جميع المواضيع

فى سابقة لم تحدث فى تاريخ مهرجان «كان» منذ عقود، يتشارك مخرج مع ممثلينه الفوز بجائزة السعفة الذهبية، والتى عادة ما تمنح لمخرج العمل فقط، ولكننا هنا أمام فيلم استثنائى يستحق ان يحصد سعفته بطريقة استثنائية ايضا. كان ذلك فى النسخة الأخيرة للمهرجان التى اقيمت فى مايو الماضى، حيث تقاسمت الجائزة بطلتى فيلم "حياة أديل" وهما الممثلة الناشئة «أديل اكساركوبلس» والنجمة الفرنسية «لى سيدو» مع المخرج عبد اللطيف كشيش .. ربما كان ذلك نابعاً من شعور بالذنب لدى لجنة التحكيم التى منحت جائزة أفضل ممثلة للنجمة «برينيس بيجو» عن دورها فى فيلم "الماضى" للايرانى «أصغر فرهادى» والذى بدى اختيار غير موفق أو مجامل، فالقول ان الأخيرة، بأدائها العادى الذى لم يخلو احياناً من الافتعال والمبالغة، قد تفوقت على «أديل اكساركوبلس» هى اهانة فى حق قائلها أولاً وأخيراً، فكان لابد من تصحيح هذا الخطأ الفادح من لجنة التحكيم الموقرة، بتعويض الاخيرة بان تقتسم مع مخرج العمل جائزته بمشاركة ممثلتها المساعدة.

«حياة أديل» ليس فيلماً عن المثلية الجنسية ولا للدعاية لها ولا عن قبول المختلف ولا عن نظرة المجتمع للمثليين ولا اى من تلك الشعارات التى قد تتوقعها عند قراءة ملخصاً عن قصة الفيلم قبل ان تشاهده، ولا يجب أن تخفت اثارتك عندما تعلم انه ليس سوى عن «حياة أديل» كما يشير عنوانه باللغة الفرنسية، وان هذه هى التيمة الاساسية بالفيلم، أما ما سبق فهو ما يتخلل تلك الحياة من تيمات فرعية على رأسها قصة حبها الأول لـ «إيما»، كيف بدأت وكيف انتهت وما تخللها من صراعات. «أديل» الفتاة الخجولة قليلة الثقة بنفسها، والتى تكاد تختم سنوات المراهقة مع سنوات الدراسة الثانوية دون ان تعلم اجابات على اسئلة من نوعية "من انا؟" و"ماذا اريد؟" و"كيف أحققه؟" سوى انها تريد ان تعمل معلمة بعد تخرجها من المدرسة، تستمع لاحاديث صديقاتها عن الفتيان والعلاقات وتعجبهم من انعدام علاقاتها، فتقرر خوض التجربة مع الفتى "توماس" لتثبت لنفسها ولرفيقاتها انها مثلهم تماماً، ولكنها تنهى العلاقة بعد ايام قليلة من فقدانها لعذريتها معه حين تدرك ان علاقات كتلك ليست لها. تذهب مع صديقها المثلى الى احد الحانات الخاصة بالمثليين، لتتعرف هناك على "إيما"، فتاة مثلية فى السنة الأخيرة من كلية الفنون الجميلة، كانت "أديل" قد سبق وشاهدتها ذات مرة اثناء سيرها فى أحد شوارع مدينة "ليل" الفرنسية ولفتت انتباهها لها بشعرها القصير ذات اللون الأزرق.

- «ما هى مادتك المفضلة؟».
- «الأمر يعتمد على معلم المادة، فلو أعجبنى اسلوبه سوف اشعر بشغف نحو مادته ومن ثم تكون مادتى المفضلة».
كان ذلك جزء من حوار "إيما" و"أديل" فى لقائهم الأول داخل الحانة، حين تسأل الأولى عن المادة التى تفضلها الثانية فى دراستها فتأتيها الاجابة بذلك الشكل، وفى رأيى ان ذلك الجزء من الحوار لم يكتفى بالتعبير عن سر ولع "أديل" بمهنة التدريس، ولا لمجرد الاجابة على سؤال إيما فقط، ولكنه كان ايضا اسقاط على ميولها الجنسية المزدوجة، وهو ما سنتأكد منه مع توالى الأحداث، انها تنجذب للشخصية التى تثيرها بغض النظر عن هويتها الجنسية، أما عن "إيما" التى كانت متصالحة مع طبيعة ميولها الجنسية فكانت تهوى الرسم الذى لم تكن "أديل" تعلم عنه الكثير.

- «هل تحبى الرسم؟»
- «نعم بالطبع، ولكنى لا أعلم الكثير عنه.»
- «من تعرفين من الفنانين؟»
- «اعرف بيكاسو»

(وهى تضحك) - «من غيره؟»
- «بيكاسو»
- «ولكنك بالطبع تعرفين ....»
- «بيكاسو»
(يضحكان)

الرسم لم يكن الأمر الوحيد الذى لا يجمعهن، بل كل شىء، بداية من مظهر "ايما" الغريب، مروراً بالتباين الفاحش بين أسرة كل منهما، أسرة "إيما" المتحررة المتسامحة مع ميول ابنتهم الجنسية والمنشغلة بالفن والثقافة ما يجعل منزلهم مصغر لاحد روابط "الهيبيز" السبعيناتية، وأسرة "أديل" المحافظة التى لا تعلم شىء عن العلاقة المثلية التى تربط ابنتهم بـ "إيما"، حيث أخبرتهم "أديل" بأنها مجرد صديقة تساعدها فى دروس الفلسفة، وبدى الأب والأم عمليين وماديين للغاية.

- «عند سارتر، الوجود يسبق الماهية»
- «لا أفهم ذلك، ففى اعتقادى ان تقديم الوجود على الماهية يشبه جدلية البيضة والدجاجة»

هكذا جاء رد "أديل" على "إيما" أثناء عرض الاخيرة لفكر الفيلسوف «جان بول سارتر» الذى تؤمن به، والذى بدى رد شديد التسطيح، وأظهر جانب آخر من الاختلافات بينهن التى لم تتوقف عند ذلك، بل امتدت لتشمل محيط أصدقاء كل منهن، "إيما" وأصدقائها باهتمامتهم الفنية الثقافية الفكرية، و"أديل" وأصدقائها باهتمامتهم السطحية التقليدية العوامية، وهو انعكاس لشخصة كل منهن.

مع كل ذلك التباين يظهر السؤال، ما الذى يجمعهن؟ .. وتأتى الإجابة سريعاً وبوضوح فى مشاهد ممتدة وطويلة تجمعهن وهن يمارسن الجنس، مارسانه فى كل مرة كأنها الأخيرة، لم يتركن ذرة شهوة واحدة دون اشباع، كما لم تترك احداهن جزءاً من جسد الأخرى دون تمتع به، انسجامهن الجنسى كان رائعاً، وربما كان كافياً لتعويض باقى التباينات، ولكن نادراً ما ينجح الجنس وحده فى ابقاء علاقة لأطول فترة ممكنة، وتحدث الحياة، وتخفت العلاقة متزامنة مع اختفاء الصبغة الزرقاء لشعر "إيما".

«الم يكن من الممكن تقليل مدة المشاهد الجنسية من زمن الفيلم مع عدم توضيح تفاصيلها الدقيقة؟» - هكذا يتسائل كثير ممن شاهدوا الفيلم، والاجابة فى رأيى هى «لا» .. فالجنس، كما وضحت سابقا، كان الأمر الأكثر أهمية فى علاقتهن، والشىء المشترك الوحيد بينهن، وعبّرت به الشخصيتان عن شهواتهن ونزعاتهن واحتياجاتهن واشباعهن بشكل بديع، لقد قالت المشاهد الجنسية ما لن تستطع ان تقوله الحوارات والأحداث التقليدية .. لقد كان كل شىء عن الجنس من الاساس، اذن فمن الطبيعى ان تفرد له مساحة كتلك التى فردت له.

الفيلم اقتبسه المخرج عبد اللطيف كشيش عن رواية مصوّرة بعنوان "الأزرق هو اللون الدافىء"، وقد أجاد فى تحويله لفيلم لافت ومميز، لا يترك ذاكرة المتفرج سريعاً، كان بارعاً فى التحكم بالممثلين والمجاميع، وهذا ما وضح جليا فى مشاهد الاحتجاجات، ومشهد مسيرات المثليين، ومشهد معاتبة صديقات "أديل" لها على عدم اخبارهن بسهرتها فى احد حانات المثليين الذى انتهى بشجارها مع احداهن، ومشاهد الجنس جميعها وخاصة المتعلق بفانتازيا "أديل".

ولكن المشهدين الأروع على الاطلاق هما: أولا مشهد النهاية، حيث يفشل صديقها ذو الاصول العربية من تتبع خط سيرها خارج معرض اللوحات فى لقطة تبدو قاسية لما بها من عبثية، ولكن فى نهايتها اشعرتنى ببعض الامل انه ربما لم يجدها ولكن الفرصة لازالت متاحة له او لغيره فيما هو قادم لو تصادف مرورهما فى نفس الطريق، ربما تكون قرائتى التفاؤلية لذلك المشهد ذاتية وغير موضوعية، ولكن التفاؤل مسموح به مع النهايات المفتوحة ... أما المشهد الأروع الثانى فكان مشهد مشاجرة "أديل" و"إيما" فى منزل الأخيرة قبل ان تطرد الأولى منه، لقد أظهر ذلك المشهد قدرات تمثيلية جبارة عند الممثلة «أديل اكساركوبلس»، تجعلها فى رأيى العنصر الأهم فى الفيلم، وربما افضل ممثلة اشاهدها فى هذا العام، ربما تغيّر "كيت بلانشيت" هذه القناعة عندما اشاهد دورها مع وودى ألان فى «بلو جاسمين»، ولكن حتى تأتى هذه اللحظة تبقى "أديل" محلقة على عرش ممثلات هذا العام.


التقييم: 9/10

«حياة أديل» .. ميلاد ممثلة مذهلة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:12 م 2 تعليقات

فى سابقة لم تحدث فى تاريخ مهرجان «كان» منذ عقود، يتشارك مخرج مع ممثلينه الفوز بجائزة السعفة الذهبية، والتى عادة ما تمنح لمخرج العمل فقط، ولكننا هنا أمام فيلم استثنائى يستحق ان يحصد سعفته بطريقة استثنائية ايضا. كان ذلك فى النسخة الأخيرة للمهرجان التى اقيمت فى مايو الماضى، حيث تقاسمت الجائزة بطلتى فيلم "حياة أديل" وهما الممثلة الناشئة «أديل اكساركوبلس» والنجمة الفرنسية «لى سيدو» مع المخرج عبد اللطيف كشيش .. ربما كان ذلك نابعاً من شعور بالذنب لدى لجنة التحكيم التى منحت جائزة أفضل ممثلة للنجمة «برينيس بيجو» عن دورها فى فيلم "الماضى" للايرانى «أصغر فرهادى» والذى بدى اختيار غير موفق أو مجامل، فالقول ان الأخيرة، بأدائها العادى الذى لم يخلو احياناً من الافتعال والمبالغة، قد تفوقت على «أديل اكساركوبلس» هى اهانة فى حق قائلها أولاً وأخيراً، فكان لابد من تصحيح هذا الخطأ الفادح من لجنة التحكيم الموقرة، بتعويض الاخيرة بان تقتسم مع مخرج العمل جائزته بمشاركة ممثلتها المساعدة.

