جميع المواضيع

لهذا الفيلم تعريفات دعائية عديدة، فهو الفيلم الذى تحمس لإنتاجه المخرج الإسبانى الإستثنائى "بيدرو ألمودفار"، وهو أيضاً الفيلم الذى وبعد انتهاء عرضه الأول بمهرجان كان وقف له الحضور مصفقين لمدة تصل إلى 10 دقائق تحية لصناعه بحسب كلام شبكة "كلارين" الأرجنتينية، فضلاً عن أنه الفيلم الذى رشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى وخسر أمام منافسه القوى "إيدا". إذا فكلها تعريفات مشجعة لوضعه على رأس قوائم المشاهدة فى وقت صعود للسينما الأرجنتينية خصوصاً واللاتينية عموماً، ومع تواجد ممثل كـ"ريكاردو دارين" أيقونة السينما الأرجنتينية الذى قدم فى السنوات الأخيرة أوراق إعتماده فى قلوب متابعى السينما العالمية.

"حكايات جامحة" .. لعله وصف يظل عاجزاً فى التعبير بدقة عن حقيقة هذا التسلسل الأرجنتينى الصادم، ست قصص من الكوميديا السوداء الأكثر جنوناً، وعلى غير العادة تأتى أقرب لمجموعة من الأفلام القصيرة بحيث لا يجمعها رابط درامى حقيقى أو تلاعب تزامنى، أى بإختصار لا تسير على الموضة التى فرضها تارانتينو فى العشرين عاماً الأخيرة بفيلمه "قصة شعبية رخيصة"، بقدر ما يجمعها رابط إنفعالى وأحياناً شعورى قد لا يصل الكثيرون حتى لإدراكه لكنه يبقى حاضراً.

هذا الرابط موزع على مستووين: المستوى الأول هو إنفعال خارجى خاص بالمتفرج وبالحالة التى يضعه الفيلم بها من إيقاع مكوكى وتفاصيل مربكة وأحداث تجعل العين تتسع لغرابتها أو توصد لبشاعتها. أما المستوى الآخر فهو إنفعال داخلى يخص شخصيات الفيلم وما تواجهه تلك الشخصيات من مواقف مصيرية حرجة تأتى من تفاصيل الحياة اليومية لتهدد حياتهم أو مستقبلهم المهنى والعائلى وتجعل كل منهم أمام إختبار صعب وهو إلى أى مدى سيستطيع التحكم بأعصابه وكبت سلوكيات لم يظن يوماً أنه قد يلجأ لها؛ خاصة وأن العواقب مجهولة فى كلا الحالات.

Wild Tales 2014
تشذ الحكاية الأولى قليلاً عن هذا المحور، وهى الحكاية التى تدور فى طائرة إختطفها أحد المحبطين ويدعى "باسترناك"، بعد أن رصد فخاً لجميع الشخصيات التى ساهمت فى تنغيص حياته، حبيبته السابقة وصديقه اللذان خاناه، والناقد الفنى الذى رفضه فى لجنة الإستماع وكتب مقالاً يهاجمه بضراوة أفسدت حالته النفسية، وأستاذته التى ظل يرسب فى مادتها لسنوات، وطبيبه النفسى الذى تخلى عنه. تظن فى البداية أن السيناريو فج ويبالغ فى اعتماده على المصادفات لكنك سرعان ما تتفهم حقيقة الأمر وتشرع فى الضحك، فهذه الحكاية كانت أقرب فى بنائها إلى نكتة عبثية، خاصة وان قوامها مشيب بالمبالغات والثغرات التى لا تتوافق مع الخمس حكايات الأخرى، ولكن يتضح مغزاها أكثر مع نهاية الفيلم لتكون بمثابة رسالة تحذير إستباقية موجهة لجميع الأوغاد الذين ظهروا على مدار الفيلم بأنهم ربما لا يسلموا فى كل مرة من أفعالهم الدنيئة .. الأمر أقرب لأسطورة "غرفة الفئران".

أقوى ما بالسيناريو هو الطريقة المدهشة التى تتطور بها الأحداث والشخصيات بنهج شديد التطرف اذا ما تمت مقارنته بالمدة الزمنية التى يحدث فيها هذا التطور، ولا أقصد هنا المدة الزمنية الفيلمية بل الفعلية، أى واقع ما تدور فيه الأحداث. أبرز تجليات هذه السمة تظهر فى الحكاية الثالثة التى تحدث فى الطريق السريع بين السائق الثرى المتعجرف والسائق الفقير الذى يخفى وراء هدوئه جانب شديد التوحش.

المشهد يبدأ بموسيقى حالمة ومناظر طبيعية خلابة على حافتى الطريق ولا يأخذ أكثر من بضع دقائق لينتهى بأبشع ما يمكن تصوره، البديع هنا أن المشهد رغم جموحه كان شديد المعقولية والتعبير عن أسوأ ما يمكن أن يصدر من النفس البشرية فى لحظات استثنائية خرقاء قد تخرج الإنسان عن إطاره الحضارى وتجعله أقرب إلى كائن أكثر غرائزية كحيوان مفترس، خاصة مع ذلك المناخ البرى القاحل الذى يدور به المشهد وتغيب عنه أى صورة لمفهوم الدولة او العدالة او القانون، (نلاحظ صور الحيوانات فى تيترات بداية الفيلم).

لكن تلك المعقولية البشعة التى تحلى بها المشهد السابق غابت إلى درجة ما فى الحكاية الثانية التى تدور بالمطعم واقتصرت على بشاعة لا معقولية أو شبه معقولية، صحيح أن الأمر يتطور بصورة مقنعة تحافظ على الإيقاع اللاهث للفيلم حتى نصل لفقرة الطعن، لكن ما لم أتفهمه هو الشرارة التى أشعلت المشهد حين وضعت العجوز السم فى الطعام، فالدافع ضعيف والتصرف مفتعل، ما أنقذ المشهد قليلاً هو احد تجليات العدالة الشعرية التى لا تخلو من سخرية وخفة ظل واضحة تبدأ بتساؤل العجوز "هل انتهاء تاريخ صلاحية السم يجعله أكثر أم أقل فتكاً بضحاياه؟"، وتنتهى بنجاة الصبى البرىء من السم ومقتل الأب الفاسد بصورة لم يتم التخطيط لها.


 أقل الحكايات اتساقاً مع الإطار البرى الجامح الذى يغلف حكايات الفيلم كانت الحكاية الخامسة المتعلقة برجل ثرى يحاول رشوة حارس عقاره لتحمل مسئولية حادث سيارة قد ارتكبه إبنه، هذه الحكاية بخروجها عن ايقاع الفيلم اللاهث واحداثه الطازجة كانت بمثابة المطب الذى أبطأ من حركة تدفق سلسة لأحداث صادمة وعفوية وغير مكررة فى بنائها او فى معدل تطورها، بعكس تلك الحكاية لأسرية المبتذلة التى هى أقرب إلى حلقة تلفزيونية أخرى فى مسلسل جريمة قد نفذت الأفكار من عقول كاتبيه الملتزمين مع منتجه بمعاد تسليم قد حان موعده.

الآن لم يتبقى سوى الحكايتين الأروع، سأبدأ مع الأقوى ثم أنتقل إلى الأكثر قوة. فى الحكاية الرابعة يتحول رجل الطبقة المتوسطة شديد الانضباط والتقليدية إلى مجرم من النوع الذى يفخخ السيارات، هذا التطور لا يأخذ سوى أيام قليلة تنقلب فيها حياته رأساً على عقب بعد أن يواجه بسوء حظ عجيب وتعنت بيروقراطى وفساد حكومى وحياة عائلية مهددة، يكمن عنصر الإقناع الأكبر بتحول هذه الشخصية فى الطريقة التى جعله المؤلف بها لا يملك ما يخسره. نحن هنا أمام قصة بارعة التكثيف وأداء شديد القوة من "ريكاردو دارين" وتتمة مفعمة بحس ثورى ناضج وسخرية ناجحة من الطريقة ما بعد الحداثية فى صناعة البطل عبر مواقع التواصل الإجتماعى.

