جميع المواضيع


"كلنا صدقنا اللى ما بيتصدق"
يمكننا تناول هذا الفيلم من خلال قراءتين، القراءة الأولى وهى أرجح الى ما كان يرمى اليه هانى أبو أسعد مخرج ومؤلف العمل، بأن ابطال فيلمه –الفلسطينيين الأربعة- كانوا ضحايا عاطفياً وإجتماعياً لتلاعب ضابط اسرائيلى وغد بهم، إما بافساد حياتهم وإما بتشويه نفوسهم، وما يتبع ذلك من اسقاط واضح على الصراع الفسلطينى-الاسرائيلى بصفة عامة،وذلك على سبيل البروباجاندا للقضية الفلسطينية. أما القراءة الثانية فهى لمن يكره البروباجاندا ويريد تبرير قضاءه مدة ساعة ونصف فى مشاهدة هذا الفيلم، وهذه القراءة تتلخص فى أن الفيلم كان عن السذاجة، ويمكن الاستعانة بمقولة بطل الفيلم أعلاه للتدليل على أن مآسى الأبطال كانت عاقبة منطقية لتصديقهم ما لا يصدق، أى سذاجتهم، والجميل والمريح بهذه القراءة انها لن تنقذ الفيلم من فخ البروباجندا والأحادية وحسب، بل وأيضا ستبرىء الحبكة من ثغراتها وهشاشة دوافع شخصياتها، حيث لا حرج على السذج!

عُمر فى مقتبل شبابه، يعمل بأحد مخابز الحى، مرهف الحس، هادىء الطباع، متأثر بكلاسيكيات الفن المصرى الرومانسى، وعلى علاقة عاطفية بـ "ناديا" أخت صديق طفولته "طارق"، الذى كان يذهب معه عمر وصديقهما الثالث "أمجد" فى أوقات فراغهم لقنص وإغتيال الجنود الاسرائيليين، إلى ان يتم اعتقاله من قبل المخابرات الاسرائيلية (او هكذا ما قيل)، ثم يخيّروه بين ان يتعاون معهم للايقاع بشركاءه وخاصة "طارق"، أو يقضى بقية عمره بالسجن، فيُحرم إلى الابد من حبيبته "ناديا". إذن هذه التيمة ليست بجديدة علينا وشاهدناها كثير على مدار تاريخ السينما من أول "حنفى الأبهة" إلى "أميريكان هاسل"، ولكن الجديد هنا كان فى زيادة تعقيد المعضلة الأخلاقية، بحيث لم يكن الشركاء مجرمين بالشكل التقليدى، بل تم تقديمهم بأنهم ذوى أهداف وطنية نبيلة، كما ان خيانتهم كانت لتتم من أجل هدف يبدو نبيل أيضا، وهو الحب، وما زاد الصراع تعقيداً انهم اصدقاء طفولة.

مشكلة السيناريو الكبرى كانت الدوافع، فما الذى يدفع شاباً يانعاً حالماً عاشقاً أمامه مستقبل لا بأس به، للقيام بأنشطة عنيفة وخطرة كتلك؟، خاصة وأنه لم يكن صاحب اراء او اهتمامات سياسية تذكر، وحتى الموقف الذى تعرض له من احد الضباط الاسرائيليين فى بداية الفيلم فلم يكن مُبَرَراً ولا مُبَرِراً لما قام به، مثلما لم تكن ايضاً صداقته من "طارق" مبرراً قوياً، لقد بدا الأمر مصطنعاً للغاية، فتصوير الشاب الفلسطينى على انه بالضرورة عضواً بالمقاومة المسلحة أصبح استسهال وتنميط ساذج. نأتى للسؤال الأخر وهو لماذا تم القبض عليه وحده دوناً عن رفاقه؟، فلو ان ثمة أدلة او كاميرات مراقبة اشارت لتورطه فبالتأكيد ان نفس الأدلة تورط رفاقه معه، خاصة وأن الجهاز الامنى بدا وكأنه يعلم دبّة النملة. لماذا لم يتم تصفية المطلوبين فوراً وبلا قانون؟، خاصة وأن نفس الجهاز الأمنى لم يجد غضاضة فى انتهاك القانون عن طريق التعذيب الوحشى!

لن أحاسب أبو اسعد على ان خطه الرومانسى كان ساذجاً وغير مبتكر ويفتقد للشاعرية وأن حوارات الحبيبين أكل عليها الدهر وشرب؛ فمن السهل تبرير رتابة ذلك الخط وحواراته بأنه كان متناسب مع طبيعة شخصيات الحبيبين وأعمارهما الصغيرة وثقافتهما المتواضعة، ولكن استطيع محاسبته على الخطوة التى اتخذها فى النهاية لتكليل هذه القصة بنهاية ميلودرامية لم تتناغم مع عشوائية الخط من بدايته، فضلاً عن عدم منطقيتها، حيث انه رغم ثرثرة الحبيبين المتواصلة على مدار الفيلم، لم يفكر "عُمر" بمواجهة "ناديا" بادعاء "أمجد" تحبيله اياها، فى اعتقادى ان ذلك كان أمر بديهى يتناسب مع طبيعة شخصياتهما. والسؤال الأهم هو لماذا يلجأ "أمجد" من الاصل لحيلة عبثية كتلك التى من السهل إما كشفها وإما ان تودى بحياته التى انقذتها الصدفة فى اللحظة الأخيرة قبل ان يقتله "طارق"!

لعب الجدار العازل فى هذا الفيلم دور عزول العشق والحياة والنقاء الذى يحاول البطل تخطيه دائما، وفى رأيى انه كان ترميز متعسف لا يتفق مع طبيعة الجدار الأمنية المحضة، تلك الطبيعة التى أكدها الأبطال بأنفسهم عندما قاموا بانتهاكها بقتل الجندى، كما لعب الضابط "رامى" نفس دور الجدار، فى ترميز لا يقل تعسفاً، حيث ان الرؤية الموضوعية المتجردة لما فعله "رامى" تنصفه بكونه موظف مخلص لوظيفته يقوم بأداء واجبه لمنع قتل مواطنيه، وبالتالى لم يكن يستحق تلك النهاية العابثة، موت "رامى" هو الرؤية الأكثر ضحالة فى التاريخ عن مفهوم العدالة الشعرية. وبصفة عامة يمكن تبرير كل خطايا هذا الفيلم لو قرأناه بالقراءة الثانية التى اشرت لها فى بداية حديثى، وهو ان الابطال كانوا بالسذاجة الكافية التى تجعل تصرفاتهم اللا منطقية منطقية.

مشاهد المطاردات تم تنفيذها بمهارة وصدق جديدان على الافلام العربية، رغم ان الهروب من جهاز أمنى متمكن كان فى حد ذاته أمر عبثى، عدسة "العسال" اعطت الصورة أناقة شديدة، فى حين غابت الاحترافية عن اداء معظم الممثلين باستثناء "وليد زعيتر" الذى قام بدور "رامى" و"ليم لوبانى" التى قامت بدور "ناديا"، أما عن "هانى أبو أسعد" فهو مخرج عظيم ولكنه بحاجة ماسة إلى كاتب سيناريو. الفيلم مرشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبى، ولا أظنه يستحق الصمود فى وجه "الصيد" أو "الجمال العظيم"، كما أنه بالطبع ليس أفضل من فيلم "الماضى" لأصغر فرهادى، الذى لم يترشح!

تقييمى: 6.5/10

عُمر .. ماذا أراد هانى أبو أسعد؟

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  3:34 م 0 تعليقات


"كلنا صدقنا اللى ما بيتصدق"
يمكننا تناول هذا الفيلم من خلال قراءتين، القراءة الأولى وهى أرجح الى ما كان يرمى اليه هانى أبو أسعد مخرج ومؤلف العمل، بأن ابطال فيلمه –الفلسطينيين الأربعة- كانوا ضحايا عاطفياً وإجتماعياً لتلاعب ضابط اسرائيلى وغد بهم، إما بافساد حياتهم وإما بتشويه نفوسهم، وما يتبع ذلك من اسقاط واضح على الصراع الفسلطينى-الاسرائيلى بصفة عامة،وذلك على سبيل البروباجاندا للقضية الفلسطينية. أما القراءة الثانية فهى لمن يكره البروباجاندا ويريد تبرير قضاءه مدة ساعة ونصف فى مشاهدة هذا الفيلم، وهذه القراءة تتلخص فى أن الفيلم كان عن السذاجة، ويمكن الاستعانة بمقولة بطل الفيلم أعلاه للتدليل على أن مآسى الأبطال كانت عاقبة منطقية لتصديقهم ما لا يصدق، أى سذاجتهم، والجميل والمريح بهذه القراءة انها لن تنقذ الفيلم من فخ البروباجندا والأحادية وحسب، بل وأيضا ستبرىء الحبكة من ثغراتها وهشاشة دوافع شخصياتها، حيث لا حرج على السذج!

