جميع المواضيع


مشكلتى الأزلية مع الأفلام العربية الاجتماعية وخاصة المصرية منها، أنها تأتى فى الغالب متأثرة بمسلسلات الفضائيات التى يهرب منها المشاهد الى دور العرض السينمائية لمشاهدة شىء أقل ابتذالاً بمواضيع وتيمات جديدة غير التى ملّ منها ولكنه فى الغالب يجد نفس المواضيع المستهلكة او مواضيع أخرى لم تستهلك ليس بسبب انها مبتكرة ولكن لأنها مفتعلة ولا تحدث، وأعتقد ان هذا الفيلم نجح فى تفادى هذه المشكلات. فيلم "مانموتش" وهو أحدث أفلام المخرج التونسى نورى بوزيد يرصد الأوضاع الاجتماعية بعد وقبل وأثناء الثورة التونسية على الرئيس السابق "بن على"، وهو فى رأيى تفوّق على كل ما شاهدت من الأفلام العربية الاخرى التى اتخذت من ثورات الربيع العربى موضوعا تدور حوله  الأحداث فى السنوات القليلة الماضية؛ لعدة أسباب.

أهم هذه الأسباب ان الفيلم لم يقع فى فخ البروباجاندا الثورية والانحياز لوجهات نظر سياسية على قدر اهتمامه بما يهم كل انسان فى العالم سيشاهد الفيلم بغض النظر عن معتقده الدينى او لونه او رأيه السياسى، فمن خلال قصة ذات أبعاد انسانية ونفسية مؤثرة لشخصيات من الواقع ومكتوبة بعناية، قد تجد نفسك واحداً من تلك الشخصيات، ستضحك معهم وتبكى معهم وتثور معهم وتغنى معهم حتى نزول التيترات، ثم تقل لنفسك "كم كان بديعاً ما رأيت!".

حسناً، أظننى بالغت بعض الشىء عندما كتبت جملة "بغض النظر عن معتقده الدينى"، فهذا الفيلم بالتأكيد لن يعشه أو يعجب به الأصوليون الاسلاميون بشتى انواعهم، ذلك بحالة أن شاهدوه بالأساس. لقد تألق الممثل ابراهيم علوى بدور حمزة وعبّر بعفوية عن شخصيات انتشرت فى واقعنا فى السنوات الثلاثين الماضية، ذلك الفتى شعبوى الطبقة المتوسطة قليل الثقة بنفسه وبمن حوله والذى ظن نفسه مناضلاً لمجرد وقوفه ضد نظام "بن على" العلمانى المستبد ليس تطلعاً للحقوق والحريات ولكن لاقرار استبداد من نوع آخر، ذلك الفتى الذى يجد فى الدين ضالته للتسلط على الآخرين وممارسة عقده النفسية بشكل شرعى مخفياً وراء ذلك دوافعه النفسية وهوسه وكبته الجنسى. يخرج من المعتقل السياسى فى بداية الفيلم بعد سقوط بن على ليحوّل حياة من حوله الى معتقل من نوع آخر، ولم يسلم من هجومه وتكفيره المتواصل حتى أبوه الذى قام بدوره الممثل فتحى مسلمانى، ذلك الأب بوجوده فى مجتمع اليوم يمثل مخلفات علمانية بورقيبة التى مازالت صامدة بعدما لم يسلم الكثيرون من تلك الهجمة الظلامية على مجتمع كان فى يوم أكثر تسامحاً وتعايشاً عما هو عليه الآن، حتى زوجته التى أصبحت تضغط على ابنتها زينب لارتداء الحجاب تنفيذاً لشرط عريسها ابراهيم للزواج منها، ومحاولة لاقناع زينب بالحجاب تصف الأم الفتيات غير المحجبات بالخليعات ليرد عليها الأب ساخراً "وهل نسيتى ما كنتِ عليه فى شبابك؟!"