يختتم الفيلم بحكاية فى رأيى هى الأقوى على الإطلاق، والقوة هنا تتوزع على عدة عوامل أولها تصميم المشهد وموقعه ومناسبته. فهى حفلة عرس لشاب وفتاة جمعتهم قصة حب منذ الصبى، الجموح هنا يأتى من كسر مهابة الموقع وقدسية المناسبة، أعرف أن هناك العديد من الأفلام التى قد استهلكت فكرة افساد العرس، لكن لا شىء يمكنه مناطحة هذا الجنون الذى يحدث فى هذه الحكاية، ولا شىء يضاهى كمية الشحن التصاعدية التى تحتوى عليها، انها التهيئة النموذجية لصدمات عاطفية وصدامات عائلية وانهيارات عصبية وأخلاقية وقِناعِية، وكل شىء يمكنه صنع حدث شديد الإثارة.


عامل آخر مهم يزيد من تميز هذه الحكاية هو النهاية الخلابة التى تذهب إليها، ولهذه النهاية تفسيران. التفسير الأول هو رغبة فى الإمعان والتأكيد على الحالة الحيوانية بصفة الجنس يعد غريزة بدائية تتناغم مع كل السلوكيات البدائية البرية الذى قدمها الفيلم، لكنى لا أميل لهذا التفسير لأن الطريقة التى مارسا البطلان بها الجنس ابتعدت تماماً عن الطريقة الحيوانية وتحلت بحميمية مفرطة، وبوضع الوجه فى الوجه الذى يميز الإنسان عن باقى الكائنات فيما يتعلق بهذه الممارسة، لذلك أذهب إلى التفسير الثانى وهو أن هذه النهاية كانت بمثابة الدعوة الختامية للتطهر من كافة الأشكال الهمجية التى قدمها الفيلم على مدار ساعتين وإدراك أن البشر مازالوا بحاجة للتلاحم والتسامح فضلا عن التناحر والعداء، ولم يكن هناك ما هو أجمل من الجنس للتعبير عن ذلك المعنى، فهو الحل السحرى لكافة المشكلات!

تقييمى:
9/10

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3011894/


Wild Tales .. أعصاب على حافة الانهيار

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  9:53 م 0 تعليقات

لهذا الفيلم تعريفات دعائية عديدة، فهو الفيلم الذى تحمس لإنتاجه المخرج الإسبانى الإستثنائى "بيدرو ألمودفار"، وهو أيضاً الفيلم الذى وبعد انتهاء عرضه الأول بمهرجان كان وقف له الحضور مصفقين لمدة تصل إلى 10 دقائق تحية لصناعه بحسب كلام شبكة "كلارين" الأرجنتينية، فضلاً عن أنه الفيلم الذى رشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى وخسر أمام منافسه القوى "إيدا". إذا فكلها تعريفات مشجعة لوضعه على رأس قوائم المشاهدة فى وقت صعود للسينما الأرجنتينية خصوصاً واللاتينية عموماً، ومع تواجد ممثل كـ"ريكاردو دارين" أيقونة السينما الأرجنتينية الذى قدم فى السنوات الأخيرة أوراق إعتماده فى قلوب متابعى السينما العالمية.

"حكايات جامحة" .. لعله وصف يظل عاجزاً فى التعبير بدقة عن حقيقة هذا التسلسل الأرجنتينى الصادم، ست قصص من الكوميديا السوداء الأكثر جنوناً، وعلى غير العادة تأتى أقرب لمجموعة من الأفلام القصيرة بحيث لا يجمعها رابط درامى حقيقى أو تلاعب تزامنى، أى بإختصار لا تسير على الموضة التى فرضها تارانتينو فى العشرين عاماً الأخيرة بفيلمه "قصة شعبية رخيصة"، بقدر ما يجمعها رابط إنفعالى وأحياناً شعورى قد لا يصل الكثيرون حتى لإدراكه لكنه يبقى حاضراً.

هذا الرابط موزع على مستووين: المستوى الأول هو إنفعال خارجى خاص بالمتفرج وبالحالة التى يضعه الفيلم بها من إيقاع مكوكى وتفاصيل مربكة وأحداث تجعل العين تتسع لغرابتها أو توصد لبشاعتها. أما المستوى الآخر فهو إنفعال داخلى يخص شخصيات الفيلم وما تواجهه تلك الشخصيات من مواقف مصيرية حرجة تأتى من تفاصيل الحياة اليومية لتهدد حياتهم أو مستقبلهم المهنى والعائلى وتجعل كل منهم أمام إختبار صعب وهو إلى أى مدى سيستطيع التحكم بأعصابه وكبت سلوكيات لم يظن يوماً أنه قد يلجأ لها؛ خاصة وأن العواقب مجهولة فى كلا الحالات.

Wild Tales 2014
تشذ الحكاية الأولى قليلاً عن هذا المحور، وهى الحكاية التى تدور فى طائرة إختطفها أحد المحبطين ويدعى "باسترناك"، بعد أن رصد فخاً لجميع الشخصيات التى ساهمت فى تنغيص حياته، حبيبته السابقة وصديقه اللذان خاناه، والناقد الفنى الذى رفضه فى لجنة الإستماع وكتب مقالاً يهاجمه بضراوة أفسدت حالته النفسية، وأستاذته التى ظل يرسب فى مادتها لسنوات، وطبيبه النفسى الذى تخلى عنه. تظن فى البداية أن السيناريو فج ويبالغ فى اعتماده على المصادفات لكنك سرعان ما تتفهم حقيقة الأمر وتشرع فى الضحك، فهذه الحكاية كانت أقرب فى بنائها إلى نكتة عبثية، خاصة وان قوامها مشيب بالمبالغات والثغرات التى لا تتوافق مع الخمس حكايات الأخرى، ولكن يتضح مغزاها أكثر مع نهاية الفيلم لتكون بمثابة رسالة تحذير إستباقية موجهة لجميع الأوغاد الذين ظهروا على مدار الفيلم بأنهم ربما لا يسلموا فى كل مرة من أفعالهم الدنيئة .. الأمر أقرب لأسطورة "غرفة الفئران".

أقوى ما بالسيناريو هو الطريقة المدهشة التى تتطور بها الأحداث والشخصيات بنهج شديد التطرف اذا ما تمت مقارنته بالمدة الزمنية التى يحدث فيها هذا التطور، ولا أقصد هنا المدة الزمنية الفيلمية بل الفعلية، أى واقع ما تدور فيه الأحداث. أبرز تجليات هذه السمة تظهر فى الحكاية الثالثة التى تحدث فى الطريق السريع بين السائق الثرى المتعجرف والسائق الفقير الذى يخفى وراء هدوئه جانب شديد التوحش.

المشهد يبدأ بموسيقى حالمة ومناظر طبيعية خلابة على حافتى الطريق ولا يأخذ أكثر من بضع دقائق لينتهى بأبشع ما يمكن تصوره، البديع هنا أن المشهد رغم جموحه كان شديد المعقولية والتعبير عن أسوأ ما يمكن أن يصدر من النفس البشرية فى لحظات استثنائية خرقاء قد تخرج الإنسان عن إطاره الحضارى وتجعله أقرب إلى كائن أكثر غرائزية كحيوان مفترس، خاصة مع ذلك المناخ البرى القاحل الذى يدور به المشهد وتغيب عنه أى صورة لمفهوم الدولة او العدالة او القانون، (نلاحظ صور الحيوانات فى تيترات بداية الفيلم).

