جميع المواضيع


هذا أول أفلام العام التى تجبرنى على التوقف أمامها، من الصعب اعتباره فيلم الجريمة والتشويق الهزلى المعتاد، بل هو أبعد من ذلك قليلاً!
يحكى الفيلم عن صديقين طفولة هما "كريج" و"فينس"، الأول يكمل تعليمه الثانوى ويحظى بوظيفة تدر له دخل شهرى ثم يتزوج وينجب مثل أى رجل أمريكى من الطبقة العاملة، أما الثانى فلم يكمل تعليمه وانحرف طريقه ليعيش خفيفاً على الحافة بدون مصدر دخل ثابت او التزامات من أى نوع، الأول فضّل نوع الحياة التقليدية المضمونة والثانى فضل النوع الآخر، انه نفس صراع الثقل والخفة التقليدى، الذى تم تقديمه فيما يزيد عن أربعة أفلام عرضت العام الماضى بداية من "فرانسيس ها" مروراً بـ"الحاضر المذهل" و"عطلات الربيع" ووصولاً إلى "نهاية العالم" .. ولكن يبدو هنا للمرة الأولى انحياز المؤلف إلى النوع الثانى من أطراف الصراع بشكل أوضح على الصعيد الأخلاقى، أما على الصعيد المادى الواقعى فينحاز للأول.

يقدم السيناريو التصاعد الدرامى كما يجب أن يكون، وبصورة لا تجعل الأنفاس تهدأ إللا قبل نزول تيترات النهاية بثوانى ضئيلة، كلما مر زمن الفيلم كلما تلاشى الهزل أكثر وأكثر، إنه ايقاع يشبه العمر والحياة والصداقة والتلاقى، فبالمثل تلاشت مودة وحميمية اللقاء المصطنعة بين صديقين طفولة انقطعوا عن التواصل لمدة 5 سنوات قبل أن يتعثر الأول فى حياته التقليدية المسئولة التى ظنها مضمونة، ليذهب لإحدى الحانات التى يتسكع بها صديقه القديم ويلتقوا مصادفةً بعد مرور تلك السنوات، الأول يحتاج للمال لدفع ديونه والثانى يملك بالكاد مصاريف قوته، الثانى يحب المال لكنه غير شديد التكالب عليه، عكس الأول، فرغم مركزه الإجتماعى الموّقر فهو على استعداد لخرق القانون من أجل المال .. ليقرران فى النهاية سرقة رجل شديد الثراء وغريب الأطوار استضافهم وزوجته فى منزله، ولكن الأمور لم تجرى على مثل ما تصوره الصديقان، ذلك لم يمنع أن فرصة ربح المال مازالت متاحة، فإلى أين قد يذهبا ويقدما من تنازلات لتحقيق غايتهما، وليحقق الرجل الثرى أيضاً غايته منهما!

الشخصان وغدان بصورة أو بأخرى، كما هى طبيعة الإنسان فى صورته المحضة الخالية من الرتوش، ولكن هناك ما يجعل إنسان وغداً أكثر من الآخر، إنها الإثارات الرخيصة، ليست تلك الألعاب المجنونة التى أمرهما الرجل الثرى بفعلها ليربحا المال وحسب، بل انها كل شىء يجعل الإنسان يلهث خلفه فى مقابل سعادته وتصالحه مع نفسه، وحتى ان نجح لهاثه وحصل عليه لا يلبث أن يتحول لكبير الأوغاد مثل ذلك الرجل فاحش الثراء، وزوجته الغامضة بفضل الرتابة والاشباع وافتقاد الاثارة، فلعل معاناة الإنسان ومخاطراته هى جزء من سعادته، ولكن لا يجب ان يكون غبياً لدرجة أن يجعل معاناته هدفاً يحيى من أجل تحقيقه، فوقتها تفقد كل القيم والجماليات والثروات معناها، فالصديقان سعيا بشكل او بآخر ليكونا مثل الرجل الثرى عن طريق امتلاك ماله، لكنهما تناسا ان ذلك الرجل رغم ماله فهو بائس للدرجة التى تجعله يفعل بهما ما فعله!