«حياة أديل» ليس فيلماً عن المثلية الجنسية ولا للدعاية لها ولا عن قبول المختلف ولا عن نظرة المجتمع للمثليين ولا اى من تلك الشعارات التى قد تتوقعها عند قراءة ملخصاً عن قصة الفيلم قبل ان تشاهده، ولا يجب أن تخفت اثارتك عندما تعلم انه ليس سوى عن «حياة أديل» كما يشير عنوانه باللغة الفرنسية، وان هذه هى التيمة الاساسية بالفيلم، أما ما سبق فهو ما يتخلل تلك الحياة من تيمات فرعية على رأسها قصة حبها الأول لـ «إيما»، كيف بدأت وكيف انتهت وما تخللها من صراعات. «أديل» الفتاة الخجولة قليلة الثقة بنفسها، والتى تكاد تختم سنوات المراهقة مع سنوات الدراسة الثانوية دون ان تعلم اجابات على اسئلة من نوعية "من انا؟" و"ماذا اريد؟" و"كيف أحققه؟" سوى انها تريد ان تعمل معلمة بعد تخرجها من المدرسة، تستمع لاحاديث صديقاتها عن الفتيان والعلاقات وتعجبهم من انعدام علاقاتها، فتقرر خوض التجربة مع الفتى "توماس" لتثبت لنفسها ولرفيقاتها انها مثلهم تماماً، ولكنها تنهى العلاقة بعد ايام قليلة من فقدانها لعذريتها معه حين تدرك ان علاقات كتلك ليست لها. تذهب مع صديقها المثلى الى احد الحانات الخاصة بالمثليين، لتتعرف هناك على "إيما"، فتاة مثلية فى السنة الأخيرة من كلية الفنون الجميلة، كانت "أديل" قد سبق وشاهدتها ذات مرة اثناء سيرها فى أحد شوارع مدينة "ليل" الفرنسية ولفتت انتباهها لها بشعرها القصير ذات اللون الأزرق.

- «ما هى مادتك المفضلة؟».
- «الأمر يعتمد على معلم المادة، فلو أعجبنى اسلوبه سوف اشعر بشغف نحو مادته ومن ثم تكون مادتى المفضلة».
كان ذلك جزء من حوار "إيما" و"أديل" فى لقائهم الأول داخل الحانة، حين تسأل الأولى عن المادة التى تفضلها الثانية فى دراستها فتأتيها الاجابة بذلك الشكل، وفى رأيى ان ذلك الجزء من الحوار لم يكتفى بالتعبير عن سر ولع "أديل" بمهنة التدريس، ولا لمجرد الاجابة على سؤال إيما فقط، ولكنه كان ايضا اسقاط على ميولها الجنسية المزدوجة، وهو ما سنتأكد منه مع توالى الأحداث، انها تنجذب للشخصية التى تثيرها بغض النظر عن هويتها الجنسية، أما عن "إيما" التى كانت متصالحة مع طبيعة ميولها الجنسية فكانت تهوى الرسم الذى لم تكن "أديل" تعلم عنه الكثير.

- «هل تحبى الرسم؟»
- «نعم بالطبع، ولكنى لا أعلم الكثير عنه.»
- «من تعرفين من الفنانين؟»
- «اعرف بيكاسو»

(وهى تضحك) - «من غيره؟»
- «بيكاسو»
- «ولكنك بالطبع تعرفين ....»
- «بيكاسو»
(يضحكان)

الرسم لم يكن الأمر الوحيد الذى لا يجمعهن، بل كل شىء، بداية من مظهر "ايما" الغريب، مروراً بالتباين الفاحش بين أسرة كل منهما، أسرة "إيما" المتحررة المتسامحة مع ميول ابنتهم الجنسية والمنشغلة بالفن والثقافة ما يجعل منزلهم مصغر لاحد روابط "الهيبيز" السبعيناتية، وأسرة "أديل" المحافظة التى لا تعلم شىء عن العلاقة المثلية التى تربط ابنتهم بـ "إيما"، حيث أخبرتهم "أديل" بأنها مجرد صديقة تساعدها فى دروس الفلسفة، وبدى الأب والأم عمليين وماديين للغاية.

- «عند سارتر، الوجود يسبق الماهية»
- «لا أفهم ذلك، ففى اعتقادى ان تقديم الوجود على الماهية يشبه جدلية البيضة والدجاجة»

هكذا جاء رد "أديل" على "إيما" أثناء عرض الاخيرة لفكر الفيلسوف «جان بول سارتر» الذى تؤمن به، والذى بدى رد شديد التسطيح، وأظهر جانب آخر من الاختلافات بينهن التى لم تتوقف عند ذلك، بل امتدت لتشمل محيط أصدقاء كل منهن، "إيما" وأصدقائها باهتمامتهم الفنية الثقافية الفكرية، و"أديل" وأصدقائها باهتمامتهم السطحية التقليدية العوامية، وهو انعكاس لشخصة كل منهن.

مع كل ذلك التباين يظهر السؤال، ما الذى يجمعهن؟ .. وتأتى الإجابة سريعاً وبوضوح فى مشاهد ممتدة وطويلة تجمعهن وهن يمارسن الجنس، مارسانه فى كل مرة كأنها الأخيرة، لم يتركن ذرة شهوة واحدة دون اشباع، كما لم تترك احداهن جزءاً من جسد الأخرى دون تمتع به، انسجامهن الجنسى كان رائعاً، وربما كان كافياً لتعويض باقى التباينات، ولكن نادراً ما ينجح الجنس وحده فى ابقاء علاقة لأطول فترة ممكنة، وتحدث الحياة، وتخفت العلاقة متزامنة مع اختفاء الصبغة الزرقاء لشعر "إيما".

«الم يكن من الممكن تقليل مدة المشاهد الجنسية من زمن الفيلم مع عدم توضيح تفاصيلها الدقيقة؟» - هكذا يتسائل كثير ممن شاهدوا الفيلم، والاجابة فى رأيى هى «لا» .. فالجنس، كما وضحت سابقا، كان الأمر الأكثر أهمية فى علاقتهن، والشىء المشترك الوحيد بينهن، وعبّرت به الشخصيتان عن شهواتهن ونزعاتهن واحتياجاتهن واشباعهن بشكل بديع، لقد قالت المشاهد الجنسية ما لن تستطع ان تقوله الحوارات والأحداث التقليدية .. لقد كان كل شىء عن الجنس من الاساس، اذن فمن الطبيعى ان تفرد له مساحة كتلك التى فردت له.

الفيلم اقتبسه المخرج عبد اللطيف كشيش عن رواية مصوّرة بعنوان "الأزرق هو اللون الدافىء"، وقد أجاد فى تحويله لفيلم لافت ومميز، لا يترك ذاكرة المتفرج سريعاً، كان بارعاً فى التحكم بالممثلين والمجاميع، وهذا ما وضح جليا فى مشاهد الاحتجاجات، ومشهد مسيرات المثليين، ومشهد معاتبة صديقات "أديل" لها على عدم اخبارهن بسهرتها فى احد حانات المثليين الذى انتهى بشجارها مع احداهن، ومشاهد الجنس جميعها وخاصة المتعلق بفانتازيا "أديل".

ولكن المشهدين الأروع على الاطلاق هما: أولا مشهد النهاية، حيث يفشل صديقها ذو الاصول العربية من تتبع خط سيرها خارج معرض اللوحات فى لقطة تبدو قاسية لما بها من عبثية، ولكن فى نهايتها اشعرتنى ببعض الامل انه ربما لم يجدها ولكن الفرصة لازالت متاحة له او لغيره فيما هو قادم لو تصادف مرورهما فى نفس الطريق، ربما تكون قرائتى التفاؤلية لذلك المشهد ذاتية وغير موضوعية، ولكن التفاؤل مسموح به مع النهايات المفتوحة ... أما المشهد الأروع الثانى فكان مشهد مشاجرة "أديل" و"إيما" فى منزل الأخيرة قبل ان تطرد الأولى منه، لقد أظهر ذلك المشهد قدرات تمثيلية جبارة عند الممثلة «أديل اكساركوبلس»، تجعلها فى رأيى العنصر الأهم فى الفيلم، وربما افضل ممثلة اشاهدها فى هذا العام، ربما تغيّر "كيت بلانشيت" هذه القناعة عندما اشاهد دورها مع وودى ألان فى «بلو جاسمين»، ولكن حتى تأتى هذه اللحظة تبقى "أديل" محلقة على عرش ممثلات هذا العام.


التقييم: 9/10

2 التعليقات:


دراما اسرائيلية هى العمل الاخراجى الاول للأخوين "باظ"، عن شاب يتعرض لصدمة ما فى حياته الاجتماعية (لم يتم توضيحها جيداً خلال الاحداث)، فتحدث له مشكلة نفسية فى التواصل مع المجتمع (اجورافوبيا) ويقرر ان يبقى وحيداً فى منزله معتمداً على افرازات العولمة فى حياته، فالطعام يأتيه عن طريق الهاتف، والجنس يمارسه بالعادة السرية وعبر الانترنت وافلام البورنو، والترفيه متاح لديه عن طريق قنوات الكابل التليفزيونية المتنوّعة .. ولا يضطر للذهاب للعمل لأنه يستطيع القيام بعمله كمبرمج من منزله، ورغم عزلته فهو لا يشعر انه شخص غير طبيعى بل يعتبر حياته مثالية.

حتى تلك اللحظة ليس هناك مشكلة والامور تسير على ما يرام كما يعتقد، ولكنها تنقلب فجأة حين يظهر العجوز "جرامبس" وهو وكيل مالك المنزل الذى يعيش فيه بطلنا من خلال ايجاره، ليعطيه العجوز مهلة شهرين او ثلاثة ليترك فيها المنزل لأن مالكه يريد بيعه، وهو ما يرفضه بطلنا بشدة ويبدأ فى ممارسة الحيل لتطفيش المشترين عند زيارتهم .. من جهة أخرى تظهر فى حياته فجأة الفتاة "دانييلا" التى تلتقيه صدفة خلال عملها كمندوبة مبيعات لشبكة قنوات تليفزيونية، وهنا يبدأ التعقيد، فتجذبه بمرحها وجمالها، ويجذبها بغموضه وذهده .. تتوالى بينهما اللقائات فى منزله حتى تقوم "دانييلا" بتقبيله ومحاولة ممارسة الحب معه، ولكنها تفاجأ منه برد فعل هيستيرى رافض لذلك، مبرراً ذلك بما هو اغرب، انه لا يعترف بالجنس ثلاثى الابعاد، فقط العادة السرية، ويا حبذا لو كانت بطلتها "جيسيكا" نجمة "البورنو شات" القابعة وراء كاميراتها لاثارته عبر شاشة ثنائية الابعاد، فهل تستسلم "دانييلا"؟، وهل يريدها بطلنا ان تستسلم ام انه يريد اعطائها او بمعنى اصح اعطاء نفسه فرصة لتجربة شىء آخر غير الذى اعتاد عليه ف سنوات انعزاله ... وتتوالى الاحداث.

الفيلم يبدأ قويا مثيراً، فالفكرة ومرحلة التأسيس لها كانوا رائعين، ولكنه يأتى عند ما قبل النهاية بقليل ويفقد النقطة التى ربما كان يريد طرحها، او ربما لم يكن هناك نقطة من الاصل، ولكنه أكمل قصته بنوع من العشوائية .. أجاد فى رسم حاضر الشخصيات ولكنه استسهل فى رسم تاريخها وماضيها، والأهم هو دوافعها، فتصرفات "دانييلا" لم تكن مقنعة او مبررة بما فيه الكفاية، والعجوز "جرامبس" لم نفهم لماذا يريد مساعدة بطلنا .. اما الموسيقى فكانت مميزة وجميلة، والتصوير بسيط ومناسب لعدم ضخامة العمل، والاخراج مـتأثراً نوعاً ما باسلوب الاخوين "كوين" ولكن بنفس العشوائية التى انحرفت لها قصته.