لكن تلك المعقولية البشعة التى تحلى بها المشهد السابق غابت إلى درجة ما فى الحكاية الثانية التى تدور بالمطعم واقتصرت على بشاعة لا معقولية أو شبه معقولية، صحيح أن الأمر يتطور بصورة مقنعة تحافظ على الإيقاع اللاهث للفيلم حتى نصل لفقرة الطعن، لكن ما لم أتفهمه هو الشرارة التى أشعلت المشهد حين وضعت العجوز السم فى الطعام، فالدافع ضعيف والتصرف مفتعل، ما أنقذ المشهد قليلاً هو احد تجليات العدالة الشعرية التى لا تخلو من سخرية وخفة ظل واضحة تبدأ بتساؤل العجوز "هل انتهاء تاريخ صلاحية السم يجعله أكثر أم أقل فتكاً بضحاياه؟"، وتنتهى بنجاة الصبى البرىء من السم ومقتل الأب الفاسد بصورة لم يتم التخطيط لها.


 أقل الحكايات اتساقاً مع الإطار البرى الجامح الذى يغلف حكايات الفيلم كانت الحكاية الخامسة المتعلقة برجل ثرى يحاول رشوة حارس عقاره لتحمل مسئولية حادث سيارة قد ارتكبه إبنه، هذه الحكاية بخروجها عن ايقاع الفيلم اللاهث واحداثه الطازجة كانت بمثابة المطب الذى أبطأ من حركة تدفق سلسة لأحداث صادمة وعفوية وغير مكررة فى بنائها او فى معدل تطورها، بعكس تلك الحكاية لأسرية المبتذلة التى هى أقرب إلى حلقة تلفزيونية أخرى فى مسلسل جريمة قد نفذت الأفكار من عقول كاتبيه الملتزمين مع منتجه بمعاد تسليم قد حان موعده.

الآن لم يتبقى سوى الحكايتين الأروع، سأبدأ مع الأقوى ثم أنتقل إلى الأكثر قوة. فى الحكاية الرابعة يتحول رجل الطبقة المتوسطة شديد الانضباط والتقليدية إلى مجرم من النوع الذى يفخخ السيارات، هذا التطور لا يأخذ سوى أيام قليلة تنقلب فيها حياته رأساً على عقب بعد أن يواجه بسوء حظ عجيب وتعنت بيروقراطى وفساد حكومى وحياة عائلية مهددة، يكمن عنصر الإقناع الأكبر بتحول هذه الشخصية فى الطريقة التى جعله المؤلف بها لا يملك ما يخسره. نحن هنا أمام قصة بارعة التكثيف وأداء شديد القوة من "ريكاردو دارين" وتتمة مفعمة بحس ثورى ناضج وسخرية ناجحة من الطريقة ما بعد الحداثية فى صناعة البطل عبر مواقع التواصل الإجتماعى.

يختتم الفيلم بحكاية فى رأيى هى الأقوى على الإطلاق، والقوة هنا تتوزع على عدة عوامل أولها تصميم المشهد وموقعه ومناسبته. فهى حفلة عرس لشاب وفتاة جمعتهم قصة حب منذ الصبى، الجموح هنا يأتى من كسر مهابة الموقع وقدسية المناسبة، أعرف أن هناك العديد من الأفلام التى قد استهلكت فكرة افساد العرس، لكن لا شىء يمكنه مناطحة هذا الجنون الذى يحدث فى هذه الحكاية، ولا شىء يضاهى كمية الشحن التصاعدية التى تحتوى عليها، انها التهيئة النموذجية لصدمات عاطفية وصدامات عائلية وانهيارات عصبية وأخلاقية وقِناعِية، وكل شىء يمكنه صنع حدث شديد الإثارة.


عامل آخر مهم يزيد من تميز هذه الحكاية هو النهاية الخلابة التى تذهب إليها، ولهذه النهاية تفسيران. التفسير الأول هو رغبة فى الإمعان والتأكيد على الحالة الحيوانية بصفة الجنس يعد غريزة بدائية تتناغم مع كل السلوكيات البدائية البرية الذى قدمها الفيلم، لكنى لا أميل لهذا التفسير لأن الطريقة التى مارسا البطلان بها الجنس ابتعدت تماماً عن الطريقة الحيوانية وتحلت بحميمية مفرطة، وبوضع الوجه فى الوجه الذى يميز الإنسان عن باقى الكائنات فيما يتعلق بهذه الممارسة، لذلك أذهب إلى التفسير الثانى وهو أن هذه النهاية كانت بمثابة الدعوة الختامية للتطهر من كافة الأشكال الهمجية التى قدمها الفيلم على مدار ساعتين وإدراك أن البشر مازالوا بحاجة للتلاحم والتسامح فضلا عن التناحر والعداء، ولم يكن هناك ما هو أجمل من الجنس للتعبير عن ذلك المعنى، فهو الحل السحرى لكافة المشكلات!

تقييمى:
9/10

صفحة الفيلم
http://www.imdb.com/title/tt3011894/


0 التعليقات:


أربعة معايير رئيسية راعيتها فى صنع هذه القائمة لأفضل أفلام العام
الماضى. أولاً ،وهو البديهى، الذوق الشخصى، ثانياً انحاز للتجارب ذات النزعة الذاتية على حساب التجارب التقنية. ثالثاً أفضل الأفلام التى تصلح لمشاهدات عديدة ولا تنتهى متعتها أو يخفت رونقها مع مرة المشاهدة الأولى. ورابعاً أميل للأفلام التى تحتوى على نوع من الصدمة، سواء على مستوى الحكى أو الموضوع أو الأحداث أو الصورة.


لا يوجد كائن بشرى يستطيع مشاهدة كافة الإنتاجات السينمائية لعام واحد لأنها تقدر بالآلاف، أتحدث هنا عن إنتاجات الكرة الأرضية لا دولة واحدة أو قارة، لذلك لن توجد "قائمة أفضل" موضوعية بشكل كامل، بالنسبة لهذه القائمة فأستطيع القول أنى أتممت مشاهدة مجموعة ليست قليلة من الأفلام الهامة بشكل عام مثل أفلام الاوسكار والمهرجانات الكبرى أو الأفلام التى تهمنى بشكل خاص، باستثناء بعض الأفلام التى كنت شديد التحمس لها ولكنى استبعدتها لعدم اتاحتها بعد للمشاهدة سواء فى صالات العرض فى بلد إقامتى أو حتى على شبكة الإنترنت، مثل الفيلم الأوكرانى The Tribe، والمجرى White God، والأرجنتينى Wild Tales، لذا فالقائمة خاصة بما عرض فى الصالات المصرية أو ما أتيح عبر الانترنت.

أفلام جيدة استبعدتها ولكنها تستحق ذكر شرفى

Under the Skin
, Interstellar, Gone Girl, Force Majeure, The Imitation Game, Les Combattants, No One's Child, Still Alice


الآن هذه قائمتى لأفضل أفلام عام 2014



10
Wetlands / Germany

اثار كثيراً من الجدل والإنقسام بين النقاد وقت عرضه بمهرجان صندانس فى مطلع عام 2014، فبين شديدى التحمس للتجربة وشديدى النفور منها. هذا هو أغرب أفلام العام على الإطلاق، فيلم مقزز ومقرف لدرجة تجعل وصفه بالصادم أقل كثيراً فى التعبير عن حقيقة التجربة. لكن، وبغض النظر عن عنصر القرف، فهذا نوع فريد من السينما الكوميدية، نوع ممعن فى السيريالية وحالة متقدمة من فلسفات السرد الاحلامى التى ترتكز بسلاسة ونعومة على عناصر ما بعد حداثية كتشظى البناء وخلط الوهم بالحقيقة وأسلوب القص الماورائى أو Metafiction، وفضلاً عن ذلك يقدم جرعة ليست بعادية من الضحك الذى ترتج له الأمعاء، تنم عن خيال شجاع لصانعه، ولا يخلو الفيلم، رغم كل ما به من قرف، من لحظات مغرقة فى الشاعرية. هكذا تلقيته ولهذا أحببته. ولكن يجب أن أنهى الفقرة بتحذير المقدمين على مشاهدته بالقول أنه ليس فيلماً للجميع.