من الجهة الأخرى نجد "عائشة" الفتاة المحجبة صديقة زينب وزميلتها فى العمل بذلك المطعم الذى يمارس عليها مالكه بعض الضغوطات لتخلع حجابها وتترك المخبز الذى بالأسفل وتصعد للعمل كـ "نادلة" بالطابق الأعلى كما تفعل زينب لأنه يظن ان الحجاب يقيدها ويحصرها فى ادوار محددة، ترفض عائشة فيعبر لها عن اعجابه بها ثم يحاول التحرش بها جنسياً حتى تنفجر عائشة فى وجه الجميع وتذهب فى نوبة هيستيرية فى مشهد يمكن وصفه بالعبقرى، أما زينب فمازالت متمردة على أهلها ترفض ارتداء الحجاب والاستجابة لتسلط أخيها وتتمسك بأملها فى الثورة، وأثناء توالى الأحداث تظهر مشاهد دخيلة لجثة رجل عجوز يتم تغسيله، نكتشف فى النهاية انها جثة عازف الاوكورديون الذى ظهر فى أول لقطة للفيلم وهو يعزف موسيقاه فى الشوارع فيقتل أثناء الاحتجاجات .. لينتهى الفيلم بمشهد رمزى يجمع عائشة بزينب ملتفين بالعلم التونسى بعد ان التقطوا أوكورديون العجوز من صفائح القمامة لينشدوا به أغنية "مانموتش"، ويمكنك بسهولة تفسير ذلك المشهد البديع لو رمزت للرجل العجوز بمساوىء النظام العلمانى السابق التى ماتت بقيام الثورة، بينما أوكورديونه فيرمز للجانب الايجابى فى ذات النظام، الفن هو الحياة والأوكورديون أداة الفن .. والأغنية التى يتغنيان بها تمطر بأمل وتفاؤل، فلو كانت تمت سرقة ثورتهم ليستفيد منها أعداء الحياة، فلازالت هناك فرصة لاستعادتها وإعادتها للطريق السليم، خاصة بعد ان خلعت عائشة حجابها؛ ربما لأنها لم تعد تعرف الجدوى من وجوده.

الفيلم ملىء بالمشاهد التى لا تنسى، أبرزها مشهد اختلاء حمزة بعائشة داخل منزلها ومحاولته المترددة المذنبة لممارسة الجنس معها ظناً منه ان بعض سلوكياتها وارائها الدينية غير المتعصبة مثله قد تجعلها اسهل للوقوع فى براثن الشهوة كما يعتقد، ولكن رفضها لمحاولته جاء ليجعله فى حالة صدمة قوية، ليس من نفسه فقط بل من كل الأفكار التى تم حشوها فى رأسه، انه مشهد نموذجى يفجر تناقضات الشخصيات وبداية تحوّلها، ناهيك عما به من حميمية ظلت غائبة طوال الفيلم حتى قامت عائشة باحتضانه فى ذلك المشهد حضناً أفلاطونياً كأنها تريد ان تقول له "الأمر ليس دائما عن الجنس بل أحياناً يكون حميمياً" .. كل تفصيلة فى ذلك المشهد كانت رائعة معبرة رغم انه كان مشهد صامت او شبه صامت.

ستشعر فى أوقات بتشابه بين تيمة "مانموتش" وتيمة "بنتين من مصر"، أنا احب الفيلمين ولكن أعتقد ان الأول تفوق نسبياً، أولا لأنه جعل الشخصيتين "عائشة" و"وينب" نقيضين او فى أحيان ضلعين لمفهوم الـ Persona النفسى .. فجائت التناقضات والمكملات أكثر اثارة للتفكير والانتباه وثراءً للفكرة من تشابه الشخصيتين فى "بنتين من مصر" .. وثانياً لأن الفيلم الأول أقل تكثيفاً للكئابة من الفيلم الثانى مما يجعله أقرب للحياة الواقعية بتقلباتها واقرب لمشاعر المشاهد.


"مانموتش" تجربة سينمائية تستحق الانحناء لصانعها، سنحت لى فرصة مشاهدته خلال عرضه بدار الأوبرا المصرية الأسبوع الماضى وأتمنى لو مثل هذه الافلام كانت تعرض فى دور العرض العادية، فموضوعه شديد الصلة بما يدور بمصر الآن وبالتأكيد انه سوف يجد مريديه، ولكن لا حياة لمن تنادى.

                                                                8/10

مانموتش: سيمفونية اجتماعية على ايقاع الثورة التونسية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  7:05 م 0 تعليقات


مشكلتى الأزلية مع الأفلام العربية الاجتماعية وخاصة المصرية منها، أنها تأتى فى الغالب متأثرة بمسلسلات الفضائيات التى يهرب منها المشاهد الى دور العرض السينمائية لمشاهدة شىء أقل ابتذالاً بمواضيع وتيمات جديدة غير التى ملّ منها ولكنه فى الغالب يجد نفس المواضيع المستهلكة او مواضيع أخرى لم تستهلك ليس بسبب انها مبتكرة ولكن لأنها مفتعلة ولا تحدث، وأعتقد ان هذا الفيلم نجح فى تفادى هذه المشكلات. فيلم "مانموتش" وهو أحدث أفلام المخرج التونسى نورى بوزيد يرصد الأوضاع الاجتماعية بعد وقبل وأثناء الثورة التونسية على الرئيس السابق "بن على"، وهو فى رأيى تفوّق على كل ما شاهدت من الأفلام العربية الاخرى التى اتخذت من ثورات الربيع العربى موضوعا تدور حوله  الأحداث فى السنوات القليلة الماضية؛ لعدة أسباب.