لا يميل الفيلم لتقديم قيمة او عظة أخلاقية أو فلسفية، بل تناول الفكرة من منظور عبثى محض، فالأكثر دناءة هو دائماً من يفوز، ولكنه لم يستطع منعك من احتقاره، وذلك أجمل وأفرد ما فى التناول.

الفيلم من نوعية الأفلام المستقلة منخفضة التكلفة، لكن به ما هو مُفتقد فى الأفلام عالية التكلفة، سيناريو فج بالعمق والرمزية وتعدد المستويات، وتجربة إخراجية أولى لمخرجه "إى. ال. كاتز"، وأداءات تمثيليلة جيدة جدا لممثلين مغمورين فى طريقهم للأفضل .. فيلم لا يفوّت.
 

تقييمى: 8.5/10

صفحة الفيلم
 http://www.imdb.com/title/tt2389182/

«إثارات رخيصة» .. ما لا يقتلك يغنيك!

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:46 م 0 تعليقات


هذا أول أفلام العام التى تجبرنى على التوقف أمامها، من الصعب اعتباره فيلم الجريمة والتشويق الهزلى المعتاد، بل هو أبعد من ذلك قليلاً!
يحكى الفيلم عن صديقين طفولة هما "كريج" و"فينس"، الأول يكمل تعليمه الثانوى ويحظى بوظيفة تدر له دخل شهرى ثم يتزوج وينجب مثل أى رجل أمريكى من الطبقة العاملة، أما الثانى فلم يكمل تعليمه وانحرف طريقه ليعيش خفيفاً على الحافة بدون مصدر دخل ثابت او التزامات من أى نوع، الأول فضّل نوع الحياة التقليدية المضمونة والثانى فضل النوع الآخر، انه نفس صراع الثقل والخفة التقليدى، الذى تم تقديمه فيما يزيد عن أربعة أفلام عرضت العام الماضى بداية من "فرانسيس ها" مروراً بـ"الحاضر المذهل" و"عطلات الربيع" ووصولاً إلى "نهاية العالم" .. ولكن يبدو هنا للمرة الأولى انحياز المؤلف إلى النوع الثانى من أطراف الصراع بشكل أوضح على الصعيد الأخلاقى، أما على الصعيد المادى الواقعى فينحاز للأول.

يقدم السيناريو التصاعد الدرامى كما يجب أن يكون، وبصورة لا تجعل الأنفاس تهدأ إللا قبل نزول تيترات النهاية بثوانى ضئيلة، كلما مر زمن الفيلم كلما تلاشى الهزل أكثر وأكثر، إنه ايقاع يشبه العمر والحياة والصداقة والتلاقى، فبالمثل تلاشت مودة وحميمية اللقاء المصطنعة بين صديقين طفولة انقطعوا عن التواصل لمدة 5 سنوات قبل أن يتعثر الأول فى حياته التقليدية المسئولة التى ظنها مضمونة، ليذهب لإحدى الحانات التى يتسكع بها صديقه القديم ويلتقوا مصادفةً بعد مرور تلك السنوات، الأول يحتاج للمال لدفع ديونه والثانى يملك بالكاد مصاريف قوته، الثانى يحب المال لكنه غير شديد التكالب عليه، عكس الأول، فرغم مركزه الإجتماعى الموّقر فهو على استعداد لخرق القانون من أجل المال .. ليقرران فى النهاية سرقة رجل شديد الثراء وغريب الأطوار استضافهم وزوجته فى منزله، ولكن الأمور لم تجرى على مثل ما تصوره الصديقان، ذلك لم يمنع أن فرصة ربح المال مازالت متاحة، فإلى أين قد يذهبا ويقدما من تنازلات لتحقيق غايتهما، وليحقق الرجل الثرى أيضاً غايته منهما!