09
Obvious Child / USA

يُعرف مُنظر السيناريو الأشهر "روبرت مكى" الكوميديا بأنها النوع القصصى الذى لا يصاب فيه أحد بمكروه حقيقى. فى هذا الفيلم الكوميدى الرائع هناك كائن يُقتل، لكنك كمشاهد لا تشعر بالذنب كونك تستمتع بما يحدث أو يؤثر ذلك سلباً بكوميديا الفيلم العفوية أو برومانسيته المتزنة، هذا فيلم يمر على قضية جدلية فى المجتمع الأميريكى دون ابتزاز اخلاقى ولا استقطاب سياسى، وبالطبع هو ليس الفيلم الرومانسى الكوميدى الأميريكى التقليدى بل نفحة جديدة من نفحات السينما المستقلة التى تسير على نهج موجة نسوية نيويوركية بدأتها "لينا دونهام" بمسلسل Girls وتبعها "نوه بامباك" و"جريتا جيرويج" بفيلمهما العلامة Frances Ha، أنحاز لتلك الموجة بقوة لأنها تضع الإفتعال والبهرجة على رأس قائمة أعدائها. وعنصر تفوق هذا الفيلم هو بطلته "جينى سليت"، حيث استطاعت مخرجته استثمار مهارات بطلتها إلى مدى يجعل الأخيرة جزء لا يتجزأ من الفيلم نفسه.


08

Stations of the Cross / Germany
 

نحن هنا أمام نوع شديد الطزاجة من السرد عموماً والسرد الساخر خصوصاً، انها السخرية ذات النفس الطويل، كأنك تستمع لنكتة مدتها ساعة ونصف قبل أن يأتيك سطر النهاية فتشرع فى الضحك. ليس ذلك فقط ما يجعل هذا الفيلم مميزاً بل عناصر كثيرة على رأسها تأتى الجرأة المفرطة فى الموضوع الدينى الشائك وعدم المهادنة والموازنة فى قوة النقد الذى وصلت حدته لدرجة إسقاط السيرة المسيحية بشكل علنى متهكم على حياة البطلة عن طريق تيترات مكتوبة تصاحب أحداث الفيلم. بالاضافة لطريقة تصويره الستاتيكية التى تعطى الايحاء بأن مَشاهده بمثابة جداريات فنية متتالية أفكارها متوارثة عبثياً عبر الأزمان كلوحة العشاء الأخير مثلا التى تشبه فى تكوينها أول مشاهد الفيلم. أحد أفضل مشاهد العام وأكثرها عفوية وذكاء موجود بهذا الفيلم، وهو المشهد الذى يتمرد فيه التلاميذ على معلمة الرياضة متحججين بأن أديانهم تأمرهم بذلك إمعاناً فى السخرية من زميلتهم الضحية. أنحاز فكريا لهذا الفيلم ولبساطته الفنية.


07
Camp X-Ray / USA

يأتى هذا الفيلم فى توقيت يزدهر فيه الإرهاب الإسلامى فى العالم، لكنه يجبر أقوى المتحفزين ضد هذا الارهاب بالتعاطف مع بطله المشتبه بكونه عضو أحد تلك التنظيمات، ليس تعاطف من النوع الحقوقى الساذج ولا النوع المنطقى الوعظى الدبلوماسى الممل الذى يرفض مبدأ التعميم، بل نوع أكثر بساطة، أنت تتعاطق لأنك أحببت الشخصية، لأنك وجدت نفسك أمام شخصية مبهرة ومثيرة ومحببة لدرجة تجعلك تنحى كافة مبادئك وافكارك جانباً وتطلق لنفسك العنان للاستمتاع بالإندماج معها وتقدير ذلك الرسام الذى قام بتصميمها بتلك المهارة، دون حتى الرغبة فى معرفة تاريخها وإن كانت مذنبة فعلا أم بريئة. تماماً مثلما يفعل الفيلم الذى يحلق بعيداً فوق الأفكار السياسية والدينية ويصوب ضوء اهتمامه تجاه علاقة انسانية فريدة من نوعها .. البطل الذى أصبح يؤمن بكتاب هارى بوتر أكثر من ايمانه بكتابه المقدس والبطلة التى تنضم لجيش دولتها فقط للهروب من ملل قريتها الهادئة .. انت أمام روحين طاهرين وجدا ضالتهما بالآخر فى المكان الأكثر غرابة، فى سجن جوانتنامو. يحتوى الفيلم على أكثر مشاهد العام حميمية وهو المشهد الذى تتعانق فيه أيدى البطلين عبر فاصل الزنزانة قبل نهاية الفيلم.


06
Nigtcrawler / USA

من باب التنوع فضّلت اختيار فيلم واحد فقط بهذه القائمة لتدور احداثه حول شخصية سايكوباتية، وكانت المفاضلة بين هذا الفيلم وفيلم ديفيد فينشر Gone Girl، السبب الرئيسى الذى دفعنى فى النهاية لاستبعاد فيلم فينشر رغم قوته هو أن النزعة الروائية مازالت مسيطرة عليه، بينما هذا الفيلم يحتفظ بولاء أكبر للسينما، وليس أية سينما بل سينما العيار الثقيل، فهو تأثر بمدرسة النيو هوليوود السبعيناتية (Taxi Driver)، ومدرسة الفيلم-نوار، وحتى الكلاسيكيات الحديثة كأفلام نيكولاس ويندينج ريفين (Drive). فيلم يقدم عالم مهنى جديد وشيّق لم تقتحمه السينما من قبل، ونوع ناضج من الإثارة والسودوية. وبجانب سخرية أحداثه من أخلاقيات القصص واعتبارات الخير والشر فهو أيضا يقدم سخرية لاذعة وذكية من أشياء كالهيراركية الإدارية الرأسمالية وفلسفة التنمية البشرية والمنظومة الإعلامية. يعطى "جيك جيلينهال" أقوى أداء تمثيلى خلال العام للشخصية الأكثر تركيباً ولكن يتم تجاهله أوسكاريا ببرود مستفز مثل تجاهل الفيلم.


05
Boyhood / USA

إن كنت أحد المتعجبين من الهالة الضخمة التى تحيط بهذا الفيلم ولا تجد سبب منطقى للإعجاب به واكتساحه لأغلب الاستفتائات والجوائز وتقديمه ليكون المرشح الأقوى للأوسكار، فلا تنتظر منى أن أقدم لك السبب لأنه غير موجود، فكما ذكرت فى مراجعة سابقة هذا الفيلم صنع كى يعاش لا كى يشاهد، إذا استطعت تلقيه من هذا المنطلق وقعت فى غرامه فوراً، أما إن قررت تلقيه من المنطلق القصصى التقليدى باحثاً عن حبكة ورحلة وعقدة وذروة وتطور شخصيات ...الخ، فلن تجد ضالتك. هذا الفيلم هو النسخة الأقل تجريدية من "شجرة الحياة" لتيرينس مالك، وهو النسخة الأكثر تأملية من جميع أفلام الصبى والمراهقة Coming of Age التى تم تقديمها، فيلم مثير لكافة أنواع التأملات بداية من تأمل تطور موسيقى البوب والروك مرورا بتأملات على الصعيد السياسى والتكنولوجى ووصولاً إلى تأملات فلسفية حول مفهوم الزمن وأخرى إجتماعية حول ما يتعلق بالأسرة التى تجعلك بعد ثلثى زمن الفيلم أحد أفرادها. لن أتحدث عن كواليس وكيفية صناعته التى أصبحت أمر معروف للجميع لكن سأختتم كلامى بإعتبارى هذا الفيلم قطعة فنية كلاسيكية حديثة.