أهم هذه الأسباب ان الفيلم لم يقع فى فخ البروباجاندا الثورية والانحياز لوجهات نظر سياسية على قدر اهتمامه بما يهم كل انسان فى العالم سيشاهد الفيلم بغض النظر عن معتقده الدينى او لونه او رأيه السياسى، فمن خلال قصة ذات أبعاد انسانية ونفسية مؤثرة لشخصيات من الواقع ومكتوبة بعناية، قد تجد نفسك واحداً من تلك الشخصيات، ستضحك معهم وتبكى معهم وتثور معهم وتغنى معهم حتى نزول التيترات، ثم تقل لنفسك "كم كان بديعاً ما رأيت!".

حسناً، أظننى بالغت بعض الشىء عندما كتبت جملة "بغض النظر عن معتقده الدينى"، فهذا الفيلم بالتأكيد لن يعشه أو يعجب به الأصوليون الاسلاميون بشتى انواعهم، ذلك بحالة أن شاهدوه بالأساس. لقد تألق الممثل ابراهيم علوى بدور حمزة وعبّر بعفوية عن شخصيات انتشرت فى واقعنا فى السنوات الثلاثين الماضية، ذلك الفتى شعبوى الطبقة المتوسطة قليل الثقة بنفسه وبمن حوله والذى ظن نفسه مناضلاً لمجرد وقوفه ضد نظام "بن على" العلمانى المستبد ليس تطلعاً للحقوق والحريات ولكن لاقرار استبداد من نوع آخر، ذلك الفتى الذى يجد فى الدين ضالته للتسلط على الآخرين وممارسة عقده النفسية بشكل شرعى مخفياً وراء ذلك دوافعه النفسية وهوسه وكبته الجنسى. يخرج من المعتقل السياسى فى بداية الفيلم بعد سقوط بن على ليحوّل حياة من حوله الى معتقل من نوع آخر، ولم يسلم من هجومه وتكفيره المتواصل حتى أبوه الذى قام بدوره الممثل فتحى مسلمانى، ذلك الأب بوجوده فى مجتمع اليوم يمثل مخلفات علمانية بورقيبة التى مازالت صامدة بعدما لم يسلم الكثيرون من تلك الهجمة الظلامية على مجتمع كان فى يوم أكثر تسامحاً وتعايشاً عما هو عليه الآن، حتى زوجته التى أصبحت تضغط على ابنتها زينب لارتداء الحجاب تنفيذاً لشرط عريسها ابراهيم للزواج منها، ومحاولة لاقناع زينب بالحجاب تصف الأم الفتيات غير المحجبات بالخليعات ليرد عليها الأب ساخراً "وهل نسيتى ما كنتِ عليه فى شبابك؟!"

من الجهة الأخرى نجد "عائشة" الفتاة المحجبة صديقة زينب وزميلتها فى العمل بذلك المطعم الذى يمارس عليها مالكه بعض الضغوطات لتخلع حجابها وتترك المخبز الذى بالأسفل وتصعد للعمل كـ "نادلة" بالطابق الأعلى كما تفعل زينب لأنه يظن ان الحجاب يقيدها ويحصرها فى ادوار محددة، ترفض عائشة فيعبر لها عن اعجابه بها ثم يحاول التحرش بها جنسياً حتى تنفجر عائشة فى وجه الجميع وتذهب فى نوبة هيستيرية فى مشهد يمكن وصفه بالعبقرى، أما زينب فمازالت متمردة على أهلها ترفض ارتداء الحجاب والاستجابة لتسلط أخيها وتتمسك بأملها فى الثورة، وأثناء توالى الأحداث تظهر مشاهد دخيلة لجثة رجل عجوز يتم تغسيله، نكتشف فى النهاية انها جثة عازف الاوكورديون الذى ظهر فى أول لقطة للفيلم وهو يعزف موسيقاه فى الشوارع فيقتل أثناء الاحتجاجات .. لينتهى الفيلم بمشهد رمزى يجمع عائشة بزينب ملتفين بالعلم التونسى بعد ان التقطوا أوكورديون العجوز من صفائح القمامة لينشدوا به أغنية "مانموتش"، ويمكنك بسهولة تفسير ذلك المشهد البديع لو رمزت للرجل العجوز بمساوىء النظام العلمانى السابق التى ماتت بقيام الثورة، بينما أوكورديونه فيرمز للجانب الايجابى فى ذات النظام، الفن هو الحياة والأوكورديون أداة الفن .. والأغنية التى يتغنيان بها تمطر بأمل وتفاؤل، فلو كانت تمت سرقة ثورتهم ليستفيد منها أعداء الحياة، فلازالت هناك فرصة لاستعادتها وإعادتها للطريق السليم، خاصة بعد ان خلعت عائشة حجابها؛ ربما لأنها لم تعد تعرف الجدوى من وجوده.