عُمر فى مقتبل شبابه، يعمل بأحد مخابز الحى، مرهف الحس، هادىء الطباع، متأثر بكلاسيكيات الفن المصرى الرومانسى، وعلى علاقة عاطفية بـ "ناديا" أخت صديق طفولته "طارق"، الذى كان يذهب معه عمر وصديقهما الثالث "أمجد" فى أوقات فراغهم لقنص وإغتيال الجنود الاسرائيليين، إلى ان يتم اعتقاله من قبل المخابرات الاسرائيلية (او هكذا ما قيل)، ثم يخيّروه بين ان يتعاون معهم للايقاع بشركاءه وخاصة "طارق"، أو يقضى بقية عمره بالسجن، فيُحرم إلى الابد من حبيبته "ناديا". إذن هذه التيمة ليست بجديدة علينا وشاهدناها كثير على مدار تاريخ السينما من أول "حنفى الأبهة" إلى "أميريكان هاسل"، ولكن الجديد هنا كان فى زيادة تعقيد المعضلة الأخلاقية، بحيث لم يكن الشركاء مجرمين بالشكل التقليدى، بل تم تقديمهم بأنهم ذوى أهداف وطنية نبيلة، كما ان خيانتهم كانت لتتم من أجل هدف يبدو نبيل أيضا، وهو الحب، وما زاد الصراع تعقيداً انهم اصدقاء طفولة.

مشكلة السيناريو الكبرى كانت الدوافع، فما الذى يدفع شاباً يانعاً حالماً عاشقاً أمامه مستقبل لا بأس به، للقيام بأنشطة عنيفة وخطرة كتلك؟، خاصة وأنه لم يكن صاحب اراء او اهتمامات سياسية تذكر، وحتى الموقف الذى تعرض له من احد الضباط الاسرائيليين فى بداية الفيلم فلم يكن مُبَرَراً ولا مُبَرِراً لما قام به، مثلما لم تكن ايضاً صداقته من "طارق" مبرراً قوياً، لقد بدا الأمر مصطنعاً للغاية، فتصوير الشاب الفلسطينى على انه بالضرورة عضواً بالمقاومة المسلحة أصبح استسهال وتنميط ساذج. نأتى للسؤال الأخر وهو لماذا تم القبض عليه وحده دوناً عن رفاقه؟، فلو ان ثمة أدلة او كاميرات مراقبة اشارت لتورطه فبالتأكيد ان نفس الأدلة تورط رفاقه معه، خاصة وأن الجهاز الامنى بدا وكأنه يعلم دبّة النملة. لماذا لم يتم تصفية المطلوبين فوراً وبلا قانون؟، خاصة وأن نفس الجهاز الأمنى لم يجد غضاضة فى انتهاك القانون عن طريق التعذيب الوحشى!

لن أحاسب أبو اسعد على ان خطه الرومانسى كان ساذجاً وغير مبتكر ويفتقد للشاعرية وأن حوارات الحبيبين أكل عليها الدهر وشرب؛ فمن السهل تبرير رتابة ذلك الخط وحواراته بأنه كان متناسب مع طبيعة شخصيات الحبيبين وأعمارهما الصغيرة وثقافتهما المتواضعة، ولكن استطيع محاسبته على الخطوة التى اتخذها فى النهاية لتكليل هذه القصة بنهاية ميلودرامية لم تتناغم مع عشوائية الخط من بدايته، فضلاً عن عدم منطقيتها، حيث انه رغم ثرثرة الحبيبين المتواصلة على مدار الفيلم، لم يفكر "عُمر" بمواجهة "ناديا" بادعاء "أمجد" تحبيله اياها، فى اعتقادى ان ذلك كان أمر بديهى يتناسب مع طبيعة شخصياتهما. والسؤال الأهم هو لماذا يلجأ "أمجد" من الاصل لحيلة عبثية كتلك التى من السهل إما كشفها وإما ان تودى بحياته التى انقذتها الصدفة فى اللحظة الأخيرة قبل ان يقتله "طارق"!

لعب الجدار العازل فى هذا الفيلم دور عزول العشق والحياة والنقاء الذى يحاول البطل تخطيه دائما، وفى رأيى انه كان ترميز متعسف لا يتفق مع طبيعة الجدار الأمنية المحضة، تلك الطبيعة التى أكدها الأبطال بأنفسهم عندما قاموا بانتهاكها بقتل الجندى، كما لعب الضابط "رامى" نفس دور الجدار، فى ترميز لا يقل تعسفاً، حيث ان الرؤية الموضوعية المتجردة لما فعله "رامى" تنصفه بكونه موظف مخلص لوظيفته يقوم بأداء واجبه لمنع قتل مواطنيه، وبالتالى لم يكن يستحق تلك النهاية العابثة، موت "رامى" هو الرؤية الأكثر ضحالة فى التاريخ عن مفهوم العدالة الشعرية. وبصفة عامة يمكن تبرير كل خطايا هذا الفيلم لو قرأناه بالقراءة الثانية التى اشرت لها فى بداية حديثى، وهو ان الابطال كانوا بالسذاجة الكافية التى تجعل تصرفاتهم اللا منطقية منطقية.

مشاهد المطاردات تم تنفيذها بمهارة وصدق جديدان على الافلام العربية، رغم ان الهروب من جهاز أمنى متمكن كان فى حد ذاته أمر عبثى، عدسة "العسال" اعطت الصورة أناقة شديدة، فى حين غابت الاحترافية عن اداء معظم الممثلين باستثناء "وليد زعيتر" الذى قام بدور "رامى" و"ليم لوبانى" التى قامت بدور "ناديا"، أما عن "هانى أبو أسعد" فهو مخرج عظيم ولكنه بحاجة ماسة إلى كاتب سيناريو. الفيلم مرشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبى، ولا أظنه يستحق الصمود فى وجه "الصيد" أو "الجمال العظيم"، كما أنه بالطبع ليس أفضل من فيلم "الماضى" لأصغر فرهادى، الذى لم يترشح!

تقييمى: 6.5/10

0 التعليقات:


لقد وَضَعتْ بالرواية العديد من الألغاز والأحجية التى ستجعل النقاد يتجادلون لقرون حول ما كنت أعنيه"، هكذا تحدث الكاتب البريطانى جيمس جويس عن روايته الأشهر "عوليس". والمتابع لأفلام الثنائى الامريكى "الاخوين كوين" يعلم انهما من أخلص التابعين لذلك النهج الحكائى "الجويسى" المليىء بالرموز المريبة والتفاصيل المبهمة التى ما وإن نَجَحْت فى فك طلاسمها وإعادة ترتيبها أصبحت امام لوحة فنية خلابة بفلسفتها الحياتية والسينمائية على حد سواء. ولكن الفرق ان هذه المرة لم يقتصر تأثر الأخَوَين بـ جويس على مقولته السابقة عن النهج وحسب، بل تخطى ذلك الى استعارة اسم "عوليس" ليطلقانه على احد شخصيات فيلمهما الاخير "داخل لوين ديفيس" ليكون هو اسم القط الذى صاحب بطل الفيلم فى معظم اوقاته.

