جميع المواضيع


شَعرِها خَلاّب ولكنها تُخَبئه.

مَن هى؟
– “إيدا”.

هكذا دار الحوار بين الخالة “فاندا” وأحد الغرباء الذين اعتادت أن تمررهم بفراشها فى ليالى النشوة العابرة التى تنتقم فيها من بؤس القدر وغياب عدالة الآلهة بإستخلاص أكبر قدر من المُتع الحياتية. كانت فى يوم من الأيام مؤمنة بقضية ما وتشارك فى المقاومة ضد الغزو النازى المخبول لبلدها ودفاعاً عن بنى نحلتها من اليهود. كانت تؤمن بالإله والوطن وأصبحت لا تؤمن بشىء بعد أن قُتل طفلها أثناء فوضى الحرب، قُتل لأنه أسمر البشرة ومختون العضو الذكرى (علامات يهودية)، هكذا أخبرها قاتله معتقداً أنه قد حماه من مصير عذاب المحارق الجماعية.


القتل على الهوية، هذا الفعل العبثى المجنون مازال يطارد خيال وفكر الخالة بعد مرور كل تلك السنين، فهى تجيب عشيقها العابر أعلاه بأنها تتحدث عن “إيدا” ولم تقل “آنّا” الذى هو اسم إبنة شقيقتها الرسمى بعد ضمها للمسيحية وهى رضيعة وتأهيلها لتكون راهبة. وكأن إجابة الخالة بمسمى الفتاة اليهودى “إيدا” كانت بمثابة صرخة يحتج فيها عقلها الباطن على سخرية وعبث فكرة الهوية وعواقبها التى ذاقت الخالة مرارها، وهى نفس السخرية التى يوحى بها إختيار عنوان الفيلم .. “إيدا” .. اليهودية التى تنشأ كراهبة كاثوليكية!


إيدا” من الأعمال الفنية التى تتطرق بدرجة ما لفكرة أن هوية الإنسان هى إنسانيته، وأن باقى العوامل هى صدف بيولوجية وجغرافية وإجتماعية فرضت عليه، ولكنه يحاسب عنها، يُحاسب على ما لم يختره.




ولكن ما يتميّز به هذا العمل فى طرحه لتلك الفكرة الفرعية عن كل ما تم تقديمه سابقاً ليس فقط براعة المفارقة التى يقوم عليها بناء القصة، بل أيضاً تسلسل السرد الذى يجعلنا نواقع الحالة بعيون “إيدا”، أى بمنظور خوفها وسذاجتها وتشتتها وحيرتها فى الرحلة التى تخوضها لمعرفة الحقيقة وسط عالم مادى حداثى مُبهر ومُرعب لم تألفه المسكينة ولكنها فى غاية الشوق إلى ذلك.

فحين تخبرها مسئولة الدير بأنهم لطالما راسلوا خالتها عبر سنين نشأتها ولكن الخالة لم ترد، تسارع إيدا الى إختلاق العذر للخالة “لعل الرسائل لم تصلها”، هى لا تسطيع الصبر حتى الفكاك من ذلك السجن المقدس الذى سلب عمرها عقدين من السنين، كما أنها فى غاية شوقها لمعرفة الحقيقة.


والحقيقة فى هذا الفيلم لم تكن فقط أصول وتاريخ عائلة “إيدا”، بل هى حقيقة الوجود نفسه، وتاريخ كل شىء، الحقيقة هنا هى المعنى من الحياة نفسها، وعن إذا ما كان الأمر يستحق كل هذا العناء. إن شوق الأخيرة لمعرفة الحقيقة وإن دلّ على شىء فهو يدل على براءتها، تظن الحقيقة مصدراً للراحة وليست الخطوة الأولى فى رحلة التعاسة والمعاناة، تظن الحقيقة ببساطة وبدائية ما تم تلقينه إياها فى ذلك الدير الذى نشأت به ولا تعرف في الحياة غيره.


ولن نستطيع الاستطراد فى هذا الحديث دون الإشارة للشكل الفيلمى واللغة البصرية التى يتحدث بها الفيلم، والتى كان أبرز مفرداتها هو موقع الإنسان داخل الكادر، فالشخصيات فى الغالب لا تتصدر الشاشة أو تتوسطها بالشكل التقليدى، بل تتخذ زوايا ومنحنيات فى طلتها، سواء إلى جانب النصف الأيسر أو النصف الأيمن أو الربع السفلى من الكادر.




ويتحقق ما سبق بوضوح فى لقطات مثل التى تجمع إيدا وعازف الساكسفون بإحدى شرفات الفندق، حيث لا تظهر الشاشة منهما شيئا سوى فى الربع السفلى منها. ويتحقق أيضاً فى المشهد الذى تسند إيدا ظهرها فيه لأحد الأعمدة داخل الحانة وهى تتأمل تدريبات الفرقة الموسيقية فى الجزء الأيمن من الشاشة، وأيضاً بمشهد قبل النهاية تحبو فيها الراهبات الأربع داخل الدير صانعات بأجسادهن علامات الصليب غير آخذين من الكادر سوى ربعه الأيمن.

تلك اللقطات وغيرها أسهمت فى إيصال ايحاء مفاده أن الإنسان ليس مركزاً للكون، لتتصادم تلك الحقيقة العلمية مع موروثات البطلة الدينية ثم تتناغم مع معاناة وعدم جدوى رحلتها فى معرفة الحقيقة، إنه التعبير البصرى السينمائى فى أكثر حالاته نضجاً، ولكنه لم يكن التعبير الأوحد والأكثر وضوحاً، بل تجلّى الأمر وتأكّد بمشهد آخر وهو واحد من أكثر المشاهد قوةً وصدمةً وجمالاً فى تاريخ السينما، إنه مشهد إنتحار الخالة ملقية بجسدها من شرفة منزلها.