الفيلم ملىء بالمشاهد التى لا تنسى، أبرزها مشهد اختلاء حمزة بعائشة داخل منزلها ومحاولته المترددة المذنبة لممارسة الجنس معها ظناً منه ان بعض سلوكياتها وارائها الدينية غير المتعصبة مثله قد تجعلها اسهل للوقوع فى براثن الشهوة كما يعتقد، ولكن رفضها لمحاولته جاء ليجعله فى حالة صدمة قوية، ليس من نفسه فقط بل من كل الأفكار التى تم حشوها فى رأسه، انه مشهد نموذجى يفجر تناقضات الشخصيات وبداية تحوّلها، ناهيك عما به من حميمية ظلت غائبة طوال الفيلم حتى قامت عائشة باحتضانه فى ذلك المشهد حضناً أفلاطونياً كأنها تريد ان تقول له "الأمر ليس دائما عن الجنس بل أحياناً يكون حميمياً" .. كل تفصيلة فى ذلك المشهد كانت رائعة معبرة رغم انه كان مشهد صامت او شبه صامت.

ستشعر فى أوقات بتشابه بين تيمة "مانموتش" وتيمة "بنتين من مصر"، أنا احب الفيلمين ولكن أعتقد ان الأول تفوق نسبياً، أولا لأنه جعل الشخصيتين "عائشة" و"وينب" نقيضين او فى أحيان ضلعين لمفهوم الـ Persona النفسى .. فجائت التناقضات والمكملات أكثر اثارة للتفكير والانتباه وثراءً للفكرة من تشابه الشخصيتين فى "بنتين من مصر" .. وثانياً لأن الفيلم الأول أقل تكثيفاً للكئابة من الفيلم الثانى مما يجعله أقرب للحياة الواقعية بتقلباتها واقرب لمشاعر المشاهد.


"مانموتش" تجربة سينمائية تستحق الانحناء لصانعها، سنحت لى فرصة مشاهدته خلال عرضه بدار الأوبرا المصرية الأسبوع الماضى وأتمنى لو مثل هذه الافلام كانت تعرض فى دور العرض العادية، فموضوعه شديد الصلة بما يدور بمصر الآن وبالتأكيد انه سوف يجد مريديه، ولكن لا حياة لمن تنادى.

                                                                8/10

0 التعليقات:



وجدة هو أول فيلم يمثل السعودية فى مسابقة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبى، وكثير من النقاد العالميين يتوقعون تأهله للمنافسات النهائية، ليكون بذلك واحد من أفضل 5 أفلام على مستوى العالم لعام 2013. وتلك الجملة الأخيرة محبطة فى رأيى، فالفيلم ليس بالسىء ولكنه أيضا ليس بالرائع لتلك الدرجة، دعونا نكون موضوعيين ونصفه بالفيلم المتوسط الذى لاقى موضوعه وظروفه وكواليس تجربته الإعجاب الغربى، ولكن لنسأل أنفسنا السؤال الجوهرى ونحن بصدد تقييم الفيلم، هل أعجبنا الفيلم حقاً أم أعجبنا موضوعه وأثارتنا كواليسه والمكان الذى أتى منه ؟!

فتاة فى عمر الورود تعيش داخل المجتمع القمعى المنغلق، تحب الحياة وتستمع لأغانى الروك أند رول وتتطلع لقيادة دراجة .. تلك الشخصية تجدها مألوفة ومتواجدة بكثرة فى الأفلام الايرانية، ولكنها تكون مرسومة بشكل أضخم ثراءً وأكثر أبعاداً من شخصية "وجدة"، ففى رأيى لم تنجح هيفاء منصور بدرجة كبيرة فى اثارة انتباهى وفضولى عن شخصيتها الرئيسية أو حتى شخصياتها الفرعية وكانت تحتاج لتحديد ملامحهم ودوافعهم بشكل أكبر. أما نقطة الضعف الأخرى فى السيناريو تكمن فى البناء الدرامى، فلقد أتى أقل مما تستحق الفكرة وأدى بإيقاع الفيلم من رتابة ومط ما يجعلنى أنظر فى ساعتى بشكل منتظم أثناء مدة عرض الفيلم. وأضعف ما كان به هو الخط الدرامى الخاص بعلاقة الأب والأم الذى تشعر بأنه قادم من مسلسل عربى تم ابتذاله لسنوات على الفضائيات وليس بفيلماً عالميا كما هو الحال، فلم آخذ هذا الخط وما وازاه من خطوط أخرى قليلة بالفيلم سوى على انه حشو ساذج للفكرة.