الشخصان وغدان بصورة أو بأخرى، كما هى طبيعة الإنسان فى صورته المحضة الخالية من الرتوش، ولكن هناك ما يجعل إنسان وغداً أكثر من الآخر، إنها الإثارات الرخيصة، ليست تلك الألعاب المجنونة التى أمرهما الرجل الثرى بفعلها ليربحا المال وحسب، بل انها كل شىء يجعل الإنسان يلهث خلفه فى مقابل سعادته وتصالحه مع نفسه، وحتى ان نجح لهاثه وحصل عليه لا يلبث أن يتحول لكبير الأوغاد مثل ذلك الرجل فاحش الثراء، وزوجته الغامضة بفضل الرتابة والاشباع وافتقاد الاثارة، فلعل معاناة الإنسان ومخاطراته هى جزء من سعادته، ولكن لا يجب ان يكون غبياً لدرجة أن يجعل معاناته هدفاً يحيى من أجل تحقيقه، فوقتها تفقد كل القيم والجماليات والثروات معناها، فالصديقان سعيا بشكل او بآخر ليكونا مثل الرجل الثرى عن طريق امتلاك ماله، لكنهما تناسا ان ذلك الرجل رغم ماله فهو بائس للدرجة التى تجعله يفعل بهما ما فعله!

لا يميل الفيلم لتقديم قيمة او عظة أخلاقية أو فلسفية، بل تناول الفكرة من منظور عبثى محض، فالأكثر دناءة هو دائماً من يفوز، ولكنه لم يستطع منعك من احتقاره، وذلك أجمل وأفرد ما فى التناول.

الفيلم من نوعية الأفلام المستقلة منخفضة التكلفة، لكن به ما هو مُفتقد فى الأفلام عالية التكلفة، سيناريو فج بالعمق والرمزية وتعدد المستويات، وتجربة إخراجية أولى لمخرجه "إى. ال. كاتز"، وأداءات تمثيليلة جيدة جدا لممثلين مغمورين فى طريقهم للأفضل .. فيلم لا يفوّت.
 

تقييمى: 8.5/10

صفحة الفيلم
 http://www.imdb.com/title/tt2389182/

0 التعليقات:


على نهج مقولة "كيشلوفسكى" الشهيرة والتى تفيد بأن السرقة الفنية عندما تكون من العظماء فهى مجرد استلهام، قرر محمد السبكى ورفاقه خوض التجربة لصناعة محاكاة مصرية شعبية للتحفة الايطالية "مالينا" التى صنعها العظيم -رغم قلة اعماله- "تورناتورى" فى مطلع العقد الماضى، هذه المرة من اخراج "سامح عبد العزيز" صاحب التجربتين المميزتين اللتين ساههمتا فى احداث نقلة ملحوظة للأيديولوجية السبكاوية التقليدية نحو الجدية، وهما فيلمى "الفرح" و"كباريه"، وإن كانت تلك النقلة محصورة على فرع واحد من العائلة الانتاجية المثيرة للجدل، وهو تحديداً الفرع الذى يمثله "أحمد السبكى" وانضم له فيما بعد ابنه "كريم السبكى" ليصنعوا المزيد من التجارب المختلفة والجادة؛ على رأسها فيلمى "واحد صحيح" و "ساعة ونص" وحالياً يتم التحضير لعرض "الحرب العالمية الثالثة"، بينما ظل الفرع الآخر من العائلة والذى يمثله "محمد السبكى" متمسكاً بنهجه التقليدى بصنع افلام شعبية خفيفة تارة، ومسفة تارة أخرى، وإن كان يحسب لتلك الافلام انها ساهمت بايراداتها الخيالية فى الحفاظ على صناعة السينما المصرية من الاندثار تماماً، وعلى دور العرض من الإفلاس وتغيير النشاط فى وقت تمر به السينما المصرية بأزمة شديدة التعقيد.، وبإعتقادى أن "حلاوة روح" هو البداية الجادة الحقيقية لمحمد السبكى.