الجدير بالذكر ان "عوليس" هو الاسم اللاتينى من "اوديسى" بطل ملحمة "هومير" الاغريقية التى تأثر بها "جويس" فى روايته مثلما تأثر بها الأخَوَان فى فيلمهما من خلال احد الخطوط الدرامية الفرعية التى صنعاها لمحاكاة صراع "اوديسى". ويمكن تلخيص ذلك الصراع فى انه قد واجه المخاطر المهولة التى عاقبه بها "بوسيدن"، إله البحر عند الاغريق، فى خلال رحلته البحرية من اجل العودة لبيته وزوجته، والذى يشبه لدرجة ما تعرّض له القط "عوليس" بالفيلم خلال رحلته بالعودة الى منزله بعد ان تاه من "لوين". إنها ليست المرة الاولى التى يحاكى فيها الأخَوَان ملحمة "الأوديسة"، فسبق أن حاكياها فى فيلمهما الأسبق "إخوانى، أين أنتم؟"، ولكنها هذه المرة كانت بشكل اكثر هامشية وفرعية عن مرتهم الأولى تلك. ولكن المرجح ان فى هذه المحاكاة وغيرها من تفاصيل الفيلم حِكَم لا يعلمها اللا الأخَوَان، أو بالطبع أى مشاهد يقرر الاجتهاد والغوص فى عقلهما بحثاً عن ابعاد وطبقات أعمق مما يبدو عليه الفيلم بقشرته الفوقية التى صحيح لم يكن بها بأس، ولكن مايزال هنالك ما هو أبعد للتطلع اليه من متع فكرية ودروس سينمائية لا تظهر على السطح، وهو ما أحاول القيام به فى هذه المقالة.

تدور الأحداث فى اطار من الكوميديا السوداء حول "لوين ديفيس"، مطرب الاغانى الفولكلورية المتعثّر فى حياته الشخصية والفنية، بعد ان انتحر صديقه ورفيقه الغنائى "مايك"، وهو الذى قد صنع معه احدى الاغانى التى نالت بعض الحظ من الانتشار، ليتركه وحيداً يواجه النحس الذى يبدو مصاحباً له فى مشواره البائس من اجل تحقيق النجاح والشهرة كمطرب منفرد ويتخطى مرحلة الغناء فى المقاهى والحانات، كما يواجه تحدى داخلى آخر مع ذاته الفنية عن طريق الصمود وعدم تقديم فن تجارى مبتذل لا يرضيها، فهو يعتقد دائماً بأنه ذا موهبة خارقة، أعلى من ادراك البشر وذوقهم، كما يعتقد بأن اسلوبه الزاهد فى الحياة هو الاسلوب المثالى، وان الفرق بينه وبين غيره من المتكالبين على المال والاستقرار او كما وصفوا فى الفيلم بالـCareerists، هو انه يسعى من اجل ان يحيا بينما هم يسعوا لمجرد بقاء وجودهم، ورغم نظرته الدونية لهؤلاء اللا انه كان يعتمد عليهم بشكل اساسى فى ما يحتاجه من مال يقترضه ومكان ينام به وسيارة لتنقلاته والى آخر هذه المتطلبات المادية التى لا يستطيع انسان ان يحيى دونها. وفى وسط هذا يرصد الفيلم علاقة الصداقة بين "لوين" و"جيم" و"جين"، وهما دويتو غنائى يتفوق فى النجاح على "لوين" رغم نوعية الاغانى الخفيفة التى يقدمانها مقارنة بأغانى "لوين" الحزينة والدرامية، اللا ان شعور الأخير بالشموخ والتفوق والاصالة الفنية والشخصية على حد سواء، ورغم مساعداتهما المستمرة له، فهذا لم يمنعه من خيانة "جيم" عن طريق مضاجعة زوجته "جين"، وما ينتج عن ذلك من حمل لا تعرف "جين" أيهما مصدره فتقرر اجهاضه.

الفيلم يبدأ من حيث ينتهى عن طريق الـ Flash-Forward وهو ما قد يثير بعض الالتباس فى المشاهدة الأولى للفيلم، ويتلاشى مع المشاهدة الثانية، فالفيلم كباقى افلام الأخوين تتطلب اكثر من مشاهدة لإحكام استيعاب ماذا يدور. وعموماً يمكننا اعادة ترتيب الاحداث زمنياً (بغض النظر عن الترتيب الذى يعرضه الفيلم)، لتكون البداية الحقيقة هى استيقاظ "لوين" فى بيت اسرة "جريفين"، بعد ليلة من المعاناة المعتادة التى تواجه بطلنا دائماً ولكن الفيلم لم يخبرنا عنها شىء وتركها مجهولة، فقط أخبرنا فى نهاية الفيلم عن ليلة تتشابه معها فى المعاناة؛ وذلك للايحاء بأن معاناة وفشل البطل تستمر فى حلقة مفرغة تتشابه احداثها وتعاد بشكل دائرى لا ينتهى.

يواصل "لوين" صراعاته المتوازية والمتعددة، بداية من صراعه مع "عوليس" قط عائلة "جريفين"، الذى هرب من المنزل لحظة خروج "لوين" من بابه، ليصحبه معه "لوين" فى رحلته العبثية ومعاناته اليومية التى يزيدها وجود القط معاناة، مروراً بصراعه مع "جين" التى تريد منه المال من اجل عملية اجهاضها وتوبخه دائماً بسبب فعلته، وصولاً لصراعه البائس من اجل تحقيق النجاح الفنى والشهرة واقناع المنتجين بموهبته المزعومة. ويجمع بين كل هذه الصراعات عامل مشترك، هو سوء الحظ، فـ "عوليس" تهرب لأنها تنجح بجزء من الثانية فى اجتياز باب المنزل، و"جين" تحبل رغم ارتداء "لوين" لواقٍ ذكرى اثناء ايلاجها (او هكذا قالت)، كما يتصادف مرور القطار بصوته الصاخب الذى يمنع "لوين" من سماع "جيم" عبر الهاتف وهو يخبره ان يحضر لاستوديو احدى الشركات الكبرى لتسجيل أغنية "Please Mr. Kennedy" .. ناهيك عن مشهد البداية الذى نجد فيه البطل يُصفع ويُضرب بدون سبب وجيه.

العالم يحارب هذا المسكين!
 

من هنا يميل المتفرج لتصديق أن ما يتعرض له "لوين" هو سوء حظ وتآمر كونى على موهبته العظيمة وشخصيته الفذة، حتى يعاجلنا الأخَوان بمشهد النهاية، الذى كما قلت لم يكن سوى مشهد البداية ولكن مع افشاء تفاصيل جديدة عنه، فضّل الأخوَان عدم افشائها من البداية لنتوهم الاضطهاد مع بطلنا لأننا لم نرى سوى وجهة نظره للأمور، لنعلم أخيراً ان معاناته لم تنبع سوى من خياراته وعواقبها، وتم الايحاء بذلك المعنى قبل النهاية بقليل عندما منع "لوين" القط من تخطى عتبة منزل "جريفين" اثناء محاولة القط الثانية للهروب، فى علاقة رمزية بين الفعل والعاقبة، فالمعادلة بسيطة، عندما تنتبه وتغلق الباب فلن يهرب القط.

استخدام القط لم يكن للتدليل على المعنى السابق وحسب بل امتد ليشمل أبعاد أخرى، فى البداية يجب ان نتذكر ان الفيلم احتوى على قطين وليس قطاً واحداً، احدهما مزيف والآخر حقيقى، فى رمز لجزئين من شخصية "لوين" الفنية، احدهما يتطلع للاصالة والفن الحقيقى والآخر يمثل الفن المبتذل المزيف الذى يهرب منه (قتل القط المزيف)، والقطان صاحبا بطلنا فى اغلب مشاهد الفيلم كل منهما على حدى، فى رمز ان "لوين" لا يستطيع الجمع بين الفن الحقيقى والتجارى فى آن واحد مثلما فعل رفيق الحانة "بوب ديلان" ونجح فى تحقيق نجاح اسطورى من نفس الحانة وبنفس نوع الموسيقى وبنفس الظروف التى تعرض لها "لوين"، فمفهوم "لوين" عن الاغانى الفولكلورية كان مفهوم سلبى محبط، فهو يصفها بأنها "not new & never gets old"، بينما "بوب ديلان" صنع ما هو جديد واستطاع تفجير ثورة بهذا النوع من الموسيقى، دون أن يقدم ما هو رخيص أو مبتذل، على نفس السياق نجد ان القطين ليسوا فى الحقيقة ملكاً لـ "لوين"، فى اشارة ان حتى صفة الأصالة بالقط الأول والتى كان "لوين" يتشدق بها على مدار الفيلم لتبرير فشله هى ليست فيه ايضاً، بل هو مجرد مدعى لم يبذل اى مجهود او ابداع يؤهله للوصول لما يظنه يستحقه.