لنسترجع هذا المشهد من بدايته إذاً، فالخالة تقوم بفتح نوافذ الشرفة على مصراعيها، هذا يحدث على أنغام السيمفونية رقم 41 لموزارت المنبعثة من مسجل داخل المنزل والتى تُعد أطول سيمفونياته من حيث مدتها الزمنية، ثم تخرج الخالة من يسار الكادر المثبت تجاه النافذة لتحضر شيئاً وتختفى لثوانٍ، لكن الكادر يبقى والموسيقى تستمر، ثم تعود الخالة إلى الكادر من حيث خرجت لتخرج منه مرة أخرى ولكن هذه المرة ناحية اليمين، ولا تتوقف الموسيقى أو يتغير الكادر بخروجها الثانى، ثم تعود الخالة مرة ثالثة للكادر متجهة مباشرة نحو الشرفة ملقية بجسدها للعدم، وتستمر الموسيقى لعدة ثوانٍ ويبقى الكادر بدونها، فموتها لم يؤثر فى شىء على الإطلاق.




الدلالة البصرية والصوتية لهذا المشهد تؤكد المعنى الذى حاول أسلوب التصوير إيصاله بأن الإنسان ليس مركزاً للكون، وأنه مجرد كائن هامشى فى واقع محايد فسيح لا يهتم لتوافهه، وأن الأول لا يملك سوى المضى فى رحلات العبث وتوارثها، وهذا تحديداً ما حدث فى اللقطة التالية عندما تعود إيدا لمنزل الخالة بعد موتها وأول ما تقوم به هو تشغيل جهاز الجرامافون لاستكمال ما تبقى من مقطوعة موزارت، أو بالأحرى استكمال الرحلة الوعرة، خلفاً للخالة.



تتغير إيدا، تجذبها شهوات الحياة المادية، فتخلع ملابس الرهبنة وتحتسى الخمر وتضاجع عازف الساكسفون فى مشهد مربك، ولكن قبل تناول هذا المشهد يجب الوقوف عند أحد مشاهد هذا الجزء المتحرر من الفيلم، وأقصد هنا المشهد الذى تلتحم فيه إيدا بستارة النافذة وتدور بداخلها حول نفسها حتى تسقط، إنه واحد من أبرع المشاهد فى جماليته وتعبيره البصرى عن الحالة النفسية التى تمر بها البطلة، حالة الفتنة والتأهل للسقوط.


لقد سبق مشهد المضاجعة مشهد راقص لا يوصف سوى بأنه خلاب، اعطته الإضاءة المتوسطة دفئا ساحرا وأعطاه جمال وأنوثة إيدا فى نسختها المتحررة جمالا مضاعفا خاصة بتعثر حركاتها الراقصة التى زادت من ملائكية الشخصية،
فى لحظات كتلك يتحداك أسلوب الصورة الأبيض والأسود لأنك لا تستطيع أن ترى لون شعر إيدا الذى وصفته الخالة فى مشهد ببداية الفيلم بأنه أحمر مثل لون شعر أمها. لم يكن صناع الفيلم بحاجة للإعلان عن هذا اللون الجامح تحديداً اذا كان فيلمهم لن يعرضه، فهى بطلة حمراء الرأس بفيلم أبيض وأسود. وكأن التفصيلة مقصودة لتكريس المشاعر العبثية ببتر الطريق نحو غاية ما وتقديم هدف يصعب إدراكه، ليكون المتفرج فى حالة متماهية مع حالة إيدا فى رحلة بحثها الفاشلة عن المعنى.



نلاحظ أن بلاط الأرضية فى ساحة الرقص أيضاً كان “أبيض وأسود”، وفى نفس المشهد نرى الحائط يحجب الرؤية عن نصف الكادر بالميل، فنرى نصفا أسودا يعيق الصورة ونصفا آخر يعرض رقص إيدا مع الشاب، وكأن الرقص يمثّل خيارا فى الحياة والأسود يمثّل خياراً معاكسا أقرب لحياة إيدا الأولى مع الرهبنة، وهو خيار عبثى أو عدمى لأنه يعيقنا عن رؤية الحياة فى المشهد، والسؤال هنا هو هل حقاً يعبر الخيار الأول (الرقص) بما يمثله من بهجة ومتعة وشهوة عن خيار تفاؤلى ضد العبث؟


هذا ما يجيب عنه المشهد التالى للمضاجعة، المضاجعة التى تمت ببرود وعدم ارتياح من قبل إيدا، نلاحظ أيضاً أسلوب الإضاءة الخافت جدا بهذا المشهد وميله للسواد، لكن الأهم هو الحوار الذى دار بين إيدا والشاب عن خططهم فى المستقبل والذى لم تقل فيه إيدا شىء سوى "وماذا بعد"،

-“سنذهب فى رحلة”
-“وماذا بعد؟”،
-“سنتزوج”
-“وماذا بعد؟”
-“سننجب أطفالا”
-“وماذا بعد؟”
-“مثلما يحدث فى الحياة
”.

أداء الممثلة الشابة “أجاتا تجبوخوفسكا” فى هذا المشهد كان مذهلاً، فتقلبّات جسدها ودرجة صوتها الهادئة الواثقة جاءت مُرعبة ومُحبطة ما يكفى لإعطاء رد فعلها كامل المصداقية فى المشهد التالى، وفضلاً عن أدائها فالتناظر الحوارى نفسه كان مقنعاً ويوضح أن نوع الحياة الآخر هو أيضاً عبث، وإن كان أقل عبثاً من الأول، هى تدرك ذلك لدرجة، فهى أصبحت تضحك على مآدب الغداء الرهبانية، وتغمض عينيها بيأس فى حفل تنصيب إحدى الراهبات الجدد.


