جميع المواضيع

حول خيارات الصورة فى Ex Machina


هذه كانت اللقطة الأولى التى تجمع ناثان بكاليب، وفى هذا الكادر تتوسط العمدان السوداء المسافة بينهما قاطعة إياها بشكل عمودى وهى بذلك تعمل عامل تأطير للعمق، ما يوحى من البداية بوجود حاجز أو فاصل بين عوالم الشخصيتين، وتباين وصدام بين أفكارهما، رغم الحميمية المفتعلة التى يتسم بها اللقاء. نفس أسلوب التأطير العميق يتكرر فى المشاهد التى تجمع بين كاليب وآفا وإن ظهر فيها بشكل أكثر فيزيائية وصلابة من هذا المشهد، ولكن بصفة عامة يمكننا القول بأن أسلوب تأطير العمق كان الدال الأبرز على الصراع الثلاثى فى الفيلم.

 
 
بعد الجلسة الاختبارية الأولى بين كاليب وآفا، يجتمع كاليب مرة أخرى بناثان ليعطيه رأيه المبدئى فى آفا. نرى كاليب فى هذه اللقطة وقد تلاشت ريبته وعدم أريحيته التى ظهرت فى بداية الفيلم وأخذ هنا فى الإندماج مع العالم الجديد، فهو يضحك ويحتسى البيرة ويتناقش مع ناثان بشغف، لكن الأهم هو خلفية الكادر والتى كانت نافذة شفافة تطل على منظر طبيعى حقيقى يظهر من نافذة المنزل، يعطى كاليب ظهره للمنظر الطبيعى بما يتناغم مع التجربة التكنولوجية التى تحدث فى المنزل والتى كانت هى الأخرى تعطى ظهرها للطبيعة. توحى اللقطة بعبقرية عن الصدام بين الحقيقى وهو الطبيعة وبين المصطنع وهو التجربة، وأيضاً توحى بتطور وضع كاليب فى دراما الفيلم وعملية اصطياده بالتدريج ليتخلى عن كونه الشىء النقى الوحيد بالفيلم.

 

فى الفيلم كانت السمة البارزة فى زوايا التصوير هى ارتفاع من يتحكم أو يسأل. فى هذا المشهد يقوم ناثان بالضغط على كاليب للقبول بصفقة العمل، ونراه يعلو كاليب فى الكادر، لأنه فى الموقف الأقوى والأكثر ثقة وتحكم.
 


هذه اللقطة هى إمتداد للقطة السابقة ولكن للإمعان بالتحكم، لم يكتفى الكادر بوضع ناثان أعلى من كاليب بل جعل الشخصيتين تتمركزان فى أقصى يمين الكادر، ما يزيد ويفاقم حالة الحصار والضغط الواقع على كاليب.



فى هذه اللقطة تتبدل الأمور، فيصبح كاليب هو الأعلى، لأنه بدأ يفهم الخدعة والمصيدة التى وضعه بها ناثان، فهو الآن من يطرح الأسئلة والإتهامات والشكوك، لذا فهو يتخذ الموقع الأعلى فى الكادر.


 
نلاحظ منذ اللقاء الأول بين كاليب وآفا أن التكوين البصرى دائماً ما يوحى بما هو غير مريح، فإما أن الشخصيات تقف، أو تسير، أو تجلس متناظرة ولكن الارتفاعات وزوايا التصوير كانت تعطى أفضلية لأحدهما على الآخر، والحركة توحى بوجود توتر بينهما. أما هذه اللقطة فهى الأولى بينهما التى تجعلهما متساويين تماماً وسكونهما يعطى شعوراً بالأريحية. السبب أن آفا أخيرا ارتدت الملابس والشعر الذى يجعلها تبدو كأنثى جميلة. وقد جائت اللقطة للتدليل على مولد الشرارة الأولى لانجذاب جنسى بين الشخصيتين. فتساوى ارتفاعهما بالكادر للمرة الأولى ما هو إللا إشارة على تكون رابط جديد وقوى بينهما وهو الجنس.

 

بعد أول لقاء بين كاليب وآفا يوجه ناثان سؤاله لكاليب: "بماذا شعرت نحوها؟ لا أريد منك رأى تحليلى، فقط أريد أن اعرف بماذا شعرت". يأخذنا ذلك إلى الخيط الأول فى صراع رئيسى فى الفيلم يدور بين العقل والعاطفة، وهذه اللقطة التى تنعكس فيها صورة آفا على الزجاج تمثل ذلك الصراع الذى كان بطله ناثان، كيف يرى آفا؟ بعاطفته أم بعقله؟ لآفا صورتان فى هذه اللقطة تعبران عن الحيرة والإختبار بالخيارات التى أمام ناثان.

 

فى هذه اللقطة يقدم الفيلم نظام التأطير المتعدد Multi-Framing، كأداة بصرية للتعبير عن حالة السجن والخناق التى تعيشها آفا فى قصر ناثان. الإطار الأول نافذة مستطيلة تطل على الخارج حيث بعض النباتات. والإطار الثانى يشمل الأول وهو سقف الغرفة مع فواصل الحوائط. أما الإطار الثالث فهو شاشة "اللابتوب" التى يتابع من خلالها ناثان المنظر وهى تحوى داخلها الإطار الاول والثانى. أما الإطار الرابع فهو إطار الفيلم الأساسى والذى يجمع الثلاثة إطارات الداخلية، وتكون آفا فى الوسط داخل كل تلك الأطر.


  يبرز هذا المشهد اشتياق وجوع آفا لتؤكد على حريتها من ناحية، وعلى كونها أنثى جميلة من ناحية أخرى. ومن أجل تمثيل هذا الجوع بصرياً فقد اُستخدِمَت المرايا لتأكيد هذه الحالة وتضخيمها من مرة إلى خمس مرات، نرى فيها جسد آفا مكتمل الأنسنة والجنسنة فى آن واحد.


سنعود لهذه اللقطة مرة أخرى، لكن ما يهم توضيحه الآن، هو أن آفا فى طريقها للحرية فهى تتجه من الزاوية اليسرى للكادر التى تحجب عنها الجبال ضوء الشمس وفى طريقها للزاوية اليمنى حيث الإضاءة الكاملة والخروج من الظل نحو النور، ولتكون إنساناً طبيعياً فهى تسير لأول مرة بالعالم الحقيقى.



آفا الآن أصبحت، ظاهرياً، حرة ومكتملة الأنسنة. فهى تسير بين البشر بصورة طبيعية، لكن ما نلاحظه أن الكادر يجمع ثلاثة ظلال، آفا على اليمين، وعلى يسارها حبيبين/زوجين متشابكا الأيدى فى صورة حميمية، وهو ما يسبب الصدمة الأولى ويطرح التساؤل المؤجل، وهو هل آفا حقاً حرة؟ أو بالأحرى هل هى بالفعل إنسان؟ هل نجح اختراع ناثان؟


فى اللقطة التالية تخرج ظلال الحبيبين من الكادر، ويبقى ظل آفا وحده وهى واقفة ساكنة لا تتحرك بينما الجميع يتحركون. الأهم هو أن الكاميرا لا ترصد آفا نفسها بل انعكاسها، الكاميرا أيضاً مقلوبة عن وضعها الأساسى، ما يوحى بأن هناك خطب ما، شيئاً مفقوداً، إنسانية غير مكتملة، وحرية بلا معنى.



الآن هذه اللقطة ترغمنا على العودة للقطة التحرر التى سارت فيها آفا بين النباتات والجبال والطبيعة، والتى كانت لقطة صافية بلا تشوش كدليل على يقين آفا لحظتها بأنها استردت حريتها، بينما هذه اللقطة النهائية فهى مشوشة لأنها ملتقطة من وراء زجاج. هذا التشوش يشكك بوهم آفا السابق بأنها حرة أو إنسان. لعدة أسباب أهمها أنها وحيدة، لا تملك مشاعر، ولا ذاكرة، ولا عاطفة، ولا يهتم لأمرها أحد. غريزة البقاء ليست وحدها ما يجعلنا بشراً، ولا الذكاء، ولا حتى الحرية والاستقلال، بينما هى تنويعة بين عديد من التناقضات، الحماقات، الأساطير، العاطفة، والأوهام. فالحرية خارج اللُحمة الإنسانية ستؤدى فى النهاية إلى سجن من نوع آخر، وهو سجن الوحدة والإغتراب.

حول خيارات الصورة فى Ex Machina

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:30 م 0 تعليقات


هذه كانت اللقطة الأولى التى تجمع ناثان بكاليب، وفى هذا الكادر تتوسط العمدان السوداء المسافة بينهما قاطعة إياها بشكل عمودى وهى بذلك تعمل عامل تأطير للعمق، ما يوحى من البداية بوجود حاجز أو فاصل بين عوالم الشخصيتين، وتباين وصدام بين أفكارهما، رغم الحميمية المفتعلة التى يتسم بها اللقاء. نفس أسلوب التأطير العميق يتكرر فى المشاهد التى تجمع بين كاليب وآفا وإن ظهر فيها بشكل أكثر فيزيائية وصلابة من هذا المشهد، ولكن بصفة عامة يمكننا القول بأن أسلوب تأطير العمق كان الدال الأبرز على الصراع الثلاثى فى الفيلم.

 
 
بعد الجلسة الاختبارية الأولى بين كاليب وآفا، يجتمع كاليب مرة أخرى بناثان ليعطيه رأيه المبدئى فى آفا. نرى كاليب فى هذه اللقطة وقد تلاشت ريبته وعدم أريحيته التى ظهرت فى بداية الفيلم وأخذ هنا فى الإندماج مع العالم الجديد، فهو يضحك ويحتسى البيرة ويتناقش مع ناثان بشغف، لكن الأهم هو خلفية الكادر والتى كانت نافذة شفافة تطل على منظر طبيعى حقيقى يظهر من نافذة المنزل، يعطى كاليب ظهره للمنظر الطبيعى بما يتناغم مع التجربة التكنولوجية التى تحدث فى المنزل والتى كانت هى الأخرى تعطى ظهرها للطبيعة. توحى اللقطة بعبقرية عن الصدام بين الحقيقى وهو الطبيعة وبين المصطنع وهو التجربة، وأيضاً توحى بتطور وضع كاليب فى دراما الفيلم وعملية اصطياده بالتدريج ليتخلى عن كونه الشىء النقى الوحيد بالفيلم.

 

فى الفيلم كانت السمة البارزة فى زوايا التصوير هى ارتفاع من يتحكم أو يسأل. فى هذا المشهد يقوم ناثان بالضغط على كاليب للقبول بصفقة العمل، ونراه يعلو كاليب فى الكادر، لأنه فى الموقف الأقوى والأكثر ثقة وتحكم.
 


هذه اللقطة هى إمتداد للقطة السابقة ولكن للإمعان بالتحكم، لم يكتفى الكادر بوضع ناثان أعلى من كاليب بل جعل الشخصيتين تتمركزان فى أقصى يمين الكادر، ما يزيد ويفاقم حالة الحصار والضغط الواقع على كاليب.



فى هذه اللقطة تتبدل الأمور، فيصبح كاليب هو الأعلى، لأنه بدأ يفهم الخدعة والمصيدة التى وضعه بها ناثان، فهو الآن من يطرح الأسئلة والإتهامات والشكوك، لذا فهو يتخذ الموقع الأعلى فى الكادر.


 
نلاحظ منذ اللقاء الأول بين كاليب وآفا أن التكوين البصرى دائماً ما يوحى بما هو غير مريح، فإما أن الشخصيات تقف، أو تسير، أو تجلس متناظرة ولكن الارتفاعات وزوايا التصوير كانت تعطى أفضلية لأحدهما على الآخر، والحركة توحى بوجود توتر بينهما. أما هذه اللقطة فهى الأولى بينهما التى تجعلهما متساويين تماماً وسكونهما يعطى شعوراً بالأريحية. السبب أن آفا أخيرا ارتدت الملابس والشعر الذى يجعلها تبدو كأنثى جميلة. وقد جائت اللقطة للتدليل على مولد الشرارة الأولى لانجذاب جنسى بين الشخصيتين. فتساوى ارتفاعهما بالكادر للمرة الأولى ما هو إللا إشارة على تكون رابط جديد وقوى بينهما وهو الجنس.

 

بعد أول لقاء بين كاليب وآفا يوجه ناثان سؤاله لكاليب: "بماذا شعرت نحوها؟ لا أريد منك رأى تحليلى، فقط أريد أن اعرف بماذا شعرت". يأخذنا ذلك إلى الخيط الأول فى صراع رئيسى فى الفيلم يدور بين العقل والعاطفة، وهذه اللقطة التى تنعكس فيها صورة آفا على الزجاج تمثل ذلك الصراع الذى كان بطله ناثان، كيف يرى آفا؟ بعاطفته أم بعقله؟ لآفا صورتان فى هذه اللقطة تعبران عن الحيرة والإختبار بالخيارات التى أمام ناثان.

 

فى هذه اللقطة يقدم الفيلم نظام التأطير المتعدد Multi-Framing، كأداة بصرية للتعبير عن حالة السجن والخناق التى تعيشها آفا فى قصر ناثان. الإطار الأول نافذة مستطيلة تطل على الخارج حيث بعض النباتات. والإطار الثانى يشمل الأول وهو سقف الغرفة مع فواصل الحوائط. أما الإطار الثالث فهو شاشة "اللابتوب" التى يتابع من خلالها ناثان المنظر وهى تحوى داخلها الإطار الاول والثانى. أما الإطار الرابع فهو إطار الفيلم الأساسى والذى يجمع الثلاثة إطارات الداخلية، وتكون آفا فى الوسط داخل كل تلك الأطر.


  يبرز هذا المشهد اشتياق وجوع آفا لتؤكد على حريتها من ناحية، وعلى كونها أنثى جميلة من ناحية أخرى. ومن أجل تمثيل هذا الجوع بصرياً فقد اُستخدِمَت المرايا لتأكيد هذه الحالة وتضخيمها من مرة إلى خمس مرات، نرى فيها جسد آفا مكتمل الأنسنة والجنسنة فى آن واحد.


سنعود لهذه اللقطة مرة أخرى، لكن ما يهم توضيحه الآن، هو أن آفا فى طريقها للحرية فهى تتجه من الزاوية اليسرى للكادر التى تحجب عنها الجبال ضوء الشمس وفى طريقها للزاوية اليمنى حيث الإضاءة الكاملة والخروج من الظل نحو النور، ولتكون إنساناً طبيعياً فهى تسير لأول مرة بالعالم الحقيقى.



آفا الآن أصبحت، ظاهرياً، حرة ومكتملة الأنسنة. فهى تسير بين البشر بصورة طبيعية، لكن ما نلاحظه أن الكادر يجمع ثلاثة ظلال، آفا على اليمين، وعلى يسارها حبيبين/زوجين متشابكا الأيدى فى صورة حميمية، وهو ما يسبب الصدمة الأولى ويطرح التساؤل المؤجل، وهو هل آفا حقاً حرة؟ أو بالأحرى هل هى بالفعل إنسان؟ هل نجح اختراع ناثان؟


فى اللقطة التالية تخرج ظلال الحبيبين من الكادر، ويبقى ظل آفا وحده وهى واقفة ساكنة لا تتحرك بينما الجميع يتحركون. الأهم هو أن الكاميرا لا ترصد آفا نفسها بل انعكاسها، الكاميرا أيضاً مقلوبة عن وضعها الأساسى، ما يوحى بأن هناك خطب ما، شيئاً مفقوداً، إنسانية غير مكتملة، وحرية بلا معنى.



الآن هذه اللقطة ترغمنا على العودة للقطة التحرر التى سارت فيها آفا بين النباتات والجبال والطبيعة، والتى كانت لقطة صافية بلا تشوش كدليل على يقين آفا لحظتها بأنها استردت حريتها، بينما هذه اللقطة النهائية فهى مشوشة لأنها ملتقطة من وراء زجاج. هذا التشوش يشكك بوهم آفا السابق بأنها حرة أو إنسان. لعدة أسباب أهمها أنها وحيدة، لا تملك مشاعر، ولا ذاكرة، ولا عاطفة، ولا يهتم لأمرها أحد. غريزة البقاء ليست وحدها ما يجعلنا بشراً، ولا الذكاء، ولا حتى الحرية والاستقلال، بينما هى تنويعة بين عديد من التناقضات، الحماقات، الأساطير، العاطفة، والأوهام. فالحرية خارج اللُحمة الإنسانية ستؤدى فى النهاية إلى سجن من نوع آخر، وهو سجن الوحدة والإغتراب.

تفكيك الرومانسية فى سينما 2015

(هذا المقال يحتوى على حرق لأحداث الأفلام)
------
دائماً ما كانت الفنون متهمة بتقديم رؤى حالمة ومضللة عن مفهوم الحب والعلاقات العاطفية، تلك التهمة كانت حصرية فى الماضى على الرواية والشعر، إلى أن ظهر ذلك الفن المرئى/الصوتى الإعجازى المسمى بالسينماتوجراف فى أواخر القرن ال19، ليتلقف الضربات والتهم. فإذا كنا نتحدث عن التضليل فالسينما هى أكثر الفنون امتلاكاً لأدوات التضليل، إنها فن الهروب من الواقع بإمتياز، فبمجرد أن تنطفىء أنوار صالات العرض تسحبك معها إلى عوالمها الأخرى، بقواعدها الجديدة، ولمستويات تفوق غيرها من الوسائط والفنون الأخرى، لدرجة تجعلك بالفعل تستسلم لما تبثه فى وعيك قبل لا وعيك.

والعلاقات العاطفية هى العنصر شبه الدائم بالسينما، ما جعل الأفلام تقوم فى الأساس على فكرة الثنائيات، حيث بطل وبطلة. واستغلت السينما نفوذها الفكرى فى تقديم الصورة المنشودة عن هذا المفهوم الشائك المعروف بالحب، الصورة التى ترضى أحلام وتطلعات الجموع. فالحب دائما سلوك مُعظّم ومنزه ومُسَلّم به، وأحياناً يكون هو المعنى والمحور لكل شىء، وإن لم تكن العلاقات العاطفية هى غاية الأبطال النهائية فهى على الأقل أحد الأصناف الأساسية على المائدة. وذلك الحب، غالباً، ذو طابع أسطورى مُخلّد، إنه شيئ حقيقي حتى لو تفرق الأحبة بنهاية الفيلم، فالنهاية السعيدة أو "التبات والنبات" لم تكن فقط ما يجلّ شأن الحب على الشاشة، ولعل نهاية فيلم مثل "كازابلانكا" هى أوضح نموذج على ذلك. فالغاية الكبرى هى تقديم الصورة الحالمة والمسحة الأسطورية التى تجعل المتفرج يخرج وهو يحلم بأن يحيا إحدى قصص الحب العظيمة والبراقة التى تبيعها له السينما كأمل مخدّر يجعل الحياة أكثر تحمُلاً.