وفى قراءة موازية لرحلة هروب القط "عوليس" خارج منزله، وما نتج عنها من اختلاط الامر على "لوين" بين القط الأصلى والقط المزيف، فقد كانت تلك الرحلة تمثل الحيرة والصراع الداخلى الداخلى للبطل بين ان يتنازل ويقدم فن تجارى لا يعبر عنه، أو يظل صامداً مع فنه الحقيقى المزعوم، وينتهى ذلك الصراع عندما يقوم بمنع القط الاصلى من مغادرة المنزل فى المرة الثانية قبل نهاية الفيلم ويبقيه داخل منزله، فى اشاره انه قد قرر انتهاج المسار الثانى بالاتساق مع الذات، ولكن هنا تأتى صفعة الأخَوين "كوين" لتنزل على وجهه مثلما نزلت صفعة زوج تلك المطربة التى اهانها "لوين"، لتخبرانه بأن الاتساق مع الذات ليست قيمة فى حد ذاتها المهم ماهية تلك الذات، وان التحسين والتطوير من النفس ليس دائماً تزييف لحقيقتها، خاصة لو كان الأمر يتعلق بالفن، الذى يقوم بالأساس على الابداع والتطور الدائم وعدم الثبات على المألوف حتى يستطع الفنان المنافسة وإللا استحق فشله.

هل لاحظت قبل ان يتقابل "لوين" مع منتج شركة Horn Gate، انه قد قام لتوّه بدهس القطة المزيفة بسيارته؟ فى نفس الأثناء التى كان القط الأصلى قد وصل منزله. لقد قابل "لوين" المنتج متجرداً من شعاراته وهواجسه وأقنعته التى مثلها القطان، وكلل المنتج ذلك التجرد عندما رفض الاستماع الى اسطوانته وصمم على ان يسمع غناءه مباشرة قائلاً "اسمعنى شىء من داخل لوين ديفيس"، كان يقصد عنوان الاسطوانة، ولكنه قام بالتدقيق والتركيز على كلمة "داخل"، وبعد ان سمع المنتج أخبره بأن ما بداخل لوين ديفيس لا يجلب المال، فهمناها أولاً من منظور بطلنا على انها اطراءً لاصالته وسمو ذاته الفنية فى مواجهة هذا الرأسمالى اللعين، ولكن بعد ان انكشفت تفاصيل النهاية، وشاهدنا "بوب ديلان" الصغير ينشد اغنيتة، وعرفنا مبرر الرجل الذى يقوم بضربه، تفهّمنا حينها وجهة نظر المنتج من زاوية رؤية أخرى.

لقد ظهر "لوين" فى كثير من المشاهد وهو يحمل القط فوق كتفيه، فى رمز ان القط بما يحمله من معانى مختلفة يمثل عبئاً فنياً على كاهله ويمنعه من التقدم بجعله يتمسك بشعارات فارغة وعبثية مثل رمز الحجر الضخم بأسطورة سيزيف، والتى اتسقت مع الحلقة المفرغة فى أسلوب السرد لصراعه المتكرر والأبدى، ولأغانيه التى هى ليست بجديدة وليست بقديمة. كما شاركت شخصية "مايك" مع القط المزيف فى تمثيل الجانب التجارى النفعى من شخصية "لوين" الذى مات، فنصحه المنتج بأن يعود لمايك. وفى الحقيقة لا استطيع الجزم بما كانت تمثله الشخصية التى قام بها "جون جودمان"، ولكنها على الارجح تمثل النسخة المستقبلية المأساوية من "لوين"، فهى تتشابه معه فى تعاليه واستهتاره ومهنته الموسيقية بالطبع، وربما لو استمر "لوين" على نهجه لأصبحت نهايته مشابهة فى عبثيتها (متوفيا فى مرحاض).

فى مايو الماضى وأثناء فاعليات العرض الأول للفيلم بمهرجان "كان"، وجه الصحفى سؤاله لـ"جويل كوين" عن ما الذى كان يرمز له الأخير من خلال القط، ليجيبه "كوين" مازحاً "لقد شعرت ان الفيلم يخلو من حبكة، فقررت اضافة ذلك القط الى الاحداث"، وكان رداً ذكياً، فالمبدع لا ينبغى ان يعطى جمهوره كتالوجاً لإبداعه، فسواء نجح الجمهور او فشل، اختلف او اتفق، على ايجاد مفهوم واحد لرموز وفك طلاسم الفيلم، تبقى المحاولات لفعل ذلك وعثور كل متفرج على معنى يناسبه ويقتنع به، هو سر العبقرية ووحدة قياس للمتعة، حتى وإن لم يكن هنالك أى معنى يقصده المبدع (وهذا مستبعد مع الأخوين كوين).

فى اعتقادى ان الأخوين كوين قد وصلا بهذا الفيلم الى مرحلة نضج لم يصلاها منذ رائعة "بارتون فينك"، الفيلم حاصل على جائزة لجنة التحكيم الكبرى من مهرجان "كان"، وجائزة أفضل فيلم فى العام من جمعية النقاد الأمريكية، وكان خبر عدم ترشحه لجائزة الأوسكار على حساب أفلام متوسطة مثل "كابتن فيليبس" بمثابة سقطة للقائمين على تلك الجائزة لن تقلل من شأن الفيلم باعتباره احد افضل افلام العام الماضى.

تقييمى: 9.5/10

«بداخل لوين ديفيس»: حظ عثر أم بارانويا؟

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:58 ص 0 تعليقات


لقد وَضَعتْ بالرواية العديد من الألغاز والأحجية التى ستجعل النقاد يتجادلون لقرون حول ما كنت أعنيه"، هكذا تحدث الكاتب البريطانى جيمس جويس عن روايته الأشهر "عوليس". والمتابع لأفلام الثنائى الامريكى "الاخوين كوين" يعلم انهما من أخلص التابعين لذلك النهج الحكائى "الجويسى" المليىء بالرموز المريبة والتفاصيل المبهمة التى ما وإن نَجَحْت فى فك طلاسمها وإعادة ترتيبها أصبحت امام لوحة فنية خلابة بفلسفتها الحياتية والسينمائية على حد سواء. ولكن الفرق ان هذه المرة لم يقتصر تأثر الأخَوَين بـ جويس على مقولته السابقة عن النهج وحسب، بل تخطى ذلك الى استعارة اسم "عوليس" ليطلقانه على احد شخصيات فيلمهما الاخير "داخل لوين ديفيس" ليكون هو اسم القط الذى صاحب بطل الفيلم فى معظم اوقاته.

الجدير بالذكر ان "عوليس" هو الاسم اللاتينى من "اوديسى" بطل ملحمة "هومير" الاغريقية التى تأثر بها "جويس" فى روايته مثلما تأثر بها الأخَوَان فى فيلمهما من خلال احد الخطوط الدرامية الفرعية التى صنعاها لمحاكاة صراع "اوديسى". ويمكن تلخيص ذلك الصراع فى انه قد واجه المخاطر المهولة التى عاقبه بها "بوسيدن"، إله البحر عند الاغريق، فى خلال رحلته البحرية من اجل العودة لبيته وزوجته، والذى يشبه لدرجة ما تعرّض له القط "عوليس" بالفيلم خلال رحلته بالعودة الى منزله بعد ان تاه من "لوين". إنها ليست المرة الاولى التى يحاكى فيها الأخَوَان ملحمة "الأوديسة"، فسبق أن حاكياها فى فيلمهما الأسبق "إخوانى، أين أنتم؟"، ولكنها هذه المرة كانت بشكل اكثر هامشية وفرعية عن مرتهم الأولى تلك. ولكن المرجح ان فى هذه المحاكاة وغيرها من تفاصيل الفيلم حِكَم لا يعلمها اللا الأخَوَان، أو بالطبع أى مشاهد يقرر الاجتهاد والغوص فى عقلهما بحثاً عن ابعاد وطبقات أعمق مما يبدو عليه الفيلم بقشرته الفوقية التى صحيح لم يكن بها بأس، ولكن مايزال هنالك ما هو أبعد للتطلع اليه من متع فكرية ودروس سينمائية لا تظهر على السطح، وهو ما أحاول القيام به فى هذه المقالة.