الفيلم من انتاج 2010 وعرض فى بعض المهرجانات منها برلين، وهو بمراعاة انه العمل الاول لصناعه ليس بالفيلم السىء، بل تجربة واعدة ومبشرة بصعود مخرجين جيدين، وربما يستمتع بمشاهدته من تستهويه فكرته الرئيسة التى جائت عابرة للثقافات وتهم الكثيرين، ولكنه مقارنة بمستوى باقى الافلام الاسرائيلية التى تم تقديمها فى السنوات الاخيرة ليس جيداً بما يكفى.


تقييمى : 6/10

صفحة الفيلم



فوبيديليا : العالم الموازى لم يعد فكرة خيالية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:31 م 0 تعليقات


دراما اسرائيلية هى العمل الاخراجى الاول للأخوين "باظ"، عن شاب يتعرض لصدمة ما فى حياته الاجتماعية (لم يتم توضيحها جيداً خلال الاحداث)، فتحدث له مشكلة نفسية فى التواصل مع المجتمع (اجورافوبيا) ويقرر ان يبقى وحيداً فى منزله معتمداً على افرازات العولمة فى حياته، فالطعام يأتيه عن طريق الهاتف، والجنس يمارسه بالعادة السرية وعبر الانترنت وافلام البورنو، والترفيه متاح لديه عن طريق قنوات الكابل التليفزيونية المتنوّعة .. ولا يضطر للذهاب للعمل لأنه يستطيع القيام بعمله كمبرمج من منزله، ورغم عزلته فهو لا يشعر انه شخص غير طبيعى بل يعتبر حياته مثالية.

حتى تلك اللحظة ليس هناك مشكلة والامور تسير على ما يرام كما يعتقد، ولكنها تنقلب فجأة حين يظهر العجوز "جرامبس" وهو وكيل مالك المنزل الذى يعيش فيه بطلنا من خلال ايجاره، ليعطيه العجوز مهلة شهرين او ثلاثة ليترك فيها المنزل لأن مالكه يريد بيعه، وهو ما يرفضه بطلنا بشدة ويبدأ فى ممارسة الحيل لتطفيش المشترين عند زيارتهم .. من جهة أخرى تظهر فى حياته فجأة الفتاة "دانييلا" التى تلتقيه صدفة خلال عملها كمندوبة مبيعات لشبكة قنوات تليفزيونية، وهنا يبدأ التعقيد، فتجذبه بمرحها وجمالها، ويجذبها بغموضه وذهده .. تتوالى بينهما اللقائات فى منزله حتى تقوم "دانييلا" بتقبيله ومحاولة ممارسة الحب معه، ولكنها تفاجأ منه برد فعل هيستيرى رافض لذلك، مبرراً ذلك بما هو اغرب، انه لا يعترف بالجنس ثلاثى الابعاد، فقط العادة السرية، ويا حبذا لو كانت بطلتها "جيسيكا" نجمة "البورنو شات" القابعة وراء كاميراتها لاثارته عبر شاشة ثنائية الابعاد، فهل تستسلم "دانييلا"؟، وهل يريدها بطلنا ان تستسلم ام انه يريد اعطائها او بمعنى اصح اعطاء نفسه فرصة لتجربة شىء آخر غير الذى اعتاد عليه ف سنوات انعزاله ... وتتوالى الاحداث.

الفيلم يبدأ قويا مثيراً، فالفكرة ومرحلة التأسيس لها كانوا رائعين، ولكنه يأتى عند ما قبل النهاية بقليل ويفقد النقطة التى ربما كان يريد طرحها، او ربما لم يكن هناك نقطة من الاصل، ولكنه أكمل قصته بنوع من العشوائية .. أجاد فى رسم حاضر الشخصيات ولكنه استسهل فى رسم تاريخها وماضيها، والأهم هو دوافعها، فتصرفات "دانييلا" لم تكن مقنعة او مبررة بما فيه الكفاية، والعجوز "جرامبس" لم نفهم لماذا يريد مساعدة بطلنا .. اما الموسيقى فكانت مميزة وجميلة، والتصوير بسيط ومناسب لعدم ضخامة العمل، والاخراج مـتأثراً نوعاً ما باسلوب الاخوين "كوين" ولكن بنفس العشوائية التى انحرفت لها قصته.

الفيلم من انتاج 2010 وعرض فى بعض المهرجانات منها برلين، وهو بمراعاة انه العمل الاول لصناعه ليس بالفيلم السىء، بل تجربة واعدة ومبشرة بصعود مخرجين جيدين، وربما يستمتع بمشاهدته من تستهويه فكرته الرئيسة التى جائت عابرة للثقافات وتهم الكثيرين، ولكنه مقارنة بمستوى باقى الافلام الاسرائيلية التى تم تقديمها فى السنوات الاخيرة ليس جيداً بما يكفى.


تقييمى : 6/10

صفحة الفيلم



0 التعليقات:

من خلال ميزانية ضئيلة كالمعتاد نجح المخرج "نو بامباك" المعروف بافلامه المستقلة التى قدمها خلال السنوات الماضية فى تحقيق اكبر نجاح فى مشواره على المستوى النقدى، بالاضافة الى نجاح جماهيرى لا بأس به مقارنة بافلامه السابقة، وذلك بفيلمه الاخير "فرانسيس ها"، والذى كتب له السيناريو بنفسه بالتعاون مع بطلته "جريتا جيرويج" .. وهو ليس التعاون الاول بينهما كمخرج وممثلة، ولكنه الاول كمخرج وممثلة ومؤلفة فى نفس الوقت، فالتفاهم بينهما واضح ومثمر، ومن المقرر ان يجمعهم فيلم آخر فى العام القادم ايضاً، هم الآن فى مرحلة التحضير له.

"فرانسيس ها" ليس مجرد دراما كوميدية ظريفة تقتل وقت الفراغ، ولكنه ايضا رحلة للبحث عن الذات وعن معنى يناسبها للحياة، بالاضافة الى انه تجربة اخراجية حاولت بشكل ناجح مزج بعض المدارس السينمائية فى فيلم واحد، ابرزها مدرسة "الموجة الفرنسية الجديدة"، الذى وضح تأثر المخرج بها فى عدة اشياء، منها مشاهد التصوير الخارجى فى شوارع نيو يورك، وطريقة قطع اللقطات التى عرفتها السينما من أفلام العظماء "فرانسوا تروفو" و "جان لوك جودار"، بالاضافة لوجود التيمة الفرعية ذات البعد الوجودى، وحتى نوعية المقطوعات الموسيقية المستخدمة.
 

أما المدرسة الأخرى التى قد تأثر بها فهى مدرسة "وودى ألين" وقد تجد نفسك تلقائيا تعقد مقارنات بين افلام ألين وهذا الفيلم، وخاصة فيلم "مانهاتن" .. فالفيلمان تدوران احداثهما فى مدينة نيو يورك، والفيلمان فضّل مخرجهم استخدام نظام الصورة "الابيض والأسود" بدلاً من الالوان، والفيلمان يقدمان شخصيات متشابهة فى عدد لا بأس به من الاشياء، ليس فقط لأن بكلاهما شخصيات"هيبيسترز" أو "شبه هيبسترز" تتحدث دائما عن الفن والكتب والفلسفة والحب والعلاقات، ولكن ايضا لأنهم جميعاً يتمحوروا حول نفس المعضلة الفكرية .. معضلة الصراع بين الواقع والرومانسية، بين ان يقرر الانسان انه قد نضج وعليه تحمّل المسئولية وبين رفضه لواقع النضج ورغبته فى ان يظل خفيفاً صغيراً رابطاً على الوضع الذى قد ألفه، وهذا ما تعبّر عنه الصورة "الابيض والأسود" بايحائاتها النوستالجية، ولكن الواقع يحدث شائت الشخصية ام أبت، وان كان وودى الين قد نصح بطلته مارييل هيمنجواى فى اخر مشاهد "مانهاتن" بأن تظل صغيرة الى الأبد، فيبدو ايضا ان بطلتنا "فرانسيس" كانت مخلصة للنصيحة بعد مرور ثلاثة عقود عليها.

تبدأ الأحداث بمشاهد فوتو مونتاجية ترصد العلاقة الوطيدة بين "فرانسيس" الفتاة ذات الـ27 عاماً وصديقتها منذ اعوام الجامعة "صوفى"، فهن من شدة تعلقهن ببعضهن قد وصفن من احد الاصدقاء بـ"المُثليات اللاتى لا يمارسن الجنس"، ولكن لا شىء يبقى على حاله، فبعد ان تقرر فرانسيس قطع علاقتها الغرامية بصديقها لأنه طلب منها ان تأتى لتعيش معه وتترك مسكنها الآخر الذى تتشارك فيه مع صديقتها "صوفى"، تفاجأ "فرانسيس" بأن صوفى لم تعد تشاركها نفس الحرص علي بقاء علاقتهن بنفس تلك الدرجة، وتود الرحيل لاقتناء شقة فى مدينة ترايبيكا التى طالما حلمت بالعيش بها والبدء فى حياة جديدة بشكل اكثر نضجا ومسئولية، لتترك صديقتها "فرانسيس" وحيدة فى نيويورك، تتنقل بين شقق معارفها لأنها لم تعد تستطع تحمل تكاليف مسكنها السابق، وفى نفس الوقت لازال يراودها حلمها السابق بأن تصبح راقصة، ولكن المشكلة انها لا تجيد الرقص وليست موهوبة، لذا فهى تتدرب فى احدى مدارس الرقص وتتكسب معيشتها من خلال تأدية بعض الاعمال الادارية لتلك المدرسة .. وتتوالى الأحداث.

الحوار هو افضل عناصر الفيلم، فقل ما تجد حوار بتلك العفوية والصدق اللذان يجعلانك تتشكك فى وجود نص محفوظ وليس مجرد ارتجالات، ولكن فى نفس الوقت قل ما تجد ارتجالات معبّرة وذكية وخفيفة الظل وأحياناً شاعرية لتلك الدرجة. أما تانى أفضل عناصر الفيلم فهى الصورة، بداية من اختيار نظام "الأبيض والاسود" الذى شرحت ابعاده فى الفقرة الثانية، مروراً بالاجادة الملحوظة فى المشاهد الخارجية وخاصة مشاهد تجرى فيها البطلة فى شوارع "نيو يورك" مثل المشهد الذى فى الصورة اعلاه، والمشهد الليلى الذى كانت تبحث فيه "فرانسيس" عن ماكينة الصرف اللآلى والمشهد الذى كانت ترقص فيه امام النافورة، ومشاهد باريس التى نجحت فى ايصال مشاعر الوحشة والوحدة التى عانتها البطلة. اما عن التمثيل فلم يختبر أحد سوى "جريتا جيرويرج" والتى فى رأيى تفوّقت على نفسها وأدت دور الفتاة المزعجة الطفولية الحالمة على اكمل وجه.

مشهدين من أفضل مشاهد الفيلم، الأول هو مشهد تناول فرانسيس العشاء مع راشيل واصدقائها، حيث تشرح الأولى مفهومها عن الحب فى مشهد حوارى من افضل ما رأيت هذا العام. أما المشهد الثانى فهو آخر لقطة فى الفيلم التى نفهم من خلالها سبب تسمية الفيلم،  وهو مشهد يلخص فلسفة البطلة حول معضلة الثقل والخفة وعيش اليوم بيومه فى اسقاط شديد الذكاء، لولاه لكنت اقترح تسمية الفيلم باسم حى "بروكلين" النيو يوركى مضاهاةً لفيلم "مانهاتن" والذى شرحت العلاقة بينهم. وفى النهاية يترك الفيلم على وجهك تلك الابتسامة التى تنتابك بعد رؤية عمل أعجبك تفانى صانعيه رغم قلة الامكانيات، والأهم هو اختلافهم وسيرهم عكس الموجة.