حسناً، فإيدا تعرف أن حياتها الأولى أيضاً عبث، ولكنه العبث الذى تعرفه والذى نشأت عليه، العبث الذى يقدم لها إجابة أكثر إغراءً على سؤال “ماذا بعد؟”، أما خيار الحياة الثانية فيستلزم قدرا أكبر من الشجاعة والثقة والقوة التى لا تتحلى بها إيدا ولا تتناسب مع نشأتها المنكسرة. الأمر ليس وعظياً بتاتاً فلقد شاهدت أفلام المخرج السابقة وهى لا تدل أبداً على تديّنه،  لكن خيار إيدا النهائى كان فقط واقعياً، ومخلصاً تماماً لدراسة المؤلفين للشخصية.


يحتوى الفيلم على عديد من المشاهد المذهلة التى لن نستطيع تحديد أيها الأفضل، ومشهد النهاية هو أحد تلك المشاهد التى وصل بها المخرج لأعلى مراحل التأثير، متلاعباً بأدواته البصرية والصوتية والإنفعالية بمهارة فائقة، فالكاميرا لم تتحرك طوال الفيلم إلا فى هذا المشهد، والموسيقى لم تصدر من خارج الدراما إلا فى ذلك المشهد، وإيدا لم تبد إنفعالات مؤثرة إلا فى ذلك المشهد.

فتحريك الكاميرا اليدوى المهزوز بعد 75 دقيقة من السكون التام لهذه الكاميرا يعطى المتفرج الشعور النموذجى بالتوتر المتناسب مع النقلة القوية لحالة البطلة النفسية فى تلك اللحظة.



كما أن اختيار مقطوعة بيانو ليوهان سباستيان باخ بعنوان I Call to You Lord Jesus Christ، لم يكن مصادفة، فبجانب تناغمها الشديد مع حالة الحزن والضعف والشفقة والأسى التى غلّفت المناخ العام للمشهد فإن كلماتها الأصلية التى كتبها “يوهان أجريكولا” للنسخة الكورالية تحتوى على كل معانى الضعف وتوسل الهداية التى تعطى الإنسان الأمل المفقود وتنقذه من العذاب النامى، فهى تقول:-

Lord, hear the voice of my complaint,
To Thee I now commend me,
Let not my heart and hope grow faint,
But deign Thy grace to send me.
True faith from Thee, my God, I seek,
The faith that loves Thee solely.
Keeps me lowly,
And prompt to aid the weak,
And mark each word that Thou dost speak.
من ناحية أخرى، يذكرنى هذا المشهد بمشهد النهاية التاريخى لفيلم "الأربعمئة ضربة / 400 Blows" لفرنسوا تروفو، وفى رأيى أنه الرد عليه، فبعكس الفيلم الأقدم الذى عبّر فيه ركض الفتى على شاطىء البحر عن معانى التحرر والتمرد وخروج الإنسان للعالم، فقد عبّر ركض إيدا فى الفيلم الأحدث عن معانى الإنهزام والضعف ورجوع الإنسان لشرنقته

............
 

قليلة هى الأفلام التى تنجح فى التدليل على أن السينما يمكن أن تكون فناً مستقلاً بذاته وليس مجرد وسيط مساعد لفن الرواية أو القصة.

والفيلم البولندى “إيدا” هو أحدث هذه الأفلام وربما هو الفيلم الأوحد بهذا العام فى جمعه لكل العناصر التى تؤهله لمكانة السينما الخالصة، سواء بثراء وفرادة لغته البصرية أو بدقة تكوين لقطاته أو بجمالية وعذوبة تتابع تلك اللقطات، فضلاً عن القوة والجرأة المفرطة بأطروحاته الفلسفية التى تتناغم مع أسلوب تصويره وإخراجه إلى مدى لا يتكرر كثيراً فى السينما.

إيدا .. كنز السينما لهذا العام

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  3:03 ص 0 تعليقات


شَعرِها خَلاّب ولكنها تُخَبئه.

مَن هى؟
– “إيدا”.

هكذا دار الحوار بين الخالة “فاندا” وأحد الغرباء الذين اعتادت أن تمررهم بفراشها فى ليالى النشوة العابرة التى تنتقم فيها من بؤس القدر وغياب عدالة الآلهة بإستخلاص أكبر قدر من المُتع الحياتية. كانت فى يوم من الأيام مؤمنة بقضية ما وتشارك فى المقاومة ضد الغزو النازى المخبول لبلدها ودفاعاً عن بنى نحلتها من اليهود. كانت تؤمن بالإله والوطن وأصبحت لا تؤمن بشىء بعد أن قُتل طفلها أثناء فوضى الحرب، قُتل لأنه أسمر البشرة ومختون العضو الذكرى (علامات يهودية)، هكذا أخبرها قاتله معتقداً أنه قد حماه من مصير عذاب المحارق الجماعية.


القتل على الهوية، هذا الفعل العبثى المجنون مازال يطارد خيال وفكر الخالة بعد مرور كل تلك السنين، فهى تجيب عشيقها العابر أعلاه بأنها تتحدث عن “إيدا” ولم تقل “آنّا” الذى هو اسم إبنة شقيقتها الرسمى بعد ضمها للمسيحية وهى رضيعة وتأهيلها لتكون راهبة. وكأن إجابة الخالة بمسمى الفتاة اليهودى “إيدا” كانت بمثابة صرخة يحتج فيها عقلها الباطن على سخرية وعبث فكرة الهوية وعواقبها التى ذاقت الخالة مرارها، وهى نفس السخرية التى يوحى بها إختيار عنوان الفيلم .. “إيدا” .. اليهودية التى تنشأ كراهبة كاثوليكية!