بالحديث عن سرقة العظماء، فإن "مالينا" ليس فيلم عظيم وحسب، بل انه من الأفلام القليلة التى تذكرنا بالسبب الذى يجعلنا نحب السينما بالاساس، وهو من الأفلام التى غالباً ما نعجز عن ايجاد عامل منطقى لوقوعنا فى غرامها فنلجأ فى بحثنا على العوامل الجمالية والانفعالية التى غلفت الفيلم، ومشكلة تقييم الفن بمذهبيه الجمالى والانفعالى انه تقييم لا يتبع اى قواعد ملموسة وينحصر بشكل أكبر على التجربة الشخصية، وفى رأيى ان من أهم مميزات فيلم "حكاية روح" هو ان التغييرات الدرامية غير الموفقة التى أجراها السيناريست "على الجندى" فى نصه على النص الأصلى ساعدت بشكل كبير فى الإجابة على سؤال "لماذا أحببنا "مالينا؟"، بل وعلى السؤال الأعم والذى حيّر فلاسفة الفن وهو "كيف تعمل العناصر الجمالية والانفعالية؟"

التهمة الرئيسية التى يتشارك فى اطلاقها المشككين فى موهبة "تورناتورى" هو أنه يعتمد -فى فيلميه الأشهر على الأقل- على أسلوب دغدغة المشاعر، بإمكانك ان تشاركهم الرأى بأن تلك تعتبر تهمة، وبإمكانك ان تنتظر لتشاهد "حلاوة روح" لتتأكد ان دغدغة المشاعر ليست أمر بتلك البساطة التى يقلل بها المشككون من شأن مخرج محترف، وبأنها أمر شديد التعقيد وتحتاج لدقة طبيب شديد المهارة يدرى جيداً ماذا يفعل داخل غرفة العمليات، كل حركة ولفتة وقرار بلا داعى قد يكلفه حياة المريض. هذا لا يعنى بالضرورة ان "على الجندى" قد فشل فى دغدغة المشاعر بفيلمه أو لم يحاول، ولكن الدغدغة درجات!

كما ان المقاييس النقدية الحديثة تكره النهايات الميلودراما، وهو الأسلوب الذى إتبعه "تورناتورى" بعودة زوج "مالينا" من الحرب والعثور على رسالة من الطفل تخبره بما حدث ...الخ، بينما حاول "على الجندى" الابتعاد عن ذلك الأسلوب ليختم فيلمه بنهاية أكثر واقعية لا يظهر فى نهايتها شخص من العدم ولا مصادفات ومفاجئات مُبالغ فيها، ولكن رغم ذلك لو حكمنا حكم متجرد على النهايتين بغض النظر عن التصنيفات النقدية التى فى الغالب لا تستند على قاعدة ملموسة، فسنجد ان نهاية "تورناتورى" الميلودرامية المكروهة نقدياً كانت أقوى من نهاية "على الجندى" الواقعية المرحب بيها نقدياً (بشكل مبدئى). ولو سألتنى عن المقياس الذى أقيس به الأقوى، سأجيبك بإنه "دغدغة المشاعر"، فهذه كانت الغاية التى وضح سعى صناع الفيلمين لتحقيقها. 

بدا أن الأسلوب "السيد فيلدى" الشهير عند كتّاب السيناريو والذى يعتمد فى أساسه على تصعيب غاية البطل قدر المستطاع وخلق التحديات له بإستمرار ليكون هناك سبب عند المتفرج لمتابعة ما يجرى، أحياناً يكون أفضل من باقى الأساليب التى تعتمد على التوازن بين غاية البطل ووسيلته لتحقيقها واعتماد الحالة الجمالية فى المقابل، فلو إعتبرنا ان الطفل فى الفيلمين هو البطل، فلا شك ان عدم التواصل أو الخط الواقعى المبتور بين الطفل والسيدة فى الفيلم الايطالى، والذى حافظ "تورناتورى" عليه لآخر فيلمه، قد صعّبت الغاية فزادت المتفرج شغفاً للحكاية، وكان ذلك من أقوى عناصر الفيلم، ونفهم قوته بشكل أكبر عندما نشاهد اختفاءه من المحاكاة المصرية، فتواصل "سيد" مع "روح" لم يضف شىء للحكاية بل ساعد على تسهيل مبتغى البطل بالاقتراب والتواصل مع سيدة أحلامه وهو ما قلل من الشغف، خاصة وان ذلك التواصل او تلك العلاقة لم تتطور، كما لم يستغل ذلك التواصل للتخديم على معنى مثل معانى العجز والجبن والتردد التى خُدمت فى الفيلم الايطالى بسبب عدم التواصل.