04
Zero Motivation / Israel

كما الحال مع أفلام الشخصيات السايكوباتية، فضّلت اختيار فيلم واحد فقط من أفلام كوميديا التجنيد، وكانت المفاضلة بين الفيلم الفرنسى Les Combattants الذى حصد جوائز مسابقة المخرجين بمهرجان كان، وبين هذا الفيلم الإسرائيلى Zero Motivation الذى حصد الجائزة الكبرى بمهرجان تريبيكا. انحيازى للأخير نابع من تفوقه فى كم الضحك الذى ينتزعه من المشاهد، بإختصار هذا هو أظرف أفلام العام وأمتع شيء وصلنا من السينما الإسرائيلية حتى الآن، يرصد الفيلم معاناة ثلاثة نساء داخل معسكرات تجنيد جيش الدفاع الاسرائيلى، الأولى تطمح للسلطة والثانية تحلم بالتمدن فى تل أبيب أما الثالثة فلا تريد سوى الفكاك من ذلك السجن فى أقرب وقت."دانا إفجى" الممثلة التى عرفها عشاق السينما من خلال بطولتها للتحفة الدرامية Or منذ عشرة أعوام تعود فى هذا الفيلم لتقدم أداء خلاّب لواحد من أفضل الأدوار النسائية التى كتبت على الإطلاق، الفيلم هو التجربة الأولى لمخرجته ومؤلفته "تايلا لافى" التى أتوقع لها شأن كبير فى السنوات القادمة.


03

Whiplash / USA

هذا الفيلم عبارة عن شحنات متواصلة مشبعة بتوتر لا مثيل له. تعتقد من مشهده الأول الذى تم تصميمه واخراجه بشكل مدهش، أنها مجرد براعة استهلال لجذب الاهتمام سيتبعها مشاهد متقلبة المستوى كما الحال فى أغلب الأفلام، لكنك تفاجأ بأن جميع مشاهده تم تصميمها بنفس القوة، هذا فيلم يخلو من مشهد ذروة، الفيلم كله عبارة عن حالة من الذروة، درس سيناريو فى البناء والشخصيات والحوار، وفى كيفية تحويل تجربة المؤلف الشخصية إلى عمل فنى يتآلف معه الجميع .. درس إخراجى فى كيفية صنع عالم شديد الخصوصية والطزاجة بأقل الإمكانيات، وفى كيفية تحويل ساحات الموسيقى إلى حلبات مصارعة. أساء البعض تفسير هذا الفيلم باعتباره أحد مواضيع التنمية البشرية، حسناً فليس كل الأفلام التى تنتهى ببطل يبتسم تكون نهايات سعيدة ومتفائلة حقاً، فما كان بتلك النهاية من شفقة وسخرية يفوق ما بها من تفاؤل، هذا الفيلم ليس عن النجاح بل عن الهوس، أكبر دليل على ذلك أن صانعه ترك كل هذا العبث الموسيقى واتجه فى المقابل لصناعة الأفلام ليسخر من تجربته. أداء تمثيلى مذهل من J.K Simmons الذى فاقت كاريزمته الحدود وظل يمثل مصدراً للرعب حتى وهو هادىء، حتى وهو يضحك، حتى وهو غير موجود فى الكادر تجده حاضراً.


02
Mommy / Canada

يثبت هذا الفيلم أن المراهقة الفنية ليست دوماً سمة سلبية، وأن الشغب هو ما يحفظ للابداع حيويته، بل وكثيرا ما يكون هو النضج ذاته متنكراً. هذا هو الفيلم الخامس للمخرج والمؤلف الكندى "زافييه دولان" أصغر عباقرة السينما عُمراً والذى يستعين فيه بأدوات بصرية وسمعية قد عفى عليها الزمن، ولكنه رغم ذلك ينجح بها فى صنع توليفة إستثنائية تتحدى كل قواعد وأعراف السينما الفنية. ويؤكد بابتعاده هذه المرة عن المواضيع الجدلية والتابوهات الجنسية على أن عوامل الاثارة بأفلامه ثابتة وتلقائية وليست بحاجة لمشهيات ولا وسائل مساعدة. هذا الفيلم حالة متقدمة من الحميمية والدفء والمشاعر. فيلم يقدم العلاقات الإنسانية بعيداً عن كليشيهات الواقع قبل كليشيهات السينما، ويقدم ثلاثة شخصيات من أعقد وأغرب وأجمل ما يكون. قوام الفيلم معتمد على لحظات .. لحظات تتخلى فيها الشخصيات عن وقارها وتطلق العنان لسجيتها من أجل انتزاع النشوة والسعادة والبهجة، باختصار هى لحظات الجنون، لذا يمكننا القول أن هذا الفيلم بشكل أو بأخر هو دعوة للجنون، وتمرد على احباطات الواقع وسجون العقل، الأمل يكمن فى اللاعقلانية .. أو حتى فى خيالات الأم لمستقبل إبنها السعيد. أفضل استخدام سينمائى للموسيقى فى العشر سنوات الأخيرة على الأقل.


01
Ida / Poland

أظننى أكثر المتفرجين تعصباً لهذا الفيلم على سطح الكوكب، أستطيع ذكر عشرات الأسباب التى تبرر هذا التعصب وذلك التفضيل لكن لو سألتنى عن أول ما يتبادر إلى ذهنى حين يقع بصرى أو سمعى على عنوان هذا الفيلم، سيكون هذا الشىء هو الجمال، الجمال بمنطقه الفنى أو ما يُعرفه الفلاسفة بالإستطيقة، الطريقة التى تم تصوير مشاهد الفيلم بها ساحرة للغاية، سواء بالتكوين الدقيق والثورى، أو بالخلفيات التى تذكرك بلوحات مرسومة عنصرها المتحرك الوحيد هو الشخصيات التى تصنع بحركتها تنويعات فنية على تلك اللوحات. هو أيضاً فيلم جاء فى توقيت تشح فيه السينما الخالصة، السينما التى تؤكد على أنها فن مستقل بذاته وليس مجرد فن مرئى وسيط للرواية والقصة والمسرح. وما يزيد هذا الفيلم وقاراً أنه لم يكتفى بتفوق عنصره البصرى وقدم حكاية من التى تظل عالقة فى الذاكرة، ودروس فلسفية من أعمق ما يكون عن الإيمان والهوية والحرية والضعف والخوف. فيلم يظهر ولاءه بقوة لسينما الآرت هاوس الستيناتية، تشعر معه وكأن روبيرت بريسون وإنجمار بيرجمان مازالوا أحياء. إيدا ليس مجرد تحفة فنية، بل هو كنز لا تنفذ جمالياته مع مئات المرات من المشاهدة .. إنه آخر معجزات السينما.