وكل تلك العوامل طرحت بذهنى فكرة الفيلم القصير، فربما لو طموح هيفاء منصور كان على قدر قدرتها الفعلية على صياغة سيناريو  يحتوى على أحداث وكانت استسلمت لفكرة الفيلم القصير بدلاً من الساعة ونصف لربما أصبحت التجربة رائعة فعلا، ولكنها اعتمدت على العوامل الأخرى -التى تحدثت عنها فى الفقرة الأولى- لتسويق فيلمها، وهذا يعد ذكاء منها على المدى القصير، ولكن بمجرد ان ينتهى ذلك الوهج الدعائى العالمى فسينتهى كل شىء وستبقى الأفلام الايرانية التى تأثرت بها هيفاء فى صنعها لفيلمها هى الاكثر خلوداً من وجدة.

لو تحدثنا عن باقى عناصر الفيلم نجد الموسيقى رقيقة وقليلة فهى مناسبة لما يحدث وما لا يحدث، وجاء أداء الممثلين متوسطاً فى أحيان ومترهلاً فى أحيان اخرى وإن تفوقت نسبياً من قامت بدور الأم على باقى الممثلين. ومن اقوى عناصر الفيلم فى رأيى هو الحوار، فقد جاء بسيطاً وأقل دعائية ومباشرة مما كنت اتوقع .. وكان مشهد النهاية هو أجمل ما بالفيلم لسببين، الأول انه كان معبراً بالصورة فقط وشاعرياً ومبهجاً ويلخص وجهة نظر صانعة الفيلم بشكل ذكى، والسبب التانى هو ان الفيلم قد انتهى وانتهت معه معاناة الرتابة والنظر فى الساعة.

ليس الغرض من هذه المراجعة ان اكون قاسى على صناع الفيلم، فأنا أعرف أن تجربة كتلك بكل الصعوبات والظروف المحلية التى واجهتها هى تجربة تستحق التشجيع حتى تكون البذرة الأولى التى نحصد بعدها ثمار ترعرع سينما سعودية تعبّر عن ذلك المجتمع المثير للفضول وتنقله نقلة حضارية بجعله أكثر تسامحاً مع الفنون وربما السماح بعد ذلك بإنشاء دور سينما فى المملكة، ولكن أعتقد ان الفيلم بالفعل أخذ من التشجيع أكثر مما يستحق، بل أعتقد ان أغلب الاعجاب الذى ناله على المستوى الدولى هو فى الأساس اعجاب بدافع التشجيع، وأعلم ان هذا النقد لن يؤثر فيه كثيراً او قليلاً، فلا بأس إذن بوجود تناول أحسبه اكثر موضوعية للفيلم من كل ما قرأت عنه.


6/10

وجدة: فكرة جيدة أفسدها الطموح

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  1:01 ص 0 تعليقات



وجدة هو أول فيلم يمثل السعودية فى مسابقة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبى، وكثير من النقاد العالميين يتوقعون تأهله للمنافسات النهائية، ليكون بذلك واحد من أفضل 5 أفلام على مستوى العالم لعام 2013. وتلك الجملة الأخيرة محبطة فى رأيى، فالفيلم ليس بالسىء ولكنه أيضا ليس بالرائع لتلك الدرجة، دعونا نكون موضوعيين ونصفه بالفيلم المتوسط الذى لاقى موضوعه وظروفه وكواليس تجربته الإعجاب الغربى، ولكن لنسأل أنفسنا السؤال الجوهرى ونحن بصدد تقييم الفيلم، هل أعجبنا الفيلم حقاً أم أعجبنا موضوعه وأثارتنا كواليسه والمكان الذى أتى منه ؟!