إيدا” من الأعمال الفنية التى تتطرق بدرجة ما لفكرة أن هوية الإنسان هى إنسانيته، وأن باقى العوامل هى صدف بيولوجية وجغرافية وإجتماعية فرضت عليه، ولكنه يحاسب عنها، يُحاسب على ما لم يختره.




ولكن ما يتميّز به هذا العمل فى طرحه لتلك الفكرة الفرعية عن كل ما تم تقديمه سابقاً ليس فقط براعة المفارقة التى يقوم عليها بناء القصة، بل أيضاً تسلسل السرد الذى يجعلنا نواقع الحالة بعيون “إيدا”، أى بمنظور خوفها وسذاجتها وتشتتها وحيرتها فى الرحلة التى تخوضها لمعرفة الحقيقة وسط عالم مادى حداثى مُبهر ومُرعب لم تألفه المسكينة ولكنها فى غاية الشوق إلى ذلك.

فحين تخبرها مسئولة الدير بأنهم لطالما راسلوا خالتها عبر سنين نشأتها ولكن الخالة لم ترد، تسارع إيدا الى إختلاق العذر للخالة “لعل الرسائل لم تصلها”، هى لا تسطيع الصبر حتى الفكاك من ذلك السجن المقدس الذى سلب عمرها عقدين من السنين، كما أنها فى غاية شوقها لمعرفة الحقيقة.


والحقيقة فى هذا الفيلم لم تكن فقط أصول وتاريخ عائلة “إيدا”، بل هى حقيقة الوجود نفسه، وتاريخ كل شىء، الحقيقة هنا هى المعنى من الحياة نفسها، وعن إذا ما كان الأمر يستحق كل هذا العناء. إن شوق الأخيرة لمعرفة الحقيقة وإن دلّ على شىء فهو يدل على براءتها، تظن الحقيقة مصدراً للراحة وليست الخطوة الأولى فى رحلة التعاسة والمعاناة، تظن الحقيقة ببساطة وبدائية ما تم تلقينه إياها فى ذلك الدير الذى نشأت به ولا تعرف في الحياة غيره.


ولن نستطيع الاستطراد فى هذا الحديث دون الإشارة للشكل الفيلمى واللغة البصرية التى يتحدث بها الفيلم، والتى كان أبرز مفرداتها هو موقع الإنسان داخل الكادر، فالشخصيات فى الغالب لا تتصدر الشاشة أو تتوسطها بالشكل التقليدى، بل تتخذ زوايا ومنحنيات فى طلتها، سواء إلى جانب النصف الأيسر أو النصف الأيمن أو الربع السفلى من الكادر.




ويتحقق ما سبق بوضوح فى لقطات مثل التى تجمع إيدا وعازف الساكسفون بإحدى شرفات الفندق، حيث لا تظهر الشاشة منهما شيئا سوى فى الربع السفلى منها. ويتحقق أيضاً فى المشهد الذى تسند إيدا ظهرها فيه لأحد الأعمدة داخل الحانة وهى تتأمل تدريبات الفرقة الموسيقية فى الجزء الأيمن من الشاشة، وأيضاً بمشهد قبل النهاية تحبو فيها الراهبات الأربع داخل الدير صانعات بأجسادهن علامات الصليب غير آخذين من الكادر سوى ربعه الأيمن.

تلك اللقطات وغيرها أسهمت فى إيصال ايحاء مفاده أن الإنسان ليس مركزاً للكون، لتتصادم تلك الحقيقة العلمية مع موروثات البطلة الدينية ثم تتناغم مع معاناة وعدم جدوى رحلتها فى معرفة الحقيقة، إنه التعبير البصرى السينمائى فى أكثر حالاته نضجاً، ولكنه لم يكن التعبير الأوحد والأكثر وضوحاً، بل تجلّى الأمر وتأكّد بمشهد آخر وهو واحد من أكثر المشاهد قوةً وصدمةً وجمالاً فى تاريخ السينما، إنه مشهد إنتحار الخالة ملقية بجسدها من شرفة منزلها.


لنسترجع هذا المشهد من بدايته إذاً، فالخالة تقوم بفتح نوافذ الشرفة على مصراعيها، هذا يحدث على أنغام السيمفونية رقم 41 لموزارت المنبعثة من مسجل داخل المنزل والتى تُعد أطول سيمفونياته من حيث مدتها الزمنية، ثم تخرج الخالة من يسار الكادر المثبت تجاه النافذة لتحضر شيئاً وتختفى لثوانٍ، لكن الكادر يبقى والموسيقى تستمر، ثم تعود الخالة إلى الكادر من حيث خرجت لتخرج منه مرة أخرى ولكن هذه المرة ناحية اليمين، ولا تتوقف الموسيقى أو يتغير الكادر بخروجها الثانى، ثم تعود الخالة مرة ثالثة للكادر متجهة مباشرة نحو الشرفة ملقية بجسدها للعدم، وتستمر الموسيقى لعدة ثوانٍ ويبقى الكادر بدونها، فموتها لم يؤثر فى شىء على الإطلاق.




الدلالة البصرية والصوتية لهذا المشهد تؤكد المعنى الذى حاول أسلوب التصوير إيصاله بأن الإنسان ليس مركزاً للكون، وأنه مجرد كائن هامشى فى واقع محايد فسيح لا يهتم لتوافهه، وأن الأول لا يملك سوى المضى فى رحلات العبث وتوارثها، وهذا تحديداً ما حدث فى اللقطة التالية عندما تعود إيدا لمنزل الخالة بعد موتها وأول ما تقوم به هو تشغيل جهاز الجرامافون لاستكمال ما تبقى من مقطوعة موزارت، أو بالأحرى استكمال الرحلة الوعرة، خلفاً للخالة.