أفضل 10 أفلام فى عام 2014

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  10:08 م 2 تعليقات


أربعة معايير رئيسية راعيتها فى صنع هذه القائمة لأفضل أفلام العام
الماضى. أولاً ،وهو البديهى، الذوق الشخصى، ثانياً انحاز للتجارب ذات النزعة الذاتية على حساب التجارب التقنية. ثالثاً أفضل الأفلام التى تصلح لمشاهدات عديدة ولا تنتهى متعتها أو يخفت رونقها مع مرة المشاهدة الأولى. ورابعاً أميل للأفلام التى تحتوى على نوع من الصدمة، سواء على مستوى الحكى أو الموضوع أو الأحداث أو الصورة.


لا يوجد كائن بشرى يستطيع مشاهدة كافة الإنتاجات السينمائية لعام واحد لأنها تقدر بالآلاف، أتحدث هنا عن إنتاجات الكرة الأرضية لا دولة واحدة أو قارة، لذلك لن توجد "قائمة أفضل" موضوعية بشكل كامل، بالنسبة لهذه القائمة فأستطيع القول أنى أتممت مشاهدة مجموعة ليست قليلة من الأفلام الهامة بشكل عام مثل أفلام الاوسكار والمهرجانات الكبرى أو الأفلام التى تهمنى بشكل خاص، باستثناء بعض الأفلام التى كنت شديد التحمس لها ولكنى استبعدتها لعدم اتاحتها بعد للمشاهدة سواء فى صالات العرض فى بلد إقامتى أو حتى على شبكة الإنترنت، مثل الفيلم الأوكرانى The Tribe، والمجرى White God، والأرجنتينى Wild Tales، لذا فالقائمة خاصة بما عرض فى الصالات المصرية أو ما أتيح عبر الانترنت.

أفلام جيدة استبعدتها ولكنها تستحق ذكر شرفى

Under the Skin
, Interstellar, Gone Girl, Force Majeure, The Imitation Game, Les Combattants, No One's Child, Still Alice


الآن هذه قائمتى لأفضل أفلام عام 2014



10
Wetlands / Germany

اثار كثيراً من الجدل والإنقسام بين النقاد وقت عرضه بمهرجان صندانس فى مطلع عام 2014، فبين شديدى التحمس للتجربة وشديدى النفور منها. هذا هو أغرب أفلام العام على الإطلاق، فيلم مقزز ومقرف لدرجة تجعل وصفه بالصادم أقل كثيراً فى التعبير عن حقيقة التجربة. لكن، وبغض النظر عن عنصر القرف، فهذا نوع فريد من السينما الكوميدية، نوع ممعن فى السيريالية وحالة متقدمة من فلسفات السرد الاحلامى التى ترتكز بسلاسة ونعومة على عناصر ما بعد حداثية كتشظى البناء وخلط الوهم بالحقيقة وأسلوب القص الماورائى أو Metafiction، وفضلاً عن ذلك يقدم جرعة ليست بعادية من الضحك الذى ترتج له الأمعاء، تنم عن خيال شجاع لصانعه، ولا يخلو الفيلم، رغم كل ما به من قرف، من لحظات مغرقة فى الشاعرية. هكذا تلقيته ولهذا أحببته. ولكن يجب أن أنهى الفقرة بتحذير المقدمين على مشاهدته بالقول أنه ليس فيلماً للجميع.


09
Obvious Child / USA

يُعرف مُنظر السيناريو الأشهر "روبرت مكى" الكوميديا بأنها النوع القصصى الذى لا يصاب فيه أحد بمكروه حقيقى. فى هذا الفيلم الكوميدى الرائع هناك كائن يُقتل، لكنك كمشاهد لا تشعر بالذنب كونك تستمتع بما يحدث أو يؤثر ذلك سلباً بكوميديا الفيلم العفوية أو برومانسيته المتزنة، هذا فيلم يمر على قضية جدلية فى المجتمع الأميريكى دون ابتزاز اخلاقى ولا استقطاب سياسى، وبالطبع هو ليس الفيلم الرومانسى الكوميدى الأميريكى التقليدى بل نفحة جديدة من نفحات السينما المستقلة التى تسير على نهج موجة نسوية نيويوركية بدأتها "لينا دونهام" بمسلسل Girls وتبعها "نوه بامباك" و"جريتا جيرويج" بفيلمهما العلامة Frances Ha، أنحاز لتلك الموجة بقوة لأنها تضع الإفتعال والبهرجة على رأس قائمة أعدائها. وعنصر تفوق هذا الفيلم هو بطلته "جينى سليت"، حيث استطاعت مخرجته استثمار مهارات بطلتها إلى مدى يجعل الأخيرة جزء لا يتجزأ من الفيلم نفسه.


08

Stations of the Cross / Germany
 

نحن هنا أمام نوع شديد الطزاجة من السرد عموماً والسرد الساخر خصوصاً، انها السخرية ذات النفس الطويل، كأنك تستمع لنكتة مدتها ساعة ونصف قبل أن يأتيك سطر النهاية فتشرع فى الضحك. ليس ذلك فقط ما يجعل هذا الفيلم مميزاً بل عناصر كثيرة على رأسها تأتى الجرأة المفرطة فى الموضوع الدينى الشائك وعدم المهادنة والموازنة فى قوة النقد الذى وصلت حدته لدرجة إسقاط السيرة المسيحية بشكل علنى متهكم على حياة البطلة عن طريق تيترات مكتوبة تصاحب أحداث الفيلم. بالاضافة لطريقة تصويره الستاتيكية التى تعطى الايحاء بأن مَشاهده بمثابة جداريات فنية متتالية أفكارها متوارثة عبثياً عبر الأزمان كلوحة العشاء الأخير مثلا التى تشبه فى تكوينها أول مشاهد الفيلم. أحد أفضل مشاهد العام وأكثرها عفوية وذكاء موجود بهذا الفيلم، وهو المشهد الذى يتمرد فيه التلاميذ على معلمة الرياضة متحججين بأن أديانهم تأمرهم بذلك إمعاناً فى السخرية من زميلتهم الضحية. أنحاز فكريا لهذا الفيلم ولبساطته الفنية.


07
Camp X-Ray / USA

يأتى هذا الفيلم فى توقيت يزدهر فيه الإرهاب الإسلامى فى العالم، لكنه يجبر أقوى المتحفزين ضد هذا الارهاب بالتعاطف مع بطله المشتبه بكونه عضو أحد تلك التنظيمات، ليس تعاطف من النوع الحقوقى الساذج ولا النوع المنطقى الوعظى الدبلوماسى الممل الذى يرفض مبدأ التعميم، بل نوع أكثر بساطة، أنت تتعاطق لأنك أحببت الشخصية، لأنك وجدت نفسك أمام شخصية مبهرة ومثيرة ومحببة لدرجة تجعلك تنحى كافة مبادئك وافكارك جانباً وتطلق لنفسك العنان للاستمتاع بالإندماج معها وتقدير ذلك الرسام الذى قام بتصميمها بتلك المهارة، دون حتى الرغبة فى معرفة تاريخها وإن كانت مذنبة فعلا أم بريئة. تماماً مثلما يفعل الفيلم الذى يحلق بعيداً فوق الأفكار السياسية والدينية ويصوب ضوء اهتمامه تجاه علاقة انسانية فريدة من نوعها .. البطل الذى أصبح يؤمن بكتاب هارى بوتر أكثر من ايمانه بكتابه المقدس والبطلة التى تنضم لجيش دولتها فقط للهروب من ملل قريتها الهادئة .. انت أمام روحين طاهرين وجدا ضالتهما بالآخر فى المكان الأكثر غرابة، فى سجن جوانتنامو. يحتوى الفيلم على أكثر مشاهد العام حميمية وهو المشهد الذى تتعانق فيه أيدى البطلين عبر فاصل الزنزانة قبل نهاية الفيلم.