تدور الأحداث فى اطار من الكوميديا السوداء حول "لوين ديفيس"، مطرب الاغانى الفولكلورية المتعثّر فى حياته الشخصية والفنية، بعد ان انتحر صديقه ورفيقه الغنائى "مايك"، وهو الذى قد صنع معه احدى الاغانى التى نالت بعض الحظ من الانتشار، ليتركه وحيداً يواجه النحس الذى يبدو مصاحباً له فى مشواره البائس من اجل تحقيق النجاح والشهرة كمطرب منفرد ويتخطى مرحلة الغناء فى المقاهى والحانات، كما يواجه تحدى داخلى آخر مع ذاته الفنية عن طريق الصمود وعدم تقديم فن تجارى مبتذل لا يرضيها، فهو يعتقد دائماً بأنه ذا موهبة خارقة، أعلى من ادراك البشر وذوقهم، كما يعتقد بأن اسلوبه الزاهد فى الحياة هو الاسلوب المثالى، وان الفرق بينه وبين غيره من المتكالبين على المال والاستقرار او كما وصفوا فى الفيلم بالـCareerists، هو انه يسعى من اجل ان يحيا بينما هم يسعوا لمجرد بقاء وجودهم، ورغم نظرته الدونية لهؤلاء اللا انه كان يعتمد عليهم بشكل اساسى فى ما يحتاجه من مال يقترضه ومكان ينام به وسيارة لتنقلاته والى آخر هذه المتطلبات المادية التى لا يستطيع انسان ان يحيى دونها. وفى وسط هذا يرصد الفيلم علاقة الصداقة بين "لوين" و"جيم" و"جين"، وهما دويتو غنائى يتفوق فى النجاح على "لوين" رغم نوعية الاغانى الخفيفة التى يقدمانها مقارنة بأغانى "لوين" الحزينة والدرامية، اللا ان شعور الأخير بالشموخ والتفوق والاصالة الفنية والشخصية على حد سواء، ورغم مساعداتهما المستمرة له، فهذا لم يمنعه من خيانة "جيم" عن طريق مضاجعة زوجته "جين"، وما ينتج عن ذلك من حمل لا تعرف "جين" أيهما مصدره فتقرر اجهاضه.

الفيلم يبدأ من حيث ينتهى عن طريق الـ Flash-Forward وهو ما قد يثير بعض الالتباس فى المشاهدة الأولى للفيلم، ويتلاشى مع المشاهدة الثانية، فالفيلم كباقى افلام الأخوين تتطلب اكثر من مشاهدة لإحكام استيعاب ماذا يدور. وعموماً يمكننا اعادة ترتيب الاحداث زمنياً (بغض النظر عن الترتيب الذى يعرضه الفيلم)، لتكون البداية الحقيقة هى استيقاظ "لوين" فى بيت اسرة "جريفين"، بعد ليلة من المعاناة المعتادة التى تواجه بطلنا دائماً ولكن الفيلم لم يخبرنا عنها شىء وتركها مجهولة، فقط أخبرنا فى نهاية الفيلم عن ليلة تتشابه معها فى المعاناة؛ وذلك للايحاء بأن معاناة وفشل البطل تستمر فى حلقة مفرغة تتشابه احداثها وتعاد بشكل دائرى لا ينتهى.

يواصل "لوين" صراعاته المتوازية والمتعددة، بداية من صراعه مع "عوليس" قط عائلة "جريفين"، الذى هرب من المنزل لحظة خروج "لوين" من بابه، ليصحبه معه "لوين" فى رحلته العبثية ومعاناته اليومية التى يزيدها وجود القط معاناة، مروراً بصراعه مع "جين" التى تريد منه المال من اجل عملية اجهاضها وتوبخه دائماً بسبب فعلته، وصولاً لصراعه البائس من اجل تحقيق النجاح الفنى والشهرة واقناع المنتجين بموهبته المزعومة. ويجمع بين كل هذه الصراعات عامل مشترك، هو سوء الحظ، فـ "عوليس" تهرب لأنها تنجح بجزء من الثانية فى اجتياز باب المنزل، و"جين" تحبل رغم ارتداء "لوين" لواقٍ ذكرى اثناء ايلاجها (او هكذا قالت)، كما يتصادف مرور القطار بصوته الصاخب الذى يمنع "لوين" من سماع "جيم" عبر الهاتف وهو يخبره ان يحضر لاستوديو احدى الشركات الكبرى لتسجيل أغنية "Please Mr. Kennedy" .. ناهيك عن مشهد البداية الذى نجد فيه البطل يُصفع ويُضرب بدون سبب وجيه.

العالم يحارب هذا المسكين!
 

من هنا يميل المتفرج لتصديق أن ما يتعرض له "لوين" هو سوء حظ وتآمر كونى على موهبته العظيمة وشخصيته الفذة، حتى يعاجلنا الأخَوان بمشهد النهاية، الذى كما قلت لم يكن سوى مشهد البداية ولكن مع افشاء تفاصيل جديدة عنه، فضّل الأخوَان عدم افشائها من البداية لنتوهم الاضطهاد مع بطلنا لأننا لم نرى سوى وجهة نظره للأمور، لنعلم أخيراً ان معاناته لم تنبع سوى من خياراته وعواقبها، وتم الايحاء بذلك المعنى قبل النهاية بقليل عندما منع "لوين" القط من تخطى عتبة منزل "جريفين" اثناء محاولة القط الثانية للهروب، فى علاقة رمزية بين الفعل والعاقبة، فالمعادلة بسيطة، عندما تنتبه وتغلق الباب فلن يهرب القط.

استخدام القط لم يكن للتدليل على المعنى السابق وحسب بل امتد ليشمل أبعاد أخرى، فى البداية يجب ان نتذكر ان الفيلم احتوى على قطين وليس قطاً واحداً، احدهما مزيف والآخر حقيقى، فى رمز لجزئين من شخصية "لوين" الفنية، احدهما يتطلع للاصالة والفن الحقيقى والآخر يمثل الفن المبتذل المزيف الذى يهرب منه (قتل القط المزيف)، والقطان صاحبا بطلنا فى اغلب مشاهد الفيلم كل منهما على حدى، فى رمز ان "لوين" لا يستطيع الجمع بين الفن الحقيقى والتجارى فى آن واحد مثلما فعل رفيق الحانة "بوب ديلان" ونجح فى تحقيق نجاح اسطورى من نفس الحانة وبنفس نوع الموسيقى وبنفس الظروف التى تعرض لها "لوين"، فمفهوم "لوين" عن الاغانى الفولكلورية كان مفهوم سلبى محبط، فهو يصفها بأنها "not new & never gets old"، بينما "بوب ديلان" صنع ما هو جديد واستطاع تفجير ثورة بهذا النوع من الموسيقى، دون أن يقدم ما هو رخيص أو مبتذل، على نفس السياق نجد ان القطين ليسوا فى الحقيقة ملكاً لـ "لوين"، فى اشارة ان حتى صفة الأصالة بالقط الأول والتى كان "لوين" يتشدق بها على مدار الفيلم لتبرير فشله هى ليست فيه ايضاً، بل هو مجرد مدعى لم يبذل اى مجهود او ابداع يؤهله للوصول لما يظنه يستحقه.