تتغير إيدا، تجذبها شهوات الحياة المادية، فتخلع ملابس الرهبنة وتحتسى الخمر وتضاجع عازف الساكسفون فى مشهد مربك، ولكن قبل تناول هذا المشهد يجب الوقوف عند أحد مشاهد هذا الجزء المتحرر من الفيلم، وأقصد هنا المشهد الذى تلتحم فيه إيدا بستارة النافذة وتدور بداخلها حول نفسها حتى تسقط، إنه واحد من أبرع المشاهد فى جماليته وتعبيره البصرى عن الحالة النفسية التى تمر بها البطلة، حالة الفتنة والتأهل للسقوط.


لقد سبق مشهد المضاجعة مشهد راقص لا يوصف سوى بأنه خلاب، اعطته الإضاءة المتوسطة دفئا ساحرا وأعطاه جمال وأنوثة إيدا فى نسختها المتحررة جمالا مضاعفا خاصة بتعثر حركاتها الراقصة التى زادت من ملائكية الشخصية،
فى لحظات كتلك يتحداك أسلوب الصورة الأبيض والأسود لأنك لا تستطيع أن ترى لون شعر إيدا الذى وصفته الخالة فى مشهد ببداية الفيلم بأنه أحمر مثل لون شعر أمها. لم يكن صناع الفيلم بحاجة للإعلان عن هذا اللون الجامح تحديداً اذا كان فيلمهم لن يعرضه، فهى بطلة حمراء الرأس بفيلم أبيض وأسود. وكأن التفصيلة مقصودة لتكريس المشاعر العبثية ببتر الطريق نحو غاية ما وتقديم هدف يصعب إدراكه، ليكون المتفرج فى حالة متماهية مع حالة إيدا فى رحلة بحثها الفاشلة عن المعنى.



نلاحظ أن بلاط الأرضية فى ساحة الرقص أيضاً كان “أبيض وأسود”، وفى نفس المشهد نرى الحائط يحجب الرؤية عن نصف الكادر بالميل، فنرى نصفا أسودا يعيق الصورة ونصفا آخر يعرض رقص إيدا مع الشاب، وكأن الرقص يمثّل خيارا فى الحياة والأسود يمثّل خياراً معاكسا أقرب لحياة إيدا الأولى مع الرهبنة، وهو خيار عبثى أو عدمى لأنه يعيقنا عن رؤية الحياة فى المشهد، والسؤال هنا هو هل حقاً يعبر الخيار الأول (الرقص) بما يمثله من بهجة ومتعة وشهوة عن خيار تفاؤلى ضد العبث؟


هذا ما يجيب عنه المشهد التالى للمضاجعة، المضاجعة التى تمت ببرود وعدم ارتياح من قبل إيدا، نلاحظ أيضاً أسلوب الإضاءة الخافت جدا بهذا المشهد وميله للسواد، لكن الأهم هو الحوار الذى دار بين إيدا والشاب عن خططهم فى المستقبل والذى لم تقل فيه إيدا شىء سوى "وماذا بعد"،

-“سنذهب فى رحلة”
-“وماذا بعد؟”،
-“سنتزوج”
-“وماذا بعد؟”
-“سننجب أطفالا”
-“وماذا بعد؟”
-“مثلما يحدث فى الحياة
”.

أداء الممثلة الشابة “أجاتا تجبوخوفسكا” فى هذا المشهد كان مذهلاً، فتقلبّات جسدها ودرجة صوتها الهادئة الواثقة جاءت مُرعبة ومُحبطة ما يكفى لإعطاء رد فعلها كامل المصداقية فى المشهد التالى، وفضلاً عن أدائها فالتناظر الحوارى نفسه كان مقنعاً ويوضح أن نوع الحياة الآخر هو أيضاً عبث، وإن كان أقل عبثاً من الأول، هى تدرك ذلك لدرجة، فهى أصبحت تضحك على مآدب الغداء الرهبانية، وتغمض عينيها بيأس فى حفل تنصيب إحدى الراهبات الجدد.


حسناً، فإيدا تعرف أن حياتها الأولى أيضاً عبث، ولكنه العبث الذى تعرفه والذى نشأت عليه، العبث الذى يقدم لها إجابة أكثر إغراءً على سؤال “ماذا بعد؟”، أما خيار الحياة الثانية فيستلزم قدرا أكبر من الشجاعة والثقة والقوة التى لا تتحلى بها إيدا ولا تتناسب مع نشأتها المنكسرة. الأمر ليس وعظياً بتاتاً فلقد شاهدت أفلام المخرج السابقة وهى لا تدل أبداً على تديّنه،  لكن خيار إيدا النهائى كان فقط واقعياً، ومخلصاً تماماً لدراسة المؤلفين للشخصية.


يحتوى الفيلم على عديد من المشاهد المذهلة التى لن نستطيع تحديد أيها الأفضل، ومشهد النهاية هو أحد تلك المشاهد التى وصل بها المخرج لأعلى مراحل التأثير، متلاعباً بأدواته البصرية والصوتية والإنفعالية بمهارة فائقة، فالكاميرا لم تتحرك طوال الفيلم إلا فى هذا المشهد، والموسيقى لم تصدر من خارج الدراما إلا فى ذلك المشهد، وإيدا لم تبد إنفعالات مؤثرة إلا فى ذلك المشهد.

فتحريك الكاميرا اليدوى المهزوز بعد 75 دقيقة من السكون التام لهذه الكاميرا يعطى المتفرج الشعور النموذجى بالتوتر المتناسب مع النقلة القوية لحالة البطلة النفسية فى تلك اللحظة.