ولأن الواقع مختلف، فقد ظهر من يقاوم تلك الرؤية الخادعة محاولاً تقديم رؤى أكثر موضوعية ونقدية للحب والعلاقات، وإن على إستحياء. وأميل إلى كون إرهاصة هذه المقاومة كانت مبكرة وتحديداً فى فيلم Sherlock Junior لباستر كيتون عام 1924، فمشهد الفيلم الأخير الذى يجمع البطل وحبيبته داخل غرفة البث فى قاعة السينما، وهما يتابعان فيلماً رومانسياً ويقلدان ما يفعلاه الحبيبان على الشاشة من مسك أيدى وتقبيل، إلى أن ينقلب فجأة الفيلم الذى يشاهدانه ليأخذ منحى واقعى، فالحبيبان على الشاشة يتزوجان ونرى الزوجة وهى تمارس الأعمال المنزلية المملة وقد أصبح جسدها أكثر سمنة وشكلها أقل جمالاً، بينما الزوج مشغول بأهوال رعاية الأطفال. يُصدم كيتون مما يراه على الشاشة ويتوقف عن التقليد، لأن البداية الرومانسية تتحول إلى كابوس إجتماعى بفعل الزمن والواقع. تلك المحاولة لنقض الفكرة الرومانسية فى السينما، تذكرنى بالمقولة الشهيرة "أنا لا أريد من الحب سوى البدايات".
 
الصدمة الثانية كانت فى أواخر سبعينيات القرن الماضى بفيلم Annie Hall، تحفة "وودى آلن" وفيلم العلاقات الأشهر الذى ينتهى نهاية شديدة العبثية يلخص فيها آلن رؤيته المثيرة عن الحب فى نكتة على لسان "ألفى" بعد نهاية قصة حبه الملحمية مع "آنى"، والنكتة عن ذلك الشخص الذى يذهب للطبيب النفسى ليخبره بأن أخاه مجنون، فهو يظن نفسه دجاجة! يطلب منه الطبيب أن يحضر له أخاه كى يفحصه، فيجاوبه: "كنت لأفعل ذلك ولكنى أحتاج البيض". تنتهى النكتة ليضيف "ألفى" أن هذا ما يتفق مع رأيه فى الحب، إنه فعل عبثى مجنون وغير عقلانى ولكننا نسعى نحوه لأن معظمنا بحاجة للبيض. قبل هذه النهاية يقرر ألفى إنهاء المسرحية التى يؤلفها بنهاية سعيدة يتحدى فيها الحبيبان الصعاب ويقرران البقاء سوياً، ويعلق ألفى على هذه النهاية قائلاً "أحاول أن أجعل الأمور تسير بصورة مثالية من خلال الفن، لأن ذلك مستحيل فى الواقع".

والمحطة الثالثة كانت فيلم 500 Days of Summer، أحد أفلام الألفية الأكثر انتشارا بين الشباب والمراهقين، وهو عن قصة الحب الصادمة بين الثنائى "طوم" و"سمر"، والتى تبدأ بغرابة وتنتهى بصورة لا تقل فى عبثيتها عن نهاية Annie Hall، فـ"طوم" الذى يعمل بمؤسسة لإنتاج بطاقات المعايدة، تلك الأوراق المدونة بمقولات الحب والغزل ويتهادى بها الناس، فى أحد مشاهد الفيلم يثور على رؤساءه فى العمل، متأثراً بجراحه التى سببها فراق "سمر" له وقد فقد إيمانه بوظيفته وبمفهوم الحب كليةً، يقول: "أليس الحب عظيم؟ ماذا تعنى تلك الجملة على أى حال؟! ماذا تعنى كلمة "حب"؟ هل تعلم؟ هل هناك أحد يعلم؟ إنها تلك البطاقات، والأفلام، وأغانى البوب، تلك الأشياء هى المسئولة عن كل الكذب والألم الذى نعيشه .. تلك القلوب المحطمة. ونحن مسئولون. وأنا مسئول."

ما جمع الثلاثة أفلام السابقة ليس فقط هدمها للفكرة الرومانسية واتفاقها على تقديم الحب كشعور عارض لا يبقى وبذلك فهو يفقد معناه، بل كونها أيضاً قد نسبت مبعث تلك الفكرة الحالمة عنه إلى الفنون وخاصة السينما، فالفنون/السينما فى هذه الأفلام كانت هى مصدر إيهام البشر بالفكرة الرومانسية وأيضا الوسيلة للتطهر منها، وهى إشارة إلى أنها ستبقى معملاً للبحث والتنقيب داخل نفوسنا ومشاعرنا واحتياجاتنا من أجل تفكيكها وهدم ما نعتقده من الثوابت. وقد كان عام 2015 عاماً حافلاً بالمحاولات السينمائية التى تسعى لتفكيك الرومانسية ومفهوم العلاقات، حيث صدرت أربعة أفلام دفعة واحدة تدور حول وتتلامس مع تلك القضية.

 
أول هذه الأفلام هو Brooklyn للمخرج البريطانى جون كرولى، والمرشح لثلاث جوائز أوسكار من بينها جائزة أفضل فيلم. "بروكلين" يروى قصة الفتاة الأيرلندية "ايليش" التى تترك بلدتها الصغيرة وتهاجر للعمل والحياة بنيويورك فى خمسينيات القرن الماضى، وهناك تجد صعوبة فى التأقلم، وتجتاحها مشاعر الوحشة والوحدة والحنين لوطنها وأهلها، حتى تتعرف على "طونى" فى إحدى حفلات الرقص، الشاب اللطيف من الطبقة العاملة والذى يقع فى غرامها من اللقاء الأول، وتتوالى بينهما المواعدات إلى أن يصرح لها فى أحد المشاهد بحبه على الطريقة الكلاسيكية، لكن تكون الصدمة حين لا ترد عليه "ايليش" فوراً بالرد التقليدى "أنا أيضاً أحبك"! لا شك أن أيليش كانت معجبة بالفتى، لكن هل هى تحبه؟ ذلك السؤال الذى تتوه الإجابة عنه بين سطور الفيلم، ويأخذنا لسؤال "طوم" السابق، "ماذا تعنى كلمة حب على أى الأحوال؟!"

كانت أيليش تعانى منذ بداية الفيلم من قلة ثقة بنفسها، فهى دائماً ما تُرفَض فى حفلات الرقص، سواء فى بروكلين أو فى بلدتها الأصلية بأيرلندا، لم تجرب إنجذاب الفتية لها، كما انها الآن فى بروكلين تعتصرها آلام الوحدة والحنين للوطن، فضلا عن شقاء العمل والإغتراب ومضايقات زميلاتها فى السكن. لقد كان طونى بمثابة طوق النجاة لها، الونس فى الوحدة، النور فى العتمة، الأمل ساعة اليأس، والدعم وقت الضعف. لكن هل هذا هو الحب؟ فى المواعدة التالية تخبره أيليش بأنها قد فكرت فى تصريحه لها بالحب وأنها تعتقد أنها تبادله نفس المشاعر واعدةً إياه فى المرة القادمة التى يخبرها بأنه يحبها سوف تجيبه فورياً أنها أيضاً تحبه!

وما سبق يشوبه نوع من اللا معقولية، فالحب – إن وُجَد – لا يحتاج لكل هذه المباحثات والحسابات من أجل التعبير عنه، إنه إما موجود أو لا. لكن ما بطن من هذا التتابع من الفيلم يشير إلى جانب نفعى فى شخصية أيليش، نابع من الحيرة التى لا تخلو من بعض الخبث.

هذا الجانب النفعى يتضح أكثر مع التتابع التالى والذى يدور فى البلدة الأيرلندية الصغيرة، حيث تعود أيليش للوطن فى زيارة قصيرة لتأبين أختها المتوفية، وهناك تتعرف على شاب آخر، هذه المرة شديد الثراء والوسامة، ويقع فى غرامها، واعداً إياها بمستقبل رغد إن وافقت على الزواج منه، ثم نجدها تنجرف بالفعل فى تلك العلاقة المغرية، ناسية تماماً عهدها مع طونى فى بروكلين خاصة وأنهما قد تزوجا بالفعل قبل سفرها، وكانت لتهمل تلك الزيجة التى تفصلها المحيطات وتكمل خطتها الجديدة مع الشاب الجديد لولا أن كُشِفَ سر زواجها بالبلدة عن طريق المصادفة، ففسدت خطتها الناشئة رغماً عنها.

الإختيارات هى تيمة الفيلم الرئيسية، المعادلة المعقدة بين من تحب وأين تعيش، وقد تعمدْتُ استخدام كلمتى "إختيارات" و"معادلة" لأن الأمر فى حقيقته كان حسابياً، عقلانياً، نفعياً بصورة بحتة، وإن غلّف إطاره طبقة زائفة من العاطفة والرومانسية. فأيليش لم تعشق قط .. فقط عُشقت من رجلين، وأخذت تبدل بينهما بصورة روبوتية وكأنهما فساتين للإرتداء. يأخذنا هذا إلى سؤال أخطر وهو هل تعشق الأنثى من الأساس أم ان هذا الشعور ذكورى حصراً.

حسناً، أيليش هى نموذج رائع للأنثى ككائن شديد الغموض والتعقيد مقارنة بالرجل، فإذا كانت الاحصائيات والدراسات تشير إلى أن النساء تُقدِم على تزييف وإفتعال نشوة الجماع وبنسب تصل لـ80%، فهذا يعنى أنه من السهل جدا أن تقمن بتزييف وإفتعال ما هو بالأصل أكثر استتارة وأقل فيزيائية من النشوة .. شىء كالمشاعر مثلاً! وهو ليس تزييفاً مُتعمداً فى رأيى بقدر ما هو الإستيهام self delusion؛ نتيجة لعدم فهم الأنثى لنفسها وماذا تريد فى المقام الأول. إنها أكثر غموضاً حتى على نفسها؛ وسر حيرتها يكمن فى أن الخيارات دائماً وكلها لديها، فهى من تتحكم وتقود حقاً، حتى وإن أوهمت الرجال بعكس ذلك! جسّدت أيليش الأنثى ككائن يحتاج أكثر مما يحب، وعلى عكس ما تجرى المقولة "الوطن يكون حيث يوجد القلب" فقد عبرت اختيارات وتفضيلات وتخبطات أيليش على مدار الفيلم عن أن القلب يسهل توجيهه حيث يوجد الوطن، أو لنقل حيث توجد المنفعة.

وإن كان "بروكلين" يقدم جانب الأنثى المظلم فيما يتعلق بمعادلات الحب والعلاقات، فإن فيلم Anomalisa للمخرج والسيناريست الإستثنائى تشارلى كوفمان والمرشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم تحريك، يقدم جانباً مظلما آخر ولكن هذه المرة للرجل. الفيلم يدور حول شخصية "مايكل ستون" المُنظّر والمُحاضر فى مجال تدريب موظفين خدمة العملاء بالشركات، والذى يسافر لإحدى المدن البعيدة فى الولايات لإلقاء احدى محاضراته. مايكل يعانى خليط من الوحدة والفصام وعداء البشر Misanthrope، فضلا عن أزمة منتصف العمر، عبّر عن ذلك كوفمان بصرياً وصوتياً بأن جعل جميع شخصيات الفيلم لها نفس الصوت والملامح ما عدا مايكل.

فى احدى لقطات الفصل الأول من الفيلم نجد مايكل ينظر عبر نافذة غرفته مراقباً شخص آخر داخل شقة بالعقار المقابل، حيث يقوم ذلك الشخص بمشاهدة فيلم جنسى والإستمناء عليه، هذه اللقطة ضاعفت من حجم الشعور بديستوبيا هذا العالم وانعدام التواصل والحميمية بين البشر، كما كانت انعكاسا لمايكل نفسه الذى يجلس هو الآخر فى غرفته وحيداً ومحاصراً بين ألمه وخواءه النفسى وبين احتياجاته وغرائزه الفسيولوجية، وكأن اللقطة كانت بمثابة إيحاء بأن الإستمناء هو الخيار الوحيد أمامه بما يكفله من إهانة وعجز، هذا ما يجعله يتصل بحبيبته السابقة، منذ 10 أعوام مضت، لمقابلتها ومن ثم يعرض عليها الذهاب معه لغرفته لممارسة الجنس، فترفض وتتشاجر معه لشعورها بالإهانة، حيث أنه لم يعد يجمعهما شىء كى يمارسا الجنس على أساسه، فهو تركها منذ زمن بعيد وتزوج وأنجب، ولا يبدو وكأنه محتفظ لها بأى مشاعر، هو يدعوها لممارسة حميمية بلا معنى وكأنها عاهرة؛ لمجرد أنها الأنثى الوحيدة التى يعرفها بالمكان.

هنا اصطدم مايكل بقوانين عالمه فيما يخص العلاقات، وتلك القوانين باختصار قائمة على مبدأ "المشاعر مقابل الجنس" أو "المعنى مقابل الجنس"، وكان هذا الإصطدام هو نقطة الحبكة الأولى فى الفيلم والتى ستأخذه لشراءه دمية جنسية عن طريق الصدفة. ليصبح الآن أمام خيار آخر لقضاء ليلته - بجانب الإستمناء - وهو خيار مضاجعة الدمية الجنسية، لكنه يظل خياراً مهيناً وغير مشبع. هنا يتدخل كوفمان ليلعب لعبته بعبقريته المعهودة، فيدخل بطله فى قصة حب طارئة مع إمرأة تدعى ليزا، جعلها الصوت الوحيد المميز عن باقى أصوات الشخصيات، وجعل تلك الندبة على وجهها لا تقلل من إعجاب مايكل بها. تطورت علاقتهما فى مدة زمنية قياسية لا تزيد عن ساعة من الزمن الفعلى للأحداث ودقائق من الزمن السينمائى إلى أن وصلا معاً لقمة التوهج فى مشهد جنسى بديع قلما يتكرر فى السينما بهذا الصدق والشاعرية، ثم فى الصباح تلاشى انبهاره بها تدريجياً وانفصلا بنفس السرعة التى ارتبطا بها.

ما الذى حدث؟ لم يعد مايكل بحاجة لتقنيع غرائزه البدائية بادعائات عاطفية مزيفة، هو لم يكن يريد سوى الاشباع الجنسى وتخفيف ألم الوحدة، ولكنه اضطر لإختلاق أو إستيهام معنى من وراء وجوده مع ليزا، معنى كالحب، الحب هنا وإن كان وهماً فهو يظل الملجأ من خيارات ومشاعر أكثر احباطاً، فضلا عو كونه الضريبة التى عليك دفعها لمجاراة قواعد المجتمع الجنسية، ومن آثاره أنه يجعلنا نرى من نعتقد أننا نحبهم بصورة رائعة وفريدة من نوعها (صوت ليزا المميز) ونغض الطرف عن العوار والقبح البادى عياناً بياناً عليهم (الندبة على وجه ليزا) فالحب أعمى كما يقولون.

لكن ما هو مرعب حقاً كان تساؤل طفل مايكل فى نهاية الفيلم عن ذلك السائل الموجود بالدمية، قبل أن تضيف زوجته بأنه يشبه السائل المنوى. بعدها نسمع صوت الدمية الجنسية تغنى بنفس صوت ليزا، ما يأخذنا إلى أن ليزا ليس لها وجود، لقد كانت مجرد وهم أو حلم أو فانتازيا جنسية بعقل مايكل، وأن من شاركه الفراش ليلتها حقاً لم تكن سوى الدمية الجنسية! وهذا المنحى الصادم كان إمعاناً فى الترميز عن الحب نفسه كوهم لا وجود له، وعن أن الحقيقة لا تحتوى سوى على الهرمونات المتمثلة فى سائل مايكل المنوى على الدمية الجنسية!

هناك جملة مأثورة شهيرة عن العلاقات تذهب كالتالى: "يتعلم الرجل أن يحب الأنثى التى انجذب [جنسيا] إليها، بينما تتعلم الأنثى أن تنجذب[جنسياً] للرجل الذى تحبه". أعتقد أن الجملة تعبر تماماً مع ما خلصنا إليه فى فيلمى "بروكلين" و"أنوماليزا"، فقط مع تعديل نصف المقولة الأخير لتصبح "... تتعلم الأنثى أن تنجذب للرجل الذى تحتاجه".

وبالحديث عن الإنجذاب، نصل للفيلم الثالث وهو The Danish Girl للمخرج البريطانى "توم هوبر"، عن القصة الحقيقية للرسام الدنماركى "إينار فيجنر" الذى أقدم على إجراء أول عملية تحوّل جنسى فى التاريخ كى يصبح الأنثى "ليلى بيبى"، وبغض النظر عن المستوى الفنى لهذا الفيلم الذى خيّب التوقعات، إللا أننى أرى فكرته العامة مازالت تطرح تساؤل شديد العمق والخطورة، وهو هل الجنسانية هى جوهر العلاقات؟ ذلك نبع تلقائياً من كون إينار/ليلى بالفعل متزوج/ة من امرأة هى "جريدا"، وتجمعهما علاقة شديدة الخصوصية. والتحدى الذى تواجهه "جريدا" لا يقل صعوبة عن تحدى إينار.

أعلم بأن مطلب أن تضع نفسك مكان الشخصية يبدو صبيانياً ولكنها من الحالات النادرة التى يجب فعلا أن تضع نفسك مكان الشخصية، وهنا أقصد شخصية جريدا الزوجة. لتتخيل، ولو نظرياً، أنك استيقظت يوماً لتفاجأ بأن شريك حياتك قرر تغيير هويته الجنسية؟ إنه نفس الشخص الذى كنت تقول أنك تحبه، بنفس هيئته وأفكاره ومشاعره، ومازالت تجمع بينكما نفس التفضيلات والذكريات والأحلام والتوافق، إن كان هذا فعلا يصنع الحب!

لم يتغير سوى شكل عضو ما فى جسده، بالطبع كنت ستظل تشاركه حياتك لو كان استأصل اللوز أو احدى الكليتين أو بعض الضروس، أما أن يكون هذا العضو جنسياً فالأمر مختلف ويجعلك تفكر، وقد يدحض ما كنت تظن أنك تكنه من مشاعر حب غير مشروطة وأبدية، ويهز الرغبة العارمة بالارتباط أو يذهب بها إلى الجحيم.

هل يوجد أقوى من هذا الإختبار دليلاً على أن فرويد وداروين كانوا على حق عندما ذهبوا إلى أن الجنسانية هى الأساس لكل شىء؟! الخطير أن ذلك يؤكد رؤية تشارلى كوفمان السوداوية التى طرحناها سلفاً فى حديثنا عن Anomalisa، وهى أننا لسنا سوى حيوانات استطاعت وضع تسميات حضارية لغرائزها البدائية.