تتفوق شخصية "مالينا" على شخصية "روح" بعنصر التطور الداخلى، وتعريفى للتطور الداخلى هو المشاعر والقرارات والمسالك التى تسلكها الشخصية أو تُجبر على سلكها، أما التطور الخارجى فهو ما يحدثه الآخرين بالشخصية بشكل مادى مثل ان تُسجن او تُقتل او تُضرب. السقوط فى مهنة الدعارة كان تطور داخلى مهم فى شخصية "مالينا"، بينما بقاء "روح" على حالها من البداية الى النهاية قلل من ثراء شخصيتها دراميا، ولكن لم يمحه تماماً، فكانا مشهدان رقصها الخيالى على أغنية "حكيم" وما تبعه من مشهد انفجار فى وجه أم زوجها ثائرة على تقاليد وعادات مجتمعها ومعلنة عن أنوثتها المقموعة معبرين عن تناقضات مثيرة لدى الشخصية، كما انها ربما تكون المرة الوحيدة فى تاريخ محمد السبكى التى تكون فيها أغنية الفيلم موظفة درامياً، وليست مجرد فقرة "لتهييص" الجمهور.

استطاع "سامح عبد العزيز" تعويض مشاهد فانتازيا الطفل الايطالى التى استحال تنفيذها بكافة تفاصيلها لأسباب رقابية واجتماعية، ببعض اللمسات التى عبّرت درامياً وحسياً عنها، ولكن بالطبع لم تعوض العنصر الجمالى لذات المشاهد. كما انه بَرَع كالعادة فى تقديم حارة مصرية حقيقية ومعاصرة لا يتصادم قبحها الواقعى مع جمالية تصويرها، كما قدم فى نهاية الفيلم أقوى 10 دقائق فى تاريخ السينما المصرية الحديثة، ساعدته فى ذلك موسيقى "خالد داغر" راقية الحس .. كما ظهر تفوق جميع عناصر الصورة من ديكور وتصوير وتصميم انتاجى وأزياء، ورغم كل عيوب السيناريو فإن الحوار كان أحد عوامل القوة فى الفيلم، هذا لو تغاضينا عن المونولوج الذى قدمه "صلاح عبد الله" فى النهاية ليخبر "روح" بأن "مش كل الناس وحشين".

مَن لم يشاهد الفيلم الايطالى قد يُذهل من روعة الفيلم المصرى، وهو بالطبع محق فالفيلم المصرى جميل بالفعل، وفاق توقعاتى الشخصية له، ولكن لازال هناك ماهو أجمل.
 فى النهاية هل نستطيع ان نقول بأن "سامح عبد العزيز" هو "صلاح ابو سيف" هذا العصر؟ .. ليس بعد، ولكنه فى طريقه!


تقييمى: 8/10

«حلاوة روح» .. محاكاة فاقت التوقعات ولم تصل للأصل

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  11:39 م 0 تعليقات


على نهج مقولة "كيشلوفسكى" الشهيرة والتى تفيد بأن السرقة الفنية عندما تكون من العظماء فهى مجرد استلهام، قرر محمد السبكى ورفاقه خوض التجربة لصناعة محاكاة مصرية شعبية للتحفة الايطالية "مالينا" التى صنعها العظيم -رغم قلة اعماله- "تورناتورى" فى مطلع العقد الماضى، هذه المرة من اخراج "سامح عبد العزيز" صاحب التجربتين المميزتين اللتين ساههمتا فى احداث نقلة ملحوظة للأيديولوجية السبكاوية التقليدية نحو الجدية، وهما فيلمى "الفرح" و"كباريه"، وإن كانت تلك النقلة محصورة على فرع واحد من العائلة الانتاجية المثيرة للجدل، وهو تحديداً الفرع الذى يمثله "أحمد السبكى" وانضم له فيما بعد ابنه "كريم السبكى" ليصنعوا المزيد من التجارب المختلفة والجادة؛ على رأسها فيلمى "واحد صحيح" و "ساعة ونص" وحالياً يتم التحضير لعرض "الحرب العالمية الثالثة"، بينما ظل الفرع الآخر من العائلة والذى يمثله "محمد السبكى" متمسكاً بنهجه التقليدى بصنع افلام شعبية خفيفة تارة، ومسفة تارة أخرى، وإن كان يحسب لتلك الافلام انها ساهمت بايراداتها الخيالية فى الحفاظ على صناعة السينما المصرية من الاندثار تماماً، وعلى دور العرض من الإفلاس وتغيير النشاط فى وقت تمر به السينما المصرية بأزمة شديدة التعقيد.، وبإعتقادى أن "حلاوة روح" هو البداية الجادة الحقيقية لمحمد السبكى.