تقييمى : 8.5/10

صفحة الفيلم

فرانسيس ها: السينما المستقلة تضرب من جديد

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  8:51 م 0 تعليقات

من خلال ميزانية ضئيلة كالمعتاد نجح المخرج "نو بامباك" المعروف بافلامه المستقلة التى قدمها خلال السنوات الماضية فى تحقيق اكبر نجاح فى مشواره على المستوى النقدى، بالاضافة الى نجاح جماهيرى لا بأس به مقارنة بافلامه السابقة، وذلك بفيلمه الاخير "فرانسيس ها"، والذى كتب له السيناريو بنفسه بالتعاون مع بطلته "جريتا جيرويج" .. وهو ليس التعاون الاول بينهما كمخرج وممثلة، ولكنه الاول كمخرج وممثلة ومؤلفة فى نفس الوقت، فالتفاهم بينهما واضح ومثمر، ومن المقرر ان يجمعهم فيلم آخر فى العام القادم ايضاً، هم الآن فى مرحلة التحضير له.

"فرانسيس ها" ليس مجرد دراما كوميدية ظريفة تقتل وقت الفراغ، ولكنه ايضا رحلة للبحث عن الذات وعن معنى يناسبها للحياة، بالاضافة الى انه تجربة اخراجية حاولت بشكل ناجح مزج بعض المدارس السينمائية فى فيلم واحد، ابرزها مدرسة "الموجة الفرنسية الجديدة"، الذى وضح تأثر المخرج بها فى عدة اشياء، منها مشاهد التصوير الخارجى فى شوارع نيو يورك، وطريقة قطع اللقطات التى عرفتها السينما من أفلام العظماء "فرانسوا تروفو" و "جان لوك جودار"، بالاضافة لوجود التيمة الفرعية ذات البعد الوجودى، وحتى نوعية المقطوعات الموسيقية المستخدمة.
 

أما المدرسة الأخرى التى قد تأثر بها فهى مدرسة "وودى ألين" وقد تجد نفسك تلقائيا تعقد مقارنات بين افلام ألين وهذا الفيلم، وخاصة فيلم "مانهاتن" .. فالفيلمان تدوران احداثهما فى مدينة نيو يورك، والفيلمان فضّل مخرجهم استخدام نظام الصورة "الابيض والأسود" بدلاً من الالوان، والفيلمان يقدمان شخصيات متشابهة فى عدد لا بأس به من الاشياء، ليس فقط لأن بكلاهما شخصيات"هيبيسترز" أو "شبه هيبسترز" تتحدث دائما عن الفن والكتب والفلسفة والحب والعلاقات، ولكن ايضا لأنهم جميعاً يتمحوروا حول نفس المعضلة الفكرية .. معضلة الصراع بين الواقع والرومانسية، بين ان يقرر الانسان انه قد نضج وعليه تحمّل المسئولية وبين رفضه لواقع النضج ورغبته فى ان يظل خفيفاً صغيراً رابطاً على الوضع الذى قد ألفه، وهذا ما تعبّر عنه الصورة "الابيض والأسود" بايحائاتها النوستالجية، ولكن الواقع يحدث شائت الشخصية ام أبت، وان كان وودى الين قد نصح بطلته مارييل هيمنجواى فى اخر مشاهد "مانهاتن" بأن تظل صغيرة الى الأبد، فيبدو ايضا ان بطلتنا "فرانسيس" كانت مخلصة للنصيحة بعد مرور ثلاثة عقود عليها.

تبدأ الأحداث بمشاهد فوتو مونتاجية ترصد العلاقة الوطيدة بين "فرانسيس" الفتاة ذات الـ27 عاماً وصديقتها منذ اعوام الجامعة "صوفى"، فهن من شدة تعلقهن ببعضهن قد وصفن من احد الاصدقاء بـ"المُثليات اللاتى لا يمارسن الجنس"، ولكن لا شىء يبقى على حاله، فبعد ان تقرر فرانسيس قطع علاقتها الغرامية بصديقها لأنه طلب منها ان تأتى لتعيش معه وتترك مسكنها الآخر الذى تتشارك فيه مع صديقتها "صوفى"، تفاجأ "فرانسيس" بأن صوفى لم تعد تشاركها نفس الحرص علي بقاء علاقتهن بنفس تلك الدرجة، وتود الرحيل لاقتناء شقة فى مدينة ترايبيكا التى طالما حلمت بالعيش بها والبدء فى حياة جديدة بشكل اكثر نضجا ومسئولية، لتترك صديقتها "فرانسيس" وحيدة فى نيويورك، تتنقل بين شقق معارفها لأنها لم تعد تستطع تحمل تكاليف مسكنها السابق، وفى نفس الوقت لازال يراودها حلمها السابق بأن تصبح راقصة، ولكن المشكلة انها لا تجيد الرقص وليست موهوبة، لذا فهى تتدرب فى احدى مدارس الرقص وتتكسب معيشتها من خلال تأدية بعض الاعمال الادارية لتلك المدرسة .. وتتوالى الأحداث.

الحوار هو افضل عناصر الفيلم، فقل ما تجد حوار بتلك العفوية والصدق اللذان يجعلانك تتشكك فى وجود نص محفوظ وليس مجرد ارتجالات، ولكن فى نفس الوقت قل ما تجد ارتجالات معبّرة وذكية وخفيفة الظل وأحياناً شاعرية لتلك الدرجة. أما تانى أفضل عناصر الفيلم فهى الصورة، بداية من اختيار نظام "الأبيض والاسود" الذى شرحت ابعاده فى الفقرة الثانية، مروراً بالاجادة الملحوظة فى المشاهد الخارجية وخاصة مشاهد تجرى فيها البطلة فى شوارع "نيو يورك" مثل المشهد الذى فى الصورة اعلاه، والمشهد الليلى الذى كانت تبحث فيه "فرانسيس" عن ماكينة الصرف اللآلى والمشهد الذى كانت ترقص فيه امام النافورة، ومشاهد باريس التى نجحت فى ايصال مشاعر الوحشة والوحدة التى عانتها البطلة. اما عن التمثيل فلم يختبر أحد سوى "جريتا جيرويرج" والتى فى رأيى تفوّقت على نفسها وأدت دور الفتاة المزعجة الطفولية الحالمة على اكمل وجه.

مشهدين من أفضل مشاهد الفيلم، الأول هو مشهد تناول فرانسيس العشاء مع راشيل واصدقائها، حيث تشرح الأولى مفهومها عن الحب فى مشهد حوارى من افضل ما رأيت هذا العام. أما المشهد الثانى فهو آخر لقطة فى الفيلم التى نفهم من خلالها سبب تسمية الفيلم،  وهو مشهد يلخص فلسفة البطلة حول معضلة الثقل والخفة وعيش اليوم بيومه فى اسقاط شديد الذكاء، لولاه لكنت اقترح تسمية الفيلم باسم حى "بروكلين" النيو يوركى مضاهاةً لفيلم "مانهاتن" والذى شرحت العلاقة بينهم. وفى النهاية يترك الفيلم على وجهك تلك الابتسامة التى تنتابك بعد رؤية عمل أعجبك تفانى صانعيه رغم قلة الامكانيات، والأهم هو اختلافهم وسيرهم عكس الموجة.

تقييمى : 8.5/10

صفحة الفيلم

0 التعليقات:


"يا خيل الله" هو اخر افلام المخرج المغربى البارز نبيل عيوش والمقتبس من رواية "نجوم سيدى مؤمن" للكاتب ماحى بينبين، كتب له السيناريو جمال بلماحى، وتدور احداثه حول ظاهرة صناعة الارهاب والتطرف من خلال شخصية الأخويين حامد و وطارق اللذان يعيشان فى حى "سيدى مؤمن"، احد ضواحى مدينة الدار البيضاء، وهو حى عشوائى غارق فى الجهل والفقر والفساد وباقى مشتقات الحياة العشوائية التى يعلمها الجميع، واحياناً لا تشعر بأن الاخوين هم المحور والبطل الحقيقى للقصة بل هى المدينة نفسها، فلقد اعطى الكاتب مساحة لا بأس بها لباقى الشخصيات للدرجة التى تجعلك منذ البداية فى حالة تشتت تقل تدريجيا بتسليط الضوء على حياة الاخويين.

حامد وطارق يبدآن متناقضان وينتهان متناقضان ايضا، وان اختلفت مواقع تناقضهم فى الحالتين .. فيبدأ الطفل طارق مسالماً رومانسياً لدرجة الضعف وانعدام الشخصية، تنحصر انشطته فى مراقبة "غزلان" شقيقة صديقه التى يحبها مما يجعله موضع للتهكم من باقى رفاقه، والنشاط الاخر هو لعب الكرة مع باقى اطفال الحى التى تنتهى دوماً بمشاجرات اكبر من طاقته ليأتى من الخارج اخوه الاكبر "حامد" ليدافع عنه فى تلك المشاجرات، فحامد بقوته ونفوذه وشعبيته فى الحى رغم صغر سنه يمثل الحماية والضهر ومصدر المال الذى تستند عليه عائلته واخيه .. وهو فتى مشاغب لا يتورّع عن قذف الحجارة على سيارة الشرطة ليكسب تحدى صبيانى مع احد رفاقه، مما ينتهى به فى السجن لمدة سنتين ليخرج منه شخصاً اخراً، شخص أدى به النقم على الدولة بأن تستقطبه الجماعات الارهابية داخل الحى ويجعلوه عضواً منهم، فى الوقت الذى يتعرّض فيه طارق للاضطهاد والاستباحة من ساكنى الحى مستغلين غياب أخيه الذى كان يمثل الواقى الاجتماعى له، وبين ذلك الاضطهاد وضغوطات الام تؤدى الظروف بطارق لتولى المسئولية خلفاً عن شقيقه ويبدأ فى العمل ولكن التحديات لم تتوقف.

اختلفت ظاهريا اسباب انضمام حامد للجماعة الارهابية عن اسباب انضمام طارق لها لاحقاً، بعد ان قام الاخير بقتل صاحب العمل الذى حاول التحرش الجنسى بصديقه فى العمل، ولم يجد طارق من يقف بجانبه ويعطيه غطاءاً حول تلك الجريمة سوى الجماعة الارهابية التى احتضنته وشجعته وأغرته بمغفرة الله لينبهر طارق بتلك الجماعات ويجد بهم مصدراً مضموناً للوجاهة والنفوذ ومن ثم يسلم لهم عقله لاستغلاله فى عمليات غسيل المخ الدينية حتى يصبح من اكثر اعضائهم اخلاصاً وغيرة على "مستقبل الأمة الاسلامية المضطهدة" كما افهموه، ويمكن ايضا اضافة علاقة حبه الفاشلة بـ "غزلان" كأحد الاسباب .. ربما لا يكون ذلك التناول لمسألة صناعة الارهاب بجديد على مستوى التنظير التنويرى او حتى الدرامى، فتجد شخصيات مماثلة بنفس الظروف والدوافع والتاريخ كما فى اعمال وحيد حامد مثل دور محمود عبد المغنى فى دم الغزال .. ولكن تظل تجربة نبيل عيوش لها نفحاتها الخاصة، ساعدها فى ذلك عناصر اخرى بجانب القصة.. ولكن على المستوى الفكرى يستمر صناع الافلام العرب بتجاهل ذلك السؤال الجوهرى، وهو لماذا لا تنتج عشوائيات امريكا اللاتينية تنظيمات ارهابية مشابهة لتلك التى فى الدول الاسلامية رغم تطابق ظروف الفقر والجهل والفساد؟! ، ربما تشكل عصابات اجرامية ولكنها لا تتحرك سوى انطلاقا من مرجعية المصلحة المادية والتغلب على الفقر باساليب غير شرعية، ولا تصل لتفجير مقهى بمن فيه من ابرياء لاسباب عقائدية غيبية بحتة.