انتشر بالعام الماضى شعار "الحب ينتصر Love Wins" تزامناً مع نجاح حملات المثليين فى أمريكا بانتزاع حقهم المدنى فى الزواج، هذا الشعار نال كثيرا من السخرية والاستهزاء من قبل المصابين برهاب المثلية، والشعار، فى رأيى ومن زاوية أخرى، يعد بالفعل ملتبساً، خاصة وهو يبالغ فى الإعلاء من شأن العلاقات المثلية ويحصر الحب بداخلها، بينما الطبيعى أن ينجذب الشخص المُثلى لمثيله الجنسي، لا توجد هنا فضيلة أو بطولة، إنما البطولة والإختبار الحقيقى يكمن فى موقف "جريدا"، أى الشخصية المُغايرة hetero التى تحارب للحفاظ على حبها من شخصية متحولة جنسياً؛ لذا فإنى أؤمن بأن فيلم هوبر نجح فى القيام بأول شرح وتجسيد عملى حقيقى لشعار "الحب ينتصر"، وإن كان حتى على هيئة سؤال لا تقرير.

الفيلم الرابع والأخير هو The Lobster للمخرج اليونانى يورجوس لانتيموس، الفائز بجائزة لجنة التحكيم بالنسخة الأخيرة من مهرجان كان. هذا الفيلم يتناول العلاقات العاطفية من زاويتها الإجتماعية، وذلك فى إطار يخلط بين الفانتازيا والديستوبيا، فالأحداث تدور فى ذلك العالم الذى يضطهد العُزاب بأن يلقى بهم داخل مؤسسة أشبه بسجن لتضعهم تحت اختبار مدته 45 يوماً، إذا لم يعثر خلالها كل عازب على رفيق حياة مناسب يتطابق مع صفاته فإنه سوف يعاقب بتحويل جسده إلى جسد حيوان يختاره، وهو ما يجعل هؤلاء العزاب يبذلون كل ما بوسعهم للنجاة بالبحث عن شريك، مهما كلفهم ذلك من غش وكذب ونفاق ودسائس.

نخرج من النصف الأول من الفيلم بوجهة نظر تبدو معادية لمفهوم العلاقات من الأساس، إلى أن ننتقل إلى عالم آخر فى النصف الثانى من الفيلم، ويكون هذا العالم مناهض ومناقض تماماً للعالم الأول، ففى العالم الثانى العلاقات مُجرمة، الغزل ممنوع، المشاعر محرمة، وحتى الموسيقى ليس مسموح منها سوى النوع الإليكترونى الراقص لأنه الوحيد الذى لا يهيّج المشاعر. ولهذا العالم أيضاً عقوباته الصارمة على من يخرج عن قوانينه. وهنا ندرك أن مغزى الفيلم ليس إدانة مفهوم العلاقات أو عدمه، بل إدانة القواعد والضغوط والأحكام التى يفرضها المجتمع على أفراده، فلم يكن هذان العالمان سوى تمثيل كاريكاتورى لنظامين إجتماعيين فعليين، الأول نلمسه فى الإتجاه المحافظ التقليدى الذى يقدس التجانس والترابط ويُعلى من شأن المجتمع على حساب الفرد، أما الآخر فهو خليط بين إتجاهات التزمت الدينى والرهبنة والحركات النسوية المتطرفة التى تعادى مفاهيم كالعاطفة والعلاقات.

لم يجد بطل الفيلم "ديفيد" الحب داخل العالم الذى يفرضه، بينما وجده حين هرب إلى العالم الذى يجرمه، فى مفارقة تدلل على عداء الإنسان مع القيود الخارجية. لكن الأعمق كان التحول لتناول قيوده الداخلية، أو ما ترسب فى لا وعيه من أفكار ومعتقدات ورثها من العوالم المحيطة به ومازالت تسيّره ولم يتحرر منها بعد. فعندما يقع ديفيد فى غرام الشخصية التى جسدتها "راشيل ويز" نجده مازال مهتماً بتحديد الصفة المشتركة بينهما والتى كانت قصر النظر، وكأن ذلك له معنى! رغم أن مشاعره سبقت إدراكه لهذه المعلومة من الأساس، ولكن قواعد وأساطير المجتمع مازالت تحتل وجدانه، وأجدنى هنا تحديداً أمام إسقاط لأسطورة "توأم الروح Soul Mate"، القائمة على مبدأ التطابق فى الصفات بين طرفى العلاقة، والتى يؤمن بها الكثير من البشر وتكون أحياناً سبب فى نشأة علاقات أو انتهائها، رغم أن التطابق ليس من الضرورى أن يكون قرينة للحكم على نجاح علاقة أو فشلها، فقد وزّع علم الأحياء الحب على ثلاثة مكونات: شهوة وإنجذاب وارتباط. بينما وزعه علم النفس إلى: حميمية، وتكريس، ووله.

الستة مكونات السابقة لم يذكر "التطابق" بينهم، بل هى تنطبق كلها على ما عايشه ديفيد مع راشيل فى بداية علاقتهما قبل أن يهددها هوس التطابق، خاصة بعد أن فقدت راشيل بصرها تماماً وأصبحت عمياء، أى ضاعت الصفة المشتركة التى ظنا بأنها أساس علاقتهما، ما جعل ديفيد يقدم على إعماء نفسه هو الآخر فقط ليُرضى صنم التوافق المزعوم، لم يطلعنا لانتيموس على ما انتهى إليه مصير ديفيد، لكنه أعطانا إيحاء ذكى عن طريق تسويد الشاشة لبعض الثوانى قبل ظهور التيترات، وهو إيحاء له تفسير وأيضاً له مغزى، يكمل كلاهما الآخر. والتفسير هو أن ديفيد قد أعمى نفسه بالفعل ليصبح العالم الذى يتشاركه الثنائى مجرد ظلام فى ظلام، وقد عبرت الشاشة السوداء عن هذا المعنى. أما المغزى فهو أن العالم الذى ينتظرنا نحن البشر حين نتبع قوانين وقواعد تتنافى مع رغباتنا ومشاعرنا هو عالم عبثى، عدمى، سوداوى، كئيب .. تنتصر فيه القيود والنظريات الجوفاء على الإنسان وسعادته التى هى الغاية الحقيقية لحياته.

تفكيك الرومانسية فى سينما 2015

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:25 م 0 تعليقات

(هذا المقال يحتوى على حرق لأحداث الأفلام)
------
دائماً ما كانت الفنون متهمة بتقديم رؤى حالمة ومضللة عن مفهوم الحب والعلاقات العاطفية، تلك التهمة كانت حصرية فى الماضى على الرواية والشعر، إلى أن ظهر ذلك الفن المرئى/الصوتى الإعجازى المسمى بالسينماتوجراف فى أواخر القرن ال19، ليتلقف الضربات والتهم. فإذا كنا نتحدث عن التضليل فالسينما هى أكثر الفنون امتلاكاً لأدوات التضليل، إنها فن الهروب من الواقع بإمتياز، فبمجرد أن تنطفىء أنوار صالات العرض تسحبك معها إلى عوالمها الأخرى، بقواعدها الجديدة، ولمستويات تفوق غيرها من الوسائط والفنون الأخرى، لدرجة تجعلك بالفعل تستسلم لما تبثه فى وعيك قبل لا وعيك.

والعلاقات العاطفية هى العنصر شبه الدائم بالسينما، ما جعل الأفلام تقوم فى الأساس على فكرة الثنائيات، حيث بطل وبطلة. واستغلت السينما نفوذها الفكرى فى تقديم الصورة المنشودة عن هذا المفهوم الشائك المعروف بالحب، الصورة التى ترضى أحلام وتطلعات الجموع. فالحب دائما سلوك مُعظّم ومنزه ومُسَلّم به، وأحياناً يكون هو المعنى والمحور لكل شىء، وإن لم تكن العلاقات العاطفية هى غاية الأبطال النهائية فهى على الأقل أحد الأصناف الأساسية على المائدة. وذلك الحب، غالباً، ذو طابع أسطورى مُخلّد، إنه شيئ حقيقي حتى لو تفرق الأحبة بنهاية الفيلم، فالنهاية السعيدة أو "التبات والنبات" لم تكن فقط ما يجلّ شأن الحب على الشاشة، ولعل نهاية فيلم مثل "كازابلانكا" هى أوضح نموذج على ذلك. فالغاية الكبرى هى تقديم الصورة الحالمة والمسحة الأسطورية التى تجعل المتفرج يخرج وهو يحلم بأن يحيا إحدى قصص الحب العظيمة والبراقة التى تبيعها له السينما كأمل مخدّر يجعل الحياة أكثر تحمُلاً.

ولأن الواقع مختلف، فقد ظهر من يقاوم تلك الرؤية الخادعة محاولاً تقديم رؤى أكثر موضوعية ونقدية للحب والعلاقات، وإن على إستحياء. وأميل إلى كون إرهاصة هذه المقاومة كانت مبكرة وتحديداً فى فيلم Sherlock Junior لباستر كيتون عام 1924، فمشهد الفيلم الأخير الذى يجمع البطل وحبيبته داخل غرفة البث فى قاعة السينما، وهما يتابعان فيلماً رومانسياً ويقلدان ما يفعلاه الحبيبان على الشاشة من مسك أيدى وتقبيل، إلى أن ينقلب فجأة الفيلم الذى يشاهدانه ليأخذ منحى واقعى، فالحبيبان على الشاشة يتزوجان ونرى الزوجة وهى تمارس الأعمال المنزلية المملة وقد أصبح جسدها أكثر سمنة وشكلها أقل جمالاً، بينما الزوج مشغول بأهوال رعاية الأطفال. يُصدم كيتون مما يراه على الشاشة ويتوقف عن التقليد، لأن البداية الرومانسية تتحول إلى كابوس إجتماعى بفعل الزمن والواقع. تلك المحاولة لنقض الفكرة الرومانسية فى السينما، تذكرنى بالمقولة الشهيرة "أنا لا أريد من الحب سوى البدايات".
 
الصدمة الثانية كانت فى أواخر سبعينيات القرن الماضى بفيلم Annie Hall، تحفة "وودى آلن" وفيلم العلاقات الأشهر الذى ينتهى نهاية شديدة العبثية يلخص فيها آلن رؤيته المثيرة عن الحب فى نكتة على لسان "ألفى" بعد نهاية قصة حبه الملحمية مع "آنى"، والنكتة عن ذلك الشخص الذى يذهب للطبيب النفسى ليخبره بأن أخاه مجنون، فهو يظن نفسه دجاجة! يطلب منه الطبيب أن يحضر له أخاه كى يفحصه، فيجاوبه: "كنت لأفعل ذلك ولكنى أحتاج البيض". تنتهى النكتة ليضيف "ألفى" أن هذا ما يتفق مع رأيه فى الحب، إنه فعل عبثى مجنون وغير عقلانى ولكننا نسعى نحوه لأن معظمنا بحاجة للبيض. قبل هذه النهاية يقرر ألفى إنهاء المسرحية التى يؤلفها بنهاية سعيدة يتحدى فيها الحبيبان الصعاب ويقرران البقاء سوياً، ويعلق ألفى على هذه النهاية قائلاً "أحاول أن أجعل الأمور تسير بصورة مثالية من خلال الفن، لأن ذلك مستحيل فى الواقع".

والمحطة الثالثة كانت فيلم 500 Days of Summer، أحد أفلام الألفية الأكثر انتشارا بين الشباب والمراهقين، وهو عن قصة الحب الصادمة بين الثنائى "طوم" و"سمر"، والتى تبدأ بغرابة وتنتهى بصورة لا تقل فى عبثيتها عن نهاية Annie Hall، فـ"طوم" الذى يعمل بمؤسسة لإنتاج بطاقات المعايدة، تلك الأوراق المدونة بمقولات الحب والغزل ويتهادى بها الناس، فى أحد مشاهد الفيلم يثور على رؤساءه فى العمل، متأثراً بجراحه التى سببها فراق "سمر" له وقد فقد إيمانه بوظيفته وبمفهوم الحب كليةً، يقول: "أليس الحب عظيم؟ ماذا تعنى تلك الجملة على أى حال؟! ماذا تعنى كلمة "حب"؟ هل تعلم؟ هل هناك أحد يعلم؟ إنها تلك البطاقات، والأفلام، وأغانى البوب، تلك الأشياء هى المسئولة عن كل الكذب والألم الذى نعيشه .. تلك القلوب المحطمة. ونحن مسئولون. وأنا مسئول."

ما جمع الثلاثة أفلام السابقة ليس فقط هدمها للفكرة الرومانسية واتفاقها على تقديم الحب كشعور عارض لا يبقى وبذلك فهو يفقد معناه، بل كونها أيضاً قد نسبت مبعث تلك الفكرة الحالمة عنه إلى الفنون وخاصة السينما، فالفنون/السينما فى هذه الأفلام كانت هى مصدر إيهام البشر بالفكرة الرومانسية وأيضا الوسيلة للتطهر منها، وهى إشارة إلى أنها ستبقى معملاً للبحث والتنقيب داخل نفوسنا ومشاعرنا واحتياجاتنا من أجل تفكيكها وهدم ما نعتقده من الثوابت. وقد كان عام 2015 عاماً حافلاً بالمحاولات السينمائية التى تسعى لتفكيك الرومانسية ومفهوم العلاقات، حيث صدرت أربعة أفلام دفعة واحدة تدور حول وتتلامس مع تلك القضية.

 
أول هذه الأفلام هو Brooklyn للمخرج البريطانى جون كرولى، والمرشح لثلاث جوائز أوسكار من بينها جائزة أفضل فيلم. "بروكلين" يروى قصة الفتاة الأيرلندية "ايليش" التى تترك بلدتها الصغيرة وتهاجر للعمل والحياة بنيويورك فى خمسينيات القرن الماضى، وهناك تجد صعوبة فى التأقلم، وتجتاحها مشاعر الوحشة والوحدة والحنين لوطنها وأهلها، حتى تتعرف على "طونى" فى إحدى حفلات الرقص، الشاب اللطيف من الطبقة العاملة والذى يقع فى غرامها من اللقاء الأول، وتتوالى بينهما المواعدات إلى أن يصرح لها فى أحد المشاهد بحبه على الطريقة الكلاسيكية، لكن تكون الصدمة حين لا ترد عليه "ايليش" فوراً بالرد التقليدى "أنا أيضاً أحبك"! لا شك أن أيليش كانت معجبة بالفتى، لكن هل هى تحبه؟ ذلك السؤال الذى تتوه الإجابة عنه بين سطور الفيلم، ويأخذنا لسؤال "طوم" السابق، "ماذا تعنى كلمة حب على أى الأحوال؟!"

كانت أيليش تعانى منذ بداية الفيلم من قلة ثقة بنفسها، فهى دائماً ما تُرفَض فى حفلات الرقص، سواء فى بروكلين أو فى بلدتها الأصلية بأيرلندا، لم تجرب إنجذاب الفتية لها، كما انها الآن فى بروكلين تعتصرها آلام الوحدة والحنين للوطن، فضلا عن شقاء العمل والإغتراب ومضايقات زميلاتها فى السكن. لقد كان طونى بمثابة طوق النجاة لها، الونس فى الوحدة، النور فى العتمة، الأمل ساعة اليأس، والدعم وقت الضعف. لكن هل هذا هو الحب؟ فى المواعدة التالية تخبره أيليش بأنها قد فكرت فى تصريحه لها بالحب وأنها تعتقد أنها تبادله نفس المشاعر واعدةً إياه فى المرة القادمة التى يخبرها بأنه يحبها سوف تجيبه فورياً أنها أيضاً تحبه!

وما سبق يشوبه نوع من اللا معقولية، فالحب – إن وُجَد – لا يحتاج لكل هذه المباحثات والحسابات من أجل التعبير عنه، إنه إما موجود أو لا. لكن ما بطن من هذا التتابع من الفيلم يشير إلى جانب نفعى فى شخصية أيليش، نابع من الحيرة التى لا تخلو من بعض الخبث.

هذا الجانب النفعى يتضح أكثر مع التتابع التالى والذى يدور فى البلدة الأيرلندية الصغيرة، حيث تعود أيليش للوطن فى زيارة قصيرة لتأبين أختها المتوفية، وهناك تتعرف على شاب آخر، هذه المرة شديد الثراء والوسامة، ويقع فى غرامها، واعداً إياها بمستقبل رغد إن وافقت على الزواج منه، ثم نجدها تنجرف بالفعل فى تلك العلاقة المغرية، ناسية تماماً عهدها مع طونى فى بروكلين خاصة وأنهما قد تزوجا بالفعل قبل سفرها، وكانت لتهمل تلك الزيجة التى تفصلها المحيطات وتكمل خطتها الجديدة مع الشاب الجديد لولا أن كُشِفَ سر زواجها بالبلدة عن طريق المصادفة، ففسدت خطتها الناشئة رغماً عنها.

الإختيارات هى تيمة الفيلم الرئيسية، المعادلة المعقدة بين من تحب وأين تعيش، وقد تعمدْتُ استخدام كلمتى "إختيارات" و"معادلة" لأن الأمر فى حقيقته كان حسابياً، عقلانياً، نفعياً بصورة بحتة، وإن غلّف إطاره طبقة زائفة من العاطفة والرومانسية. فأيليش لم تعشق قط .. فقط عُشقت من رجلين، وأخذت تبدل بينهما بصورة روبوتية وكأنهما فساتين للإرتداء. يأخذنا هذا إلى سؤال أخطر وهو هل تعشق الأنثى من الأساس أم ان هذا الشعور ذكورى حصراً.

حسناً، أيليش هى نموذج رائع للأنثى ككائن شديد الغموض والتعقيد مقارنة بالرجل، فإذا كانت الاحصائيات والدراسات تشير إلى أن النساء تُقدِم على تزييف وإفتعال نشوة الجماع وبنسب تصل لـ80%، فهذا يعنى أنه من السهل جدا أن تقمن بتزييف وإفتعال ما هو بالأصل أكثر استتارة وأقل فيزيائية من النشوة .. شىء كالمشاعر مثلاً! وهو ليس تزييفاً مُتعمداً فى رأيى بقدر ما هو الإستيهام self delusion؛ نتيجة لعدم فهم الأنثى لنفسها وماذا تريد فى المقام الأول. إنها أكثر غموضاً حتى على نفسها؛ وسر حيرتها يكمن فى أن الخيارات دائماً وكلها لديها، فهى من تتحكم وتقود حقاً، حتى وإن أوهمت الرجال بعكس ذلك! جسّدت أيليش الأنثى ككائن يحتاج أكثر مما يحب، وعلى عكس ما تجرى المقولة "الوطن يكون حيث يوجد القلب" فقد عبرت اختيارات وتفضيلات وتخبطات أيليش على مدار الفيلم عن أن القلب يسهل توجيهه حيث يوجد الوطن، أو لنقل حيث توجد المنفعة.