فتاة فى عمر الورود تعيش داخل المجتمع القمعى المنغلق، تحب الحياة وتستمع لأغانى الروك أند رول وتتطلع لقيادة دراجة .. تلك الشخصية تجدها مألوفة ومتواجدة بكثرة فى الأفلام الايرانية، ولكنها تكون مرسومة بشكل أضخم ثراءً وأكثر أبعاداً من شخصية "وجدة"، ففى رأيى لم تنجح هيفاء منصور بدرجة كبيرة فى اثارة انتباهى وفضولى عن شخصيتها الرئيسية أو حتى شخصياتها الفرعية وكانت تحتاج لتحديد ملامحهم ودوافعهم بشكل أكبر. أما نقطة الضعف الأخرى فى السيناريو تكمن فى البناء الدرامى، فلقد أتى أقل مما تستحق الفكرة وأدى بإيقاع الفيلم من رتابة ومط ما يجعلنى أنظر فى ساعتى بشكل منتظم أثناء مدة عرض الفيلم. وأضعف ما كان به هو الخط الدرامى الخاص بعلاقة الأب والأم الذى تشعر بأنه قادم من مسلسل عربى تم ابتذاله لسنوات على الفضائيات وليس بفيلماً عالميا كما هو الحال، فلم آخذ هذا الخط وما وازاه من خطوط أخرى قليلة بالفيلم سوى على انه حشو ساذج للفكرة.

وكل تلك العوامل طرحت بذهنى فكرة الفيلم القصير، فربما لو طموح هيفاء منصور كان على قدر قدرتها الفعلية على صياغة سيناريو  يحتوى على أحداث وكانت استسلمت لفكرة الفيلم القصير بدلاً من الساعة ونصف لربما أصبحت التجربة رائعة فعلا، ولكنها اعتمدت على العوامل الأخرى -التى تحدثت عنها فى الفقرة الأولى- لتسويق فيلمها، وهذا يعد ذكاء منها على المدى القصير، ولكن بمجرد ان ينتهى ذلك الوهج الدعائى العالمى فسينتهى كل شىء وستبقى الأفلام الايرانية التى تأثرت بها هيفاء فى صنعها لفيلمها هى الاكثر خلوداً من وجدة.

لو تحدثنا عن باقى عناصر الفيلم نجد الموسيقى رقيقة وقليلة فهى مناسبة لما يحدث وما لا يحدث، وجاء أداء الممثلين متوسطاً فى أحيان ومترهلاً فى أحيان اخرى وإن تفوقت نسبياً من قامت بدور الأم على باقى الممثلين. ومن اقوى عناصر الفيلم فى رأيى هو الحوار، فقد جاء بسيطاً وأقل دعائية ومباشرة مما كنت اتوقع .. وكان مشهد النهاية هو أجمل ما بالفيلم لسببين، الأول انه كان معبراً بالصورة فقط وشاعرياً ومبهجاً ويلخص وجهة نظر صانعة الفيلم بشكل ذكى، والسبب التانى هو ان الفيلم قد انتهى وانتهت معه معاناة الرتابة والنظر فى الساعة.

ليس الغرض من هذه المراجعة ان اكون قاسى على صناع الفيلم، فأنا أعرف أن تجربة كتلك بكل الصعوبات والظروف المحلية التى واجهتها هى تجربة تستحق التشجيع حتى تكون البذرة الأولى التى نحصد بعدها ثمار ترعرع سينما سعودية تعبّر عن ذلك المجتمع المثير للفضول وتنقله نقلة حضارية بجعله أكثر تسامحاً مع الفنون وربما السماح بعد ذلك بإنشاء دور سينما فى المملكة، ولكن أعتقد ان الفيلم بالفعل أخذ من التشجيع أكثر مما يستحق، بل أعتقد ان أغلب الاعجاب الذى ناله على المستوى الدولى هو فى الأساس اعجاب بدافع التشجيع، وأعلم ان هذا النقد لن يؤثر فيه كثيراً او قليلاً، فلا بأس إذن بوجود تناول أحسبه اكثر موضوعية للفيلم من كل ما قرأت عنه.


6/10

0 التعليقات:


دراما فنلندية من انتاج هذا العام عن "موريتز" -رجل فى عقده الرابع- يقوم بعملية تحوّل جنسى ليصبح امرأة ويغيّر اسمه الى (ماريت)، تاركاً عائلته ومدينته وحياته وهارباً ممن يعرفون ماضيه، ومحاولاً بدء حياة جديدة بهويتة الجنسية التى اختارها، ولكن الماضى يظل يطارده، مما يتسبب له فى صعوبات فى اقامة علاقة مع أى رجل، بالاضافة للضغوطات الناتجة عن نظرة اصحاب الاعمال الحذرة منه أحياناً والرافضة له فى أحيان أخرى. ينقلب كل شىء حين يتقابل مع "سامى" فى عيادة طبيبة نفسية كان الاخير فى طريقه لمقابلتها لايجاد حل لمشكلاته الزوجية ولكن الطبيبة قد سافرت ولم يبقى احد فى العيادة سوى "ماريت" عاملة النظافة حيث يبدأ سامى الحديث معها عن مشكلاته ظناً منه انها هى الطبيبة ومن هنا يبدأ الفيلم.

