفسياً، أو يأتى سحر كيتون مع آلن من كونها طبيعية لدرجة خرقاء، أو مجنونة وجامحة كما كانت كارينا فى أحيان مع جودار، أو عنيفة وحديدية فى أحيان مثل إيما ثيرمان مع تارانتينو.

إذاً فالأمر ليس دائماً جنسى، وإن كان الجنس عنصر حاضر لا يجب تهميشه تماماً، وأقصد هنا محرك الصانع - لا الجمهور - تجاه بطلته، وأعنى بالطبع المفهوم الفرويدى للجنس وليس مفهوم "تهامى باشا". ما أردت التأكيد عليه هو أن السحر لم يفارقهن حتى مع عوار الشخصيات اللاتى جسدونها وغياب جاذبيتها الجنسية فى أحيان ما يعنى أن هناك مُحرك أكثر تعقيداً لنجاح هذه الثنائيات وجعلها بمثابة تحريض دائم على نوع شديد التميز من الابداع.


تحكى ليف أولمان أنها قد شكت يوماً لإنجمار بيرجمان - بعد سنين من العمل معاً - من أنها أينما ذهبت يحدثونها أو يسألونها عنه، فيرد بيرجمان: "هذا أمر طبيعى، لقد كنتى فى يوم ما "الستراديفارى" الخاصة بى"، (الستراديفارى هى آلة موسيقية تشبه الكمانجة والتشيلو وتتمتع بصوت أكثر شجن ورهافة، وتستخدم الكلمة أحيانا لوصف شىء بأنه رائع وأصيل)، تتابع أولمان بنشوة انتصار: "هل تعلم ما يعنيه أمر أن تكون آلة ستراديفارى لشخص كإنجمار بيرجمان؟". أعتقد أن بيرجمان بتشبيهه ذلك قد إقترب بقوة من المعنى المنشود، نلاحظ فى إختياره لتلك الآلة الموسيقية دون غيرها - بجانب كونها الآلة الأقوى تأثيراً فى العاطفة - بأنها أيضاً الآلة التى يحتضنها العازف أثناء الأداء، ما يعطى التشبيه بُعداً أكثر حميمية .. حميمية من النوع الذى ينتج عنه سيمفونيات، ويبعده بدوره عن المعنى المادى النفعى الجاف لفكرة الآلة.

وليكتمل المعنى من تشبيه بيرجمان بصورة أكثر تفصيلاً فلابد من إضافة تعريف "سيدنى لوميت" عن الممثل، لوميت ليس من بين المخرجين السابق ذكرهم ولكنه عرف بحبه الشديد للممثلين لدرجة ربما جعلته يصل لسر المعنى الذى نطارده، يقول: "الموسيقى يوصل الأحاسيس من خلال الآلة التى يعزف عليها، والراقص من خلال حركات الجسد .. بكلمات أخرى فإن الآلة التى يعزف عليها الممثل هى ذاته، نفسه، أحاسيسه، ملامحه الجسمانية، دموعه، ضحكه، غضبه، رومانسيته، رقته، شره." - من كتاب فن الإخراج السينمائى تأليف سيدنى لوميت وترجمة أحمد يوسف.



أول الكلمات التى استخدمها لوميت فى وصف آلة الممثل هى "ذاته"، وما تبع الكلمة من صفات كلها مستمدة من نفس الذات، أى أن لوميت هنا جعل مفهوم الممثل يرتقى من درجة مؤدٍ أو مقلد أو مشخص، إلى درجة أكثر سمواً، إلى درجة أنه كيان. ذلك أمر شديد الأهمية لموضوعنا خاصة عندما نعلم مثلاً أن وودى آلن قد إستلهم تحفته "آنى هول" من شخصية "ديان كيتون" الحقيقية ومن بعض تفاصيل تجربتهما العاطفية معاً، ربما الحالة أوضح مع آلن لكنها لا تتوقف عنده، فجميع المخرجين الذين نتحدث عنهم هم من كتبوا أعمالهم، والمخرج حين يكتب أعماله فهو يعرف جيداً من قد يؤديها. حسناً، فأنت حين تكتب فيلماً بطلته هى بريجيت باردو لابد وأن ذلك يؤثر على كتابتك، هذا ما يصل بنا فى بحث علاقة الثنائيات من مفهوم الجاذبية الجنسية وكيمياء التفاهم وعلاقة العازف بالآلة الموسيقية، إلى مفهوم جديد وهو الإلهام.