06
Nigtcrawler / USA

من باب التنوع فضّلت اختيار فيلم واحد فقط بهذه القائمة لتدور احداثه حول شخصية سايكوباتية، وكانت المفاضلة بين هذا الفيلم وفيلم ديفيد فينشر Gone Girl، السبب الرئيسى الذى دفعنى فى النهاية لاستبعاد فيلم فينشر رغم قوته هو أن النزعة الروائية مازالت مسيطرة عليه، بينما هذا الفيلم يحتفظ بولاء أكبر للسينما، وليس أية سينما بل سينما العيار الثقيل، فهو تأثر بمدرسة النيو هوليوود السبعيناتية (Taxi Driver)، ومدرسة الفيلم-نوار، وحتى الكلاسيكيات الحديثة كأفلام نيكولاس ويندينج ريفين (Drive). فيلم يقدم عالم مهنى جديد وشيّق لم تقتحمه السينما من قبل، ونوع ناضج من الإثارة والسودوية. وبجانب سخرية أحداثه من أخلاقيات القصص واعتبارات الخير والشر فهو أيضا يقدم سخرية لاذعة وذكية من أشياء كالهيراركية الإدارية الرأسمالية وفلسفة التنمية البشرية والمنظومة الإعلامية. يعطى "جيك جيلينهال" أقوى أداء تمثيلى خلال العام للشخصية الأكثر تركيباً ولكن يتم تجاهله أوسكاريا ببرود مستفز مثل تجاهل الفيلم.


05
Boyhood / USA

إن كنت أحد المتعجبين من الهالة الضخمة التى تحيط بهذا الفيلم ولا تجد سبب منطقى للإعجاب به واكتساحه لأغلب الاستفتائات والجوائز وتقديمه ليكون المرشح الأقوى للأوسكار، فلا تنتظر منى أن أقدم لك السبب لأنه غير موجود، فكما ذكرت فى مراجعة سابقة هذا الفيلم صنع كى يعاش لا كى يشاهد، إذا استطعت تلقيه من هذا المنطلق وقعت فى غرامه فوراً، أما إن قررت تلقيه من المنطلق القصصى التقليدى باحثاً عن حبكة ورحلة وعقدة وذروة وتطور شخصيات ...الخ، فلن تجد ضالتك. هذا الفيلم هو النسخة الأقل تجريدية من "شجرة الحياة" لتيرينس مالك، وهو النسخة الأكثر تأملية من جميع أفلام الصبى والمراهقة Coming of Age التى تم تقديمها، فيلم مثير لكافة أنواع التأملات بداية من تأمل تطور موسيقى البوب والروك مرورا بتأملات على الصعيد السياسى والتكنولوجى ووصولاً إلى تأملات فلسفية حول مفهوم الزمن وأخرى إجتماعية حول ما يتعلق بالأسرة التى تجعلك بعد ثلثى زمن الفيلم أحد أفرادها. لن أتحدث عن كواليس وكيفية صناعته التى أصبحت أمر معروف للجميع لكن سأختتم كلامى بإعتبارى هذا الفيلم قطعة فنية كلاسيكية حديثة.


04
Zero Motivation / Israel

كما الحال مع أفلام الشخصيات السايكوباتية، فضّلت اختيار فيلم واحد فقط من أفلام كوميديا التجنيد، وكانت المفاضلة بين الفيلم الفرنسى Les Combattants الذى حصد جوائز مسابقة المخرجين بمهرجان كان، وبين هذا الفيلم الإسرائيلى Zero Motivation الذى حصد الجائزة الكبرى بمهرجان تريبيكا. انحيازى للأخير نابع من تفوقه فى كم الضحك الذى ينتزعه من المشاهد، بإختصار هذا هو أظرف أفلام العام وأمتع شيء وصلنا من السينما الإسرائيلية حتى الآن، يرصد الفيلم معاناة ثلاثة نساء داخل معسكرات تجنيد جيش الدفاع الاسرائيلى، الأولى تطمح للسلطة والثانية تحلم بالتمدن فى تل أبيب أما الثالثة فلا تريد سوى الفكاك من ذلك السجن فى أقرب وقت."دانا إفجى" الممثلة التى عرفها عشاق السينما من خلال بطولتها للتحفة الدرامية Or منذ عشرة أعوام تعود فى هذا الفيلم لتقدم أداء خلاّب لواحد من أفضل الأدوار النسائية التى كتبت على الإطلاق، الفيلم هو التجربة الأولى لمخرجته ومؤلفته "تايلا لافى" التى أتوقع لها شأن كبير فى السنوات القادمة.


03

Whiplash / USA

هذا الفيلم عبارة عن شحنات متواصلة مشبعة بتوتر لا مثيل له. تعتقد من مشهده الأول الذى تم تصميمه واخراجه بشكل مدهش، أنها مجرد براعة استهلال لجذب الاهتمام سيتبعها مشاهد متقلبة المستوى كما الحال فى أغلب الأفلام، لكنك تفاجأ بأن جميع مشاهده تم تصميمها بنفس القوة، هذا فيلم يخلو من مشهد ذروة، الفيلم كله عبارة عن حالة من الذروة، درس سيناريو فى البناء والشخصيات والحوار، وفى كيفية تحويل تجربة المؤلف الشخصية إلى عمل فنى يتآلف معه الجميع .. درس إخراجى فى كيفية صنع عالم شديد الخصوصية والطزاجة بأقل الإمكانيات، وفى كيفية تحويل ساحات الموسيقى إلى حلبات مصارعة. أساء البعض تفسير هذا الفيلم باعتباره أحد مواضيع التنمية البشرية، حسناً فليس كل الأفلام التى تنتهى ببطل يبتسم تكون نهايات سعيدة ومتفائلة حقاً، فما كان بتلك النهاية من شفقة وسخرية يفوق ما بها من تفاؤل، هذا الفيلم ليس عن النجاح بل عن الهوس، أكبر دليل على ذلك أن صانعه ترك كل هذا العبث الموسيقى واتجه فى المقابل لصناعة الأفلام ليسخر من تجربته. أداء تمثيلى مذهل من J.K Simmons الذى فاقت كاريزمته الحدود وظل يمثل مصدراً للرعب حتى وهو هادىء، حتى وهو يضحك، حتى وهو غير موجود فى الكادر تجده حاضراً.


02
Mommy / Canada

يثبت هذا الفيلم أن المراهقة الفنية ليست دوماً سمة سلبية، وأن الشغب هو ما يحفظ للابداع حيويته، بل وكثيرا ما يكون هو النضج ذاته متنكراً. هذا هو الفيلم الخامس للمخرج والمؤلف الكندى "زافييه دولان" أصغر عباقرة السينما عُمراً والذى يستعين فيه بأدوات بصرية وسمعية قد عفى عليها الزمن، ولكنه رغم ذلك ينجح بها فى صنع توليفة إستثنائية تتحدى كل قواعد وأعراف السينما الفنية. ويؤكد بابتعاده هذه المرة عن المواضيع الجدلية والتابوهات الجنسية على أن عوامل الاثارة بأفلامه ثابتة وتلقائية وليست بحاجة لمشهيات ولا وسائل مساعدة. هذا الفيلم حالة متقدمة من الحميمية والدفء والمشاعر. فيلم يقدم العلاقات الإنسانية بعيداً عن كليشيهات الواقع قبل كليشيهات السينما، ويقدم ثلاثة شخصيات من أعقد وأغرب وأجمل ما يكون. قوام الفيلم معتمد على لحظات .. لحظات تتخلى فيها الشخصيات عن وقارها وتطلق العنان لسجيتها من أجل انتزاع النشوة والسعادة والبهجة، باختصار هى لحظات الجنون، لذا يمكننا القول أن هذا الفيلم بشكل أو بأخر هو دعوة للجنون، وتمرد على احباطات الواقع وسجون العقل، الأمل يكمن فى اللاعقلانية .. أو حتى فى خيالات الأم لمستقبل إبنها السعيد. أفضل استخدام سينمائى للموسيقى فى العشر سنوات الأخيرة على الأقل.