وفى قراءة موازية لرحلة هروب القط "عوليس" خارج منزله، وما نتج عنها من اختلاط الامر على "لوين" بين القط الأصلى والقط المزيف، فقد كانت تلك الرحلة تمثل الحيرة والصراع الداخلى الداخلى للبطل بين ان يتنازل ويقدم فن تجارى لا يعبر عنه، أو يظل صامداً مع فنه الحقيقى المزعوم، وينتهى ذلك الصراع عندما يقوم بمنع القط الاصلى من مغادرة المنزل فى المرة الثانية قبل نهاية الفيلم ويبقيه داخل منزله، فى اشاره انه قد قرر انتهاج المسار الثانى بالاتساق مع الذات، ولكن هنا تأتى صفعة الأخَوين "كوين" لتنزل على وجهه مثلما نزلت صفعة زوج تلك المطربة التى اهانها "لوين"، لتخبرانه بأن الاتساق مع الذات ليست قيمة فى حد ذاتها المهم ماهية تلك الذات، وان التحسين والتطوير من النفس ليس دائماً تزييف لحقيقتها، خاصة لو كان الأمر يتعلق بالفن، الذى يقوم بالأساس على الابداع والتطور الدائم وعدم الثبات على المألوف حتى يستطع الفنان المنافسة وإللا استحق فشله.

هل لاحظت قبل ان يتقابل "لوين" مع منتج شركة Horn Gate، انه قد قام لتوّه بدهس القطة المزيفة بسيارته؟ فى نفس الأثناء التى كان القط الأصلى قد وصل منزله. لقد قابل "لوين" المنتج متجرداً من شعاراته وهواجسه وأقنعته التى مثلها القطان، وكلل المنتج ذلك التجرد عندما رفض الاستماع الى اسطوانته وصمم على ان يسمع غناءه مباشرة قائلاً "اسمعنى شىء من داخل لوين ديفيس"، كان يقصد عنوان الاسطوانة، ولكنه قام بالتدقيق والتركيز على كلمة "داخل"، وبعد ان سمع المنتج أخبره بأن ما بداخل لوين ديفيس لا يجلب المال، فهمناها أولاً من منظور بطلنا على انها اطراءً لاصالته وسمو ذاته الفنية فى مواجهة هذا الرأسمالى اللعين، ولكن بعد ان انكشفت تفاصيل النهاية، وشاهدنا "بوب ديلان" الصغير ينشد اغنيتة، وعرفنا مبرر الرجل الذى يقوم بضربه، تفهّمنا حينها وجهة نظر المنتج من زاوية رؤية أخرى.

لقد ظهر "لوين" فى كثير من المشاهد وهو يحمل القط فوق كتفيه، فى رمز ان القط بما يحمله من معانى مختلفة يمثل عبئاً فنياً على كاهله ويمنعه من التقدم بجعله يتمسك بشعارات فارغة وعبثية مثل رمز الحجر الضخم بأسطورة سيزيف، والتى اتسقت مع الحلقة المفرغة فى أسلوب السرد لصراعه المتكرر والأبدى، ولأغانيه التى هى ليست بجديدة وليست بقديمة. كما شاركت شخصية "مايك" مع القط المزيف فى تمثيل الجانب التجارى النفعى من شخصية "لوين" الذى مات، فنصحه المنتج بأن يعود لمايك. وفى الحقيقة لا استطيع الجزم بما كانت تمثله الشخصية التى قام بها "جون جودمان"، ولكنها على الارجح تمثل النسخة المستقبلية المأساوية من "لوين"، فهى تتشابه معه فى تعاليه واستهتاره ومهنته الموسيقية بالطبع، وربما لو استمر "لوين" على نهجه لأصبحت نهايته مشابهة فى عبثيتها (متوفيا فى مرحاض).

فى مايو الماضى وأثناء فاعليات العرض الأول للفيلم بمهرجان "كان"، وجه الصحفى سؤاله لـ"جويل كوين" عن ما الذى كان يرمز له الأخير من خلال القط، ليجيبه "كوين" مازحاً "لقد شعرت ان الفيلم يخلو من حبكة، فقررت اضافة ذلك القط الى الاحداث"، وكان رداً ذكياً، فالمبدع لا ينبغى ان يعطى جمهوره كتالوجاً لإبداعه، فسواء نجح الجمهور او فشل، اختلف او اتفق، على ايجاد مفهوم واحد لرموز وفك طلاسم الفيلم، تبقى المحاولات لفعل ذلك وعثور كل متفرج على معنى يناسبه ويقتنع به، هو سر العبقرية ووحدة قياس للمتعة، حتى وإن لم يكن هنالك أى معنى يقصده المبدع (وهذا مستبعد مع الأخوين كوين).

فى اعتقادى ان الأخوين كوين قد وصلا بهذا الفيلم الى مرحلة نضج لم يصلاها منذ رائعة "بارتون فينك"، الفيلم حاصل على جائزة لجنة التحكيم الكبرى من مهرجان "كان"، وجائزة أفضل فيلم فى العام من جمعية النقاد الأمريكية، وكان خبر عدم ترشحه لجائزة الأوسكار على حساب أفلام متوسطة مثل "كابتن فيليبس" بمثابة سقطة للقائمين على تلك الجائزة لن تقلل من شأن الفيلم باعتباره احد افضل افلام العام الماضى.

تقييمى: 9.5/10

0 التعليقات:




بالطبع لسنا بحاجة الى فيلم سينمائى ليخبرنا بأن العبودية شىء بشع، وان الحرية والمساواة اشياء عظيمة، ولكننا نحتاج من حين لآخر الى فيلم ينتزع منا الآهات المكتومة والدمعات الجافة لزوم الوقار، اليست مشاهدة السينما قائمة على رغبة اساسية بأن نكون الابطال الذين نشاهدهم، فإن لم نستطع فلنقع فى غرامهم، فإن لم نستطع فلنتعاطف معهم، وهذا اضعف الايمان؟!. ومن هنا أعرف ان ابرز المشكلات التى تحول دون وقوع ذلك التعاطف هى ان تشعر بأن صانع العمل يبالغ ليستجديها، ولكن هذا بالطبع لن ينطبق على فيلم يحمل امضاء المثير للجدل «ستيف مكوين»، حتى وان شعرت احياناً بانه يبالغ، فسيميل تقييمك للتعسف لانه مبنى على قياس بين عالم «مكوين» والعوالم الاخرى، وليس على عالم «مكوين» وحده وهو ما يجب القياس عليه، فاسلوب الصدمة والتوتر والبؤس وعدم الاستحياء فى نقل الابشع، هو سمة تميّز جميع افلامه، بما يعنى ان عالمه الصادم هو بمثابة "خلقة ربنا" التى لم يتصنّع او يبالغ للوصول اليها.

 هذه المرة من خلال دراما تاريخية مبنية على قصة حقيقية حدثت فى منتصف القرن التاسع عشر لعازف الكمان السيد «سوليمون نورثاب» ذى الاصول الزنجية، وهو رب اسرة سعيدة تنتمى للطبقة المتوسطة بمدينة «نيويورك» ويكسب رزقه من عزف الكمان بالحفلات العامة. حتى الآن كل شىء على ما يرام الى ان يقابل رجلان قادمان من «واشنطن» يعرضان عليه الحضور معهما للعزف باحدى الحفلات مقابل اجر مادى سخى، ثم يتضح له بعدها انه قد وقع فى قبضة عصابة قامت بعملية اختطافه واخفاء هويته الاصلية لبيعه فى سوق النخاسة على انه عبد، ومن هنا تبدأ رحلته مع العبودية، من معاناة لمعاناة، ومن مأساة لمأساة، ومن سيد لآخر، بحثاً عن الخلاص، وعن الحرية المغتصبة بشكل غير قانونى احياناً، وغير انسانى دائماً.

يبدأ الفيلم بداية سريعة جدا، حيث لم يأخذ الفصل الاول وهو الفصل التمهيدى والتعريفى بالشخصية الكثير حتى يقع فى فخ العبودية وينتقل به للفصل الثانى (الوسط) حيث الصراع مع تلك العبودية، لعب اسلوب السرد اللا طولى (Non Linear) الدور الاكبر فى سرعة ايقاع الفصل الاول، فكان الحدث البارز يحدث اولاً ثم يتبعه مجموعة لقطات سريعة تشرح ممهدات واسباب ما حدث، قد يقترح البعض بأن حياة «سوليمون» السعيدة كانت تستحق ان يفرد لها مساحة اكبر حتى يكون هنالك سبب اقوى للتعاطف معه فى نكبته التالية، وقد يكون هذا الطرح به بعض الوجاهة ولكنى اظن ان ما قدم كان كافى، بالاضافة الى انى قد تعاطفت مع شخصية «باتسى» دون ان اعلم شىء عن تاريخها، غير ان الفصل الثانى لم يخلو ايضاً من بعض التفاصيل الشخصية التى تساهم فى اجبار المتفرج على التعلق بشخصية «سوليمون»، اهمها لهجته الراقية، وسلوكه النبيل، وعلاقته الرقيقة مع رفاقه ومع الكمان، وطاعته الاخلاقية لاسياده التى لم تخلو من بعض عزة النفس الظاهرة والباطنة لشخص كريم أذلته وضاعة الآخرين.