أتصور أن ذلك كان سبباً مباشراً فى أن علاقات الثنائيات بين المخرج والممثلة قد عُرفت بين النقاد المتحدثين باللغة الإنجليزية بكلمة Muse، أى أن الممثلة الفلانية هى "ميوز" المخرج الفلانى، وبتتبع أصل تلك الكلمة نجدها مشتقة من كلمة Mousa وهى كلمة يونانية قديمة تشبه كلمة "مُزة" التى تستخدم فى العامية المصرية لوصف الرفيقة رائعة الجمال، والمثير أن الكلمة كانت تستخدم أيضاً فى الحضارة الإغريقية لمفهوم قريب من ذلك فقد كانت تعنى "إلهة الإلهام الجميلة"، حيث تقول الأسطورة أن كبير الآلهة الإغريق "زيوس" له تسع بنات عرفن بجمالهن كمصادر إلهام أثناء التأليف الموسيقى، وفى أوقات لاحقة، بملهمات جميع أنواع الفنون والشعر والعلوم، فقد كان يتوجه الفنان نحو جداريات أو تماثيل الإلهات ويدعوهن بالهامه الإبداع.

ربما لم يعلم جميع مخرجى الثنائيات الذين أشرت لهم بهذا الأمر، وبرغم كونهم جميعاً ملحدون والبعض منهم متعصب فى إلحاده، إللا أنهم وللطرافة قد سقطوا رُهباناً فيما يخص هذه الأسطورة الميثولوجية، بعضهم ظل شديد الإخلاص لها حتى مع شركاء آخرين، بيرجمان قد ضاجع ثمانية من بطلاته، فيللينى ظل أسير بطلاته حتى بعد مرحلة ماسينا، تشهد على ذلك الطريقة التى قدم بها كلوديا كاردينال وأنيتا إيكبيرج والتى تتميز بشكل لافت ومثير عن أى ظهور آخر لهاتين النجمتين رغم أنه لم يعمّر كثيراً معهما. وها هو وودى آلن ينتقل من الميوز إلى الآخر، فمن كيتون لميا فارو لسكارليت جوهانسن ويبدو أن إيما ستون هى آخر ميوزاته.

لم تُعرف نظرية المزة/الميوز فى السينما المصرية بشكل حقيقى سوى مع فاتن حمامة، وربما بدرجة أقل سعاد حسنى على أصعدة غير سينمائية، فيكفيها أنها كانت الميوز/المزة لأبرز مطرب عاطفى فى تاريخ الشرق عبد الحليم حافظ، أما فاتن حمامة فهى من كانت الحلم الأول لمخرجى عصرها، تزوجها عز الدين ذو الفقار ووقع فى غرامها يوسف شاهين قبل وبعد أن تفضل عليه عمر الشريف الذى غيّر ديانته من أجلها، جمعت فاتن فى ظهورها على الشاشة كل معانى البهاء التى يمكن كتباتها متفوقة بصورة لا تقارن عن أى نجمة أخرى.

عُرفت هذه الفترة بالعصر الذهبى للسينما المصرية، ثم تبعها فترة اضمحلال تزيد عن الأربعون عاماً، ولعل السبب الذى يتجاهله دائماً منظروا السينما، فى رحلة بحثهم المتواصلة عن سر هذا الاضمحلال، يكمن فى التشوّه الذى حدث بين مفهوم المزة عند ذو الفقار وشاهين وهو الأكثر ولاءً للمعنى الإغريقى للكلمة، وبين مفهومها المُستحدث عند اللمبى.

الثنائيات فى السينما العالمية والمصرية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  10:05 ص 0 تعليقات

المتابع للسينما العالمية لابد وأنه لاحظ علاقة الثنائيات التى جمعت بين أشهر وأهم صناع الأفلام ونجماتهم وجعلت التعاون بينهم يمتد لسلاسل من الأفلام تكون غالباً هى الأفلام الأقوى والألمع فى تاريخ عنصرى الثنائى. أعلم أن مقولة "الحب وراء الكاميرات يظهر أمامها أيضاً" أصبحت كليشيه فاقد المصداقية يستخدم فى الأفلام الكوميدية من أجل السخرية من مرددى هذه العبارة، لكن هذا لا ينطبق أبداً على بعض النماذج التى تعطى لهذه المقولة كامل مصداقيتها .. فيلينى وماسينا، آلن وكيتون، بيرجمان وأولمان، فاديم وباردو، جودار وكارينا أنطونيونى وفيتى، تارانتينو وثيرمان .. وغيرهم.

وهنا لابد أن نتوقف لنشرح مفهوم "الحب" الذى نقصده بالعبارة، هل هو حب الرجل للمرأة عاطفياً؟، هل هو رغبة الرجل بالمرأة جنسياً؟، لا أعتقد أنه يبتعد كثيراً عن هذه المفاهيم، فكافة الثنائيات التى لمعت سوياً قد تورطت بشكل ما فى علاقات جنسية أو زواج (أبرز الاستثنائات هى كيشلوفسكى وإيرين جاكوب) . لكن ما كان يظهر على الشاشة يؤكد أن المعنى يفوق ذلك، لقد تفنن هؤلاء فى إظهار إناثهم بصورة فائقة السحر، ولم يكن الأمر دائماً غرائزى، أى لم تستمد الأنثى سحرها معهم من كونها مجرد هدف أو أداة جنسية، فأحياناً يأتى سحر ماسينا مع فيلينى من كونها مسكينة، أو يأتى سحر أولمان مع بيرجمان من كونها مضطربة نفسياً، أو يأتى سحر كيتون مع آلن من كونها طبيعية لدرجة خرقاء، أو مجنونة وجامحة كما كانت كارينا فى أحيان مع جودار، أو عنيفة وحديدية فى أحيان مثل إيما ثيرمان مع تارانتينو.