لا جدال ان اقوى عناصر الفيلم هو التصوير، فبرغم انحطاط البيئة وقبحها نجح مدير التصوير هشام علوى فى خلق صورة ساحرة للفيلم، سواء بكادراته البانورامية من الهيليكوبتر التى صوّرت المدينة بصفائحها بقحتها تصويراً شيقاً ومؤثراً، او بالكادرات المتوسطة داخل اروقة الحى، او الكادرات المتحركة فى مشاهد هروب الفتيان جرياً من مشاجرات لعب الكرة، واضافت لمسات البيانو الموسيقية برقتها وشجنها فى استكمال معانى المأساة التى تنقلها الصورة والتى كانت تدعمها الوتريات بين الحين والاخر على استحياء وخاصة فى مشاهد الذروة .. وجاء اداء الممثلين مناسباً وغير مفتعلاً باستثناء الممثل الذى قام بدور امير الجماعة ، فقد كانت نظراته التى توحى بالشر مباشرة ومبتذلة وقادمة من فيلم سبعيناتى عن كفار قريش .. وأتى ايقاع الفيلم سريع لدرجة اللهث، فانتقل من مرحلة تاريخية الى اخرى بسلاسة شديدة تفوق فيها المونتير على نفسه .. وجاء الخط الرومانسى المبتور ليبلور منتهى الوعى المشوّه لمن يعيش فى تلك المدينة القاحلة بجفافها وقسوتها .. اما بناء الشخصيات فجاء متاوزناً فى اغلب الوقت ولم يعبه سوى تحوّل شخصية حامد فى نهاية الفيلم الذى لم يكن مبرراً بشكل كافى درامياً ولم يتم استغلال تناقض الشخصيتين لاضافة بُعد اخر ذات معنى مثمر للقصة .. اما الاروع على الاطلاق فكان مشهد النهاية البانورامى الذى يظهر فيه جيل اخر من اطفال الحى وهم يلعبون الكرة فوق ذلك التل المرتفع عن الدار البيضاء ويتوقفون فجأة لمشاهدة التفجيرات المنبعثة من تلك المدينة تاركين الكرة تسقط اسفل المنحدر لنفهم ان الفيلم قد انتهى ولكن المأساة مستمرة.

"يا خيل الله" هو اختيار دولة المغرب للمنافسة فى اوسكار افضل فيلم اجنبى للعام، وهو فى رأيى ليس فيلماً استثنائياً او قادر على تخطى التصفيات الاولية، ولكنه بالتأكيد افضل من "وجدة" السعودى الذى لازالت له الفرصة الاكبر فى تمثيل الدول العربية فى التصفيات النهائية لأسباب غير موضوعية وضحتها فى مراجعة سابقة.

7/10

يا خيل الله: المأساة مستمرة

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  5:09 م 0 تعليقات


"يا خيل الله" هو اخر افلام المخرج المغربى البارز نبيل عيوش والمقتبس من رواية "نجوم سيدى مؤمن" للكاتب ماحى بينبين، كتب له السيناريو جمال بلماحى، وتدور احداثه حول ظاهرة صناعة الارهاب والتطرف من خلال شخصية الأخويين حامد و وطارق اللذان يعيشان فى حى "سيدى مؤمن"، احد ضواحى مدينة الدار البيضاء، وهو حى عشوائى غارق فى الجهل والفقر والفساد وباقى مشتقات الحياة العشوائية التى يعلمها الجميع، واحياناً لا تشعر بأن الاخوين هم المحور والبطل الحقيقى للقصة بل هى المدينة نفسها، فلقد اعطى الكاتب مساحة لا بأس بها لباقى الشخصيات للدرجة التى تجعلك منذ البداية فى حالة تشتت تقل تدريجيا بتسليط الضوء على حياة الاخويين.

حامد وطارق يبدآن متناقضان وينتهان متناقضان ايضا، وان اختلفت مواقع تناقضهم فى الحالتين .. فيبدأ الطفل طارق مسالماً رومانسياً لدرجة الضعف وانعدام الشخصية، تنحصر انشطته فى مراقبة "غزلان" شقيقة صديقه التى يحبها مما يجعله موضع للتهكم من باقى رفاقه، والنشاط الاخر هو لعب الكرة مع باقى اطفال الحى التى تنتهى دوماً بمشاجرات اكبر من طاقته ليأتى من الخارج اخوه الاكبر "حامد" ليدافع عنه فى تلك المشاجرات، فحامد بقوته ونفوذه وشعبيته فى الحى رغم صغر سنه يمثل الحماية والضهر ومصدر المال الذى تستند عليه عائلته واخيه .. وهو فتى مشاغب لا يتورّع عن قذف الحجارة على سيارة الشرطة ليكسب تحدى صبيانى مع احد رفاقه، مما ينتهى به فى السجن لمدة سنتين ليخرج منه شخصاً اخراً، شخص أدى به النقم على الدولة بأن تستقطبه الجماعات الارهابية داخل الحى ويجعلوه عضواً منهم، فى الوقت الذى يتعرّض فيه طارق للاضطهاد والاستباحة من ساكنى الحى مستغلين غياب أخيه الذى كان يمثل الواقى الاجتماعى له، وبين ذلك الاضطهاد وضغوطات الام تؤدى الظروف بطارق لتولى المسئولية خلفاً عن شقيقه ويبدأ فى العمل ولكن التحديات لم تتوقف.

اختلفت ظاهريا اسباب انضمام حامد للجماعة الارهابية عن اسباب انضمام طارق لها لاحقاً، بعد ان قام الاخير بقتل صاحب العمل الذى حاول التحرش الجنسى بصديقه فى العمل، ولم يجد طارق من يقف بجانبه ويعطيه غطاءاً حول تلك الجريمة سوى الجماعة الارهابية التى احتضنته وشجعته وأغرته بمغفرة الله لينبهر طارق بتلك الجماعات ويجد بهم مصدراً مضموناً للوجاهة والنفوذ ومن ثم يسلم لهم عقله لاستغلاله فى عمليات غسيل المخ الدينية حتى يصبح من اكثر اعضائهم اخلاصاً وغيرة على "مستقبل الأمة الاسلامية المضطهدة" كما افهموه، ويمكن ايضا اضافة علاقة حبه الفاشلة بـ "غزلان" كأحد الاسباب .. ربما لا يكون ذلك التناول لمسألة صناعة الارهاب بجديد على مستوى التنظير التنويرى او حتى الدرامى، فتجد شخصيات مماثلة بنفس الظروف والدوافع والتاريخ كما فى اعمال وحيد حامد مثل دور محمود عبد المغنى فى دم الغزال .. ولكن تظل تجربة نبيل عيوش لها نفحاتها الخاصة، ساعدها فى ذلك عناصر اخرى بجانب القصة.. ولكن على المستوى الفكرى يستمر صناع الافلام العرب بتجاهل ذلك السؤال الجوهرى، وهو لماذا لا تنتج عشوائيات امريكا اللاتينية تنظيمات ارهابية مشابهة لتلك التى فى الدول الاسلامية رغم تطابق ظروف الفقر والجهل والفساد؟! ، ربما تشكل عصابات اجرامية ولكنها لا تتحرك سوى انطلاقا من مرجعية المصلحة المادية والتغلب على الفقر باساليب غير شرعية، ولا تصل لتفجير مقهى بمن فيه من ابرياء لاسباب عقائدية غيبية بحتة.

لا جدال ان اقوى عناصر الفيلم هو التصوير، فبرغم انحطاط البيئة وقبحها نجح مدير التصوير هشام علوى فى خلق صورة ساحرة للفيلم، سواء بكادراته البانورامية من الهيليكوبتر التى صوّرت المدينة بصفائحها بقحتها تصويراً شيقاً ومؤثراً، او بالكادرات المتوسطة داخل اروقة الحى، او الكادرات المتحركة فى مشاهد هروب الفتيان جرياً من مشاجرات لعب الكرة، واضافت لمسات البيانو الموسيقية برقتها وشجنها فى استكمال معانى المأساة التى تنقلها الصورة والتى كانت تدعمها الوتريات بين الحين والاخر على استحياء وخاصة فى مشاهد الذروة .. وجاء اداء الممثلين مناسباً وغير مفتعلاً باستثناء الممثل الذى قام بدور امير الجماعة ، فقد كانت نظراته التى توحى بالشر مباشرة ومبتذلة وقادمة من فيلم سبعيناتى عن كفار قريش .. وأتى ايقاع الفيلم سريع لدرجة اللهث، فانتقل من مرحلة تاريخية الى اخرى بسلاسة شديدة تفوق فيها المونتير على نفسه .. وجاء الخط الرومانسى المبتور ليبلور منتهى الوعى المشوّه لمن يعيش فى تلك المدينة القاحلة بجفافها وقسوتها .. اما بناء الشخصيات فجاء متاوزناً فى اغلب الوقت ولم يعبه سوى تحوّل شخصية حامد فى نهاية الفيلم الذى لم يكن مبرراً بشكل كافى درامياً ولم يتم استغلال تناقض الشخصيتين لاضافة بُعد اخر ذات معنى مثمر للقصة .. اما الاروع على الاطلاق فكان مشهد النهاية البانورامى الذى يظهر فيه جيل اخر من اطفال الحى وهم يلعبون الكرة فوق ذلك التل المرتفع عن الدار البيضاء ويتوقفون فجأة لمشاهدة التفجيرات المنبعثة من تلك المدينة تاركين الكرة تسقط اسفل المنحدر لنفهم ان الفيلم قد انتهى ولكن المأساة مستمرة.

"يا خيل الله" هو اختيار دولة المغرب للمنافسة فى اوسكار افضل فيلم اجنبى للعام، وهو فى رأيى ليس فيلماً استثنائياً او قادر على تخطى التصفيات الاولية، ولكنه بالتأكيد افضل من "وجدة" السعودى الذى لازالت له الفرصة الاكبر فى تمثيل الدول العربية فى التصفيات النهائية لأسباب غير موضوعية وضحتها فى مراجعة سابقة.

7/10

0 التعليقات:


مشكلتى الأزلية مع الأفلام العربية الاجتماعية وخاصة المصرية منها، أنها تأتى فى الغالب متأثرة بمسلسلات الفضائيات التى يهرب منها المشاهد الى دور العرض السينمائية لمشاهدة شىء أقل ابتذالاً بمواضيع وتيمات جديدة غير التى ملّ منها ولكنه فى الغالب يجد نفس المواضيع المستهلكة او مواضيع أخرى لم تستهلك ليس بسبب انها مبتكرة ولكن لأنها مفتعلة ولا تحدث، وأعتقد ان هذا الفيلم نجح فى تفادى هذه المشكلات. فيلم "مانموتش" وهو أحدث أفلام المخرج التونسى نورى بوزيد يرصد الأوضاع الاجتماعية بعد وقبل وأثناء الثورة التونسية على الرئيس السابق "بن على"، وهو فى رأيى تفوّق على كل ما شاهدت من الأفلام العربية الاخرى التى اتخذت من ثورات الربيع العربى موضوعا تدور حوله  الأحداث فى السنوات القليلة الماضية؛ لعدة أسباب.