التمثيل كان من اقوى عناصر الفيلم، وخاصة شخصية «باتسى» التى أدتها الممثلة الصاعدة «لوبيتا نيونج» وحازت بها على جائزة افضل ممثلة مساعدة من رابطة النقاد الأمريكية مع ترشيح للاوسكار، فقد قامت بدور من اصعب الادوار، ونجحت بترك علامة لن تمحى من ذاكرة كل من شاهد الفيلم، لن اتحدث عن مشهد الجلد او مشهد الصابون او مشهد الاغتصاب او غيرها من المشاهد الصعبة، ولكن يكفينى جدا اللقطة التى تنظر فيها الى «سوليمون» وهى ممدة فوق مضجعها تتلقى التضميد متوجعة من آلامها وجراحها التى ساهم الأخير فى صنعها دون ذنب، لقد كانت نظرة لا توصف، احتوت على العديد من المعانى المتناقضة والمتسقة فى آن واحد، ومن الجانب الآخر فلم يقل اداء «تشيوتيل ايجيفور» الذى جسد شخصية «سوليمون» عنها، وهى شخصية لا تقل صعوبة، لأنها باختصار شخصية لا تملك حرية البوح بما فى ضميرها باريحية حتى لا يعاقبها سيدها، شخصية لا تملك رفاهية التواصل مع المتفرج اللا عن طريق تعبيرات الوجه مضطرة، كما قدم «مايكل فاسبيندر» وهو الابن البار لسينما «ستيف مكوين» اداء لا بأس به فى دور «ايبس» الوغد.

كان هنالك نقاط قوة فى السيناريو لم يتم استثمارها بشكل يضيف للفيلم، مثل عدم التركيز على هواية «سوليمون» فى العزف على الكمان، فقد كان الفيلم بحاجة ماسة لمزيد من اللقطات والمشاهد التى يعزف البطل فيها على آلته المحبوبة، ونقل مشاعره شديدة التعقيد الناتجة عن تجربته العجيبة من خلال الموسيقى، صحيح ان «هانزيمر» لم يقصر فى صناعة تيمات عالية الشجن وبارعة الحس، ولكنى فعلا كنت اريد ان ارى مزيد من موسيقى البطل.

ومن نقاط ضعف السيناريو الاخرى هو الالتباس فى تحديد المشكلة الاخلاقية التى يطرحها الفيلم، فقد طغى كثيراً تصوير المشكلة من زاويتها القانونية، اى ان «سوليمون» لا يستحق العبودية لكونه ذو اصل حر وتم اختطافه وتحويله الى عبد، وقدمت المشكلة احياناً من زاويتها الاخلاقية المحضة، اى ان لا أحد يستحق العبودية لأنها فعل شنيع يحط من قيمة الانسان دون وجه حق. قد يتسائل البعض، وما المانع ان يتم تقديم المشكلتين سوياً بشكل متوازٍ؟، ليس لدى مانع مطلق مع اسلوب الموازاة، ان كانت الفكرتان متسقتان، لكنهما هنا عبرا عن منطقين مختلفين فصنعا بجملتهما ما هو اقرب للمغالطة المنطقية التى اسماها «فرويد» بمغالطة الغلاية (Kettle Logic)، وهذا ما ادى لنوع من الالتباس بمورال الفيلم، ساهم فيه ايضا محاولات -على استحياء- لاقحام الدين كسبب فى المأساة، زادت من التشويش والسطحية، فكلنا نعلم ان العبودية وجدت ايضاً فى المجتمعات التى لم تعرف الديانات الابراهيمية.

تضاف الى المشكلتين السابقتين مشكلة اخرى فى الجمل الحوارية التى صدرت عن الشخصية التى اداها النجم «براد بيت»، فى حديثه عن رأيه فى العبودية وتعاطفه مع بطلنا، فلقد كانت جمل شديدة المباشرة والوعظ والسطحية، اعلم انها كانت مفيدة ليشعر بطلنا معه بالارتياح ومن ثم يطلب منه المساعدة، ولكنها لم تكن طريقة سينمائية جيدة، لن اطرح بدائل هنا، ولكنى اثق انه كان هنالك بدائل. 

ومن مشاكل الاخراج، التى قد يتشارك السيناريو فى تحمل مسئوليتها، هو السياق الزمنى المفقود، فعنوان الفيلم يحدد مدة زمنية معينة تدور بها الاحداث هى 12 عام، لم اشعر فى رحلة بطلنا انه عاصر تلك المدة، لم يوجد اى ايحاء شكلى او جوهرى على ان هناك تغيّر زمنى يحدث، ولا حتى بواسطة أقل الطرق السينمائية ابتكاراً حيث التيتر المكتوب ابجدياً ليوضح هذا التغيّر الزمنى، فقط فوجئت فى النهاية ان بطلنا اصبح له حفيد.

كل تلك الاخطاء وغيرها قللت من فرص الفيلم ليكون احد التحف الفنية التى صنعت فى الفترة الاخيرة، ولكنه لا يزال محتفظاً بكثير من عناصر القوة التى تجعله من اهم الافلام التى قدمت فى العام الماضى، حيث التواصل العاطفى المذهل، والقصة المبتكرة المؤثرة، والايقاع اللاهث، والموسيقى الباكية، والتمثيل الرائع، والمشاهد المُحكمة ان قُيّمت على حدى. وبالرغم من فقر التصميم الانتاجى الملحوظ، اللا ان التصوير استطاع لدرجة ما التحايل على ذلك الفقر، وحافظ على الكادرات من التطفل البانورامى الذى قد يفضح هذا الفقر. الفيلم حاصل على تسعة ترشيحات لجوائز الاوسكار، وهو المرشح الاول لنيل الجائزة الكبرى، ولكنى لا اصنفه كافضل افلام العام الماضى.


تقييمى: 8.5/10

«12 عاماً من العبودية» وساعتين وربع من المكوينية

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:26 ص 1 تعليق




بالطبع لسنا بحاجة الى فيلم سينمائى ليخبرنا بأن العبودية شىء بشع، وان الحرية والمساواة اشياء عظيمة، ولكننا نحتاج من حين لآخر الى فيلم ينتزع منا الآهات المكتومة والدمعات الجافة لزوم الوقار، اليست مشاهدة السينما قائمة على رغبة اساسية بأن نكون الابطال الذين نشاهدهم، فإن لم نستطع فلنقع فى غرامهم، فإن لم نستطع فلنتعاطف معهم، وهذا اضعف الايمان؟!. ومن هنا أعرف ان ابرز المشكلات التى تحول دون وقوع ذلك التعاطف هى ان تشعر بأن صانع العمل يبالغ ليستجديها، ولكن هذا بالطبع لن ينطبق على فيلم يحمل امضاء المثير للجدل «ستيف مكوين»، حتى وان شعرت احياناً بانه يبالغ، فسيميل تقييمك للتعسف لانه مبنى على قياس بين عالم «مكوين» والعوالم الاخرى، وليس على عالم «مكوين» وحده وهو ما يجب القياس عليه، فاسلوب الصدمة والتوتر والبؤس وعدم الاستحياء فى نقل الابشع، هو سمة تميّز جميع افلامه، بما يعنى ان عالمه الصادم هو بمثابة "خلقة ربنا" التى لم يتصنّع او يبالغ للوصول اليها.