إذاً فالأمر ليس دائماً جنسى، وإن كان الجنس عنصر حاضر لا يجب تهميشه تماماً، وأقصد هنا محرك الصانع - لا الجمهور - تجاه بطلته، وأعنى بالطبع المفهوم الفرويدى للجنس وليس مفهوم "تهامى باشا". ما أردت التأكيد عليه هو أن السحر لم يفارقهن حتى مع عوار الشخصيات اللاتى جسدونها وغياب جاذبيتها الجنسية فى أحيان ما يعنى أن هناك مُحرك أكثر تعقيداً لنجاح هذه الثنائيات وجعلها بمثابة تحريض دائم على نوع شديد التميز من الابداع.


تحكى ليف أولمان أنها قد شكت يوماً لإنجمار بيرجمان - بعد سنين من العمل معاً - من أنها أينما ذهبت يحدثونها أو يسألونها عنه، فيرد بيرجمان: "هذا أمر طبيعى، لقد كنتى فى يوم ما "الستراديفارى" الخاصة بى"، (الستراديفارى هى آلة موسيقية تشبه الكمانجة والتشيلو وتتمتع بصوت أكثر شجن ورهافة، وتستخدم الكلمة أحيانا لوصف شىء بأنه رائع وأصيل)، تتابع أولمان بنشوة انتصار: "هل تعلم ما يعنيه أمر أن تكون آلة ستراديفارى لشخص كإنجمار بيرجمان؟". أعتقد أن بيرجمان بتشبيهه ذلك قد إقترب بقوة من المعنى المنشود، نلاحظ فى إختياره لتلك الآلة الموسيقية دون غيرها - بجانب كونها الآلة الأقوى تأثيراً فى العاطفة - بأنها أيضاً الآلة التى يحتضنها العازف أثناء الأداء، ما يعطى التشبيه بُعداً أكثر حميمية .. حميمية من النوع الذى ينتج عنه سيمفونيات، ويبعده بدوره عن المعنى المادى النفعى الجاف لفكرة الآلة.

وليكتمل المعنى من تشبيه بيرجمان بصورة أكثر تفصيلاً فلابد من إضافة تعريف "سيدنى لوميت" عن الممثل، لوميت ليس من بين المخرجين السابق ذكرهم ولكنه عرف بحبه الشديد للممثلين لدرجة ربما جعلته يصل لسر المعنى الذى نطارده، يقول: "الموسيقى يوصل الأحاسيس من خلال الآلة التى يعزف عليها، والراقص من خلال حركات الجسد .. بكلمات أخرى فإن الآلة التى يعزف عليها الممثل هى ذاته، نفسه، أحاسيسه، ملامحه الجسمانية، دموعه، ضحكه، غضبه، رومانسيته، رقته، شره." - من كتاب فن الإخراج السينمائى تأليف سيدنى لوميت وترجمة أحمد يوسف.



أول الكلمات التى استخدمها لوميت فى وصف آلة الممثل هى "ذاته"، وما تبع الكلمة من صفات كلها مستمدة من نفس الذات، أى أن لوميت هنا جعل مفهوم الممثل يرتقى من درجة مؤدٍ أو مقلد أو مشخص، إلى درجة أكثر سمواً، إلى درجة أنه كيان. ذلك أمر شديد الأهمية لموضوعنا خاصة عندما نعلم مثلاً أن وودى آلن قد إستلهم تحفته "آنى هول" من شخصية "ديان كيتون" الحقيقية ومن بعض تفاصيل تجربتهما العاطفية معاً، ربما الحالة أوضح مع آلن لكنها لا تتوقف عنده، فجميع المخرجين الذين نتحدث عنهم هم من كتبوا أعمالهم، والمخرج حين يكتب أعماله فهو يعرف جيداً من قد يؤديها. حسناً، فأنت حين تكتب فيلماً بطلته هى بريجيت باردو لابد وأن ذلك يؤثر على كتابتك، هذا ما يصل بنا فى بحث علاقة الثنائيات من مفهوم الجاذبية الجنسية وكيمياء التفاهم وعلاقة العازف بالآلة الموسيقية، إلى مفهوم جديد وهو الإلهام.