أهم هذه الأسباب ان الفيلم لم يقع فى فخ البروباجاندا الثورية والانحياز لوجهات نظر سياسية على قدر اهتمامه بما يهم كل انسان فى العالم سيشاهد الفيلم بغض النظر عن معتقده الدينى او لونه او رأيه السياسى، فمن خلال قصة ذات أبعاد انسانية ونفسية مؤثرة لشخصيات من الواقع ومكتوبة بعناية، قد تجد نفسك واحداً من تلك الشخصيات، ستضحك معهم وتبكى معهم وتثور معهم وتغنى معهم حتى نزول التيترات، ثم تقل لنفسك "كم كان بديعاً ما رأيت!".

حسناً، أظننى بالغت بعض الشىء عندما كتبت جملة "بغض النظر عن معتقده الدينى"، فهذا الفيلم بالتأكيد لن يعشه أو يعجب به الأصوليون الاسلاميون بشتى انواعهم، ذلك بحالة أن شاهدوه بالأساس. لقد تألق الممثل ابراهيم علوى بدور حمزة وعبّر بعفوية عن شخصيات انتشرت فى واقعنا فى السنوات الثلاثين الماضية، ذلك الفتى شعبوى الطبقة المتوسطة قليل الثقة بنفسه وبمن حوله والذى ظن نفسه مناضلاً لمجرد وقوفه ضد نظام "بن على" العلمانى المستبد ليس تطلعاً للحقوق والحريات ولكن لاقرار استبداد من نوع آخر، ذلك الفتى الذى يجد فى الدين ضالته للتسلط على الآخرين وممارسة عقده النفسية بشكل شرعى مخفياً وراء ذلك دوافعه النفسية وهوسه وكبته الجنسى. يخرج من المعتقل السياسى فى بداية الفيلم بعد سقوط بن على ليحوّل حياة من حوله الى معتقل من نوع آخر، ولم يسلم من هجومه وتكفيره المتواصل حتى أبوه الذى قام بدوره الممثل فتحى مسلمانى، ذلك الأب بوجوده فى مجتمع اليوم يمثل مخلفات علمانية بورقيبة التى مازالت صامدة بعدما لم يسلم الكثيرون من تلك الهجمة الظلامية على مجتمع كان فى يوم أكثر تسامحاً وتعايشاً عما هو عليه الآن، حتى زوجته التى أصبحت تضغط على ابنتها زينب لارتداء الحجاب تنفيذاً لشرط عريسها ابراهيم للزواج منها، ومحاولة لاقناع زينب بالحجاب تصف الأم الفتيات غير المحجبات بالخليعات ليرد عليها الأب ساخراً "وهل نسيتى ما كنتِ عليه فى شبابك؟!"

من الجهة الأخرى نجد "عائشة" الفتاة المحجبة صديقة زينب وزميلتها فى العمل بذلك المطعم الذى يمارس عليها مالكه بعض الضغوطات لتخلع حجابها وتترك المخبز الذى بالأسفل وتصعد للعمل كـ "نادلة" بالطابق الأعلى كما تفعل زينب لأنه يظن ان الحجاب يقيدها ويحصرها فى ادوار محددة، ترفض عائشة فيعبر لها عن اعجابه بها ثم يحاول التحرش بها جنسياً حتى تنفجر عائشة فى وجه الجميع وتذهب فى نوبة هيستيرية فى مشهد يمكن وصفه بالعبقرى، أما زينب فمازالت متمردة على أهلها ترفض ارتداء الحجاب والاستجابة لتسلط أخيها وتتمسك بأملها فى الثورة، وأثناء توالى الأحداث تظهر مشاهد دخيلة لجثة رجل عجوز يتم تغسيله، نكتشف فى النهاية انها جثة عازف الاوكورديون الذى ظهر فى أول لقطة للفيلم وهو يعزف موسيقاه فى الشوارع فيقتل أثناء الاحتجاجات .. لينتهى الفيلم بمشهد رمزى يجمع عائشة بزينب ملتفين بالعلم التونسى بعد ان التقطوا أوكورديون العجوز من صفائح القمامة لينشدوا به أغنية "مانموتش"، ويمكنك بسهولة تفسير ذلك المشهد البديع لو رمزت للرجل العجوز بمساوىء النظام العلمانى السابق التى ماتت بقيام الثورة، بينما أوكورديونه فيرمز للجانب الايجابى فى ذات النظام، الفن هو الحياة والأوكورديون أداة الفن .. والأغنية التى يتغنيان بها تمطر بأمل وتفاؤل، فلو كانت تمت سرقة ثورتهم ليستفيد منها أعداء الحياة، فلازالت هناك فرصة لاستعادتها وإعادتها للطريق السليم، خاصة بعد ان خلعت عائشة حجابها؛ ربما لأنها لم تعد تعرف الجدوى من وجوده.

الفيلم ملىء بالمشاهد التى لا تنسى، أبرزها مشهد اختلاء حمزة بعائشة داخل منزلها ومحاولته المترددة المذنبة لممارسة الجنس معها ظناً منه ان بعض سلوكياتها وارائها الدينية غير المتعصبة مثله قد تجعلها اسهل للوقوع فى براثن الشهوة كما يعتقد، ولكن رفضها لمحاولته جاء ليجعله فى حالة صدمة قوية، ليس من نفسه فقط بل من كل الأفكار التى تم حشوها فى رأسه، انه مشهد نموذجى يفجر تناقضات الشخصيات وبداية تحوّلها، ناهيك عما به من حميمية ظلت غائبة طوال الفيلم حتى قامت عائشة باحتضانه فى ذلك المشهد حضناً أفلاطونياً كأنها تريد ان تقول له "الأمر ليس دائما عن الجنس بل أحياناً يكون حميمياً" .. كل تفصيلة فى ذلك المشهد كانت رائعة معبرة رغم انه كان مشهد صامت او شبه صامت.

ستشعر فى أوقات بتشابه بين تيمة "مانموتش" وتيمة "بنتين من مصر"، أنا احب الفيلمين ولكن أعتقد ان الأول تفوق نسبياً، أولا لأنه جعل الشخصيتين "عائشة" و"وينب" نقيضين او فى أحيان ضلعين لمفهوم الـ Persona النفسى .. فجائت التناقضات والمكملات أكثر اثارة للتفكير والانتباه وثراءً للفكرة من تشابه الشخصيتين فى "بنتين من مصر" .. وثانياً لأن الفيلم الأول أقل تكثيفاً للكئابة من الفيلم الثانى مما يجعله أقرب للحياة الواقعية بتقلباتها واقرب لمشاعر المشاهد.


"مانموتش" تجربة سينمائية تستحق الانحناء لصانعها، سنحت لى فرصة مشاهدته خلال عرضه بدار الأوبرا المصرية الأسبوع الماضى وأتمنى لو مثل هذه الافلام كانت تعرض فى دور العرض العادية، فموضوعه شديد الصلة بما يدور بمصر الآن وبالتأكيد انه سوف يجد مريديه، ولكن لا حياة لمن تنادى.

                                                                8/10

مانموتش: سيمفونية اجتماعية على ايقاع الثورة التونسية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:05 م 0 تعليقات


مشكلتى الأزلية مع الأفلام العربية الاجتماعية وخاصة المصرية منها، أنها تأتى فى الغالب متأثرة بمسلسلات الفضائيات التى يهرب منها المشاهد الى دور العرض السينمائية لمشاهدة شىء أقل ابتذالاً بمواضيع وتيمات جديدة غير التى ملّ منها ولكنه فى الغالب يجد نفس المواضيع المستهلكة او مواضيع أخرى لم تستهلك ليس بسبب انها مبتكرة ولكن لأنها مفتعلة ولا تحدث، وأعتقد ان هذا الفيلم نجح فى تفادى هذه المشكلات. فيلم "مانموتش" وهو أحدث أفلام المخرج التونسى نورى بوزيد يرصد الأوضاع الاجتماعية بعد وقبل وأثناء الثورة التونسية على الرئيس السابق "بن على"، وهو فى رأيى تفوّق على كل ما شاهدت من الأفلام العربية الاخرى التى اتخذت من ثورات الربيع العربى موضوعا تدور حوله  الأحداث فى السنوات القليلة الماضية؛ لعدة أسباب.

أهم هذه الأسباب ان الفيلم لم يقع فى فخ البروباجاندا الثورية والانحياز لوجهات نظر سياسية على قدر اهتمامه بما يهم كل انسان فى العالم سيشاهد الفيلم بغض النظر عن معتقده الدينى او لونه او رأيه السياسى، فمن خلال قصة ذات أبعاد انسانية ونفسية مؤثرة لشخصيات من الواقع ومكتوبة بعناية، قد تجد نفسك واحداً من تلك الشخصيات، ستضحك معهم وتبكى معهم وتثور معهم وتغنى معهم حتى نزول التيترات، ثم تقل لنفسك "كم كان بديعاً ما رأيت!".

حسناً، أظننى بالغت بعض الشىء عندما كتبت جملة "بغض النظر عن معتقده الدينى"، فهذا الفيلم بالتأكيد لن يعشه أو يعجب به الأصوليون الاسلاميون بشتى انواعهم، ذلك بحالة أن شاهدوه بالأساس. لقد تألق الممثل ابراهيم علوى بدور حمزة وعبّر بعفوية عن شخصيات انتشرت فى واقعنا فى السنوات الثلاثين الماضية، ذلك الفتى شعبوى الطبقة المتوسطة قليل الثقة بنفسه وبمن حوله والذى ظن نفسه مناضلاً لمجرد وقوفه ضد نظام "بن على" العلمانى المستبد ليس تطلعاً للحقوق والحريات ولكن لاقرار استبداد من نوع آخر، ذلك الفتى الذى يجد فى الدين ضالته للتسلط على الآخرين وممارسة عقده النفسية بشكل شرعى مخفياً وراء ذلك دوافعه النفسية وهوسه وكبته الجنسى. يخرج من المعتقل السياسى فى بداية الفيلم بعد سقوط بن على ليحوّل حياة من حوله الى معتقل من نوع آخر، ولم يسلم من هجومه وتكفيره المتواصل حتى أبوه الذى قام بدوره الممثل فتحى مسلمانى، ذلك الأب بوجوده فى مجتمع اليوم يمثل مخلفات علمانية بورقيبة التى مازالت صامدة بعدما لم يسلم الكثيرون من تلك الهجمة الظلامية على مجتمع كان فى يوم أكثر تسامحاً وتعايشاً عما هو عليه الآن، حتى زوجته التى أصبحت تضغط على ابنتها زينب لارتداء الحجاب تنفيذاً لشرط عريسها ابراهيم للزواج منها، ومحاولة لاقناع زينب بالحجاب تصف الأم الفتيات غير المحجبات بالخليعات ليرد عليها الأب ساخراً "وهل نسيتى ما كنتِ عليه فى شبابك؟!"