لاحظت خلال الفقرة السابقة أننى أتحدث عن "ماريت" دوما بضمير المذكر رغم انه قد تحوّل بالفعل لامرأة كما وضحت فى البداية. فهويته الأولى مازالت تسيطر على عقلى الباطن، بالرغم من وعيى بأنه قد تخطى هذه الهوية. تلك الحيرة او المعضلة الضمائرية التى وقعت بها الآن هى ايضاُ جزء من الصراعات التى قام عليها الفيلم، وهى نفس حيرة الشخصيات المحيطة به والتى تعلم شىئاً عن هويته الاصلية مهما حاولت تلك الشخصيات التظاهر بتقبلها له وتأقلمها مع هويته الجديدة يظل هناك ذلك الصدام بين الوعى واللا وعى فتحدث المشكلات له/لها. وإن كان صانع العمل لم يسترسل كثيراً عند هذه النقطة وتخطاها ليغوص فى مناطق أكثر عمقاً حول العلاقات الانسانية، ولم يركز على مسألة الإختلاف كحييلة بلاتزاز التعاطف.

كلما عرفت عن "ماريت" أكثر كلما ازداد تعلقك بها والتوحّد معها بدرجة أكبر، والتأقلم مع هويتها الجنسية الجديدة، ما يجعلك تكاد تنسى الهوية الأصلية وتنتقل معها بسلاسة فى رحلتها للبحث عن الحب والذات والسعادة واللذة، ولكن الأمور لا تسير دائماً على النحو الذى نرجوه، لا معها ولا مع باقى الشخصيات المتضاربة والمتصارعة، والذين لا يجمعهم شىء مشترك سوى رغبتهم المكبوتة فى تخطى قواعد حياتهم الاجتماعية والتحرر من حواجزهم النفسية لممارسة بعض الجموح، ولو لليلة واحدة.

 ربما تكون ماريت مختلفة عنهم فى هذا الامر كما هى مختلفة عنهم فى كل شىء آخر، فهى تمثل الجموح ذاته، ذلك السور الذى يحلمون باجتيازه خلسة بعد أن سأموا طبيعتهم التقليدية، ولا يريدون من تلك الطبيعة سوى المظهر الخارجى، هم يريدون نفس التحرر والاتساق بأشكال أخرى ولكنهم غير مستعدين لدفع نفس الضريبة التى دفعتها ماريت، فالمغامرة بالانقلاب على الرتابة والاستسلام للتجربة عادةً ما تكون ذات تكاليف باهظة، وأحيانا ما تكون مفيدة وتعرفنا حقيقة أنفسنا، لكن ماذا عندما تكون معرفة حقيقة أنفسنا هى أبهظ ما نتكلفه؟

هى نفس فكرة الفيلم الفرنسى "غرباء حميميون/ Intimate Strangers" عندما تتقابل مع الفيلم الكندى "لاورانس على أى حال/Lawrence Anyways"، ولكنه يظل تجربة تستحق المتابعة ان لم تكن رأيت الفيلمين السابق ذكرهما أو حتى ان كنت قد رأيتهما؛ لنجاح مخرجه فى خلق ذلك المناخ الغنى بالمشاعر والحبكة متشابكة العلاقات. الفيلم جميل وبسيط فى أغلب عناصره، والشخصيات مكتوبة بثراء فى أبعادها ومثيرة للفضول، والموسيقى عبّرت بنعومة وشجن عن تعقد وتضارب المشاعر لدى الشخصيات، والأهم من كل ذلك أنه نجح فى أن يجد لعقدته الدرامية -بعد تفاقمها- حلاً يتسم بالواقعية دون أن يغفل الشاعرية، وهو تناقض فى الحالات يتسق مع تناقض الشخصيات نفسها.