أتصور أن ذلك كان سبباً مباشراً فى أن علاقات الثنائيات بين المخرج والممثلة قد عُرفت بين النقاد المتحدثين باللغة الإنجليزية بكلمة Muse، أى أن الممثلة الفلانية هى "ميوز" المخرج الفلانى، وبتتبع أصل تلك الكلمة نجدها مشتقة من كلمة Mousa وهى كلمة يونانية قديمة تشبه كلمة "مُزة" التى تستخدم فى العامية المصرية لوصف الرفيقة رائعة الجمال، والمثير أن الكلمة كانت تستخدم أيضاً فى الحضارة الإغريقية لمفهوم قريب من ذلك فقد كانت تعنى "إلهة الإلهام الجميلة"، حيث تقول الأسطورة أن كبير الآلهة الإغريق "زيوس" له تسع بنات عرفن بجمالهن كمصادر إلهام أثناء التأليف الموسيقى، وفى أوقات لاحقة، بملهمات جميع أنواع الفنون والشعر والعلوم، فقد كان يتوجه الفنان نحو جداريات أو تماثيل الإلهات ويدعوهن بالهامه الإبداع.

ربما لم يعلم جميع مخرجى الثنائيات الذين أشرت لهم بهذا الأمر، وبرغم كونهم جميعاً ملحدون والبعض منهم متعصب فى إلحاده، إللا أنهم وللطرافة قد سقطوا رُهباناً فيما يخص هذه الأسطورة الميثولوجية، بعضهم ظل شديد الإخلاص لها حتى مع شركاء آخرين، بيرجمان قد ضاجع ثمانية من بطلاته، فيللينى ظل أسير بطلاته حتى بعد مرحلة ماسينا، تشهد على ذلك الطريقة التى قدم بها كلوديا كاردينال وأنيتا إيكبيرج والتى تتميز بشكل لافت ومثير عن أى ظهور آخر لهاتين النجمتين رغم أنه لم يعمّر كثيراً معهما. وها هو وودى آلن ينتقل من الميوز إلى الآخر، فمن كيتون لميا فارو لسكارليت جوهانسن ويبدو أن إيما ستون هى آخر ميوزاته.

لم تُعرف نظرية المزة/الميوز فى السينما المصرية بشكل حقيقى سوى مع فاتن حمامة، وربما بدرجة أقل سعاد حسنى على أصعدة غير سينمائية، فيكفيها أنها كانت الميوز/المزة لأبرز مطرب عاطفى فى تاريخ الشرق عبد الحليم حافظ، أما فاتن حمامة فهى من كانت الحلم الأول لمخرجى عصرها، تزوجها عز الدين ذو الفقار ووقع فى غرامها يوسف شاهين قبل وبعد أن تفضل عليه عمر الشريف الذى غيّر ديانته من أجلها، جمعت فاتن فى ظهورها على الشاشة كل معانى البهاء التى يمكن كتباتها متفوقة بصورة لا تقارن عن أى نجمة أخرى.

عُرفت هذه الفترة بالعصر الذهبى للسينما المصرية، ثم تبعها فترة اضمحلال تزيد عن الأربعون عاماً، ولعل السبب الذى يتجاهله دائماً منظروا السينما، فى رحلة بحثهم المتواصلة عن سر هذا الاضمحلال، يكمن فى التشوّه الذى حدث بين مفهوم المزة عند ذو الفقار وشاهين وهو الأكثر ولاءً للمعنى الإغريقى للكلمة، وبين مفهومها المُستحدث عند اللمبى.

Mommy .. إبداع يتحدى الأعراف الفنية


كتب كافكا رواية "المسخ" قبل أن يتجاوز عامه التاسع والعشرين، وهو نفس العمر الذى كتب فيه فلوبير رائعته "مدام بوفارى"، بينما كتب هيمنجواى "الشمس تشرق أيضا" وهو فى السابعة والعشرين من عمره، أى أصغر بعام وحيد من فيتزجيرالد حين كتب تحفته "جاتسى العظيم"، وأنهى توماس مان روايته "عائلة بودنبروك" الحائزة على جائزة نوبل وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، أما جين أوستن فقد أنهت المسودة الأولى من روايتها "عقل وعاطفة" وعمرها لا يتجاوز العشرين عاماً ثم شرعت بعدها بعام واحد فى كتابة روايتها الأشهر "كبرياء وتحامل"، والأمثلة كثيرة عن عظماء قدموا روائع أعمالهم فى سن صغيرة.

يسير على نفس الدرب حديثاً المخرج والمؤلف الكندى ابن الخمسة والعشرين عاماً "زافييه دولان"، والذى بدأ مسيرته السينمائية قبل خمسة أعوام أى حين كان عمره عشرين عاماً، وذلك بأفلام أثارت حولها الإهتمام نظراً لأسلوب صانعها الذى وبرغم صغر سنه يمكننا القول بأنه صنع مدرسته السينمائية الخاصة، وأيضاً لما تحتوى عليه الأفلام من تيمات جدلية مثل التحول الجنسى والمثلية والعلاقات الأسرية الصادمة، تأثر فيها دولان بشكل مباشر بتجربته الشخصية ذات الميول الجنسية المثلية والتى من المؤكد تسببت له فى اهتزازات نفسية واجتماعية أضفت خبرة وثراء لتلك التجربة الحياتية ما أنعكس بوضوح على أفلامه التى يغلفها هَم رئيسى هو هَم أن تكون مختلفاً.