من الجهة الأخرى نجد "عائشة" الفتاة المحجبة صديقة زينب وزميلتها فى العمل بذلك المطعم الذى يمارس عليها مالكه بعض الضغوطات لتخلع حجابها وتترك المخبز الذى بالأسفل وتصعد للعمل كـ "نادلة" بالطابق الأعلى كما تفعل زينب لأنه يظن ان الحجاب يقيدها ويحصرها فى ادوار محددة، ترفض عائشة فيعبر لها عن اعجابه بها ثم يحاول التحرش بها جنسياً حتى تنفجر عائشة فى وجه الجميع وتذهب فى نوبة هيستيرية فى مشهد يمكن وصفه بالعبقرى، أما زينب فمازالت متمردة على أهلها ترفض ارتداء الحجاب والاستجابة لتسلط أخيها وتتمسك بأملها فى الثورة، وأثناء توالى الأحداث تظهر مشاهد دخيلة لجثة رجل عجوز يتم تغسيله، نكتشف فى النهاية انها جثة عازف الاوكورديون الذى ظهر فى أول لقطة للفيلم وهو يعزف موسيقاه فى الشوارع فيقتل أثناء الاحتجاجات .. لينتهى الفيلم بمشهد رمزى يجمع عائشة بزينب ملتفين بالعلم التونسى بعد ان التقطوا أوكورديون العجوز من صفائح القمامة لينشدوا به أغنية "مانموتش"، ويمكنك بسهولة تفسير ذلك المشهد البديع لو رمزت للرجل العجوز بمساوىء النظام العلمانى السابق التى ماتت بقيام الثورة، بينما أوكورديونه فيرمز للجانب الايجابى فى ذات النظام، الفن هو الحياة والأوكورديون أداة الفن .. والأغنية التى يتغنيان بها تمطر بأمل وتفاؤل، فلو كانت تمت سرقة ثورتهم ليستفيد منها أعداء الحياة، فلازالت هناك فرصة لاستعادتها وإعادتها للطريق السليم، خاصة بعد ان خلعت عائشة حجابها؛ ربما لأنها لم تعد تعرف الجدوى من وجوده.

الفيلم ملىء بالمشاهد التى لا تنسى، أبرزها مشهد اختلاء حمزة بعائشة داخل منزلها ومحاولته المترددة المذنبة لممارسة الجنس معها ظناً منه ان بعض سلوكياتها وارائها الدينية غير المتعصبة مثله قد تجعلها اسهل للوقوع فى براثن الشهوة كما يعتقد، ولكن رفضها لمحاولته جاء ليجعله فى حالة صدمة قوية، ليس من نفسه فقط بل من كل الأفكار التى تم حشوها فى رأسه، انه مشهد نموذجى يفجر تناقضات الشخصيات وبداية تحوّلها، ناهيك عما به من حميمية ظلت غائبة طوال الفيلم حتى قامت عائشة باحتضانه فى ذلك المشهد حضناً أفلاطونياً كأنها تريد ان تقول له "الأمر ليس دائما عن الجنس بل أحياناً يكون حميمياً" .. كل تفصيلة فى ذلك المشهد كانت رائعة معبرة رغم انه كان مشهد صامت او شبه صامت.

ستشعر فى أوقات بتشابه بين تيمة "مانموتش" وتيمة "بنتين من مصر"، أنا احب الفيلمين ولكن أعتقد ان الأول تفوق نسبياً، أولا لأنه جعل الشخصيتين "عائشة" و"وينب" نقيضين او فى أحيان ضلعين لمفهوم الـ Persona النفسى .. فجائت التناقضات والمكملات أكثر اثارة للتفكير والانتباه وثراءً للفكرة من تشابه الشخصيتين فى "بنتين من مصر" .. وثانياً لأن الفيلم الأول أقل تكثيفاً للكئابة من الفيلم الثانى مما يجعله أقرب للحياة الواقعية بتقلباتها واقرب لمشاعر المشاهد.


"مانموتش" تجربة سينمائية تستحق الانحناء لصانعها، سنحت لى فرصة مشاهدته خلال عرضه بدار الأوبرا المصرية الأسبوع الماضى وأتمنى لو مثل هذه الافلام كانت تعرض فى دور العرض العادية، فموضوعه شديد الصلة بما يدور بمصر الآن وبالتأكيد انه سوف يجد مريديه، ولكن لا حياة لمن تنادى.

                                                                8/10

0 التعليقات:



وجدة هو أول فيلم يمثل السعودية فى مسابقة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبى، وكثير من النقاد العالميين يتوقعون تأهله للمنافسات النهائية، ليكون بذلك واحد من أفضل 5 أفلام على مستوى العالم لعام 2013. وتلك الجملة الأخيرة محبطة فى رأيى، فالفيلم ليس بالسىء ولكنه أيضا ليس بالرائع لتلك الدرجة، دعونا نكون موضوعيين ونصفه بالفيلم المتوسط الذى لاقى موضوعه وظروفه وكواليس تجربته الإعجاب الغربى، ولكن لنسأل أنفسنا السؤال الجوهرى ونحن بصدد تقييم الفيلم، هل أعجبنا الفيلم حقاً أم أعجبنا موضوعه وأثارتنا كواليسه والمكان الذى أتى منه ؟!

فتاة فى عمر الورود تعيش داخل المجتمع القمعى المنغلق، تحب الحياة وتستمع لأغانى الروك أند رول وتتطلع لقيادة دراجة .. تلك الشخصية تجدها مألوفة ومتواجدة بكثرة فى الأفلام الايرانية، ولكنها تكون مرسومة بشكل أضخم ثراءً وأكثر أبعاداً من شخصية "وجدة"، ففى رأيى لم تنجح هيفاء منصور بدرجة كبيرة فى اثارة انتباهى وفضولى عن شخصيتها الرئيسية أو حتى شخصياتها الفرعية وكانت تحتاج لتحديد ملامحهم ودوافعهم بشكل أكبر. أما نقطة الضعف الأخرى فى السيناريو تكمن فى البناء الدرامى، فلقد أتى أقل مما تستحق الفكرة وأدى بإيقاع الفيلم من رتابة ومط ما يجعلنى أنظر فى ساعتى بشكل منتظم أثناء مدة عرض الفيلم. وأضعف ما كان به هو الخط الدرامى الخاص بعلاقة الأب والأم الذى تشعر بأنه قادم من مسلسل عربى تم ابتذاله لسنوات على الفضائيات وليس بفيلماً عالميا كما هو الحال، فلم آخذ هذا الخط وما وازاه من خطوط أخرى قليلة بالفيلم سوى على انه حشو ساذج للفكرة.

وكل تلك العوامل طرحت بذهنى فكرة الفيلم القصير، فربما لو طموح هيفاء منصور كان على قدر قدرتها الفعلية على صياغة سيناريو  يحتوى على أحداث وكانت استسلمت لفكرة الفيلم القصير بدلاً من الساعة ونصف لربما أصبحت التجربة رائعة فعلا، ولكنها اعتمدت على العوامل الأخرى -التى تحدثت عنها فى الفقرة الأولى- لتسويق فيلمها، وهذا يعد ذكاء منها على المدى القصير، ولكن بمجرد ان ينتهى ذلك الوهج الدعائى العالمى فسينتهى كل شىء وستبقى الأفلام الايرانية التى تأثرت بها هيفاء فى صنعها لفيلمها هى الاكثر خلوداً من وجدة.

لو تحدثنا عن باقى عناصر الفيلم نجد الموسيقى رقيقة وقليلة فهى مناسبة لما يحدث وما لا يحدث، وجاء أداء الممثلين متوسطاً فى أحيان ومترهلاً فى أحيان اخرى وإن تفوقت نسبياً من قامت بدور الأم على باقى الممثلين. ومن اقوى عناصر الفيلم فى رأيى هو الحوار، فقد جاء بسيطاً وأقل دعائية ومباشرة مما كنت اتوقع .. وكان مشهد النهاية هو أجمل ما بالفيلم لسببين، الأول انه كان معبراً بالصورة فقط وشاعرياً ومبهجاً ويلخص وجهة نظر صانعة الفيلم بشكل ذكى، والسبب التانى هو ان الفيلم قد انتهى وانتهت معه معاناة الرتابة والنظر فى الساعة.

ليس الغرض من هذه المراجعة ان اكون قاسى على صناع الفيلم، فأنا أعرف أن تجربة كتلك بكل الصعوبات والظروف المحلية التى واجهتها هى تجربة تستحق التشجيع حتى تكون البذرة الأولى التى نحصد بعدها ثمار ترعرع سينما سعودية تعبّر عن ذلك المجتمع المثير للفضول وتنقله نقلة حضارية بجعله أكثر تسامحاً مع الفنون وربما السماح بعد ذلك بإنشاء دور سينما فى المملكة، ولكن أعتقد ان الفيلم بالفعل أخذ من التشجيع أكثر مما يستحق، بل أعتقد ان أغلب الاعجاب الذى ناله على المستوى الدولى هو فى الأساس اعجاب بدافع التشجيع، وأعلم ان هذا النقد لن يؤثر فيه كثيراً او قليلاً، فلا بأس إذن بوجود تناول أحسبه اكثر موضوعية للفيلم من كل ما قرأت عنه.


6/10

وجدة: فكرة جيدة أفسدها الطموح

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  1:01 ص 0 تعليقات



وجدة هو أول فيلم يمثل السعودية فى مسابقة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبى، وكثير من النقاد العالميين يتوقعون تأهله للمنافسات النهائية، ليكون بذلك واحد من أفضل 5 أفلام على مستوى العالم لعام 2013. وتلك الجملة الأخيرة محبطة فى رأيى، فالفيلم ليس بالسىء ولكنه أيضا ليس بالرائع لتلك الدرجة، دعونا نكون موضوعيين ونصفه بالفيلم المتوسط الذى لاقى موضوعه وظروفه وكواليس تجربته الإعجاب الغربى، ولكن لنسأل أنفسنا السؤال الجوهرى ونحن بصدد تقييم الفيلم، هل أعجبنا الفيلم حقاً أم أعجبنا موضوعه وأثارتنا كواليسه والمكان الذى أتى منه ؟!

فتاة فى عمر الورود تعيش داخل المجتمع القمعى المنغلق، تحب الحياة وتستمع لأغانى الروك أند رول وتتطلع لقيادة دراجة .. تلك الشخصية تجدها مألوفة ومتواجدة بكثرة فى الأفلام الايرانية، ولكنها تكون مرسومة بشكل أضخم ثراءً وأكثر أبعاداً من شخصية "وجدة"، ففى رأيى لم تنجح هيفاء منصور بدرجة كبيرة فى اثارة انتباهى وفضولى عن شخصيتها الرئيسية أو حتى شخصياتها الفرعية وكانت تحتاج لتحديد ملامحهم ودوافعهم بشكل أكبر. أما نقطة الضعف الأخرى فى السيناريو تكمن فى البناء الدرامى، فلقد أتى أقل مما تستحق الفكرة وأدى بإيقاع الفيلم من رتابة ومط ما يجعلنى أنظر فى ساعتى بشكل منتظم أثناء مدة عرض الفيلم. وأضعف ما كان به هو الخط الدرامى الخاص بعلاقة الأب والأم الذى تشعر بأنه قادم من مسلسل عربى تم ابتذاله لسنوات على الفضائيات وليس بفيلماً عالميا كما هو الحال، فلم آخذ هذا الخط وما وازاه من خطوط أخرى قليلة بالفيلم سوى على انه حشو ساذج للفكرة.

وكل تلك العوامل طرحت بذهنى فكرة الفيلم القصير، فربما لو طموح هيفاء منصور كان على قدر قدرتها الفعلية على صياغة سيناريو  يحتوى على أحداث وكانت استسلمت لفكرة الفيلم القصير بدلاً من الساعة ونصف لربما أصبحت التجربة رائعة فعلا، ولكنها اعتمدت على العوامل الأخرى -التى تحدثت عنها فى الفقرة الأولى- لتسويق فيلمها، وهذا يعد ذكاء منها على المدى القصير، ولكن بمجرد ان ينتهى ذلك الوهج الدعائى العالمى فسينتهى كل شىء وستبقى الأفلام الايرانية التى تأثرت بها هيفاء فى صنعها لفيلمها هى الاكثر خلوداً من وجدة.