كما أن اختيار مقطوعة بيانو ليوهان سباستيان باخ بعنوان I Call to You Lord Jesus Christ، لم يكن مصادفة، فبجانب تناغمها الشديد مع حالة الحزن والضعف والشفقة والأسى التى غلّفت المناخ العام للمشهد فإن كلماتها الأصلية التى كتبها “يوهان أجريكولا” للنسخة الكورالية تحتوى على كل معانى الضعف وتوسل الهداية التى تعطى الإنسان الأمل المفقود وتنقذه من العذاب النامى، فهى تقول:-

Lord, hear the voice of my complaint,
To Thee I now commend me,
Let not my heart and hope grow faint,
But deign Thy grace to send me.
True faith from Thee, my God, I seek,
The faith that loves Thee solely.
Keeps me lowly,
And prompt to aid the weak,
And mark each word that Thou dost speak.
من ناحية أخرى، يذكرنى هذا المشهد بمشهد النهاية التاريخى لفيلم "الأربعمئة ضربة / 400 Blows" لفرنسوا تروفو، وفى رأيى أنه الرد عليه، فبعكس الفيلم الأقدم الذى عبّر فيه ركض الفتى على شاطىء البحر عن معانى التحرر والتمرد وخروج الإنسان للعالم، فقد عبّر ركض إيدا فى الفيلم الأحدث عن معانى الإنهزام والضعف ورجوع الإنسان لشرنقته

............
 

قليلة هى الأفلام التى تنجح فى التدليل على أن السينما يمكن أن تكون فناً مستقلاً بذاته وليس مجرد وسيط مساعد لفن الرواية أو القصة.

والفيلم البولندى “إيدا” هو أحدث هذه الأفلام وربما هو الفيلم الأوحد بهذا العام فى جمعه لكل العناصر التى تؤهله لمكانة السينما الخالصة، سواء بثراء وفرادة لغته البصرية أو بدقة تكوين لقطاته أو بجمالية وعذوبة تتابع تلك اللقطات، فضلاً عن القوة والجرأة المفرطة بأطروحاته الفلسفية التى تتناغم مع أسلوب تصويره وإخراجه إلى مدى لا يتكرر كثيراً فى السينما.

0 التعليقات:


نعيش هذه الفترة واقعاً أصبحت فيه السينما الأميريكية المستقلة - أسميها أحياناً سينما الشاطىء الشرقى – تطل علينا فى كل عام بتجارب تخطف بها القلب والعقل معاً، وبميزانيات مالية شديدة التواضع. أفلام يتم تصويرها في غرفتين وصالة ومقهى وشارع ملكاً للحكومة، قادرة على إنتزاع المشاعر والضحكات والتأملات وأحياناً الدمعات بأبسط الطرق، دون إبتذال أو إبتزاز. فهى أقرب للسينما الأوروبية وربما لا تتشارك مع هوليوود فى شىء سوى فى أنها تعترف بالموسيقى التصويرية. لم ألتقط أنفاسى بعد من جنون Frances Ha فى العام الماضي، أو من عذوبة Liberal Arts فى العام قبل الماضي، لتتفاقم الجرعة هذا العام بطبيعية Obvious Child.

الطبيعية هى السمة الأبرز والأنسب لوصف هذا الفيلم بإختصار، فهى السمة الأكثر طغياناً على كل شىء، بداية من تركيبة شخصية بطلة الفيلم الخرقاء، مروراً بتناول قضية شائكة مثل الإجهاض تناولا يعبر عن حقيقة التجربة النفسية والوجودية التى يمر بها الأشخاص المقبلون على تلك الفعلة دون تسفيه أو تضخيم، ودون وعظ أو تسييس، تناولا يجعل الإنسان بمشاعره وهواجسه فوق كل شىء، ووصولاً لطبيعية القصة ذاتها وما يتخللها من علاقات إنسانية لا تسير على الدرب التقليدى للأفلام الكوميدية الرومانسية الأميريكية.

اثار هذا الفيلم كثيراً من الإهتمام وقت عرضه الأول بمهرجان "صندانس" بداية هذا العام، كونه فيلماً كوميدياً عن الإجهاض، نعم الإجهاض إحدى تيمات الفيلم الرئيسية، لكن لا نستطيع أن نقول إن الفيلم عن الإجهاض، بل هو بالأحرى عن شخصيته الرئيسية، "دونا"، وهى فتاة نيويوركية فى أواخر عقدها الثالث تعمل فى محل لبيع الكتب القديمة وفى المساء تؤدى عروضاً كوميدية Stand Up Comedy بإحدى الحانات، بعد إنفصالها عن حبيبها فى بداية الفيلم بسبب خيانته لها مع صديقتها المفضلة، ما يجعلها تمر بأزمة نفسية ثم ينتهى بها الحال إلى مضاجعة أحد الغرباء، ويدعى "ماكس"، فى ليلة عابرة أو One Night Stand، تكتشف بعدها بأسابيع قليلة أنها حملت منه، وتصبح أمام خيار واحد، أن تجهض هذا الحمل؛ لأنها غير مستعدة لحياة الأمومة، فهى بالكاد تتحمل مصاريف نفسها وأفعالها الخرقاء غير المسئولة، وهى حتى لا تملك ثمن عملية الإجهاض.