بالحديث عن سرقة العظماء، فإن "مالينا" ليس فيلم عظيم وحسب، بل انه من الأفلام القليلة التى تذكرنا بالسبب الذى يجعلنا نحب السينما بالاساس، وهو من الأفلام التى غالباً ما نعجز عن ايجاد عامل منطقى لوقوعنا فى غرامها فنلجأ فى بحثنا على العوامل الجمالية والانفعالية التى غلفت الفيلم، ومشكلة تقييم الفن بمذهبيه الجمالى والانفعالى انه تقييم لا يتبع اى قواعد ملموسة وينحصر بشكل أكبر على التجربة الشخصية، وفى رأيى ان من أهم مميزات فيلم "حكاية روح" هو ان التغييرات الدرامية غير الموفقة التى أجراها السيناريست "على الجندى" فى نصه على النص الأصلى ساعدت بشكل كبير فى الإجابة على سؤال "لماذا أحببنا "مالينا؟"، بل وعلى السؤال الأعم والذى حيّر فلاسفة الفن وهو "كيف تعمل العناصر الجمالية والانفعالية؟"

التهمة الرئيسية التى يتشارك فى اطلاقها المشككين فى موهبة "تورناتورى" هو أنه يعتمد -فى فيلميه الأشهر على الأقل- على أسلوب دغدغة المشاعر، بإمكانك ان تشاركهم الرأى بأن تلك تعتبر تهمة، وبإمكانك ان تنتظر لتشاهد "حلاوة روح" لتتأكد ان دغدغة المشاعر ليست أمر بتلك البساطة التى يقلل بها المشككون من شأن مخرج محترف، وبأنها أمر شديد التعقيد وتحتاج لدقة طبيب شديد المهارة يدرى جيداً ماذا يفعل داخل غرفة العمليات، كل حركة ولفتة وقرار بلا داعى قد يكلفه حياة المريض. هذا لا يعنى بالضرورة ان "على الجندى" قد فشل فى دغدغة المشاعر بفيلمه أو لم يحاول، ولكن الدغدغة درجات!

كما ان المقاييس النقدية الحديثة تكره النهايات الميلودراما، وهو الأسلوب الذى إتبعه "تورناتورى" بعودة زوج "مالينا" من الحرب والعثور على رسالة من الطفل تخبره بما حدث ...الخ، بينما حاول "على الجندى" الابتعاد عن ذلك الأسلوب ليختم فيلمه بنهاية أكثر واقعية لا يظهر فى نهايتها شخص من العدم ولا مصادفات ومفاجئات مُبالغ فيها، ولكن رغم ذلك لو حكمنا حكم متجرد على النهايتين بغض النظر عن التصنيفات النقدية التى فى الغالب لا تستند على قاعدة ملموسة، فسنجد ان نهاية "تورناتورى" الميلودرامية المكروهة نقدياً كانت أقوى من نهاية "على الجندى" الواقعية المرحب بيها نقدياً (بشكل مبدئى). ولو سألتنى عن المقياس الذى أقيس به الأقوى، سأجيبك بإنه "دغدغة المشاعر"، فهذه كانت الغاية التى وضح سعى صناع الفيلمين لتحقيقها. 