وإن كان "بروكلين" يقدم جانب الأنثى المظلم فيما يتعلق بمعادلات الحب والعلاقات، فإن فيلم Anomalisa للمخرج والسيناريست الإستثنائى تشارلى كوفمان والمرشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم تحريك، يقدم جانباً مظلما آخر ولكن هذه المرة للرجل. الفيلم يدور حول شخصية "مايكل ستون" المُنظّر والمُحاضر فى مجال تدريب موظفين خدمة العملاء بالشركات، والذى يسافر لإحدى المدن البعيدة فى الولايات لإلقاء احدى محاضراته. مايكل يعانى خليط من الوحدة والفصام وعداء البشر Misanthrope، فضلا عن أزمة منتصف العمر، عبّر عن ذلك كوفمان بصرياً وصوتياً بأن جعل جميع شخصيات الفيلم لها نفس الصوت والملامح ما عدا مايكل.

فى احدى لقطات الفصل الأول من الفيلم نجد مايكل ينظر عبر نافذة غرفته مراقباً شخص آخر داخل شقة بالعقار المقابل، حيث يقوم ذلك الشخص بمشاهدة فيلم جنسى والإستمناء عليه، هذه اللقطة ضاعفت من حجم الشعور بديستوبيا هذا العالم وانعدام التواصل والحميمية بين البشر، كما كانت انعكاسا لمايكل نفسه الذى يجلس هو الآخر فى غرفته وحيداً ومحاصراً بين ألمه وخواءه النفسى وبين احتياجاته وغرائزه الفسيولوجية، وكأن اللقطة كانت بمثابة إيحاء بأن الإستمناء هو الخيار الوحيد أمامه بما يكفله من إهانة وعجز، هذا ما يجعله يتصل بحبيبته السابقة، منذ 10 أعوام مضت، لمقابلتها ومن ثم يعرض عليها الذهاب معه لغرفته لممارسة الجنس، فترفض وتتشاجر معه لشعورها بالإهانة، حيث أنه لم يعد يجمعهما شىء كى يمارسا الجنس على أساسه، فهو تركها منذ زمن بعيد وتزوج وأنجب، ولا يبدو وكأنه محتفظ لها بأى مشاعر، هو يدعوها لممارسة حميمية بلا معنى وكأنها عاهرة؛ لمجرد أنها الأنثى الوحيدة التى يعرفها بالمكان.

هنا اصطدم مايكل بقوانين عالمه فيما يخص العلاقات، وتلك القوانين باختصار قائمة على مبدأ "المشاعر مقابل الجنس" أو "المعنى مقابل الجنس"، وكان هذا الإصطدام هو نقطة الحبكة الأولى فى الفيلم والتى ستأخذه لشراءه دمية جنسية عن طريق الصدفة. ليصبح الآن أمام خيار آخر لقضاء ليلته - بجانب الإستمناء - وهو خيار مضاجعة الدمية الجنسية، لكنه يظل خياراً مهيناً وغير مشبع. هنا يتدخل كوفمان ليلعب لعبته بعبقريته المعهودة، فيدخل بطله فى قصة حب طارئة مع إمرأة تدعى ليزا، جعلها الصوت الوحيد المميز عن باقى أصوات الشخصيات، وجعل تلك الندبة على وجهها لا تقلل من إعجاب مايكل بها. تطورت علاقتهما فى مدة زمنية قياسية لا تزيد عن ساعة من الزمن الفعلى للأحداث ودقائق من الزمن السينمائى إلى أن وصلا معاً لقمة التوهج فى مشهد جنسى بديع قلما يتكرر فى السينما بهذا الصدق والشاعرية، ثم فى الصباح تلاشى انبهاره بها تدريجياً وانفصلا بنفس السرعة التى ارتبطا بها.

ما الذى حدث؟ لم يعد مايكل بحاجة لتقنيع غرائزه البدائية بادعائات عاطفية مزيفة، هو لم يكن يريد سوى الاشباع الجنسى وتخفيف ألم الوحدة، ولكنه اضطر لإختلاق أو إستيهام معنى من وراء وجوده مع ليزا، معنى كالحب، الحب هنا وإن كان وهماً فهو يظل الملجأ من خيارات ومشاعر أكثر احباطاً، فضلا عو كونه الضريبة التى عليك دفعها لمجاراة قواعد المجتمع الجنسية، ومن آثاره أنه يجعلنا نرى من نعتقد أننا نحبهم بصورة رائعة وفريدة من نوعها (صوت ليزا المميز) ونغض الطرف عن العوار والقبح البادى عياناً بياناً عليهم (الندبة على وجه ليزا) فالحب أعمى كما يقولون.

لكن ما هو مرعب حقاً كان تساؤل طفل مايكل فى نهاية الفيلم عن ذلك السائل الموجود بالدمية، قبل أن تضيف زوجته بأنه يشبه السائل المنوى. بعدها نسمع صوت الدمية الجنسية تغنى بنفس صوت ليزا، ما يأخذنا إلى أن ليزا ليس لها وجود، لقد كانت مجرد وهم أو حلم أو فانتازيا جنسية بعقل مايكل، وأن من شاركه الفراش ليلتها حقاً لم تكن سوى الدمية الجنسية! وهذا المنحى الصادم كان إمعاناً فى الترميز عن الحب نفسه كوهم لا وجود له، وعن أن الحقيقة لا تحتوى سوى على الهرمونات المتمثلة فى سائل مايكل المنوى على الدمية الجنسية!

هناك جملة مأثورة شهيرة عن العلاقات تذهب كالتالى: "يتعلم الرجل أن يحب الأنثى التى انجذب [جنسيا] إليها، بينما تتعلم الأنثى أن تنجذب[جنسياً] للرجل الذى تحبه". أعتقد أن الجملة تعبر تماماً مع ما خلصنا إليه فى فيلمى "بروكلين" و"أنوماليزا"، فقط مع تعديل نصف المقولة الأخير لتصبح "... تتعلم الأنثى أن تنجذب للرجل الذى تحتاجه".

وبالحديث عن الإنجذاب، نصل للفيلم الثالث وهو The Danish Girl للمخرج البريطانى "توم هوبر"، عن القصة الحقيقية للرسام الدنماركى "إينار فيجنر" الذى أقدم على إجراء أول عملية تحوّل جنسى فى التاريخ كى يصبح الأنثى "ليلى بيبى"، وبغض النظر عن المستوى الفنى لهذا الفيلم الذى خيّب التوقعات، إللا أننى أرى فكرته العامة مازالت تطرح تساؤل شديد العمق والخطورة، وهو هل الجنسانية هى جوهر العلاقات؟ ذلك نبع تلقائياً من كون إينار/ليلى بالفعل متزوج/ة من امرأة هى "جريدا"، وتجمعهما علاقة شديدة الخصوصية. والتحدى الذى تواجهه "جريدا" لا يقل صعوبة عن تحدى إينار.

أعلم بأن مطلب أن تضع نفسك مكان الشخصية يبدو صبيانياً ولكنها من الحالات النادرة التى يجب فعلا أن تضع نفسك مكان الشخصية، وهنا أقصد شخصية جريدا الزوجة. لتتخيل، ولو نظرياً، أنك استيقظت يوماً لتفاجأ بأن شريك حياتك قرر تغيير هويته الجنسية؟ إنه نفس الشخص الذى كنت تقول أنك تحبه، بنفس هيئته وأفكاره ومشاعره، ومازالت تجمع بينكما نفس التفضيلات والذكريات والأحلام والتوافق، إن كان هذا فعلا يصنع الحب!

لم يتغير سوى شكل عضو ما فى جسده، بالطبع كنت ستظل تشاركه حياتك لو كان استأصل اللوز أو احدى الكليتين أو بعض الضروس، أما أن يكون هذا العضو جنسياً فالأمر مختلف ويجعلك تفكر، وقد يدحض ما كنت تظن أنك تكنه من مشاعر حب غير مشروطة وأبدية، ويهز الرغبة العارمة بالارتباط أو يذهب بها إلى الجحيم.

هل يوجد أقوى من هذا الإختبار دليلاً على أن فرويد وداروين كانوا على حق عندما ذهبوا إلى أن الجنسانية هى الأساس لكل شىء؟! الخطير أن ذلك يؤكد رؤية تشارلى كوفمان السوداوية التى طرحناها سلفاً فى حديثنا عن Anomalisa، وهى أننا لسنا سوى حيوانات استطاعت وضع تسميات حضارية لغرائزها البدائية.

انتشر بالعام الماضى شعار "الحب ينتصر Love Wins" تزامناً مع نجاح حملات المثليين فى أمريكا بانتزاع حقهم المدنى فى الزواج، هذا الشعار نال كثيرا من السخرية والاستهزاء من قبل المصابين برهاب المثلية، والشعار، فى رأيى ومن زاوية أخرى، يعد بالفعل ملتبساً، خاصة وهو يبالغ فى الإعلاء من شأن العلاقات المثلية ويحصر الحب بداخلها، بينما الطبيعى أن ينجذب الشخص المُثلى لمثيله الجنسي، لا توجد هنا فضيلة أو بطولة، إنما البطولة والإختبار الحقيقى يكمن فى موقف "جريدا"، أى الشخصية المُغايرة hetero التى تحارب للحفاظ على حبها من شخصية متحولة جنسياً؛ لذا فإنى أؤمن بأن فيلم هوبر نجح فى القيام بأول شرح وتجسيد عملى حقيقى لشعار "الحب ينتصر"، وإن كان حتى على هيئة سؤال لا تقرير.

الفيلم الرابع والأخير هو The Lobster للمخرج اليونانى يورجوس لانتيموس، الفائز بجائزة لجنة التحكيم بالنسخة الأخيرة من مهرجان كان. هذا الفيلم يتناول العلاقات العاطفية من زاويتها الإجتماعية، وذلك فى إطار يخلط بين الفانتازيا والديستوبيا، فالأحداث تدور فى ذلك العالم الذى يضطهد العُزاب بأن يلقى بهم داخل مؤسسة أشبه بسجن لتضعهم تحت اختبار مدته 45 يوماً، إذا لم يعثر خلالها كل عازب على رفيق حياة مناسب يتطابق مع صفاته فإنه سوف يعاقب بتحويل جسده إلى جسد حيوان يختاره، وهو ما يجعل هؤلاء العزاب يبذلون كل ما بوسعهم للنجاة بالبحث عن شريك، مهما كلفهم ذلك من غش وكذب ونفاق ودسائس.

نخرج من النصف الأول من الفيلم بوجهة نظر تبدو معادية لمفهوم العلاقات من الأساس، إلى أن ننتقل إلى عالم آخر فى النصف الثانى من الفيلم، ويكون هذا العالم مناهض ومناقض تماماً للعالم الأول، ففى العالم الثانى العلاقات مُجرمة، الغزل ممنوع، المشاعر محرمة، وحتى الموسيقى ليس مسموح منها سوى النوع الإليكترونى الراقص لأنه الوحيد الذى لا يهيّج المشاعر. ولهذا العالم أيضاً عقوباته الصارمة على من يخرج عن قوانينه. وهنا ندرك أن مغزى الفيلم ليس إدانة مفهوم العلاقات أو عدمه، بل إدانة القواعد والضغوط والأحكام التى يفرضها المجتمع على أفراده، فلم يكن هذان العالمان سوى تمثيل كاريكاتورى لنظامين إجتماعيين فعليين، الأول نلمسه فى الإتجاه المحافظ التقليدى الذى يقدس التجانس والترابط ويُعلى من شأن المجتمع على حساب الفرد، أما الآخر فهو خليط بين إتجاهات التزمت الدينى والرهبنة والحركات النسوية المتطرفة التى تعادى مفاهيم كالعاطفة والعلاقات.

لم يجد بطل الفيلم "ديفيد" الحب داخل العالم الذى يفرضه، بينما وجده حين هرب إلى العالم الذى يجرمه، فى مفارقة تدلل على عداء الإنسان مع القيود الخارجية. لكن الأعمق كان التحول لتناول قيوده الداخلية، أو ما ترسب فى لا وعيه من أفكار ومعتقدات ورثها من العوالم المحيطة به ومازالت تسيّره ولم يتحرر منها بعد. فعندما يقع ديفيد فى غرام الشخصية التى جسدتها "راشيل ويز" نجده مازال مهتماً بتحديد الصفة المشتركة بينهما والتى كانت قصر النظر، وكأن ذلك له معنى! رغم أن مشاعره سبقت إدراكه لهذه المعلومة من الأساس، ولكن قواعد وأساطير المجتمع مازالت تحتل وجدانه، وأجدنى هنا تحديداً أمام إسقاط لأسطورة "توأم الروح Soul Mate"، القائمة على مبدأ التطابق فى الصفات بين طرفى العلاقة، والتى يؤمن بها الكثير من البشر وتكون أحياناً سبب فى نشأة علاقات أو انتهائها، رغم أن التطابق ليس من الضرورى أن يكون قرينة للحكم على نجاح علاقة أو فشلها، فقد وزّع علم الأحياء الحب على ثلاثة مكونات: شهوة وإنجذاب وارتباط. بينما وزعه علم النفس إلى: حميمية، وتكريس، ووله.

الستة مكونات السابقة لم يذكر "التطابق" بينهم، بل هى تنطبق كلها على ما عايشه ديفيد مع راشيل فى بداية علاقتهما قبل أن يهددها هوس التطابق، خاصة بعد أن فقدت راشيل بصرها تماماً وأصبحت عمياء، أى ضاعت الصفة المشتركة التى ظنا بأنها أساس علاقتهما، ما جعل ديفيد يقدم على إعماء نفسه هو الآخر فقط ليُرضى صنم التوافق المزعوم، لم يطلعنا لانتيموس على ما انتهى إليه مصير ديفيد، لكنه أعطانا إيحاء ذكى عن طريق تسويد الشاشة لبعض الثوانى قبل ظهور التيترات، وهو إيحاء له تفسير وأيضاً له مغزى، يكمل كلاهما الآخر. والتفسير هو أن ديفيد قد أعمى نفسه بالفعل ليصبح العالم الذى يتشاركه الثنائى مجرد ظلام فى ظلام، وقد عبرت الشاشة السوداء عن هذا المعنى. أما المغزى فهو أن العالم الذى ينتظرنا نحن البشر حين نتبع قوانين وقواعد تتنافى مع رغباتنا ومشاعرنا هو عالم عبثى، عدمى، سوداوى، كئيب .. تنتصر فيه القيود والنظريات الجوفاء على الإنسان وسعادته التى هى الغاية الحقيقية لحياته.

Pulp Fiction .. سينما ما بعد الحداثة

نُشر هذا المقال ورقياً للمرة الأولى بعدد ديسمبر 2015 من مجلة أبيض وأسود

عادة ما يقدم النقاد، غير الكاتبين بالإنجليزية، ترجمة لعناوين الأفلام الأجنبية فى سياق مراجعاتهم، وفى حالة Pulp Fiction لصانع الأفلام الأميريكى الفذّ "كوينتن تارانتينو"، فقد استقر الرأى على أن الترجمة العربية المناسبة لعنوانه هى "قصة شعبية رخيصة". لكن الإقرار بترجمة كتلك، فى رأيى، سيكون الخطيئة الأولى لبدء مراجعة فيلم استثنائى كهذا. أما الخطيئة الثانية فهى، لنقل، أن تغادر منزلك اليوم! تبدو لك الخطيئة الثانية محض هراء بالتأكيد. لكن على الأقل فكاتب النص –مهما كان تخريفه - لم يلزمك بخيار واحد.

حسناً، فهذه هى الطريقة التى صنع بها تارانتينو فيلمه، فمن اللقطة الأولى هو يقدم لك خيارين لمعنى كلمة Pulp، وكأنه يخلى مسئوليته من تفضيلك لأحدهما على الآخر، أو بالأحرى هو يتنصل من أى معنى ستخرج به من مشاهدتك لهذا الفيلم، فوجود خيارات يعنى أن الحقيقة نسبية أو غير موجودة. لذا فلن أذهب كما جرت العادة لترجمة عنوان الفيلم بـ "قصة شعبية رخيصة"، وإن بقى هذا كخيار قائم سنستخدمه فيما هو قادم للتنقيب داخل وعى ولا وعى صانع الفيلم.

وما سبق لا يفسر الفيلم وحسب، بل هو أيضاً تقديمة لفلسفة أو حالة مثيرة للجدل ونزعة فنية عُرِّفَت فى سبعينيات القرن الماضى بحالة ما بعد الحداثة. وتأتى أهمية هذا الفيلم ليس فقط فى كونه أهم وأشهر أعمال صانعه والمُعَرّف الأبرز لأسلوبه وعوالمه، بل لأنه أيضاً من أوضح وأكثر النماذج نضجاً فى التدليل على توغل النزعة (الحالة) ما بعد الحداثية فى الثقافة الجماهيرية والفنون والسينما. فصفة ما بعد الحداثة اقترنت بهذا الفيلم على المستويين النقدى والإعلامى بصورة أكبر من أى فيلم آخر.

لن اتوقف عند من يعتبرون ما بعد الحداثة مجرد مصطلح طنان بلا معنى يستخدم بغرض الحذلقة، كما هو شائع، وسيكون التعامل معها فى هذا المقال كأمر واقع بالفعل نلمسه فى كافة المناحى الثقافية والفنية والفلسفية، لذا سيكون التركيز مع من تمكنوا من تقديم تعريفات وشرح لتلك الحالة بالفعل وتعاملوا معها من منطلق جاد. ويمكن تلخيص ما وصل إليه هؤلاء كما جاء فى كتاب د. بدر الدين مصطفى "حالة ما بعد الحداثة .. الفلسفة والفن"، فى أنها ردة الفعل على المشكلات التى سببتها الحداثة فى أعقاب صدمة الحرب العالمية الثانية، وشيوع الاستغلال والاستعمار، وتهميش الإنسان ودهسه أسفل عجلات السلطة العقلانية وتوجهات التقدم والتنوير وما يسمى بالسرديات الكبرى كالأيديولوجية والدين أو حتى العلم والتكنولوجيا، فأتت ما بعد الحداثة كاتجاه مضاد ينادى بسقوط الأيديولوجيات والسرديات الكبرى ونهاية الميتافيزيقا والخروج عن كل قياس معيارى، وترسيخ مبدأ الانتماء الفردى ونسبية الحقيقة.