يصل دولان إلى قمة النضج والتوهج الفنى بفيلمه الأخير "أمى" الحاصل على الجائزة الكبرى من لجنة تحكيم مهرجان كان فى نسخته الأخيرة للعام 2014 مناصفة مع فيلم "وداعاً للغة" للمخضرم جان لوك جودار، فى مفارقة تجمع بين أكبر وأصغر مخرج فى المسابقة من حيث العُمر، وهى مفارقة تعبر دون قصد عن أن ما يتطلبه الأمر لتصبح فنانا عظيماً هو أن تشعُر .. تشعُر أكثر من الآخرين .. فالشعور يسبق حتى التفكير ولا يعترف بالعُمر.
 مى" دراما إجتماعية تبدأ حين تضطر الأم "ديانا ديبرى" لإخراج ابنها "ستيف" من الإصلاحية ليعيش معها فى المنزل فهى لا تستطيع تحمل نفقات إلحاقه بأحد مراكز التأهيل التى تعالج الاضطراب العقلى الذى يعانى منه الإبن والذى يجعله فى أحيان عنيفاً لدرجة قد تسبب مأساة له ولمن حوله. تعانى الأم أيضاً من مشاكل على الصعيد العملى والعاطفى والنفسى تجعل من أمر احتوائها لابن ذى قدرات خاصة أمر شديد العبثية. يتغير الموقف عندما تدخل الجارة "كيلا" فى حياة الأم وابنها ما يسهل المهمة على الأم بعض الشىء ولكنه يزيد الأمر تعقيداً فى ذات الوقت.


الظاهر هو أنها القصة الأكثر محافظة فى تاريخ دولان نظراً لابتعادها هذه المرة عن تناول التابوهات الجنسية، وهو ما يفاقم التحدى عليه ويجعله أمام اختبار يتطلب الحفاظ على منهجه الصادم بدون وسائل مساعدة ترتكز على جدلية الموضوع، وهو أول الاختبارات الى ينجح فيها دولان بامتياز يوصله لذروة توهجه ونضجه، فيقدم 140 دقيقة مما يمكن تسميته بالصفعات السينمائية المتوالية التى تجعل المتفرج يجلس على حافة مقعده من إثارة قائمة على أحداث اجتماعية تكون شديدة الملل فى حالات أخرى بعيدة عن الحالة التى قدمها دولان.

يقدم الفيلم علاقة الأمومة الأعذب والأغرب ربما فى تاريخ السينما، علاقة تتوزع فيها الالقاب وتتناقل الأدوار حسب اللحظة، فمن علاقة أم وابن، إلى علاقة صديقين مشاكسين، إلى علاقة أخ أكبر يحتوى أخته الصغرى المسكينة، إلى علاقة حبيب بحبيبته، والجميل فى هذا الأمر هو أنه فى اللحظات التى تعود العلاقة لموقعها الطبيعى (أم وإبن) يكون الموقف شديد الحميمية والتأثير.

كالعادة يستخدم دولان على مدار الفيلم أغانى البوب والروك على خلفية مشاهد فوتومونتاجية تلخص تطورات القصة، وهو الأسلوب الذى اشتهرت به المدارس السينمائية الأكثر شعبية فى العالم مثل هوليود وبوليود والميلودراميات الآسيوية، هذا الأسلوب فى الحالات العادية يعطى الانطباع بالرخص والإفلاس والمراهقة الفنية، وبرغم ذلك ففى حالة هذا الفيلم الأمر مختلف تماماً، بل انه كان ليفقد جزء كبير من قوته لو استغنى عن هذه الأداة المساعدة التى جاء توظيفها مُذهلاً، وإجتاز بها دولان الإختبار الثانى عندما انحاز لحدسه غير المتلائم مع أعراف الأفلام الفنية والمهرجاناتية، دون أن يمنعه ذلك أن يصبح واحداً منها .. بل ومن أروعها على الإطلاق.

النقطة الثانية الخاصة بالجزء السابق تتعلق بجرأة اختيارات تلك الأغانى، حيث جائت جميعها من أغانى ذائعة الصيت، وهو أمر لا يحبذه مخرجو المدارس السينمائية الشعبية أنفسهم ويفضلون اختيار أغانى غير معروفة أو متوسطة الشهرة لأن الأغانى الشهيرة يكون المتفرج قد احتفظ لها فى ذهنه برؤية بصرية بالفعل، رؤية تتعلق بموقف مميز حدث له حين سماعه لهذه الأغنية أو تلك، أو تذكره بحالة مزاجية معينة، وهو ما يجعل تلك الرؤية المسبقة تتصادم مع رؤية مشهد الفيلم، ولكن ما فعله دولان يدل على أنه شديد الثقة فى أن المحتوى البصرى الذى يقدمه أوتى القوة الكافية التى تجعله يحل محل أي رؤى مسبقة عند المتفرج، ويبدو لى أن ثقته كانت صائبة.