 هذه المرة من خلال دراما تاريخية مبنية على قصة حقيقية حدثت فى منتصف القرن التاسع عشر لعازف الكمان السيد «سوليمون نورثاب» ذى الاصول الزنجية، وهو رب اسرة سعيدة تنتمى للطبقة المتوسطة بمدينة «نيويورك» ويكسب رزقه من عزف الكمان بالحفلات العامة. حتى الآن كل شىء على ما يرام الى ان يقابل رجلان قادمان من «واشنطن» يعرضان عليه الحضور معهما للعزف باحدى الحفلات مقابل اجر مادى سخى، ثم يتضح له بعدها انه قد وقع فى قبضة عصابة قامت بعملية اختطافه واخفاء هويته الاصلية لبيعه فى سوق النخاسة على انه عبد، ومن هنا تبدأ رحلته مع العبودية، من معاناة لمعاناة، ومن مأساة لمأساة، ومن سيد لآخر، بحثاً عن الخلاص، وعن الحرية المغتصبة بشكل غير قانونى احياناً، وغير انسانى دائماً.

يبدأ الفيلم بداية سريعة جدا، حيث لم يأخذ الفصل الاول وهو الفصل التمهيدى والتعريفى بالشخصية الكثير حتى يقع فى فخ العبودية وينتقل به للفصل الثانى (الوسط) حيث الصراع مع تلك العبودية، لعب اسلوب السرد اللا طولى (Non Linear) الدور الاكبر فى سرعة ايقاع الفصل الاول، فكان الحدث البارز يحدث اولاً ثم يتبعه مجموعة لقطات سريعة تشرح ممهدات واسباب ما حدث، قد يقترح البعض بأن حياة «سوليمون» السعيدة كانت تستحق ان يفرد لها مساحة اكبر حتى يكون هنالك سبب اقوى للتعاطف معه فى نكبته التالية، وقد يكون هذا الطرح به بعض الوجاهة ولكنى اظن ان ما قدم كان كافى، بالاضافة الى انى قد تعاطفت مع شخصية «باتسى» دون ان اعلم شىء عن تاريخها، غير ان الفصل الثانى لم يخلو ايضاً من بعض التفاصيل الشخصية التى تساهم فى اجبار المتفرج على التعلق بشخصية «سوليمون»، اهمها لهجته الراقية، وسلوكه النبيل، وعلاقته الرقيقة مع رفاقه ومع الكمان، وطاعته الاخلاقية لاسياده التى لم تخلو من بعض عزة النفس الظاهرة والباطنة لشخص كريم أذلته وضاعة الآخرين.

التمثيل كان من اقوى عناصر الفيلم، وخاصة شخصية «باتسى» التى أدتها الممثلة الصاعدة «لوبيتا نيونج» وحازت بها على جائزة افضل ممثلة مساعدة من رابطة النقاد الأمريكية مع ترشيح للاوسكار، فقد قامت بدور من اصعب الادوار، ونجحت بترك علامة لن تمحى من ذاكرة كل من شاهد الفيلم، لن اتحدث عن مشهد الجلد او مشهد الصابون او مشهد الاغتصاب او غيرها من المشاهد الصعبة، ولكن يكفينى جدا اللقطة التى تنظر فيها الى «سوليمون» وهى ممدة فوق مضجعها تتلقى التضميد متوجعة من آلامها وجراحها التى ساهم الأخير فى صنعها دون ذنب، لقد كانت نظرة لا توصف، احتوت على العديد من المعانى المتناقضة والمتسقة فى آن واحد، ومن الجانب الآخر فلم يقل اداء «تشيوتيل ايجيفور» الذى جسد شخصية «سوليمون» عنها، وهى شخصية لا تقل صعوبة، لأنها باختصار شخصية لا تملك حرية البوح بما فى ضميرها باريحية حتى لا يعاقبها سيدها، شخصية لا تملك رفاهية التواصل مع المتفرج اللا عن طريق تعبيرات الوجه مضطرة، كما قدم «مايكل فاسبيندر» وهو الابن البار لسينما «ستيف مكوين» اداء لا بأس به فى دور «ايبس» الوغد.

كان هنالك نقاط قوة فى السيناريو لم يتم استثمارها بشكل يضيف للفيلم، مثل عدم التركيز على هواية «سوليمون» فى العزف على الكمان، فقد كان الفيلم بحاجة ماسة لمزيد من اللقطات والمشاهد التى يعزف البطل فيها على آلته المحبوبة، ونقل مشاعره شديدة التعقيد الناتجة عن تجربته العجيبة من خلال الموسيقى، صحيح ان «هانزيمر» لم يقصر فى صناعة تيمات عالية الشجن وبارعة الحس، ولكنى فعلا كنت اريد ان ارى مزيد من موسيقى البطل.

ومن نقاط ضعف السيناريو الاخرى هو الالتباس فى تحديد المشكلة الاخلاقية التى يطرحها الفيلم، فقد طغى كثيراً تصوير المشكلة من زاويتها القانونية، اى ان «سوليمون» لا يستحق العبودية لكونه ذو اصل حر وتم اختطافه وتحويله الى عبد، وقدمت المشكلة احياناً من زاويتها الاخلاقية المحضة، اى ان لا أحد يستحق العبودية لأنها فعل شنيع يحط من قيمة الانسان دون وجه حق. قد يتسائل البعض، وما المانع ان يتم تقديم المشكلتين سوياً بشكل متوازٍ؟، ليس لدى مانع مطلق مع اسلوب الموازاة، ان كانت الفكرتان متسقتان، لكنهما هنا عبرا عن منطقين مختلفين فصنعا بجملتهما ما هو اقرب للمغالطة المنطقية التى اسماها «فرويد» بمغالطة الغلاية (Kettle Logic)، وهذا ما ادى لنوع من الالتباس بمورال الفيلم، ساهم فيه ايضا محاولات -على استحياء- لاقحام الدين كسبب فى المأساة، زادت من التشويش والسطحية، فكلنا نعلم ان العبودية وجدت ايضاً فى المجتمعات التى لم تعرف الديانات الابراهيمية.

تضاف الى المشكلتين السابقتين مشكلة اخرى فى الجمل الحوارية التى صدرت عن الشخصية التى اداها النجم «براد بيت»، فى حديثه عن رأيه فى العبودية وتعاطفه مع بطلنا، فلقد كانت جمل شديدة المباشرة والوعظ والسطحية، اعلم انها كانت مفيدة ليشعر بطلنا معه بالارتياح ومن ثم يطلب منه المساعدة، ولكنها لم تكن طريقة سينمائية جيدة، لن اطرح بدائل هنا، ولكنى اثق انه كان هنالك بدائل. 

ومن مشاكل الاخراج، التى قد يتشارك السيناريو فى تحمل مسئوليتها، هو السياق الزمنى المفقود، فعنوان الفيلم يحدد مدة زمنية معينة تدور بها الاحداث هى 12 عام، لم اشعر فى رحلة بطلنا انه عاصر تلك المدة، لم يوجد اى ايحاء شكلى او جوهرى على ان هناك تغيّر زمنى يحدث، ولا حتى بواسطة أقل الطرق السينمائية ابتكاراً حيث التيتر المكتوب ابجدياً ليوضح هذا التغيّر الزمنى، فقط فوجئت فى النهاية ان بطلنا اصبح له حفيد.

كل تلك الاخطاء وغيرها قللت من فرص الفيلم ليكون احد التحف الفنية التى صنعت فى الفترة الاخيرة، ولكنه لا يزال محتفظاً بكثير من عناصر القوة التى تجعله من اهم الافلام التى قدمت فى العام الماضى، حيث التواصل العاطفى المذهل، والقصة المبتكرة المؤثرة، والايقاع اللاهث، والموسيقى الباكية، والتمثيل الرائع، والمشاهد المُحكمة ان قُيّمت على حدى. وبالرغم من فقر التصميم الانتاجى الملحوظ، اللا ان التصوير استطاع لدرجة ما التحايل على ذلك الفقر، وحافظ على الكادرات من التطفل البانورامى الذى قد يفضح هذا الفقر. الفيلم حاصل على تسعة ترشيحات لجوائز الاوسكار، وهو المرشح الاول لنيل الجائزة الكبرى، ولكنى لا اصنفه كافضل افلام العام الماضى.


تقييمى: 8.5/10

1 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top