أما عن تطبيقات تلك الفلسفة فى السينما فهى تنقسم لنوعين من التطبيق: النوع الأول عن طريق تقديم حكايات تعبر أو ترصد دور القيم والأفكار ما بعد الحداثية فى المجتمع الغربى الحالى أو المستقبلى ووضع الإنسان به، وأمثلة على هذا النوع أفلام مثل Lost in Translation أو Her. أما النوع الثانى فهو عن طريق التعبير عن نفس الحالة ولكن من خلال أدوات السينما نفسها، أى من خلال رؤية المبدع للعالم بطريقة مفككة ومتشظية، ثائرة على الأنماط السردية الكلاسيكية والحداثية، مشوشة، تستعير وتمزج بين وسائط مختلفة، وأعمال فنية أخرى، وحالات متناقضة، متجاهلة اعتبارات الزمن والتاريخ والحقيقة والواقع والأخلاق.

وهذا النوع الثانى من التطبيق هو ما ينتمى إليه فيلم Pulp Fiction، وسأتناول بالتفصيل مظاهر وسمات هذا الانتماء، ولكن قبل البدء يجب التنويه بأن هذا الربط لا يعنى بالضرورة إدراك المبدع له أثناء صنع الفيلم، فما بعد الحداثة ليست بوصايا توراتية يعتنقها المبدع كى يطبقها فى أعماله، بل هى نزعة موجودة بداخله من الأساس وأتت هى لتفسيرها وتعريفها فقط.
أول وأشهر السمات التى تجعل من هذا الفيلم ما بعد حداثى هى سمة التشظى، والتشظى هو التفتت، وفى الدراما هو تفتيت وحدة السرد الخاضعة لمنطق زمنى إلى وحدات صغيرة متناثرة لا تتبع تسلسلاً زمنياً واضحاً، وكأن المبدع قد وصل لدرجة من الانفعال والتوحد مع نصه أن قام بتمزيق هذا النص إرباً وفق حدسه وألقى به فى وجه المتفرج ليتلقاه وفق هذا الحدس وليس وفق قواعد قصصية مفروضة على المبدع. وتتضح تلك السمة فى الأسلوب اللا-خطى الذى اتبعه تارانتينو فى سرد أربعة حكايات متصلة أو متقاطعة بترتيب زمنى ليس له علاقة بالترتيب الزمنى الفعلى لوقوع الأحداث.

يمكننا إضافة قرينة أخرى على هذا التشظى تكمن فى عنوان الفيلم نفسه، فأحد معانى الفعل pulp هو إعادة تدوير الورق المطبوع عن طريق تفتيته وتحويله للمادة الخام التى يصنع منها ورق جديد. هذا المعنى الثالث للكلمة موجود فى جميع قواميس الانجليزية، وإن لم يدرجه تارانتينو بين اختياراته فى لقطة بداية الفيلم، فهو يظل معبرا عن طبيعة هذا النص الذى قام مبدعه بتفتيته سردياً وتقديمه فى صورة نص جديد. 

ننتقل إلى السمة الثانية، وهى إعتبار الفواصل considering transitions. فقد جرى عرف أساليب السرد الكلاسيكى والحداثى على صب جم الاهتمام بالحدث نفسه وتهميش ممهداته ونهاياته أو بالأحرى التفاصيل التافهة التى تسبق وتتبع الأحداث الكبرى. فجائت النزعة ما بعد الحداثية لتعيد الاعتبار لتلك التفاصيل. أول من أشار لذلك المعنى كان الفيلسوف الفرنسى "هنرى بيرجسون" فى كتابه "التطور الإبداعى" وسار على هذا الدرب أيضاً الفنان الأميريكى "أندى وارول" الذى قال "إن الأجزاء المقطوعة من معظم الأفلام تكون شيقة أكثر مما يوضع بالأفلام نفسها". وقد تطور معه الأمر إلى صناعة أفلام تجريبية تطبيقاً لذلك المعنى، تحتوى كل ما تحتويه أحياناً على رؤية شخص نائم لمدة 5 ساعات كما فى فيلمه بعنوان Sleep عام 1963.

تارانتينو هو أحد أبرز المخلصين لتلك السمة (بصورة أقل تطرفاً من وارول بالطبع). لذا فنجد أن جزء كبير من زمن الفيلم هو مجرد تفاصيل عبثية وحوارات ثرثارة بلا هدف درامى، تدور حول أسماء شطائر الهامبرجر فى دول أوروبا، أو عن إذا ما كانت البطن البارزة تجعل الأنثى أكثر إثارة، أو لعقد مقارنة عبثية بين لحم الخنزير ولحم الكلاب، أو مناقشة حول جدوى زرع حلق فى مهبل أو لسان أنثى. لكن التجلى الأكبر لسمة اعتبار الفواصل نجده فى أحد مشاهد ثنائى العصابة جولز (صامويل إل جاكسون) وفينسينت (جون ترافولتا) حين يصلوا إلى محل إقامة "بريت" لاحضار الحقيبة الغامضة التى كلفهم "مارسيلوس" بإحضارها، ولكنهما يتراجعا عن اقتحام الشقة قليلاً بحجة أن الميعاد لم يأت بعد، ويؤثران استطراد مناقشتهما التافهة حول تدليك أرجل النساء. هذه التفصيلة هى أكثر ما يوضح ثورة تارانتينو على كلاسيكية وحداثة أساليب السرد التى اتفقت على وضع المتفرج داخل الحدث وفق وحدة موضوعية خادعة توحى بأن الكون يدور حول حبكة قصة أو صراع فيلم، بينما هو فى حقيقته مجرد أحداث عشوائية فى الزمن.

أما السمة الثالثة فهى ذوبان الفروق فى تصنيف الفن بين رفيع وهابط. وأول ما يجب الإشارة له هنا هو أن تارانتينو لا يخجل من إعلان تأثره بأفلام من درجة B الهابطة، أو أفلام الأكشن الآسيوية الرخيصة، ولا ينكر أن تلك النوعيات من الأفلام ساهمت بشكل كبير فى تشكل وعيه السينمائى. وهناك حادثة له اتوقف دائماً عندها، فحين كان يعمل تارانتينو كبائع  فى أحد متاجر شرائط الفيديو وطلب منه أحد الزبائن شريط لفيلم Au Revoir Les Enfants، وهو أحد الأفلام الشاعرية الراقية التى صنعها الفرنسى "لوى مال". فإذ بتارانتينو يقوم تلقائياً بالمزاح مع ذلك الزبون مُحرفاً إسم الفيلم إلى شىء بلا معنى على نفس الوزن ليخرج بكلمة Reservoir Dogs. بعدها بسنوات يصبح تارانتينو صانع أفلام فيقرر استخدام ذلك التحريف الساخر ليكون عنوان فيلمه الأول، فى إشارة أولى على إستخفافه بفكرة الفن الرفيع.

وحتى فى فيلمه التالى Pulp Fiction إذا توقفنا أمام عنوانه بالترجمة الثانية التى قدمها (قصة شعبية رخيصة)، نستخلص بسهولة أنه لا يأخذ مفهوم الفن الرفيع على محمل الجد. أما الحادثة الثالثة التى تفيد ذلك المعنى فكانت لحظة استلامه لجائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان عن الفيلم وإذ بإحدى الحاضرات تبدى اعتراضها صائحة على قرار لجنة التحكيم "هذا الفيلم هراء"، فما كان من تارانتينو إللا أن أشار لها بإصبعه الأوسط (مستهزئاً) من على منصة التتويج. هذه الحادثة تؤكد أن الرجل لا يتعامل مع نفسه كفنان رفيع بل يعتز بكونه الصعلوك الذى أجبر وكلاء الفن الرفيع بالوقوف له انحناءً وتسليمه أرقى جائزة سينمائية.

السمة الرابعة هى الشكل على حساب المضمون. عندما أراد تارانتينو تقديم نصيحة لكتّاب السيناريو الصاعدين قال: "أنا أهتم بالصفحة .. شاغلى الشاغل أثناء كتابة فيلم هو الصفحة، لا أنظر للفيلم نفسه فى صورته النهائية، ولكن ما يعنينى هو أن تخرج كل صفحة بقدر من الإمتاع والإثارة لمن يقرأها، كما لو أن السيناريو سيباع مثلما تباع الرويات". هذا النهج يصب فى خانة الشكلانية؛ لأنك حين تهتم بالصفحة فهذا يعنى أنك تتناسى ما قبلها وما بعدها، تتناسى البدايات والنهايات ونقاط الحبكة وخيوطها ومدلولاتها، ويترتب على تجاهل ما سبق تجاهل التخطيط أو النزعة الذهنية التى قد تفرض قضية أو مضمون ما. وما قاله تارانتينو يتفق مع الحالة التى خرج بها فيلمه Pulp Fiction بالفعل، وللإمعان فى مبدأ الصفحة كبنية فيلمية فقد قسّم فيلمه إلى فصول ذات عناوين تشبه محتويات الرواية.

يمكننا الكشف عن نزعة الشكل على حساب المضمون بطريقة أخرى وهى "اختبار المعالجة أو اللا معالجة". فالأفلام التى تهتم بالمضمون هى أسهل الأفلام التى يمكن صنع معالجة لها، والعكس صحيح. فالمعالجة ليست هى فقط شرح واختصار قصة فيلم بل هى أيضاً شرح واختصار رؤية تناول تلك القصة فى ورقة أو أكثر. وفى حالة فيلم مثل Pulp Fiction فسيكون من العبث تقديم معالجة معبرة عنه تدمج بين القصة ورؤية تقديمها.

ولتبسيط الأمر أكثر أستعين بمثال ضربه المخرج والمؤلف "ريتشارد كيرتس" فى أحد محاضراته التى ألقاها بمعهد الفيلم البريطانى حيث يقول "أنا أكره المعالجات، وعندما تذكر تلك الكلمة أتخيل شخصاً يقول لى "حسنا إنها صورة لسيدة تبتسم ولا نعرف إلى أين تنظر تحديداً وترتدى ملابس ريفية ونرى من خلفها الريف الفرنسى،" إن ما سبق هو معالجة للوحة الموناليزا"، يضحك الحضور على مثال كيرتيس، فيضيف الأخير "أرأيتم؟ إنه شىء سخيف".

نستخلص مما سبق أن الفن ذا النزعة الشكلانية يمكن تذوقه فقط عن طريق رؤيته، فيجب أن ترى Pulp Fiction لتدرك ماهيته فعلا، أما أن يخبرك أحدهم بأنه فيلم عن أفراد عصابة وملاكم وسيدة بصدد خيانة زوجها يتقاطعون فى ساعتين ونصف من الأحداث مع إضافة بعض تفاصيل عن الأسلوب، فهذا شىء سخيف كما قال كيرتس، وهو ما يؤكد أن شكلانية الفيلم طغت على مضمونه، وهى سمة ما بعد حداثية. وجب أيضاً التنويه بأن هذا لا يعنى أن الموناليزا لوحة ما بعد حداثية هى الأخرى، فلكل وسيط فنى سماته، كما أن سمة واحدة أو اثنتين غير كفيلتين بحسب عمل فنى على اتجاه بعينه. فمثلا مسرحيات شكسبير احتوت على بعض عناصر المدرسة الرومانسية قبل أن تتشكل تلك المدرسة أساساً بعد موت شكسبير بقرنين!
 
نصل للسمة الخامسة، والتى كانت غياب السلطة، فكما ذكرنا فى مقدمة هذا المقال عن العلاقة العدائية بين ما بعد الحداثة والسلطة، وتتوزع هذه السمة فى الفيلم على مستويين: المستوى الأول داخل الفيلم ويخص الغياب المحلوظ لمفهوم الشرطة، والذى يتجلى بارزاً فى مشاهد المطاردة بين بوتش (بروس ويليز) ومارسيلوس، وخاصة تلك اللقطة التى تتبع صدم الأول للثانى بسيارته، حيث نرى مارسيلوس يعود للوعى فلا يجد حوله سوى مجموعة من النساء، لا رجل واحد، ولا شرطى واحد، يمكن تناول الإسقاط الذكورى من تلك اللقطة فى مقال آخر، لكن ما يهمنا الآن هو الإسقاط الأمنى بغياب الشرطة.

غابت الشرطة أيضاً عن مسرح جريمة السطو المسلح على المطعم والذى تم فى وضح النهار وبمدة كافية لاستشعار خطب ما والتدخل لإنهائه. الطريف هو أن الظهور الوحيد لزى شرطى فى الفيلم كان لشخصية "زيد" ذلك الرجل الذى يتعاون مع بائع غريب الأطوار للإيقاع بالرجال ومن ثم اغتصابهم فى قبو متجره المريب، والفعلة، فى رأيى، مخجلة أكثر من كونها إجرامية، فلو أن شخصية ذلك الشرطى هدفها إشعارك بشىء فلن يكون سوى الشفقة. وهذا يكفى للتعبير عن دور السلطة بهذا الفيلم.

أما المستوى الثانى فهو خاص بغياب سلطة المبدع التى تقترن بمفاهيم ما بعد حداثية مثل استجابة القارىء أو موت المؤلف - أى انقطاع صلة المبدع بالعمل الفنى فور صدوره ليصبح ملكاً للجمهور وحده، يفسره كل فرد وفق هواه. 

يقول تارانتينو فى أحد حواراته: "لو شاهد هذا الفيلم مليون متفرج فأريدهم أن يشاهدوا مليون فيلماً" وقال أيضأ فى خطاب استلامه جائزة السعفية الذهبية: "أنا لا أصنع الأفلام التى تجمع البشر، بل تلك التى تفرقهم". وهذا الفيلم هو فعلا أحد الأفلام التى ينقسم الناس بعد مشاهدتها لتبنى تفاسير مختلفة لها، فهناك من سيخرج بأنه قصة عن التوبة والصلاح، وهناك من سيخرج بأنه فيلم عن تسلسل الفعل والعواقب، وهناك من سيخرج بأنه فيلم يرصد بشاعة وهبوط ما وصلت إليه المجتمعات الرأسمالية ...الخ، لكن لا شك فى أن كثيرين سوف يخرجون فقط بأنه كان فيلماً مسلياً ومثيراً، لعل هذا هو أقرب شىء للصواب وسيأخذنا للسمة التالية حول ما بعد حداثية الفيلم.
السمة السادسة هى مفهوم "نشوة الإتصال" Extase de la communication، الذى أطلقه الفيلسوف الفرنسى "جان بودريار" أحد أشهر منظرى ما بعد الحداثة، وهو "فعل المشاهدة التى ينتفى منها أى غرض غير المشاهدة، الصورة الخاوية من المعنى أو على حد وصف بودريار "انتصار لرغبة الإنتاج على رغبة تقديم المعنى"". (المقولة مستخلصة من كتاب "ما بعد الحداثة .. الفلسفة والفن – د. بدر الدين مصطفى").

ويمكننا إجمال الثلاث سمات السابقة (الرابعة، الخامسة، والسادسة) بالمقطع التالى من نفس الكتاب على لسان الفيلسوف الفرنسى "جيل دولوز"، فقط سنقوم بتبديل مفهومه عن المونولوج الداخلى الذى يتفق مع مفهومنا عن سلطة المؤلف حيث يقول: "لقد أخلى المونولوج الداخلى المكان للصورة، وأصبحت الصورة لها مطلق السيادة والاستقلالية، بحيث تكتسب الصورة قيمتها فى ذاتها من خلال ما يسبقها وما يلحقها. لم يعد ثمة تناغمات كاملة ومستقرة، ولكن فقط تناغمات غير تطابقة أو انقطاعات لا معقولة، أصبحت الصورة متحررة من القيود السردية التقليدية. كما أصبحت الصورة مكتفية بذاتها لا تحيل إلى شىء خارجها واختفى منها كل مجاز أو رمز" انتهى.

نصل الآن للسمة السابعة وهى كسر الإيهام، أو تذكير المتفرج دائماً بأنه يشاهد فيلما، وتظهر بداية من كلمة Fiction (قصة) فى عنوان الفيلم، وأيضاً من خلال التنويه الدائم بأسماء فصول الفيلم المختلفة من خلال تيترات مكتوبة ما يخرجنا من حالة الاندماج الكلى مع ما نراه. وأخيراً تظهر نفس السمة فى مشهد ميا (إيما ثيرمان) مع فينسنت داخل السيارة وهما فى طريقهما للسهر فى ذلك المطعم الغريب، فقبل أن تغادر ميا السيارة أشارت لفينسينت بإصبعها علامة مستطيل فرأينا هذا المستطيل يرسم فعلياً على الشاشة بتقنية جرافيكالية، وهو ما أكد انطباع أننا أمام فيلم وليس واقع.

أما السمة الثامنة فهى تعدد الأمزجة أو تهجينها Hybridity. فبرغم الكمية الباهظة من الدموية والقسوة التى تعترى أحداث الفيلم فإننا نعجز عن وصف مزاج المشاهدة بأنه حزين أو غير مريح، فجرائم القتل ترتكب بعد تلاوة الصلاوات أو التذوق النهم للهامبرجر أو تبادل القبل مع الحبيبة أو انتهاء عمل جهاز تسخين الخبز. طلقة مدفع "فينسينت" تنطلق فى رأس "مارفين" دون حتى أن يقصد والأمر يمر بأريحية شديدة، وأستعين هنا بما قاله الناقد المصرى أحمد يوسف فى مقال هجومى على الفيلم من منظور محافظ حيث يقول: "لقد تحول الدم إلى مجرد بقعة حمراء".
نصل للسمة التاسعة وهى المعارضة الفنية Pastiche، وتعنى بإختصار المزج بين أنواع فنية عديدة والاستعارة أو الاقتباس من أعمال فنية أخرى. ونلمس تلك السمة فى Pulp Fiction من خلال التنوع الملحوظ فى جونرات الفيلم، فهو أحياناً فيلم جريمة وفى أحيان أخرى فيلم استعراضى أو ملاكمة أو حروب، فقد استوعب نص الفيلم كل تلك الحالات ودمجها بسلاسة.

أما عن الاستعارة فنلمسها أكثر شىء فى مشهد اجتماع ميا وفينسينت داخل المطعم من خلال ملصقات الأفلام الكلاسيكية، والنادلة التى تتقمص مارلين مونرو وخاصة تلك اللقطة التى يدفع فيها الهواء بتنورتها للأعلى كما حدث فى المشهد الشهير من فيلم The Seven Years Itch. نضيف إلى هذا تسريحة شعر "إيما ثيرمان" والتى تتشابه مع الممثلة الفرنسية "أنا كارينا" فى أفلامها مع جان لوك جودار وبخاصة فيلم Band Apart، وهو نفس الاسم الذى اختاره تارانتينو لشركته الإنتاجية ويظهر فى التيترات مع بداية الفيلم. فالمعروف عن تارانتينو ولعه الشديد بجودار. تذكرنا أيضاً الرقصة التى رقصاها البطلان برقصة شهيرة كان قد أداها ترافولتا نفسه فى فيلم Saturday Night Fever. كما يتشابه مشهد مرور "مارسيلوس" أمام سيارة "بوتش" بمشهد شهير بفيلم Psycho لهيتشكوك.