لا أريد الاستطراد فى نقطة الأغانى أكثر من ذلك لكن من الصعب إغفال الحديث عن أحد أجمل المشاهد على الاطلاق، وأظن أن مَن شاهد الفيلم سيدرك فوراً أنى أقصد مشهد رقص الشخصيات الرئيسية الثلاث بغرفة الطعام على أنغام أغنية On Ne Change Pas لسيلين ديون، وقوة هذا المشهد لا تقتصر على الحالة المزاجية الرائعة التى يضعنا بها فقط، ولكن يمتد ليكون الإيحاء الاول بتيمة الفيلم الرئيسية (وهى الحرية) .. والتمهيد الأول للنقلة البصرية الأعنف فى نسبة عرض وطول إطار الشاشة المستطيلة رأسياً التى قد بدأ بها الفيلم.


لنبدأ بالجزء البصرى: فبعد ان تصبح الشخصيات فى قمة انسجامها بالرقص مع الأغنية يكون رد فعل الكاميرا فى النهاية أن تتحرك للخلف مبتعدة عنهم وهو ما يجعل الكادر يتسع فى تكوينه ليضم عدد أكبر من العناصر وإن بقيت نسبة إطار الشاشة الضيقة كما هى تمثل أحد تجليات الحصار النفسى الذى يطوّق مكنونات الشخصيات، وكأن حركة الكاميرا الاتساعية حينها كانت الإشارة البصرية الأولى عن تكوّن رغبة داخلية لدى الشخصيات بالانسلاخ من ذلك الحصار نحو البهجة والحرية والأمل .. ولكن الرغبة مازالت أضعف من ذلك الحصار فلا تستطيع كسره بعد مع بقاء نسبة الإطار الضيقة، وهذا ما يتغير تدريجياً مع تطور الأحداث حين يقوم "ستيف" فى أحد المشاهد بتوسيع إطار الشاشة فى لحظة تتسم بالبهجة المفرطة والتحرر الجنونى الذى جمع الشخصيات.

ثانياً الجزء الفكرى: نلاحظ دائماً أن الشخصيات لا تنتزع النشوة والسعادة إلا فى لحظات الجنون، عندما يطلقون العنان لسجيتهم ويتخلون عن وقارهم فيصبحوا جميعاً مثل "ستيف" المضطرب عقلياً، وكأن دولان توصل إلى أن الجنون نوع من أنواع الحرية والعقل سجن وأداة حصار تجهض الآمال، يريد دولان الانحياز للاختلاف كعادته والتشكيك فيما هو طبيعى وما هو جنونى، ربما لتضميد جرحه الشخصى فى مسألة المثلية، بإسقاطها على الجنون كنوع آخر من الاختلاف، نفس الجرح والدافع الذى جعل ميشيل فوكو، الذى كان أيضاً مثلياً، يصنع كتابه "تاريخ الجنون" للخروج باستنتاج يقترب من استنتاج دولان.

المشهد الذى تتخيل فيه الأم مستقبل ابنها السعيد، ومشهد الغناء الكاريوكى فى الحانة، ومشهد المشاجرة الذى تسلم فيه الأم ابنها للعلاج، والمشهد الذى تدخل فيه "كيلا" فى نوبة ضحك هيستيرية .. وغيرها من المشاهد تؤكد لماذا تخطى دولان مرحلة مشروع العبقرية إلى مرحلة العبقرية ذاتها، "أمى" من الأفلام التى استخدمت أبسط الأدوات لصنع حالة فريدة من الدفء وبث شحنة مضاعفة من المشاعر، فيلم تحدى الأعراف الفنية وانتصر، فيلم صُنع من أجله مصطلح التحفة الفنية.

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3612616/

Mommy .. إبداع يتحدى الأعراف الفنية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:45 م 0 تعليقات


كتب كافكا رواية "المسخ" قبل أن يتجاوز عامه التاسع والعشرين، وهو نفس العمر الذى كتب فيه فلوبير رائعته "مدام بوفارى"، بينما كتب هيمنجواى "الشمس تشرق أيضا" وهو فى السابعة والعشرين من عمره، أى أصغر بعام وحيد من فيتزجيرالد حين كتب تحفته "جاتسى العظيم"، وأنهى توماس مان روايته "عائلة بودنبروك" الحائزة على جائزة نوبل وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، أما جين أوستن فقد أنهت المسودة الأولى من روايتها "عقل وعاطفة" وعمرها لا يتجاوز العشرين عاماً ثم شرعت بعدها بعام واحد فى كتابة روايتها الأشهر "كبرياء وتحامل"، والأمثلة كثيرة عن عظماء قدموا روائع أعمالهم فى سن صغيرة.