بدا أن الأسلوب "السيد فيلدى" الشهير عند كتّاب السيناريو والذى يعتمد فى أساسه على تصعيب غاية البطل قدر المستطاع وخلق التحديات له بإستمرار ليكون هناك سبب عند المتفرج لمتابعة ما يجرى، أحياناً يكون أفضل من باقى الأساليب التى تعتمد على التوازن بين غاية البطل ووسيلته لتحقيقها واعتماد الحالة الجمالية فى المقابل، فلو إعتبرنا ان الطفل فى الفيلمين هو البطل، فلا شك ان عدم التواصل أو الخط الواقعى المبتور بين الطفل والسيدة فى الفيلم الايطالى، والذى حافظ "تورناتورى" عليه لآخر فيلمه، قد صعّبت الغاية فزادت المتفرج شغفاً للحكاية، وكان ذلك من أقوى عناصر الفيلم، ونفهم قوته بشكل أكبر عندما نشاهد اختفاءه من المحاكاة المصرية، فتواصل "سيد" مع "روح" لم يضف شىء للحكاية بل ساعد على تسهيل مبتغى البطل بالاقتراب والتواصل مع سيدة أحلامه وهو ما قلل من الشغف، خاصة وان ذلك التواصل او تلك العلاقة لم تتطور، كما لم يستغل ذلك التواصل للتخديم على معنى مثل معانى العجز والجبن والتردد التى خُدمت فى الفيلم الايطالى بسبب عدم التواصل.

تتفوق شخصية "مالينا" على شخصية "روح" بعنصر التطور الداخلى، وتعريفى للتطور الداخلى هو المشاعر والقرارات والمسالك التى تسلكها الشخصية أو تُجبر على سلكها، أما التطور الخارجى فهو ما يحدثه الآخرين بالشخصية بشكل مادى مثل ان تُسجن او تُقتل او تُضرب. السقوط فى مهنة الدعارة كان تطور داخلى مهم فى شخصية "مالينا"، بينما بقاء "روح" على حالها من البداية الى النهاية قلل من ثراء شخصيتها دراميا، ولكن لم يمحه تماماً، فكانا مشهدان رقصها الخيالى على أغنية "حكيم" وما تبعه من مشهد انفجار فى وجه أم زوجها ثائرة على تقاليد وعادات مجتمعها ومعلنة عن أنوثتها المقموعة معبرين عن تناقضات مثيرة لدى الشخصية، كما انها ربما تكون المرة الوحيدة فى تاريخ محمد السبكى التى تكون فيها أغنية الفيلم موظفة درامياً، وليست مجرد فقرة "لتهييص" الجمهور.

استطاع "سامح عبد العزيز" تعويض مشاهد فانتازيا الطفل الايطالى التى استحال تنفيذها بكافة تفاصيلها لأسباب رقابية واجتماعية، ببعض اللمسات التى عبّرت درامياً وحسياً عنها، ولكن بالطبع لم تعوض العنصر الجمالى لذات المشاهد. كما انه بَرَع كالعادة فى تقديم حارة مصرية حقيقية ومعاصرة لا يتصادم قبحها الواقعى مع جمالية تصويرها، كما قدم فى نهاية الفيلم أقوى 10 دقائق فى تاريخ السينما المصرية الحديثة، ساعدته فى ذلك موسيقى "خالد داغر" راقية الحس .. كما ظهر تفوق جميع عناصر الصورة من ديكور وتصوير وتصميم انتاجى وأزياء، ورغم كل عيوب السيناريو فإن الحوار كان أحد عوامل القوة فى الفيلم، هذا لو تغاضينا عن المونولوج الذى قدمه "صلاح عبد الله" فى النهاية ليخبر "روح" بأن "مش كل الناس وحشين".

مَن لم يشاهد الفيلم الايطالى قد يُذهل من روعة الفيلم المصرى، وهو بالطبع محق فالفيلم المصرى جميل بالفعل، وفاق توقعاتى الشخصية له، ولكن لازال هناك ماهو أجمل.
 فى النهاية هل نستطيع ان نقول بأن "سامح عبد العزيز" هو "صلاح ابو سيف" هذا العصر؟ .. ليس بعد، ولكنه فى طريقه!


تقييمى: 8/10

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top