السمة العاشرة والأخيرة، وربما الأهم، هى سمة اللا معنى، اللا قواعد، اللا خير، واللا شر. لنأخذ مثال شخصية "فينسينت" فهو فى أحد فصول الفيلم يكون صديق البطل أو sidekick. وفى فصل آخر يكون الشرير antagonist. وفى فصل آخر يكون الحبيب love interest. الأمر لا يقتصر على تغير وضعه القصصى بل تغير حيثيته، من شديد الأهمية ينقذ حياة سيدته فى اللحظة الأخيرة، إلى كائن شديد الهامشية يُقتل بصورة عبثية فور خروجه من المرحاض. لقد جعلنا تارانتينو نواقع الأحداث من كل زواياها لنتلبس نفسية كل ضلع من الأضلاع المتصارعة. نتوقف أيضاً أمام جملة حوارية لبوتش عندما تسأله الفتاة عن معنى اسمه فيجيبها: "أنا أمريكى يا عزيزتى، أسمائنا بلا معنى"، نضيف إلى ذلك مجموعة مشاهد يتلو فيها جولز فقرات من الإنجيل غير ذات سياق مع الموقف وبصورة أقرب للتهكم والاستخفاف بالدين عن طريق تقمص دور الإله فى فعل الشر. كل ما سبق يؤكد على فكرة رفض السرديات الكبرى، وأن العالم مكان أكثر عشوائية مما نظن وأن الحقيقة نسبية أو غير موجودة .. وكل تلك قيم ما بعد حداثية.

Pulp Fiction .. سينما ما بعد الحداثة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:32 م 0 تعليقات

نُشر هذا المقال ورقياً للمرة الأولى بعدد ديسمبر 2015 من مجلة أبيض وأسود

عادة ما يقدم النقاد، غير الكاتبين بالإنجليزية، ترجمة لعناوين الأفلام الأجنبية فى سياق مراجعاتهم، وفى حالة Pulp Fiction لصانع الأفلام الأميريكى الفذّ "كوينتن تارانتينو"، فقد استقر الرأى على أن الترجمة العربية المناسبة لعنوانه هى "قصة شعبية رخيصة". لكن الإقرار بترجمة كتلك، فى رأيى، سيكون الخطيئة الأولى لبدء مراجعة فيلم استثنائى كهذا. أما الخطيئة الثانية فهى، لنقل، أن تغادر منزلك اليوم! تبدو لك الخطيئة الثانية محض هراء بالتأكيد. لكن على الأقل فكاتب النص –مهما كان تخريفه - لم يلزمك بخيار واحد.

حسناً، فهذه هى الطريقة التى صنع بها تارانتينو فيلمه، فمن اللقطة الأولى هو يقدم لك خيارين لمعنى كلمة Pulp، وكأنه يخلى مسئوليته من تفضيلك لأحدهما على الآخر، أو بالأحرى هو يتنصل من أى معنى ستخرج به من مشاهدتك لهذا الفيلم، فوجود خيارات يعنى أن الحقيقة نسبية أو غير موجودة. لذا فلن أذهب كما جرت العادة لترجمة عنوان الفيلم بـ "قصة شعبية رخيصة"، وإن بقى هذا كخيار قائم سنستخدمه فيما هو قادم للتنقيب داخل وعى ولا وعى صانع الفيلم.

وما سبق لا يفسر الفيلم وحسب، بل هو أيضاً تقديمة لفلسفة أو حالة مثيرة للجدل ونزعة فنية عُرِّفَت فى سبعينيات القرن الماضى بحالة ما بعد الحداثة. وتأتى أهمية هذا الفيلم ليس فقط فى كونه أهم وأشهر أعمال صانعه والمُعَرّف الأبرز لأسلوبه وعوالمه، بل لأنه أيضاً من أوضح وأكثر النماذج نضجاً فى التدليل على توغل النزعة (الحالة) ما بعد الحداثية فى الثقافة الجماهيرية والفنون والسينما. فصفة ما بعد الحداثة اقترنت بهذا الفيلم على المستويين النقدى والإعلامى بصورة أكبر من أى فيلم آخر.

لن اتوقف عند من يعتبرون ما بعد الحداثة مجرد مصطلح طنان بلا معنى يستخدم بغرض الحذلقة، كما هو شائع، وسيكون التعامل معها فى هذا المقال كأمر واقع بالفعل نلمسه فى كافة المناحى الثقافية والفنية والفلسفية، لذا سيكون التركيز مع من تمكنوا من تقديم تعريفات وشرح لتلك الحالة بالفعل وتعاملوا معها من منطلق جاد. ويمكن تلخيص ما وصل إليه هؤلاء كما جاء فى كتاب د. بدر الدين مصطفى "حالة ما بعد الحداثة .. الفلسفة والفن"، فى أنها ردة الفعل على المشكلات التى سببتها الحداثة فى أعقاب صدمة الحرب العالمية الثانية، وشيوع الاستغلال والاستعمار، وتهميش الإنسان ودهسه أسفل عجلات السلطة العقلانية وتوجهات التقدم والتنوير وما يسمى بالسرديات الكبرى كالأيديولوجية والدين أو حتى العلم والتكنولوجيا، فأتت ما بعد الحداثة كاتجاه مضاد ينادى بسقوط الأيديولوجيات والسرديات الكبرى ونهاية الميتافيزيقا والخروج عن كل قياس معيارى، وترسيخ مبدأ الانتماء الفردى ونسبية الحقيقة.

أما عن تطبيقات تلك الفلسفة فى السينما فهى تنقسم لنوعين من التطبيق: النوع الأول عن طريق تقديم حكايات تعبر أو ترصد دور القيم والأفكار ما بعد الحداثية فى المجتمع الغربى الحالى أو المستقبلى ووضع الإنسان به، وأمثلة على هذا النوع أفلام مثل Lost in Translation أو Her. أما النوع الثانى فهو عن طريق التعبير عن نفس الحالة ولكن من خلال أدوات السينما نفسها، أى من خلال رؤية المبدع للعالم بطريقة مفككة ومتشظية، ثائرة على الأنماط السردية الكلاسيكية والحداثية، مشوشة، تستعير وتمزج بين وسائط مختلفة، وأعمال فنية أخرى، وحالات متناقضة، متجاهلة اعتبارات الزمن والتاريخ والحقيقة والواقع والأخلاق.

وهذا النوع الثانى من التطبيق هو ما ينتمى إليه فيلم Pulp Fiction، وسأتناول بالتفصيل مظاهر وسمات هذا الانتماء، ولكن قبل البدء يجب التنويه بأن هذا الربط لا يعنى بالضرورة إدراك المبدع له أثناء صنع الفيلم، فما بعد الحداثة ليست بوصايا توراتية يعتنقها المبدع كى يطبقها فى أعماله، بل هى نزعة موجودة بداخله من الأساس وأتت هى لتفسيرها وتعريفها فقط.
أول وأشهر السمات التى تجعل من هذا الفيلم ما بعد حداثى هى سمة التشظى، والتشظى هو التفتت، وفى الدراما هو تفتيت وحدة السرد الخاضعة لمنطق زمنى إلى وحدات صغيرة متناثرة لا تتبع تسلسلاً زمنياً واضحاً، وكأن المبدع قد وصل لدرجة من الانفعال والتوحد مع نصه أن قام بتمزيق هذا النص إرباً وفق حدسه وألقى به فى وجه المتفرج ليتلقاه وفق هذا الحدس وليس وفق قواعد قصصية مفروضة على المبدع. وتتضح تلك السمة فى الأسلوب اللا-خطى الذى اتبعه تارانتينو فى سرد أربعة حكايات متصلة أو متقاطعة بترتيب زمنى ليس له علاقة بالترتيب الزمنى الفعلى لوقوع الأحداث.

يمكننا إضافة قرينة أخرى على هذا التشظى تكمن فى عنوان الفيلم نفسه، فأحد معانى الفعل pulp هو إعادة تدوير الورق المطبوع عن طريق تفتيته وتحويله للمادة الخام التى يصنع منها ورق جديد. هذا المعنى الثالث للكلمة موجود فى جميع قواميس الانجليزية، وإن لم يدرجه تارانتينو بين اختياراته فى لقطة بداية الفيلم، فهو يظل معبرا عن طبيعة هذا النص الذى قام مبدعه بتفتيته سردياً وتقديمه فى صورة نص جديد. 

ننتقل إلى السمة الثانية، وهى إعتبار الفواصل considering transitions. فقد جرى عرف أساليب السرد الكلاسيكى والحداثى على صب جم الاهتمام بالحدث نفسه وتهميش ممهداته ونهاياته أو بالأحرى التفاصيل التافهة التى تسبق وتتبع الأحداث الكبرى. فجائت النزعة ما بعد الحداثية لتعيد الاعتبار لتلك التفاصيل. أول من أشار لذلك المعنى كان الفيلسوف الفرنسى "هنرى بيرجسون" فى كتابه "التطور الإبداعى" وسار على هذا الدرب أيضاً الفنان الأميريكى "أندى وارول" الذى قال "إن الأجزاء المقطوعة من معظم الأفلام تكون شيقة أكثر مما يوضع بالأفلام نفسها". وقد تطور معه الأمر إلى صناعة أفلام تجريبية تطبيقاً لذلك المعنى، تحتوى كل ما تحتويه أحياناً على رؤية شخص نائم لمدة 5 ساعات كما فى فيلمه بعنوان Sleep عام 1963.

تارانتينو هو أحد أبرز المخلصين لتلك السمة (بصورة أقل تطرفاً من وارول بالطبع). لذا فنجد أن جزء كبير من زمن الفيلم هو مجرد تفاصيل عبثية وحوارات ثرثارة بلا هدف درامى، تدور حول أسماء شطائر الهامبرجر فى دول أوروبا، أو عن إذا ما كانت البطن البارزة تجعل الأنثى أكثر إثارة، أو لعقد مقارنة عبثية بين لحم الخنزير ولحم الكلاب، أو مناقشة حول جدوى زرع حلق فى مهبل أو لسان أنثى. لكن التجلى الأكبر لسمة اعتبار الفواصل نجده فى أحد مشاهد ثنائى العصابة جولز (صامويل إل جاكسون) وفينسينت (جون ترافولتا) حين يصلوا إلى محل إقامة "بريت" لاحضار الحقيبة الغامضة التى كلفهم "مارسيلوس" بإحضارها، ولكنهما يتراجعا عن اقتحام الشقة قليلاً بحجة أن الميعاد لم يأت بعد، ويؤثران استطراد مناقشتهما التافهة حول تدليك أرجل النساء. هذه التفصيلة هى أكثر ما يوضح ثورة تارانتينو على كلاسيكية وحداثة أساليب السرد التى اتفقت على وضع المتفرج داخل الحدث وفق وحدة موضوعية خادعة توحى بأن الكون يدور حول حبكة قصة أو صراع فيلم، بينما هو فى حقيقته مجرد أحداث عشوائية فى الزمن.

أما السمة الثالثة فهى ذوبان الفروق فى تصنيف الفن بين رفيع وهابط. وأول ما يجب الإشارة له هنا هو أن تارانتينو لا يخجل من إعلان تأثره بأفلام من درجة B الهابطة، أو أفلام الأكشن الآسيوية الرخيصة، ولا ينكر أن تلك النوعيات من الأفلام ساهمت بشكل كبير فى تشكل وعيه السينمائى. وهناك حادثة له اتوقف دائماً عندها، فحين كان يعمل تارانتينو كبائع  فى أحد متاجر شرائط الفيديو وطلب منه أحد الزبائن شريط لفيلم Au Revoir Les Enfants، وهو أحد الأفلام الشاعرية الراقية التى صنعها الفرنسى "لوى مال". فإذ بتارانتينو يقوم تلقائياً بالمزاح مع ذلك الزبون مُحرفاً إسم الفيلم إلى شىء بلا معنى على نفس الوزن ليخرج بكلمة Reservoir Dogs. بعدها بسنوات يصبح تارانتينو صانع أفلام فيقرر استخدام ذلك التحريف الساخر ليكون عنوان فيلمه الأول، فى إشارة أولى على إستخفافه بفكرة الفن الرفيع.

وحتى فى فيلمه التالى Pulp Fiction إذا توقفنا أمام عنوانه بالترجمة الثانية التى قدمها (قصة شعبية رخيصة)، نستخلص بسهولة أنه لا يأخذ مفهوم الفن الرفيع على محمل الجد. أما الحادثة الثالثة التى تفيد ذلك المعنى فكانت لحظة استلامه لجائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان عن الفيلم وإذ بإحدى الحاضرات تبدى اعتراضها صائحة على قرار لجنة التحكيم "هذا الفيلم هراء"، فما كان من تارانتينو إللا أن أشار لها بإصبعه الأوسط (مستهزئاً) من على منصة التتويج. هذه الحادثة تؤكد أن الرجل لا يتعامل مع نفسه كفنان رفيع بل يعتز بكونه الصعلوك الذى أجبر وكلاء الفن الرفيع بالوقوف له انحناءً وتسليمه أرقى جائزة سينمائية.

السمة الرابعة هى الشكل على حساب المضمون. عندما أراد تارانتينو تقديم نصيحة لكتّاب السيناريو الصاعدين قال: "أنا أهتم بالصفحة .. شاغلى الشاغل أثناء كتابة فيلم هو الصفحة، لا أنظر للفيلم نفسه فى صورته النهائية، ولكن ما يعنينى هو أن تخرج كل صفحة بقدر من الإمتاع والإثارة لمن يقرأها، كما لو أن السيناريو سيباع مثلما تباع الرويات". هذا النهج يصب فى خانة الشكلانية؛ لأنك حين تهتم بالصفحة فهذا يعنى أنك تتناسى ما قبلها وما بعدها، تتناسى البدايات والنهايات ونقاط الحبكة وخيوطها ومدلولاتها، ويترتب على تجاهل ما سبق تجاهل التخطيط أو النزعة الذهنية التى قد تفرض قضية أو مضمون ما. وما قاله تارانتينو يتفق مع الحالة التى خرج بها فيلمه Pulp Fiction بالفعل، وللإمعان فى مبدأ الصفحة كبنية فيلمية فقد قسّم فيلمه إلى فصول ذات عناوين تشبه محتويات الرواية.

يمكننا الكشف عن نزعة الشكل على حساب المضمون بطريقة أخرى وهى "اختبار المعالجة أو اللا معالجة". فالأفلام التى تهتم بالمضمون هى أسهل الأفلام التى يمكن صنع معالجة لها، والعكس صحيح. فالمعالجة ليست هى فقط شرح واختصار قصة فيلم بل هى أيضاً شرح واختصار رؤية تناول تلك القصة فى ورقة أو أكثر. وفى حالة فيلم مثل Pulp Fiction فسيكون من العبث تقديم معالجة معبرة عنه تدمج بين القصة ورؤية تقديمها.

ولتبسيط الأمر أكثر أستعين بمثال ضربه المخرج والمؤلف "ريتشارد كيرتس" فى أحد محاضراته التى ألقاها بمعهد الفيلم البريطانى حيث يقول "أنا أكره المعالجات، وعندما تذكر تلك الكلمة أتخيل شخصاً يقول لى "حسنا إنها صورة لسيدة تبتسم ولا نعرف إلى أين تنظر تحديداً وترتدى ملابس ريفية ونرى من خلفها الريف الفرنسى،" إن ما سبق هو معالجة للوحة الموناليزا"، يضحك الحضور على مثال كيرتيس، فيضيف الأخير "أرأيتم؟ إنه شىء سخيف".

نستخلص مما سبق أن الفن ذا النزعة الشكلانية يمكن تذوقه فقط عن طريق رؤيته، فيجب أن ترى Pulp Fiction لتدرك ماهيته فعلا، أما أن يخبرك أحدهم بأنه فيلم عن أفراد عصابة وملاكم وسيدة بصدد خيانة زوجها يتقاطعون فى ساعتين ونصف من الأحداث مع إضافة بعض تفاصيل عن الأسلوب، فهذا شىء سخيف كما قال كيرتس، وهو ما يؤكد أن شكلانية الفيلم طغت على مضمونه، وهى سمة ما بعد حداثية. وجب أيضاً التنويه بأن هذا لا يعنى أن الموناليزا لوحة ما بعد حداثية هى الأخرى، فلكل وسيط فنى سماته، كما أن سمة واحدة أو اثنتين غير كفيلتين بحسب عمل فنى على اتجاه بعينه. فمثلا مسرحيات شكسبير احتوت على بعض عناصر المدرسة الرومانسية قبل أن تتشكل تلك المدرسة أساساً بعد موت شكسبير بقرنين!
 
نصل للسمة الخامسة، والتى كانت غياب السلطة، فكما ذكرنا فى مقدمة هذا المقال عن العلاقة العدائية بين ما بعد الحداثة والسلطة، وتتوزع هذه السمة فى الفيلم على مستويين: المستوى الأول داخل الفيلم ويخص الغياب المحلوظ لمفهوم الشرطة، والذى يتجلى بارزاً فى مشاهد المطاردة بين بوتش (بروس ويليز) ومارسيلوس، وخاصة تلك اللقطة التى تتبع صدم الأول للثانى بسيارته، حيث نرى مارسيلوس يعود للوعى فلا يجد حوله سوى مجموعة من النساء، لا رجل واحد، ولا شرطى واحد، يمكن تناول الإسقاط الذكورى من تلك اللقطة فى مقال آخر، لكن ما يهمنا الآن هو الإسقاط الأمنى بغياب الشرطة.

غابت الشرطة أيضاً عن مسرح جريمة السطو المسلح على المطعم والذى تم فى وضح النهار وبمدة كافية لاستشعار خطب ما والتدخل لإنهائه. الطريف هو أن الظهور الوحيد لزى شرطى فى الفيلم كان لشخصية "زيد" ذلك الرجل الذى يتعاون مع بائع غريب الأطوار للإيقاع بالرجال ومن ثم اغتصابهم فى قبو متجره المريب، والفعلة، فى رأيى، مخجلة أكثر من كونها إجرامية، فلو أن شخصية ذلك الشرطى هدفها إشعارك بشىء فلن يكون سوى الشفقة. وهذا يكفى للتعبير عن دور السلطة بهذا الفيلم.

أما المستوى الثانى فهو خاص بغياب سلطة المبدع التى تقترن بمفاهيم ما بعد حداثية مثل استجابة القارىء أو موت المؤلف - أى انقطاع صلة المبدع بالعمل الفنى فور صدوره ليصبح ملكاً للجمهور وحده، يفسره كل فرد وفق هواه. 