Open Up to Me .. الثمن الباهظ لمعرفة أنفسنا

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  2:43 ص 0 تعليقات


دراما فنلندية من انتاج هذا العام عن "موريتز" -رجل فى عقده الرابع- يقوم بعملية تحوّل جنسى ليصبح امرأة ويغيّر اسمه الى (ماريت)، تاركاً عائلته ومدينته وحياته وهارباً ممن يعرفون ماضيه، ومحاولاً بدء حياة جديدة بهويتة الجنسية التى اختارها، ولكن الماضى يظل يطارده، مما يتسبب له فى صعوبات فى اقامة علاقة مع أى رجل، بالاضافة للضغوطات الناتجة عن نظرة اصحاب الاعمال الحذرة منه أحياناً والرافضة له فى أحيان أخرى. ينقلب كل شىء حين يتقابل مع "سامى" فى عيادة طبيبة نفسية كان الاخير فى طريقه لمقابلتها لايجاد حل لمشكلاته الزوجية ولكن الطبيبة قد سافرت ولم يبقى احد فى العيادة سوى "ماريت" عاملة النظافة حيث يبدأ سامى الحديث معها عن مشكلاته ظناً منه انها هى الطبيبة ومن هنا يبدأ الفيلم.

لاحظت خلال الفقرة السابقة أننى أتحدث عن "ماريت" دوما بضمير المذكر رغم انه قد تحوّل بالفعل لامرأة كما وضحت فى البداية. فهويته الأولى مازالت تسيطر على عقلى الباطن، بالرغم من وعيى بأنه قد تخطى هذه الهوية. تلك الحيرة او المعضلة الضمائرية التى وقعت بها الآن هى ايضاُ جزء من الصراعات التى قام عليها الفيلم، وهى نفس حيرة الشخصيات المحيطة به والتى تعلم شىئاً عن هويته الاصلية مهما حاولت تلك الشخصيات التظاهر بتقبلها له وتأقلمها مع هويته الجديدة يظل هناك ذلك الصدام بين الوعى واللا وعى فتحدث المشكلات له/لها. وإن كان صانع العمل لم يسترسل كثيراً عند هذه النقطة وتخطاها ليغوص فى مناطق أكثر عمقاً حول العلاقات الانسانية، ولم يركز على مسألة الإختلاف كحييلة بلاتزاز التعاطف.

كلما عرفت عن "ماريت" أكثر كلما ازداد تعلقك بها والتوحّد معها بدرجة أكبر، والتأقلم مع هويتها الجنسية الجديدة، ما يجعلك تكاد تنسى الهوية الأصلية وتنتقل معها بسلاسة فى رحلتها للبحث عن الحب والذات والسعادة واللذة، ولكن الأمور لا تسير دائماً على النحو الذى نرجوه، لا معها ولا مع باقى الشخصيات المتضاربة والمتصارعة، والذين لا يجمعهم شىء مشترك سوى رغبتهم المكبوتة فى تخطى قواعد حياتهم الاجتماعية والتحرر من حواجزهم النفسية لممارسة بعض الجموح، ولو لليلة واحدة.

 ربما تكون ماريت مختلفة عنهم فى هذا الامر كما هى مختلفة عنهم فى كل شىء آخر، فهى تمثل الجموح ذاته، ذلك السور الذى يحلمون باجتيازه خلسة بعد أن سأموا طبيعتهم التقليدية، ولا يريدون من تلك الطبيعة سوى المظهر الخارجى، هم يريدون نفس التحرر والاتساق بأشكال أخرى ولكنهم غير مستعدين لدفع نفس الضريبة التى دفعتها ماريت، فالمغامرة بالانقلاب على الرتابة والاستسلام للتجربة عادةً ما تكون ذات تكاليف باهظة، وأحيانا ما تكون مفيدة وتعرفنا حقيقة أنفسنا، لكن ماذا عندما تكون معرفة حقيقة أنفسنا هى أبهظ ما نتكلفه؟

هى نفس فكرة الفيلم الفرنسى "غرباء حميميون/ Intimate Strangers" عندما تتقابل مع الفيلم الكندى "لاورانس على أى حال/Lawrence Anyways"، ولكنه يظل تجربة تستحق المتابعة ان لم تكن رأيت الفيلمين السابق ذكرهما أو حتى ان كنت قد رأيتهما؛ لنجاح مخرجه فى خلق ذلك المناخ الغنى بالمشاعر والحبكة متشابكة العلاقات. الفيلم جميل وبسيط فى أغلب عناصره، والشخصيات مكتوبة بثراء فى أبعادها ومثيرة للفضول، والموسيقى عبّرت بنعومة وشجن عن تعقد وتضارب المشاعر لدى الشخصيات، والأهم من كل ذلك أنه نجح فى أن يجد لعقدته الدرامية -بعد تفاقمها- حلاً يتسم بالواقعية دون أن يغفل الشاعرية، وهو تناقض فى الحالات يتسق مع تناقض الشخصيات نفسها.

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top