لو تحدثنا عن باقى عناصر الفيلم نجد الموسيقى رقيقة وقليلة فهى مناسبة لما يحدث وما لا يحدث، وجاء أداء الممثلين متوسطاً فى أحيان ومترهلاً فى أحيان اخرى وإن تفوقت نسبياً من قامت بدور الأم على باقى الممثلين. ومن اقوى عناصر الفيلم فى رأيى هو الحوار، فقد جاء بسيطاً وأقل دعائية ومباشرة مما كنت اتوقع .. وكان مشهد النهاية هو أجمل ما بالفيلم لسببين، الأول انه كان معبراً بالصورة فقط وشاعرياً ومبهجاً ويلخص وجهة نظر صانعة الفيلم بشكل ذكى، والسبب التانى هو ان الفيلم قد انتهى وانتهت معه معاناة الرتابة والنظر فى الساعة.

ليس الغرض من هذه المراجعة ان اكون قاسى على صناع الفيلم، فأنا أعرف أن تجربة كتلك بكل الصعوبات والظروف المحلية التى واجهتها هى تجربة تستحق التشجيع حتى تكون البذرة الأولى التى نحصد بعدها ثمار ترعرع سينما سعودية تعبّر عن ذلك المجتمع المثير للفضول وتنقله نقلة حضارية بجعله أكثر تسامحاً مع الفنون وربما السماح بعد ذلك بإنشاء دور سينما فى المملكة، ولكن أعتقد ان الفيلم بالفعل أخذ من التشجيع أكثر مما يستحق، بل أعتقد ان أغلب الاعجاب الذى ناله على المستوى الدولى هو فى الأساس اعجاب بدافع التشجيع، وأعلم ان هذا النقد لن يؤثر فيه كثيراً او قليلاً، فلا بأس إذن بوجود تناول أحسبه اكثر موضوعية للفيلم من كل ما قرأت عنه.


6/10

0 التعليقات:


دراما فنلندية من انتاج هذا العام عن "موريتز" -رجل فى عقده الرابع- يقوم بعملية تحوّل جنسى ليصبح امرأة ويغيّر اسمه الى (ماريت)، تاركاً عائلته ومدينته وحياته وهارباً ممن يعرفون ماضيه، ومحاولاً بدء حياة جديدة بهويتة الجنسية التى اختارها، ولكن الماضى يظل يطارده، مما يتسبب له فى صعوبات فى اقامة علاقة مع أى رجل، بالاضافة للضغوطات الناتجة عن نظرة اصحاب الاعمال الحذرة منه أحياناً والرافضة له فى أحيان أخرى. ينقلب كل شىء حين يتقابل مع "سامى" فى عيادة طبيبة نفسية كان الاخير فى طريقه لمقابلتها لايجاد حل لمشكلاته الزوجية ولكن الطبيبة قد سافرت ولم يبقى احد فى العيادة سوى "ماريت" عاملة النظافة حيث يبدأ سامى الحديث معها عن مشكلاته ظناً منه انها هى الطبيبة ومن هنا يبدأ الفيلم.

لاحظت خلال الفقرة السابقة أننى أتحدث عن "ماريت" دوما بضمير المذكر رغم انه قد تحوّل بالفعل لامرأة كما وضحت فى البداية. فهويته الأولى مازالت تسيطر على عقلى الباطن، بالرغم من وعيى بأنه قد تخطى هذه الهوية. تلك الحيرة او المعضلة الضمائرية التى وقعت بها الآن هى ايضاُ جزء من الصراعات التى قام عليها الفيلم، وهى نفس حيرة الشخصيات المحيطة به والتى تعلم شىئاً عن هويته الاصلية مهما حاولت تلك الشخصيات التظاهر بتقبلها له وتأقلمها مع هويته الجديدة يظل هناك ذلك الصدام بين الوعى واللا وعى فتحدث المشكلات له/لها. وإن كان صانع العمل لم يسترسل كثيراً عند هذه النقطة وتخطاها ليغوص فى مناطق أكثر عمقاً حول العلاقات الانسانية، ولم يركز على مسألة الإختلاف كحييلة بلاتزاز التعاطف.

كلما عرفت عن "ماريت" أكثر كلما ازداد تعلقك بها والتوحّد معها بدرجة أكبر، والتأقلم مع هويتها الجنسية الجديدة، ما يجعلك تكاد تنسى الهوية الأصلية وتنتقل معها بسلاسة فى رحلتها للبحث عن الحب والذات والسعادة واللذة، ولكن الأمور لا تسير دائماً على النحو الذى نرجوه، لا معها ولا مع باقى الشخصيات المتضاربة والمتصارعة، والذين لا يجمعهم شىء مشترك سوى رغبتهم المكبوتة فى تخطى قواعد حياتهم الاجتماعية والتحرر من حواجزهم النفسية لممارسة بعض الجموح، ولو لليلة واحدة.

 ربما تكون ماريت مختلفة عنهم فى هذا الامر كما هى مختلفة عنهم فى كل شىء آخر، فهى تمثل الجموح ذاته، ذلك السور الذى يحلمون باجتيازه خلسة بعد أن سأموا طبيعتهم التقليدية، ولا يريدون من تلك الطبيعة سوى المظهر الخارجى، هم يريدون نفس التحرر والاتساق بأشكال أخرى ولكنهم غير مستعدين لدفع نفس الضريبة التى دفعتها ماريت، فالمغامرة بالانقلاب على الرتابة والاستسلام للتجربة عادةً ما تكون ذات تكاليف باهظة، وأحيانا ما تكون مفيدة وتعرفنا حقيقة أنفسنا، لكن ماذا عندما تكون معرفة حقيقة أنفسنا هى أبهظ ما نتكلفه؟

هى نفس فكرة الفيلم الفرنسى "غرباء حميميون/ Intimate Strangers" عندما تتقابل مع الفيلم الكندى "لاورانس على أى حال/Lawrence Anyways"، ولكنه يظل تجربة تستحق المتابعة ان لم تكن رأيت الفيلمين السابق ذكرهما أو حتى ان كنت قد رأيتهما؛ لنجاح مخرجه فى خلق ذلك المناخ الغنى بالمشاعر والحبكة متشابكة العلاقات. الفيلم جميل وبسيط فى أغلب عناصره، والشخصيات مكتوبة بثراء فى أبعادها ومثيرة للفضول، والموسيقى عبّرت بنعومة وشجن عن تعقد وتضارب المشاعر لدى الشخصيات، والأهم من كل ذلك أنه نجح فى أن يجد لعقدته الدرامية -بعد تفاقمها- حلاً يتسم بالواقعية دون أن يغفل الشاعرية، وهو تناقض فى الحالات يتسق مع تناقض الشخصيات نفسها.

Open Up to Me .. الثمن الباهظ لمعرفة أنفسنا

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  2:43 ص 0 تعليقات


دراما فنلندية من انتاج هذا العام عن "موريتز" -رجل فى عقده الرابع- يقوم بعملية تحوّل جنسى ليصبح امرأة ويغيّر اسمه الى (ماريت)، تاركاً عائلته ومدينته وحياته وهارباً ممن يعرفون ماضيه، ومحاولاً بدء حياة جديدة بهويتة الجنسية التى اختارها، ولكن الماضى يظل يطارده، مما يتسبب له فى صعوبات فى اقامة علاقة مع أى رجل، بالاضافة للضغوطات الناتجة عن نظرة اصحاب الاعمال الحذرة منه أحياناً والرافضة له فى أحيان أخرى. ينقلب كل شىء حين يتقابل مع "سامى" فى عيادة طبيبة نفسية كان الاخير فى طريقه لمقابلتها لايجاد حل لمشكلاته الزوجية ولكن الطبيبة قد سافرت ولم يبقى احد فى العيادة سوى "ماريت" عاملة النظافة حيث يبدأ سامى الحديث معها عن مشكلاته ظناً منه انها هى الطبيبة ومن هنا يبدأ الفيلم.

لاحظت خلال الفقرة السابقة أننى أتحدث عن "ماريت" دوما بضمير المذكر رغم انه قد تحوّل بالفعل لامرأة كما وضحت فى البداية. فهويته الأولى مازالت تسيطر على عقلى الباطن، بالرغم من وعيى بأنه قد تخطى هذه الهوية. تلك الحيرة او المعضلة الضمائرية التى وقعت بها الآن هى ايضاُ جزء من الصراعات التى قام عليها الفيلم، وهى نفس حيرة الشخصيات المحيطة به والتى تعلم شىئاً عن هويته الاصلية مهما حاولت تلك الشخصيات التظاهر بتقبلها له وتأقلمها مع هويته الجديدة يظل هناك ذلك الصدام بين الوعى واللا وعى فتحدث المشكلات له/لها. وإن كان صانع العمل لم يسترسل كثيراً عند هذه النقطة وتخطاها ليغوص فى مناطق أكثر عمقاً حول العلاقات الانسانية، ولم يركز على مسألة الإختلاف كحييلة بلاتزاز التعاطف.

كلما عرفت عن "ماريت" أكثر كلما ازداد تعلقك بها والتوحّد معها بدرجة أكبر، والتأقلم مع هويتها الجنسية الجديدة، ما يجعلك تكاد تنسى الهوية الأصلية وتنتقل معها بسلاسة فى رحلتها للبحث عن الحب والذات والسعادة واللذة، ولكن الأمور لا تسير دائماً على النحو الذى نرجوه، لا معها ولا مع باقى الشخصيات المتضاربة والمتصارعة، والذين لا يجمعهم شىء مشترك سوى رغبتهم المكبوتة فى تخطى قواعد حياتهم الاجتماعية والتحرر من حواجزهم النفسية لممارسة بعض الجموح، ولو لليلة واحدة.

 ربما تكون ماريت مختلفة عنهم فى هذا الامر كما هى مختلفة عنهم فى كل شىء آخر، فهى تمثل الجموح ذاته، ذلك السور الذى يحلمون باجتيازه خلسة بعد أن سأموا طبيعتهم التقليدية، ولا يريدون من تلك الطبيعة سوى المظهر الخارجى، هم يريدون نفس التحرر والاتساق بأشكال أخرى ولكنهم غير مستعدين لدفع نفس الضريبة التى دفعتها ماريت، فالمغامرة بالانقلاب على الرتابة والاستسلام للتجربة عادةً ما تكون ذات تكاليف باهظة، وأحيانا ما تكون مفيدة وتعرفنا حقيقة أنفسنا، لكن ماذا عندما تكون معرفة حقيقة أنفسنا هى أبهظ ما نتكلفه؟

هى نفس فكرة الفيلم الفرنسى "غرباء حميميون/ Intimate Strangers" عندما تتقابل مع الفيلم الكندى "لاورانس على أى حال/Lawrence Anyways"، ولكنه يظل تجربة تستحق المتابعة ان لم تكن رأيت الفيلمين السابق ذكرهما أو حتى ان كنت قد رأيتهما؛ لنجاح مخرجه فى خلق ذلك المناخ الغنى بالمشاعر والحبكة متشابكة العلاقات. الفيلم جميل وبسيط فى أغلب عناصره، والشخصيات مكتوبة بثراء فى أبعادها ومثيرة للفضول، والموسيقى عبّرت بنعومة وشجن عن تعقد وتضارب المشاعر لدى الشخصيات، والأهم من كل ذلك أنه نجح فى أن يجد لعقدته الدرامية -بعد تفاقمها- حلاً يتسم بالواقعية دون أن يغفل الشاعرية، وهو تناقض فى الحالات يتسق مع تناقض الشخصيات نفسها.

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top