يقول تارانتينو فى أحد حواراته: "لو شاهد هذا الفيلم مليون متفرج فأريدهم أن يشاهدوا مليون فيلماً" وقال أيضأ فى خطاب استلامه جائزة السعفية الذهبية: "أنا لا أصنع الأفلام التى تجمع البشر، بل تلك التى تفرقهم". وهذا الفيلم هو فعلا أحد الأفلام التى ينقسم الناس بعد مشاهدتها لتبنى تفاسير مختلفة لها، فهناك من سيخرج بأنه قصة عن التوبة والصلاح، وهناك من سيخرج بأنه فيلم عن تسلسل الفعل والعواقب، وهناك من سيخرج بأنه فيلم يرصد بشاعة وهبوط ما وصلت إليه المجتمعات الرأسمالية ...الخ، لكن لا شك فى أن كثيرين سوف يخرجون فقط بأنه كان فيلماً مسلياً ومثيراً، لعل هذا هو أقرب شىء للصواب وسيأخذنا للسمة التالية حول ما بعد حداثية الفيلم.
السمة السادسة هى مفهوم "نشوة الإتصال" Extase de la communication، الذى أطلقه الفيلسوف الفرنسى "جان بودريار" أحد أشهر منظرى ما بعد الحداثة، وهو "فعل المشاهدة التى ينتفى منها أى غرض غير المشاهدة، الصورة الخاوية من المعنى أو على حد وصف بودريار "انتصار لرغبة الإنتاج على رغبة تقديم المعنى"". (المقولة مستخلصة من كتاب "ما بعد الحداثة .. الفلسفة والفن – د. بدر الدين مصطفى").

ويمكننا إجمال الثلاث سمات السابقة (الرابعة، الخامسة، والسادسة) بالمقطع التالى من نفس الكتاب على لسان الفيلسوف الفرنسى "جيل دولوز"، فقط سنقوم بتبديل مفهومه عن المونولوج الداخلى الذى يتفق مع مفهومنا عن سلطة المؤلف حيث يقول: "لقد أخلى المونولوج الداخلى المكان للصورة، وأصبحت الصورة لها مطلق السيادة والاستقلالية، بحيث تكتسب الصورة قيمتها فى ذاتها من خلال ما يسبقها وما يلحقها. لم يعد ثمة تناغمات كاملة ومستقرة، ولكن فقط تناغمات غير تطابقة أو انقطاعات لا معقولة، أصبحت الصورة متحررة من القيود السردية التقليدية. كما أصبحت الصورة مكتفية بذاتها لا تحيل إلى شىء خارجها واختفى منها كل مجاز أو رمز" انتهى.

نصل الآن للسمة السابعة وهى كسر الإيهام، أو تذكير المتفرج دائماً بأنه يشاهد فيلما، وتظهر بداية من كلمة Fiction (قصة) فى عنوان الفيلم، وأيضاً من خلال التنويه الدائم بأسماء فصول الفيلم المختلفة من خلال تيترات مكتوبة ما يخرجنا من حالة الاندماج الكلى مع ما نراه. وأخيراً تظهر نفس السمة فى مشهد ميا (إيما ثيرمان) مع فينسنت داخل السيارة وهما فى طريقهما للسهر فى ذلك المطعم الغريب، فقبل أن تغادر ميا السيارة أشارت لفينسينت بإصبعها علامة مستطيل فرأينا هذا المستطيل يرسم فعلياً على الشاشة بتقنية جرافيكالية، وهو ما أكد انطباع أننا أمام فيلم وليس واقع.

أما السمة الثامنة فهى تعدد الأمزجة أو تهجينها Hybridity. فبرغم الكمية الباهظة من الدموية والقسوة التى تعترى أحداث الفيلم فإننا نعجز عن وصف مزاج المشاهدة بأنه حزين أو غير مريح، فجرائم القتل ترتكب بعد تلاوة الصلاوات أو التذوق النهم للهامبرجر أو تبادل القبل مع الحبيبة أو انتهاء عمل جهاز تسخين الخبز. طلقة مدفع "فينسينت" تنطلق فى رأس "مارفين" دون حتى أن يقصد والأمر يمر بأريحية شديدة، وأستعين هنا بما قاله الناقد المصرى أحمد يوسف فى مقال هجومى على الفيلم من منظور محافظ حيث يقول: "لقد تحول الدم إلى مجرد بقعة حمراء".
نصل للسمة التاسعة وهى المعارضة الفنية Pastiche، وتعنى بإختصار المزج بين أنواع فنية عديدة والاستعارة أو الاقتباس من أعمال فنية أخرى. ونلمس تلك السمة فى Pulp Fiction من خلال التنوع الملحوظ فى جونرات الفيلم، فهو أحياناً فيلم جريمة وفى أحيان أخرى فيلم استعراضى أو ملاكمة أو حروب، فقد استوعب نص الفيلم كل تلك الحالات ودمجها بسلاسة.

أما عن الاستعارة فنلمسها أكثر شىء فى مشهد اجتماع ميا وفينسينت داخل المطعم من خلال ملصقات الأفلام الكلاسيكية، والنادلة التى تتقمص مارلين مونرو وخاصة تلك اللقطة التى يدفع فيها الهواء بتنورتها للأعلى كما حدث فى المشهد الشهير من فيلم The Seven Years Itch. نضيف إلى هذا تسريحة شعر "إيما ثيرمان" والتى تتشابه مع الممثلة الفرنسية "أنا كارينا" فى أفلامها مع جان لوك جودار وبخاصة فيلم Band Apart، وهو نفس الاسم الذى اختاره تارانتينو لشركته الإنتاجية ويظهر فى التيترات مع بداية الفيلم. فالمعروف عن تارانتينو ولعه الشديد بجودار. تذكرنا أيضاً الرقصة التى رقصاها البطلان برقصة شهيرة كان قد أداها ترافولتا نفسه فى فيلم Saturday Night Fever. كما يتشابه مشهد مرور "مارسيلوس" أمام سيارة "بوتش" بمشهد شهير بفيلم Psycho لهيتشكوك.

السمة العاشرة والأخيرة، وربما الأهم، هى سمة اللا معنى، اللا قواعد، اللا خير، واللا شر. لنأخذ مثال شخصية "فينسينت" فهو فى أحد فصول الفيلم يكون صديق البطل أو sidekick. وفى فصل آخر يكون الشرير antagonist. وفى فصل آخر يكون الحبيب love interest. الأمر لا يقتصر على تغير وضعه القصصى بل تغير حيثيته، من شديد الأهمية ينقذ حياة سيدته فى اللحظة الأخيرة، إلى كائن شديد الهامشية يُقتل بصورة عبثية فور خروجه من المرحاض. لقد جعلنا تارانتينو نواقع الأحداث من كل زواياها لنتلبس نفسية كل ضلع من الأضلاع المتصارعة. نتوقف أيضاً أمام جملة حوارية لبوتش عندما تسأله الفتاة عن معنى اسمه فيجيبها: "أنا أمريكى يا عزيزتى، أسمائنا بلا معنى"، نضيف إلى ذلك مجموعة مشاهد يتلو فيها جولز فقرات من الإنجيل غير ذات سياق مع الموقف وبصورة أقرب للتهكم والاستخفاف بالدين عن طريق تقمص دور الإله فى فعل الشر. كل ما سبق يؤكد على فكرة رفض السرديات الكبرى، وأن العالم مكان أكثر عشوائية مما نظن وأن الحقيقة نسبية أو غير موجودة .. وكل تلك قيم ما بعد حداثية.

Youth .. الخلود، الجحود، والفرص الضائعة


نشر هذا المقال ورقياً بعدد شهر نوفمبر من مجلة أبيض وأسود

"ماذا بعد؟" .. السؤال الذى يؤرق منام كل مبدع بعد أى خطوة مضيئة فى مشواره، إنه مجهول المعادلة الأصعب على أى فنان حلها. ماذا يقدم بعد تحفته الفنية؟ كيف ينجو من حصار نهم توقعات المحبين وتحفز سيوف الكارهين فى ظل واقع تنافسى طاحن يتطلب ما هو أكثر من النجاة؟
باولو سورنتينو .. الإسم السينمائى الإيطالى الأكثر صعوداً ولمعاناً فى السنوات الأخيرة يواجه هذا التحدى بفيلمه الأحدث "شباب" بعد النجاح الملحوظ الذى حققه فيلمه السابق "الجمال العظيم" قبل عامين، وخاصة بحصول الأخير على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبى وأيضا كونه من أكثر الأفلام التى نالت إهتمام النقاد وعشاق السينما فى سنة عرضه. هذا لا يلغى وجود نوع من الإنقسام فى الرأى حول "الجمال العظيم"، ويتجلى هذا الإنقسام برمزية فى حدث خروج الفيلم خالى الوفاض من المسابقة الرسمية لمهرجان كان فى نفس العام، وهى مفارقة تنحاز فيها الأوسكار -على غير العادة- للفيلم المحسوب على السينما الفنية، بينما تتخلى السعفة وباقى جوائز كان عنه رغم تحيزها التاريخى لما هو فنى وتجريبى.
يقول جان كوكتو "الشِعر ضرورة .. وليتنى أعرف لماذا." وتأتى هذه المقولة كتفسير على ظاهرة إنقسامات الأراء حول تلك النوعية من الأفلام أيضاً. فإنها أكثر ما يخضع للذوق الشخصى وللحالة المزاجية، وهو ما يجعلنا فى كثير من الأحيان عاجزين عن تقييمها بشكل موضوعى، لأننا وكما قال "كوكتو" لا نعرف لماذا، وربما لو علمنا لضاع كل السحر.
أميل لتصنيف الفن الذى يقدمه سورنتينو كنوع متطور من السينما الشعرية، وهى شعرية تعترف وتطوّع مستجدات الثقافة الشعبية فى داخلها، فتسمع المقطوعات الكلاسيكية جنباً إلى جنب مع موسيقى البوب الراقصة، وترى الطبيعة الخالصة جنباً إلى جنب مع المعمار والديكور الحداثى، وتجد الحوارات العفوية تتحول إلى نثريات وأبيات شعر مصقلة بخلاصة الحكمة ومحفزات التأمل، بل كان من الممكن سماعها فى أحد أفلام أباطرة السينما الشعرية كـ"أندريه تاركوفسكى" أو "تيرينس ماليك" ولكنك كنت لتسمعها فى هيئة تعليق صوتى مبتور العلاقة مع الحدث الروائى.







هذه المرة يرتكز قوام فيلم "شباب" حول ثلاث شخصيات رئيسية تقضى إجازة فى أحد المنتجعات السويسرية الفخمة، وهم بترتيب الأهمية، الموسيقار وقائد الأوركيسترا "فريد بالينجر" الذى أدى دوره الممثل"مايكل كين"، ذلك العجوز الذى اعتزل الموسيقى ويخفى بين تجاعيد وجهه وترهلات جسده جرحاً نفسياً هائلاً يتكشف تدريجياً للمتفرج على مدار زمن الفيلم. والشخصية الثانية هى "ميك بويل" التى أداها الممثل "هارفى كيتيل"، وهو صانع الأفلام الذى شاخ بعد اكتشافه أنه لم يقدم بعد الفيلم الذى يحقق له ذاته كمبدع. والشخصية الثالثة هى شخصية "جيمى" أداها "بول دانو" وهو عن ذلك الممثل الذى يتذكره الجميع بدور تافه فى أحد أفلام الخيال العلمى الجماهيرية مع تناسى باقى الأدوار القوية التى قدمها، لذا فهو يعانى من إحباط كبير أشبه بالإحباط الذى عانته شخصية "مايكل كيتون" بفيلم "بيردمان".

نلاحظ أن الثلاث شخصيات الرئيسية تجمعها مهنة الفن، وأظن ذلك سبب الربط الدائم بين سينما سورنتينو وسينما فيدريكو فيلينى، وبغض النظر عن الهوية الإيطالية المشتركة ففى رأيى أنه ربط غير دقيق لو تحدثنا من الناحية الأسلوبية. ولكنه يجوز لو تحدثنا من ناحية التيمات والمواضيع التى قدمها فيلينى فى فيلميه الأشهر على الأقل "8 ونصف" و "لا دولشى فيتا"، والتى تعرضت هى الأخرى لصراع الفنان/الوسط الفنى مع العالم. أيضا يختلف سورنتينو عن فيلينى فى عرضه للطبقة الأريستقراطية من منظور به وفاء وكأنه واحد من تلك الطبقة، بينما عرضها فيلينى من منظور وافد أو متنصت على تلك الطبقة.
يبدأ فيلم "شباب" بمشهد تقوم فيه مطربة شابة بأداء وصلة غنائية داخل المنتجع، والطريقة التى اختارها سورنتينو لعرض ذلك المشهد الإفتتاحى تتماهى مع همّ رئيسى لشخصيات الفيلم، فالكاميرا تدور بثبات مع دوران المسرح الذى تعتليه المطربة، وهو نفس الدوران الذى تواجهه الشخصيات على مدار زمن الفيلم، الدوران فى حلقة مفرغة من المعاناة. ويتم التعبير بصرياً عن ذلك بشكل أكثر تجلى فى اللقطات التى يصطف بها المسنون عرايا الجسد فى صفوف دائرية وهم فى طريقهم لأخذ دورهم بجلسات الساونا والعلاج الطبيعى بالمنتجع. نتوقف أيضاً أمام مشهد حوارى لفريد بالينجر أثناء احدى جلسات العلاج الطبيعى حين يطلب منه الطبيب تحمل وجع العلاج حيث يتبعه راحة، فيجيبه بالينجر يائساً: "وماذا بعد الراحة؟ وجع آخر".
 
هذا الكم من المعاناة فى حياة هؤلاء يتنقل بهم بين البؤس واليأس تارة، وتارة أخرى نحو البحث عن معنى من وراءه أو مكافأة نظير تحمله. ومن هنا يأتى دور الفن فى حياتهم. فإذا كانت أهداف الفنان الظاهرية هى التواصل والتقدير اللحظى والإحساس بالتأثير وتغيير العالم أو حتى مجرد تفريغ شحنات عاطفية يتعبه بقائها، فإن الهدف الكامن والأقوى هو الخلود، يريد كل فنان أن يترك وراءه الإرث الذى يجعله باقياً مهما تلاشى جسده عن الدنيا، بغض النظر عن كون هذا الخلود وهمى، ففى النهاية لن ينتفع أى فنان من بقاء فنه إذا لم يبقى هو بجسده ووعيه للمس هذا البقاء، ولكنها كما قلت مجرد قشة يتعلق بها إنسان لديه ما يكفى من الألم للقبول بأى تعويض وإن كان محض وهم.
نرصد ما سبق بشكل أكثر وضوحاً فى شخصية ميك، صانع الأفلام الذى قرر إنهاء تاريخه الفنى بكتابة سيناريو يصفه بغرور بأنه إنجيله الخاص أو وصيته الأخيرة للعالم، فهو السيناريو الذى يريد به تحقيق أحلامه الضائعة عبر سنوات من تقديم أفلام اكتشف فجأة كونها هراء، ما يجعله يرتعد، فنهايته تقترب ويظن أنه لم يترك الشىء الذى يحفظ تاريخه. يتجسد هذا الارتعاد أيضاً فى ذلك المشهد الذى يسأله أحد رفاقه عن نهاية الفيلم الذى يكتبه فيصمت قليلاً فى توتر ثم يجيب "سنأتى بواحدة آجلا أو عاجلا" ثم يقوم بعدها بفتح زجاجة الشمانيا بحركة عصبية. فمفهوم النهاية عموما أصبح هو مصدر الرعب الأكبر له، إنه السبب الرئيسى الذى يجعله يكتب ذلك الإنجيل أو الوصية المزعومة، كى يهرب من نهايته.
كما نرصد نفس الهم عند شخصية جيمى، حين يدخل فى ذلك الحوار اليائس مع بالينجر عن خطأ الإنجراف فى حياة الطيش الخفيفة والتسامح مع النزوات، حيث أنه يعانى كل ما يعانيه الآن من نزوة فنية قدم فيها شخصية تافهة التصقت به فوصمته ثم قامت بمحو باقى تاريخه الفنى الأكثر جدية. لو دققنا فى هذا الهم لوجدناه يعود بنا لمعضلة الخلود نفسها، بماذا سيتذكرك الناس حين تنتهى، بالإضافة لمعضلة أخرى وهى الجحود، عن طريق اختزال سيرة إنسان فى نزوة.
 
وبالرغم من إجابة بالينجر التى اتسمت بالتبرير والدفاع عن الطيش إلا أننا نكتشف بمرور الأحداث أنها إجابة مزيفة يتخفى بها من جرحه الشخصى، فبالينجر يعانى هو الآخر من نفس معضلة الجحود مع إبنته، يظهر ذلك فى المشهد الحوارى بينه وبين ميك حين يخبره بحزنه عندما يجد إبنته قد نست أو لا تعلم شىء عن حجم المساعى والتضحيات التى بذلها من أجل إسعادها منذ كانت طفلة، كل ذلك بسبب نزوة أو أكثر قام فيها بخيانة أمها، وأنه خائف إذا مات الآن أللا تتذكره بما هو جيد. ومن هنا وهناك تتعقد معضلة الخلود بمعضلة أخرى وهى الجحود، أو لنسميها الذاكرة، فحتى إن كنت تركت ما هو قيّم لإبقائك خالداً، فإن الذاكرة الإنسانية - أداة الخلود الوهمى - ليست دوماً عادلة.
نتوقف قليلاً لنتذكر حفل الأوسكار منذ عامين والذى تسلم فيه سورنتينو جائزته، ونلاحظ أنه فى خطابه قد قدّم التحية لشخص من الذين ألهموه يدعى "دييجو أرماندو مارادونا". رغم عظمة هذا الإسم إللا أنى أشك بقوة اذا كان أغلب من بالقاعة يومها يعرفوا عمن يتحدث سورنتينو، فالأميريكيون لا يهتمون بكرة القدم، وحتى معظم مقالات النقاد الأميريكيين لم تصل إلى أن سورنتينو يقدم شخصية "مارادونا" بشكل متنكر فى فيلمه "شباب".