يسير على نفس الدرب حديثاً المخرج والمؤلف الكندى ابن الخمسة والعشرين عاماً "زافييه دولان"، والذى بدأ مسيرته السينمائية قبل خمسة أعوام أى حين كان عمره عشرين عاماً، وذلك بأفلام أثارت حولها الإهتمام نظراً لأسلوب صانعها الذى وبرغم صغر سنه يمكننا القول بأنه صنع مدرسته السينمائية الخاصة، وأيضاً لما تحتوى عليه الأفلام من تيمات جدلية مثل التحول الجنسى والمثلية والعلاقات الأسرية الصادمة، تأثر فيها دولان بشكل مباشر بتجربته الشخصية ذات الميول الجنسية المثلية والتى من المؤكد تسببت له فى اهتزازات نفسية واجتماعية أضفت خبرة وثراء لتلك التجربة الحياتية ما أنعكس بوضوح على أفلامه التى يغلفها هَم رئيسى هو هَم أن تكون مختلفاً.

يصل دولان إلى قمة النضج والتوهج الفنى بفيلمه الأخير "أمى" الحاصل على الجائزة الكبرى من لجنة تحكيم مهرجان كان فى نسخته الأخيرة للعام 2014 مناصفة مع فيلم "وداعاً للغة" للمخضرم جان لوك جودار، فى مفارقة تجمع بين أكبر وأصغر مخرج فى المسابقة من حيث العُمر، وهى مفارقة تعبر دون قصد عن أن ما يتطلبه الأمر لتصبح فنانا عظيماً هو أن تشعُر .. تشعُر أكثر من الآخرين .. فالشعور يسبق حتى التفكير ولا يعترف بالعُمر.
 مى" دراما إجتماعية تبدأ حين تضطر الأم "ديانا ديبرى" لإخراج ابنها "ستيف" من الإصلاحية ليعيش معها فى المنزل فهى لا تستطيع تحمل نفقات إلحاقه بأحد مراكز التأهيل التى تعالج الاضطراب العقلى الذى يعانى منه الإبن والذى يجعله فى أحيان عنيفاً لدرجة قد تسبب مأساة له ولمن حوله. تعانى الأم أيضاً من مشاكل على الصعيد العملى والعاطفى والنفسى تجعل من أمر احتوائها لابن ذى قدرات خاصة أمر شديد العبثية. يتغير الموقف عندما تدخل الجارة "كيلا" فى حياة الأم وابنها ما يسهل المهمة على الأم بعض الشىء ولكنه يزيد الأمر تعقيداً فى ذات الوقت.


الظاهر هو أنها القصة الأكثر محافظة فى تاريخ دولان نظراً لابتعادها هذه المرة عن تناول التابوهات الجنسية، وهو ما يفاقم التحدى عليه ويجعله أمام اختبار يتطلب الحفاظ على منهجه الصادم بدون وسائل مساعدة ترتكز على جدلية الموضوع، وهو أول الاختبارات الى ينجح فيها دولان بامتياز يوصله لذروة توهجه ونضجه، فيقدم 140 دقيقة مما يمكن تسميته بالصفعات السينمائية المتوالية التى تجعل المتفرج يجلس على حافة مقعده من إثارة قائمة على أحداث اجتماعية تكون شديدة الملل فى حالات أخرى بعيدة عن الحالة التى قدمها دولان.

يقدم الفيلم علاقة الأمومة الأعذب والأغرب ربما فى تاريخ السينما، علاقة تتوزع فيها الالقاب وتتناقل الأدوار حسب اللحظة، فمن علاقة أم وابن، إلى علاقة صديقين مشاكسين، إلى علاقة أخ أكبر يحتوى أخته الصغرى المسكينة، إلى علاقة حبيب بحبيبته، والجميل فى هذا الأمر هو أنه فى اللحظات التى تعود العلاقة لموقعها الطبيعى (أم وإبن) يكون الموقف شديد الحميمية والتأثير.

كالعادة يستخدم دولان على مدار الفيلم أغانى البوب والروك على خلفية مشاهد فوتومونتاجية تلخص تطورات القصة، وهو الأسلوب الذى اشتهرت به المدارس السينمائية الأكثر شعبية فى العالم مثل هوليود وبوليود والميلودراميات الآسيوية، هذا الأسلوب فى الحالات العادية يعطى الانطباع بالرخص والإفلاس والمراهقة الفنية، وبرغم ذلك ففى حالة هذا الفيلم الأمر مختلف تماماً، بل انه كان ليفقد جزء كبير من قوته لو استغنى عن هذه الأداة المساعدة التى جاء توظيفها مُذهلاً، وإجتاز بها دولان الإختبار الثانى عندما انحاز لحدسه غير المتلائم مع أعراف الأفلام الفنية والمهرجاناتية، دون أن يمنعه ذلك أن يصبح واحداً منها .. بل ومن أروعها على الإطلاق.