لو كان الفيلم عن موضوع ما بالفعل، فهو صراع داخلى بين النضج والطفولة يواجهانه "دونا" و"ماكس". تعبّر الأولى عن موقفها من التقدم فى العمر من خلال عرضها الكوميدى الأخير حين تقول "أردت دوماً أن أكون إمرأة ناضجة، أردت دائماً أن يكون لى حمالة صدر وبلوزة وجدول أعمال، وأن أشعر أنى متأخرة عن معياد ما" .. بينما يعبّر "ماكس" عن نفس الشعور حين يخبر "دونا" فى أحد حواراتهما العابرة أنه لا يستطيع الصبر حتى يصبح له أحفاد. ولكن التقدم فى العمر بما يحمله من مسئوليات وإلتزامات شىء مخيف أكثر من تمنياتهم الصبيانية التى تم كسرها فوق صخرة أول اختبار حقيقى لهما بدخول نادى النضج، ما جعلهما يلقيان بتلك التمنيات الكاذبة عرض الحائط ويتوافقان على إجهاض الطفل. يؤكد عنوان الفيلم هذا الطرح، وهو العنوان المأخوذ عن أغنية لـ"بول سايمون" موضوعها التقدم فى العمر، ويعطي هذا السلوك الواقعى تجاه هذا الأمر للفيلم نقاط اتميزه على أفلام مشابهة أخرى مثل Knocked Up و Juno، اللذين فضّلا الحل الآخر.

هذا الفيلم ينضم بقوة للموجة الجديدة من سينما المرأة النيويوركية التى بدأتها المؤلفة والمخرجة والممثلة "لينا دونهام" منذ أعوام بفيلم Tiny Furniture، ثم إستكملتها بمسلسلها الشهير Girls، وإنضم لنفس الموجة "نوه بامباك" و"جريتا جيرويج" فى العام الماضى بفيلمهما العلامة Frances Ha، ثم أتى هذا العام Obvious Child ليواصل تقديم معاناة أنثى المدينة الشابة الأكثر معاصرة بشكل واقعى تغيب فيه أى رتوش سينمائية تقليدية. أداء "جينى سليت" بهذا الفيلم كان مذهلاً حقاً، وهو أفضل أداء نسائى شاهدته هذا العام حتى الآن، هى من أعطت الفيلم سمته الرئيسية التى تحدثت عنها بالفقرة الثانية من هذا المقال، سمة الطبيعية، ساعدها فى ذلك خيار عدم إستخدامها للماكياج سوى فى مشاهد عروضها الكوميدية، بالإضافة لعفويتها الملحوظة وتمتعها بقدرات إنفعالية وتعبيرية غير تقليدية. استعان صُناع الفيلم بجملة كتبها أحد النقاد ليضعوها على أفيش فيلمهم، فى هذه الجملة يصف الناقد أداء "سليت" بأنه أداء صانع للنجومية .. أعتقد أنه أتى بالخلاصة.

رغم أن الفيلم يميل ليحسب على تصنيف الكوميديا الخفيفة أو Light Comedy إلا أنه نجح فى أن ينتزع كمية من الضحك لم تنجح فى إنتزاعها أفلام أخرى من إنتاج هذا العام تتعامل مع نفسها ككوميديا صريحة كفيلم Neighbours على سبيل المثال، وأخص بالذكر مشهد العرض الكوميدى الأخير، ومشهد إجتماع "دونا" مع زميلها فى الحانة داخل منزله حين إضطر لخلع قميصه. ينتهى الفيلم بمشهد يجمع "دونا" و"ماكس" وهما جالسان أمام شاشة التلفاز، يبحث "ماكس" عبر الريموت عن فيلم ليشاهدانه سوياً، لا يجد سوى فيلم Gone with the Wind، فى البداية تعترض "دونا" على هذا الفيلم بسبب مدة عرضه الطويلة جداً، فيسألها "ماكس" إن كان لديها ميعاد أو التزامات تمنعها من مشاهدة فيلم بمدة طويلة، فتجيبه بإبتسامة النفى ثم تلتفت نحو الشاشة لتشاهد الفيلم، حسناً، فتلك نهاية بها من الذكاء ما يحاكى الهم الرئيسى للشخصيتين بمواراة حوارية فذة، قد تكون معبّرة أيضاً عن ما هما مقدمان عليه فى أسلوب حياتهما.

Obvious Child .. سبب آخر للوقوع فى غرام السينما المستقلة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  2:41 ص 0 تعليقات


نعيش هذه الفترة واقعاً أصبحت فيه السينما الأميريكية المستقلة - أسميها أحياناً سينما الشاطىء الشرقى – تطل علينا فى كل عام بتجارب تخطف بها القلب والعقل معاً، وبميزانيات مالية شديدة التواضع. أفلام يتم تصويرها في غرفتين وصالة ومقهى وشارع ملكاً للحكومة، قادرة على إنتزاع المشاعر والضحكات والتأملات وأحياناً الدمعات بأبسط الطرق، دون إبتذال أو إبتزاز. فهى أقرب للسينما الأوروبية وربما لا تتشارك مع هوليوود فى شىء سوى فى أنها تعترف بالموسيقى التصويرية. لم ألتقط أنفاسى بعد من جنون Frances Ha فى العام الماضي، أو من عذوبة Liberal Arts فى العام قبل الماضي، لتتفاقم الجرعة هذا العام بطبيعية Obvious Child.

الطبيعية هى السمة الأبرز والأنسب لوصف هذا الفيلم بإختصار، فهى السمة الأكثر طغياناً على كل شىء، بداية من تركيبة شخصية بطلة الفيلم الخرقاء، مروراً بتناول قضية شائكة مثل الإجهاض تناولا يعبر عن حقيقة التجربة النفسية والوجودية التى يمر بها الأشخاص المقبلون على تلك الفعلة دون تسفيه أو تضخيم، ودون وعظ أو تسييس، تناولا يجعل الإنسان بمشاعره وهواجسه فوق كل شىء، ووصولاً لطبيعية القصة ذاتها وما يتخللها من علاقات إنسانية لا تسير على الدرب التقليدى للأفلام الكوميدية الرومانسية الأميريكية.