تلك مفارقة تتناغم مع فكرة الذاكرة غير العادلة التى طرحناها، كما أن مارادونا نفسه بسيرته الدراماتيكية هو أحد الرموز الساطعة للتدليل على مفهوم العلاقة الشائكة بين العظمة والنزوات وكيف تلغى إحداهما الأخرى، وهو من صميم ما يطرحه الفيلم. كما أن ذلك ظهر فى أحد مشاهد الفيلم بحمام السباحة حين يتدخل هو فى مناقشة بين بالينجر والطفل العازف للكمان ويخبرهم بأنه أيضاً أيسر مثل الطفل، فيرد جيمى "الجميع يعلم أنك أيسر". لكن ما قاله جيمى  ليس مؤكداً، فربما هناك من لا يعلم، وهذا اللا يقين هو السبب الذى دفع مارادونا للتدخل فى الحوار من الأساس وتذكيرهم بأنه أيضاً "أيسر" وكأنه فى الحقيقة يستجدى منهم الخلود بطلب أن تظل ذكراه معروفة .. "أنا أشول" .. "تذكرونى".
هذه الرغبة اليائسة فى الخلود عبر عنها سورنتينو أيضاً بشكل بصرى رائع فى مشاهد خلوة الشخصيات مع أنفسها. مارادونا ينطىء كرة التنس فى الهواء بحماس وغيظ اعتراضاً على سنوات المجد التى لا تريد العودة، وبالينجر يقوم بقيادة أوركيسترا أصوات الطبيعة والمواشى والطيور، كما يناجى ميك الشخصيات النسائية بأفلامه والتى اجتمعت كلها أمام عينيه فى الغابة. كل منهم يقلب فى دفاتره القديمة ويحزن. لعل محاولة بالينجر كانت الأنجح لأنها تهدف للتوحد مع الطبيعة التى لا تفنى وإن فنى الإنسان، وكأن بالينجر قد قبِل بالأمر الواقع ولا يمانع فى أن يخلد حتى ولو عن طريق تحلل جسده وتحوله لعناصر أخرى فى الطبيعة.
المعاناة فى الفيلم لم تقتصر على المسنين، فحتى الشخصيات الشابة خائفة، ويظهر ذلك فى أحد المشاهد البديعة التى تنتقل فيها الكاميرا بسلاسة بين أوجه صناع الفيلم الذى يصنعه ميك وهم نائمون بجوار بعضهم البعض وفى حالة عصف ذهنى وروحى بحثاً عن نهاية للفيلم، ولكن نبرة أصواتهم احتوت على ما يكفى من يأس وكآبة لنفهم أن الأمر لا يقتصر على نهاية الفيلم وحده بل على نهايتهم هم أيضاً، هل ستكون درامية أم واقعية أم رومانسية؟ هم عاجزين عن إيجاد نهاية لأنهم فى أعماقهم يعتقدون أنه لا يجب أن تكون هناك نهاية من الأساس!
وبمثل حادثة التواصل الأجيالى التى تمت بين مارادونا والطفل عازف الكمان والتى بدت وكأن الأول يريد من الأخير أن يتذكره فيخلده، فإن الأمر يتكرر أيضاً مع بالينجر وعاملة التدليك المراهقة، التى فى نهاية الفيلم وجدناها تقلع عن الرقص على إيقاعات موسيقى البوب وتؤثر بدلا منها التمايل على أنغام المقطوعة الكلاسيكية التى ألفها بالينجر، وكأن الأخير قد نجح فى تلك اللقطة بالفوز ببعض الخلود.
رغم أن "شباب" لن يحصد ربع عدد الجوائز التى حصدها "الجمال العظيم"، إلا أنى أراه الفيلم الأفضل، حيث حافظ سورنتينو على نفس قدر الجماليات بفيلمه السابق ولكنه تدارك أيضاً عيوبه الكبرى والتى تلخصت فى تهميش العاطفة والمغزى. هذه المرة تتضح صراعات وهموم الشخصيات من اللحظة الأولى، هذه المرة أنت قادر على الشعور بخوائهم النفسى قبل وهنهم الجسدى. وحتى اللحظات الشعرية التأملية كانت أكثر ارتباطاً بالدراما وأعلى فى جرعة الشحن العاطفى، وأقل فى الإدعاء. وبرغم حصة الكآبة إلا إنه احتوى على لحظات شديدة الظرف والسخرية تجعله واحداً من أرقى أفلام الكوميديا السوداء فى الفترة الأخيرة.

Youth .. الخلود، الجحود، والفرص الضائعة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:45 م 0 تعليقات


نشر هذا المقال ورقياً بعدد شهر نوفمبر من مجلة أبيض وأسود

"ماذا بعد؟" .. السؤال الذى يؤرق منام كل مبدع بعد أى خطوة مضيئة فى مشواره، إنه مجهول المعادلة الأصعب على أى فنان حلها. ماذا يقدم بعد تحفته الفنية؟ كيف ينجو من حصار نهم توقعات المحبين وتحفز سيوف الكارهين فى ظل واقع تنافسى طاحن يتطلب ما هو أكثر من النجاة؟
باولو سورنتينو .. الإسم السينمائى الإيطالى الأكثر صعوداً ولمعاناً فى السنوات الأخيرة يواجه هذا التحدى بفيلمه الأحدث "شباب" بعد النجاح الملحوظ الذى حققه فيلمه السابق "الجمال العظيم" قبل عامين، وخاصة بحصول الأخير على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبى وأيضا كونه من أكثر الأفلام التى نالت إهتمام النقاد وعشاق السينما فى سنة عرضه. هذا لا يلغى وجود نوع من الإنقسام فى الرأى حول "الجمال العظيم"، ويتجلى هذا الإنقسام برمزية فى حدث خروج الفيلم خالى الوفاض من المسابقة الرسمية لمهرجان كان فى نفس العام، وهى مفارقة تنحاز فيها الأوسكار -على غير العادة- للفيلم المحسوب على السينما الفنية، بينما تتخلى السعفة وباقى جوائز كان عنه رغم تحيزها التاريخى لما هو فنى وتجريبى.
يقول جان كوكتو "الشِعر ضرورة .. وليتنى أعرف لماذا." وتأتى هذه المقولة كتفسير على ظاهرة إنقسامات الأراء حول تلك النوعية من الأفلام أيضاً. فإنها أكثر ما يخضع للذوق الشخصى وللحالة المزاجية، وهو ما يجعلنا فى كثير من الأحيان عاجزين عن تقييمها بشكل موضوعى، لأننا وكما قال "كوكتو" لا نعرف لماذا، وربما لو علمنا لضاع كل السحر.
أميل لتصنيف الفن الذى يقدمه سورنتينو كنوع متطور من السينما الشعرية، وهى شعرية تعترف وتطوّع مستجدات الثقافة الشعبية فى داخلها، فتسمع المقطوعات الكلاسيكية جنباً إلى جنب مع موسيقى البوب الراقصة، وترى الطبيعة الخالصة جنباً إلى جنب مع المعمار والديكور الحداثى، وتجد الحوارات العفوية تتحول إلى نثريات وأبيات شعر مصقلة بخلاصة الحكمة ومحفزات التأمل، بل كان من الممكن سماعها فى أحد أفلام أباطرة السينما الشعرية كـ"أندريه تاركوفسكى" أو "تيرينس ماليك" ولكنك كنت لتسمعها فى هيئة تعليق صوتى مبتور العلاقة مع الحدث الروائى.







هذه المرة يرتكز قوام فيلم "شباب" حول ثلاث شخصيات رئيسية تقضى إجازة فى أحد المنتجعات السويسرية الفخمة، وهم بترتيب الأهمية، الموسيقار وقائد الأوركيسترا "فريد بالينجر" الذى أدى دوره الممثل"مايكل كين"، ذلك العجوز الذى اعتزل الموسيقى ويخفى بين تجاعيد وجهه وترهلات جسده جرحاً نفسياً هائلاً يتكشف تدريجياً للمتفرج على مدار زمن الفيلم. والشخصية الثانية هى "ميك بويل" التى أداها الممثل "هارفى كيتيل"، وهو صانع الأفلام الذى شاخ بعد اكتشافه أنه لم يقدم بعد الفيلم الذى يحقق له ذاته كمبدع. والشخصية الثالثة هى شخصية "جيمى" أداها "بول دانو" وهو عن ذلك الممثل الذى يتذكره الجميع بدور تافه فى أحد أفلام الخيال العلمى الجماهيرية مع تناسى باقى الأدوار القوية التى قدمها، لذا فهو يعانى من إحباط كبير أشبه بالإحباط الذى عانته شخصية "مايكل كيتون" بفيلم "بيردمان".

نلاحظ أن الثلاث شخصيات الرئيسية تجمعها مهنة الفن، وأظن ذلك سبب الربط الدائم بين سينما سورنتينو وسينما فيدريكو فيلينى، وبغض النظر عن الهوية الإيطالية المشتركة ففى رأيى أنه ربط غير دقيق لو تحدثنا من الناحية الأسلوبية. ولكنه يجوز لو تحدثنا من ناحية التيمات والمواضيع التى قدمها فيلينى فى فيلميه الأشهر على الأقل "8 ونصف" و "لا دولشى فيتا"، والتى تعرضت هى الأخرى لصراع الفنان/الوسط الفنى مع العالم. أيضا يختلف سورنتينو عن فيلينى فى عرضه للطبقة الأريستقراطية من منظور به وفاء وكأنه واحد من تلك الطبقة، بينما عرضها فيلينى من منظور وافد أو متنصت على تلك الطبقة.
يبدأ فيلم "شباب" بمشهد تقوم فيه مطربة شابة بأداء وصلة غنائية داخل المنتجع، والطريقة التى اختارها سورنتينو لعرض ذلك المشهد الإفتتاحى تتماهى مع همّ رئيسى لشخصيات الفيلم، فالكاميرا تدور بثبات مع دوران المسرح الذى تعتليه المطربة، وهو نفس الدوران الذى تواجهه الشخصيات على مدار زمن الفيلم، الدوران فى حلقة مفرغة من المعاناة. ويتم التعبير بصرياً عن ذلك بشكل أكثر تجلى فى اللقطات التى يصطف بها المسنون عرايا الجسد فى صفوف دائرية وهم فى طريقهم لأخذ دورهم بجلسات الساونا والعلاج الطبيعى بالمنتجع. نتوقف أيضاً أمام مشهد حوارى لفريد بالينجر أثناء احدى جلسات العلاج الطبيعى حين يطلب منه الطبيب تحمل وجع العلاج حيث يتبعه راحة، فيجيبه بالينجر يائساً: "وماذا بعد الراحة؟ وجع آخر".
 
هذا الكم من المعاناة فى حياة هؤلاء يتنقل بهم بين البؤس واليأس تارة، وتارة أخرى نحو البحث عن معنى من وراءه أو مكافأة نظير تحمله. ومن هنا يأتى دور الفن فى حياتهم. فإذا كانت أهداف الفنان الظاهرية هى التواصل والتقدير اللحظى والإحساس بالتأثير وتغيير العالم أو حتى مجرد تفريغ شحنات عاطفية يتعبه بقائها، فإن الهدف الكامن والأقوى هو الخلود، يريد كل فنان أن يترك وراءه الإرث الذى يجعله باقياً مهما تلاشى جسده عن الدنيا، بغض النظر عن كون هذا الخلود وهمى، ففى النهاية لن ينتفع أى فنان من بقاء فنه إذا لم يبقى هو بجسده ووعيه للمس هذا البقاء، ولكنها كما قلت مجرد قشة يتعلق بها إنسان لديه ما يكفى من الألم للقبول بأى تعويض وإن كان محض وهم.
نرصد ما سبق بشكل أكثر وضوحاً فى شخصية ميك، صانع الأفلام الذى قرر إنهاء تاريخه الفنى بكتابة سيناريو يصفه بغرور بأنه إنجيله الخاص أو وصيته الأخيرة للعالم، فهو السيناريو الذى يريد به تحقيق أحلامه الضائعة عبر سنوات من تقديم أفلام اكتشف فجأة كونها هراء، ما يجعله يرتعد، فنهايته تقترب ويظن أنه لم يترك الشىء الذى يحفظ تاريخه. يتجسد هذا الارتعاد أيضاً فى ذلك المشهد الذى يسأله أحد رفاقه عن نهاية الفيلم الذى يكتبه فيصمت قليلاً فى توتر ثم يجيب "سنأتى بواحدة آجلا أو عاجلا" ثم يقوم بعدها بفتح زجاجة الشمانيا بحركة عصبية. فمفهوم النهاية عموما أصبح هو مصدر الرعب الأكبر له، إنه السبب الرئيسى الذى يجعله يكتب ذلك الإنجيل أو الوصية المزعومة، كى يهرب من نهايته.
كما نرصد نفس الهم عند شخصية جيمى، حين يدخل فى ذلك الحوار اليائس مع بالينجر عن خطأ الإنجراف فى حياة الطيش الخفيفة والتسامح مع النزوات، حيث أنه يعانى كل ما يعانيه الآن من نزوة فنية قدم فيها شخصية تافهة التصقت به فوصمته ثم قامت بمحو باقى تاريخه الفنى الأكثر جدية. لو دققنا فى هذا الهم لوجدناه يعود بنا لمعضلة الخلود نفسها، بماذا سيتذكرك الناس حين تنتهى، بالإضافة لمعضلة أخرى وهى الجحود، عن طريق اختزال سيرة إنسان فى نزوة.
 
وبالرغم من إجابة بالينجر التى اتسمت بالتبرير والدفاع عن الطيش إلا أننا نكتشف بمرور الأحداث أنها إجابة مزيفة يتخفى بها من جرحه الشخصى، فبالينجر يعانى هو الآخر من نفس معضلة الجحود مع إبنته، يظهر ذلك فى المشهد الحوارى بينه وبين ميك حين يخبره بحزنه عندما يجد إبنته قد نست أو لا تعلم شىء عن حجم المساعى والتضحيات التى بذلها من أجل إسعادها منذ كانت طفلة، كل ذلك بسبب نزوة أو أكثر قام فيها بخيانة أمها، وأنه خائف إذا مات الآن أللا تتذكره بما هو جيد. ومن هنا وهناك تتعقد معضلة الخلود بمعضلة أخرى وهى الجحود، أو لنسميها الذاكرة، فحتى إن كنت تركت ما هو قيّم لإبقائك خالداً، فإن الذاكرة الإنسانية - أداة الخلود الوهمى - ليست دوماً عادلة.
نتوقف قليلاً لنتذكر حفل الأوسكار منذ عامين والذى تسلم فيه سورنتينو جائزته، ونلاحظ أنه فى خطابه قد قدّم التحية لشخص من الذين ألهموه يدعى "دييجو أرماندو مارادونا". رغم عظمة هذا الإسم إللا أنى أشك بقوة اذا كان أغلب من بالقاعة يومها يعرفوا عمن يتحدث سورنتينو، فالأميريكيون لا يهتمون بكرة القدم، وحتى معظم مقالات النقاد الأميريكيين لم تصل إلى أن سورنتينو يقدم شخصية "مارادونا" بشكل متنكر فى فيلمه "شباب".

تلك مفارقة تتناغم مع فكرة الذاكرة غير العادلة التى طرحناها، كما أن مارادونا نفسه بسيرته الدراماتيكية هو أحد الرموز الساطعة للتدليل على مفهوم العلاقة الشائكة بين العظمة والنزوات وكيف تلغى إحداهما الأخرى، وهو من صميم ما يطرحه الفيلم. كما أن ذلك ظهر فى أحد مشاهد الفيلم بحمام السباحة حين يتدخل هو فى مناقشة بين بالينجر والطفل العازف للكمان ويخبرهم بأنه أيضاً أيسر مثل الطفل، فيرد جيمى "الجميع يعلم أنك أيسر". لكن ما قاله جيمى  ليس مؤكداً، فربما هناك من لا يعلم، وهذا اللا يقين هو السبب الذى دفع مارادونا للتدخل فى الحوار من الأساس وتذكيرهم بأنه أيضاً "أيسر" وكأنه فى الحقيقة يستجدى منهم الخلود بطلب أن تظل ذكراه معروفة .. "أنا أشول" .. "تذكرونى".
هذه الرغبة اليائسة فى الخلود عبر عنها سورنتينو أيضاً بشكل بصرى رائع فى مشاهد خلوة الشخصيات مع أنفسها. مارادونا ينطىء كرة التنس فى الهواء بحماس وغيظ اعتراضاً على سنوات المجد التى لا تريد العودة، وبالينجر يقوم بقيادة أوركيسترا أصوات الطبيعة والمواشى والطيور، كما يناجى ميك الشخصيات النسائية بأفلامه والتى اجتمعت كلها أمام عينيه فى الغابة. كل منهم يقلب فى دفاتره القديمة ويحزن. لعل محاولة بالينجر كانت الأنجح لأنها تهدف للتوحد مع الطبيعة التى لا تفنى وإن فنى الإنسان، وكأن بالينجر قد قبِل بالأمر الواقع ولا يمانع فى أن يخلد حتى ولو عن طريق تحلل جسده وتحوله لعناصر أخرى فى الطبيعة.
المعاناة فى الفيلم لم تقتصر على المسنين، فحتى الشخصيات الشابة خائفة، ويظهر ذلك فى أحد المشاهد البديعة التى تنتقل فيها الكاميرا بسلاسة بين أوجه صناع الفيلم الذى يصنعه ميك وهم نائمون بجوار بعضهم البعض وفى حالة عصف ذهنى وروحى بحثاً عن نهاية للفيلم، ولكن نبرة أصواتهم احتوت على ما يكفى من يأس وكآبة لنفهم أن الأمر لا يقتصر على نهاية الفيلم وحده بل على نهايتهم هم أيضاً، هل ستكون درامية أم واقعية أم رومانسية؟ هم عاجزين عن إيجاد نهاية لأنهم فى أعماقهم يعتقدون أنه لا يجب أن تكون هناك نهاية من الأساس!
وبمثل حادثة التواصل الأجيالى التى تمت بين مارادونا والطفل عازف الكمان والتى بدت وكأن الأول يريد من الأخير أن يتذكره فيخلده، فإن الأمر يتكرر أيضاً مع بالينجر وعاملة التدليك المراهقة، التى فى نهاية الفيلم وجدناها تقلع عن الرقص على إيقاعات موسيقى البوب وتؤثر بدلا منها التمايل على أنغام المقطوعة الكلاسيكية التى ألفها بالينجر، وكأن الأخير قد نجح فى تلك اللقطة بالفوز ببعض الخلود.
رغم أن "شباب" لن يحصد ربع عدد الجوائز التى حصدها "الجمال العظيم"، إلا أنى أراه الفيلم الأفضل، حيث حافظ سورنتينو على نفس قدر الجماليات بفيلمه السابق ولكنه تدارك أيضاً عيوبه الكبرى والتى تلخصت فى تهميش العاطفة والمغزى. هذه المرة تتضح صراعات وهموم الشخصيات من اللحظة الأولى، هذه المرة أنت قادر على الشعور بخوائهم النفسى قبل وهنهم الجسدى. وحتى اللحظات الشعرية التأملية كانت أكثر ارتباطاً بالدراما وأعلى فى جرعة الشحن العاطفى، وأقل فى الإدعاء. وبرغم حصة الكآبة إلا إنه احتوى على لحظات شديدة الظرف والسخرية تجعله واحداً من أرقى أفلام الكوميديا السوداء فى الفترة الأخيرة.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top