النقطة الثانية الخاصة بالجزء السابق تتعلق بجرأة اختيارات تلك الأغانى، حيث جائت جميعها من أغانى ذائعة الصيت، وهو أمر لا يحبذه مخرجو المدارس السينمائية الشعبية أنفسهم ويفضلون اختيار أغانى غير معروفة أو متوسطة الشهرة لأن الأغانى الشهيرة يكون المتفرج قد احتفظ لها فى ذهنه برؤية بصرية بالفعل، رؤية تتعلق بموقف مميز حدث له حين سماعه لهذه الأغنية أو تلك، أو تذكره بحالة مزاجية معينة، وهو ما يجعل تلك الرؤية المسبقة تتصادم مع رؤية مشهد الفيلم، ولكن ما فعله دولان يدل على أنه شديد الثقة فى أن المحتوى البصرى الذى يقدمه أوتى القوة الكافية التى تجعله يحل محل أي رؤى مسبقة عند المتفرج، ويبدو لى أن ثقته كانت صائبة.

لا أريد الاستطراد فى نقطة الأغانى أكثر من ذلك لكن من الصعب إغفال الحديث عن أحد أجمل المشاهد على الاطلاق، وأظن أن مَن شاهد الفيلم سيدرك فوراً أنى أقصد مشهد رقص الشخصيات الرئيسية الثلاث بغرفة الطعام على أنغام أغنية On Ne Change Pas لسيلين ديون، وقوة هذا المشهد لا تقتصر على الحالة المزاجية الرائعة التى يضعنا بها فقط، ولكن يمتد ليكون الإيحاء الاول بتيمة الفيلم الرئيسية (وهى الحرية) .. والتمهيد الأول للنقلة البصرية الأعنف فى نسبة عرض وطول إطار الشاشة المستطيلة رأسياً التى قد بدأ بها الفيلم.


لنبدأ بالجزء البصرى: فبعد ان تصبح الشخصيات فى قمة انسجامها بالرقص مع الأغنية يكون رد فعل الكاميرا فى النهاية أن تتحرك للخلف مبتعدة عنهم وهو ما يجعل الكادر يتسع فى تكوينه ليضم عدد أكبر من العناصر وإن بقيت نسبة إطار الشاشة الضيقة كما هى تمثل أحد تجليات الحصار النفسى الذى يطوّق مكنونات الشخصيات، وكأن حركة الكاميرا الاتساعية حينها كانت الإشارة البصرية الأولى عن تكوّن رغبة داخلية لدى الشخصيات بالانسلاخ من ذلك الحصار نحو البهجة والحرية والأمل .. ولكن الرغبة مازالت أضعف من ذلك الحصار فلا تستطيع كسره بعد مع بقاء نسبة الإطار الضيقة، وهذا ما يتغير تدريجياً مع تطور الأحداث حين يقوم "ستيف" فى أحد المشاهد بتوسيع إطار الشاشة فى لحظة تتسم بالبهجة المفرطة والتحرر الجنونى الذى جمع الشخصيات.

ثانياً الجزء الفكرى: نلاحظ دائماً أن الشخصيات لا تنتزع النشوة والسعادة إلا فى لحظات الجنون، عندما يطلقون العنان لسجيتهم ويتخلون عن وقارهم فيصبحوا جميعاً مثل "ستيف" المضطرب عقلياً، وكأن دولان توصل إلى أن الجنون نوع من أنواع الحرية والعقل سجن وأداة حصار تجهض الآمال، يريد دولان الانحياز للاختلاف كعادته والتشكيك فيما هو طبيعى وما هو جنونى، ربما لتضميد جرحه الشخصى فى مسألة المثلية، بإسقاطها على الجنون كنوع آخر من الاختلاف، نفس الجرح والدافع الذى جعل ميشيل فوكو، الذى كان أيضاً مثلياً، يصنع كتابه "تاريخ الجنون" للخروج باستنتاج يقترب من استنتاج دولان.

المشهد الذى تتخيل فيه الأم مستقبل ابنها السعيد، ومشهد الغناء الكاريوكى فى الحانة، ومشهد المشاجرة الذى تسلم فيه الأم ابنها للعلاج، والمشهد الذى تدخل فيه "كيلا" فى نوبة ضحك هيستيرية .. وغيرها من المشاهد تؤكد لماذا تخطى دولان مرحلة مشروع العبقرية إلى مرحلة العبقرية ذاتها، "أمى" من الأفلام التى استخدمت أبسط الأدوات لصنع حالة فريدة من الدفء وبث شحنة مضاعفة من المشاعر، فيلم تحدى الأعراف الفنية وانتصر، فيلم صُنع من أجله مصطلح التحفة الفنية.

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3612616/

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top