اثار هذا الفيلم كثيراً من الإهتمام وقت عرضه الأول بمهرجان "صندانس" بداية هذا العام، كونه فيلماً كوميدياً عن الإجهاض، نعم الإجهاض إحدى تيمات الفيلم الرئيسية، لكن لا نستطيع أن نقول إن الفيلم عن الإجهاض، بل هو بالأحرى عن شخصيته الرئيسية، "دونا"، وهى فتاة نيويوركية فى أواخر عقدها الثالث تعمل فى محل لبيع الكتب القديمة وفى المساء تؤدى عروضاً كوميدية Stand Up Comedy بإحدى الحانات، بعد إنفصالها عن حبيبها فى بداية الفيلم بسبب خيانته لها مع صديقتها المفضلة، ما يجعلها تمر بأزمة نفسية ثم ينتهى بها الحال إلى مضاجعة أحد الغرباء، ويدعى "ماكس"، فى ليلة عابرة أو One Night Stand، تكتشف بعدها بأسابيع قليلة أنها حملت منه، وتصبح أمام خيار واحد، أن تجهض هذا الحمل؛ لأنها غير مستعدة لحياة الأمومة، فهى بالكاد تتحمل مصاريف نفسها وأفعالها الخرقاء غير المسئولة، وهى حتى لا تملك ثمن عملية الإجهاض.


لو كان الفيلم عن موضوع ما بالفعل، فهو صراع داخلى بين النضج والطفولة يواجهانه "دونا" و"ماكس". تعبّر الأولى عن موقفها من التقدم فى العمر من خلال عرضها الكوميدى الأخير حين تقول "أردت دوماً أن أكون إمرأة ناضجة، أردت دائماً أن يكون لى حمالة صدر وبلوزة وجدول أعمال، وأن أشعر أنى متأخرة عن معياد ما" .. بينما يعبّر "ماكس" عن نفس الشعور حين يخبر "دونا" فى أحد حواراتهما العابرة أنه لا يستطيع الصبر حتى يصبح له أحفاد. ولكن التقدم فى العمر بما يحمله من مسئوليات وإلتزامات شىء مخيف أكثر من تمنياتهم الصبيانية التى تم كسرها فوق صخرة أول اختبار حقيقى لهما بدخول نادى النضج، ما جعلهما يلقيان بتلك التمنيات الكاذبة عرض الحائط ويتوافقان على إجهاض الطفل. يؤكد عنوان الفيلم هذا الطرح، وهو العنوان المأخوذ عن أغنية لـ"بول سايمون" موضوعها التقدم فى العمر، ويعطي هذا السلوك الواقعى تجاه هذا الأمر للفيلم نقاط اتميزه على أفلام مشابهة أخرى مثل Knocked Up و Juno، اللذين فضّلا الحل الآخر.

هذا الفيلم ينضم بقوة للموجة الجديدة من سينما المرأة النيويوركية التى بدأتها المؤلفة والمخرجة والممثلة "لينا دونهام" منذ أعوام بفيلم Tiny Furniture، ثم إستكملتها بمسلسلها الشهير Girls، وإنضم لنفس الموجة "نوه بامباك" و"جريتا جيرويج" فى العام الماضى بفيلمهما العلامة Frances Ha، ثم أتى هذا العام Obvious Child ليواصل تقديم معاناة أنثى المدينة الشابة الأكثر معاصرة بشكل واقعى تغيب فيه أى رتوش سينمائية تقليدية. أداء "جينى سليت" بهذا الفيلم كان مذهلاً حقاً، وهو أفضل أداء نسائى شاهدته هذا العام حتى الآن، هى من أعطت الفيلم سمته الرئيسية التى تحدثت عنها بالفقرة الثانية من هذا المقال، سمة الطبيعية، ساعدها فى ذلك خيار عدم إستخدامها للماكياج سوى فى مشاهد عروضها الكوميدية، بالإضافة لعفويتها الملحوظة وتمتعها بقدرات إنفعالية وتعبيرية غير تقليدية. استعان صُناع الفيلم بجملة كتبها أحد النقاد ليضعوها على أفيش فيلمهم، فى هذه الجملة يصف الناقد أداء "سليت" بأنه أداء صانع للنجومية .. أعتقد أنه أتى بالخلاصة.

رغم أن الفيلم يميل ليحسب على تصنيف الكوميديا الخفيفة أو Light Comedy إلا أنه نجح فى أن ينتزع كمية من الضحك لم تنجح فى إنتزاعها أفلام أخرى من إنتاج هذا العام تتعامل مع نفسها ككوميديا صريحة كفيلم Neighbours على سبيل المثال، وأخص بالذكر مشهد العرض الكوميدى الأخير، ومشهد إجتماع "دونا" مع زميلها فى الحانة داخل منزله حين إضطر لخلع قميصه. ينتهى الفيلم بمشهد يجمع "دونا" و"ماكس" وهما جالسان أمام شاشة التلفاز، يبحث "ماكس" عبر الريموت عن فيلم ليشاهدانه سوياً، لا يجد سوى فيلم Gone with the Wind، فى البداية تعترض "دونا" على هذا الفيلم بسبب مدة عرضه الطويلة جداً، فيسألها "ماكس" إن كان لديها ميعاد أو التزامات تمنعها من مشاهدة فيلم بمدة طويلة، فتجيبه بإبتسامة النفى ثم تلتفت نحو الشاشة لتشاهد الفيلم، حسناً، فتلك نهاية بها من الذكاء ما يحاكى الهم الرئيسى للشخصيتين بمواراة حوارية فذة، قد تكون معبّرة أيضاً عن ما هما مقدمان عليه فى أسلوب حياتهما.

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top