01
Ida / Poland

أظننى أكثر المتفرجين تعصباً لهذا الفيلم على سطح الكوكب، أستطيع ذكر عشرات الأسباب التى تبرر هذا التعصب وذلك التفضيل لكن لو سألتنى عن أول ما يتبادر إلى ذهنى حين يقع بصرى أو سمعى على عنوان هذا الفيلم، سيكون هذا الشىء هو الجمال، الجمال بمنطقه الفنى أو ما يُعرفه الفلاسفة بالإستطيقة، الطريقة التى تم تصوير مشاهد الفيلم بها ساحرة للغاية، سواء بالتكوين الدقيق والثورى، أو بالخلفيات التى تذكرك بلوحات مرسومة عنصرها المتحرك الوحيد هو الشخصيات التى تصنع بحركتها تنويعات فنية على تلك اللوحات. هو أيضاً فيلم جاء فى توقيت تشح فيه السينما الخالصة، السينما التى تؤكد على أنها فن مستقل بذاته وليس مجرد فن مرئى وسيط للرواية والقصة والمسرح. وما يزيد هذا الفيلم وقاراً أنه لم يكتفى بتفوق عنصره البصرى وقدم حكاية من التى تظل عالقة فى الذاكرة، ودروس فلسفية من أعمق ما يكون عن الإيمان والهوية والحرية والضعف والخوف. فيلم يظهر ولاءه بقوة لسينما الآرت هاوس الستيناتية، تشعر معه وكأن روبيرت بريسون وإنجمار بيرجمان مازالوا أحياء. إيدا ليس مجرد تحفة فنية، بل هو كنز لا تنفذ جمالياته مع مئات المرات من المشاهدة .. إنه آخر معجزات السينما.

2 التعليقات:


عند حديثنا عن فيلم “بين النجوم” للمخرج والمؤلف الأمريكي كريستوفر نولان لابد أن نشير إلى أن الجميع كان يلصق به دائما تهمة  تهميش دور العاطفة والمشاعر بأفلامه، وإلى درجة أن وصل البعض إلى وصف هذه الأفلام بأنها أفلام صنعها “روبوت” ليستمتع بها مجموعة من الروبوتات.

حيث تطغى الحبكة كما فى The Prestige و Inception، أو الأفكار السياسية كما فى سلسلة فارس الظلام أو أسلوب السرد المُتلاعب كما فى Memento، الأمر دائماً يقتصر على التكنيك وعلى حساب ما يمكن للمتفرج المتصالح مع إنسانيته وينتظر من الفن دوراً أكثر تنقيباً فيما وراءها التورط عاطفياً معه. من الصعب مثلاً أن تجد بأفلامه السابقة أثراً لشخصية محببة Likeable Character (الجوكر شخصية كاريزماتية وليست محببة)، إنه باختصار المخرج صاحب الشخصيات التى لا تأكل ولا تتغوط ولا تمارس الجنس على الشاشة، واستاذ تقديم الهموم الانسانية البدائية وأشهرها هم البقاء الغريزى.

هل تغيّر ذلك بفيلمه الأخير “بين النجوم – Interstellar”؟ الإجابة ستكون بنعم، ولكنها نعم حذرة لأن ما نتج عن هذا التغير من مزيج الجودة الصارخة بالسوء الفاضح كان مدهشاً ومثيراً للدرجة التى تجعلنا غير متأكدين إن كان تغيراً صادقاً أم أنها لعبة أخرى من ألعابه هدفها السخرية ممن إنتقدوا تهميش ذلك الجانب العاطفى بأفلامه السابقة .

فى المستقبل القريب الذى يقدمه “بين النجوم” تكون الحياة على الأرض على شفا النهاية، الغلاف الجوى يعانى مشكلة، الجفاف يضرب كل شىء، الأكسجين يتناقص، محاصيل القمح تعانى من تغير مناخى يتسبب فى أزمة غذاء عالمية، “لم تعد الأرض بحاجة لمهندسين بل لمزارعين”، هكذا رد مسئول المدرسة على “كوبر "(ماثيو ماكونواى) بطل الفيلم الذى أراد الحاق إبنه بكلية الهندسة، قبل أن يتواصل بشكل ما مع وكالة “ناسا” التى أضحت تعمل بشكل سرى نظراً للرفض المتوقع تبنيه من الشعب حيال مبدأ التمويل الحكومى لمؤسسة كتلك فى وقت تعانى الأرض من أزمة غذاء، ثم يتم تكليف “كوبر” من قبل الوكالة بالذهاب فى رحلة مكوكية إلى الفضاء الخارجى لتتبع أثر رحلات قد تم إرسالها لإستكشاف كواكب تصلح للحياة فى مجرات أخرى لإنقاذ السلالة البشرية من خطر الفناء الذى أصبح يحاصرها .

إنقاذ العالم والفضاء هما أكثر التيمات استهلاكاً بالإنتاجات الكُبرى لهوليوود، فما الذى يجعل هذا الفيلم مميزاً؟، هناك  أشياء عديدة، منها: عدم المبالغة فى تأسيس قصة قائمة على الخيال العلمى والإعتماد على اكتشافات ونظريات علمية معروفة وأقرب للحقيقية، واللعب على تحديات مثل المشكلة البيئية المناخية، أضف إلى ذلك اختيار زمن المستقبل القريب الذى لا يختلف عن زمننا الحاضر بتفاصيل ملحوظة، ما يعطى الفيلم بُعداً أكثر واقعية عن أغلب ما تم تقديمه ومن ثم فرصة أكبر لتحييد المتفرج عن حالة أنه يشاهد فيلماً، ربما يتشارك فيما سبق مع أفلام أخرى كان آخرها  Gravityلكن الأول استطاع تعويض أغلب عيوب الأخير مثل تسطيح الشخصيات وغياب تاريخها وبالتالى غياب مبرر قوى للتعلق بها والإهتمام بمصيرها، مع إفتقاد صراع روائى حقيقى، فالصراع فى الأخير أقرب إلى التجربة التى قد تمر بها داخل جهاز “سيميلوتور” بأى مدينة ملاهى أو مشاهدة مباراة كرة قدم مثيرة، وليس دراما حقيقية يمكنك مشاهدتها لأكثر من مرة. وميزة أخرى بـ Interstellar والتى ستكون عيباً فى أوقات هى أنه يسلك مسلكاً علمياً لكنه لم يسمح للعلم بأن يقوده بل هو من قاد العلم .



ترتبط الحالة التسويقية لأفلام نولان بتكريس فكرة تفيد بأن هذا الفيلم للأذكياء فقط، هذه المرة الحالة فى قمتها، خاصة مع تضمن أحداث الفيلم لإحدى تجليات النظرية النسبية لأينشتاين، لدرجة جعلت كثيرون على شبكات التواصل الإجتماعى يرددون دعابة أن هناك من يتأكد من نتائج المتفرج بمادة الفيزياء بالمرحلة الثانوية قبل بيعه تذكرة لمشاهدة الفيلم، تلك الحالة الأسطورية الخرافية التى تصاحب أفلام نولان تعطيها هالة مضللة لا تستحقها فى أغلب الأوقات، خاصة بهذا الفيلم الذى يعد فى رأيى من أبسط أفلام نولان وأكثرها تفصيلاً وألفة بالمشاهدة .

فعلى صعيد القصة والسرد والحبكة جاء الأمر تقليدياً للغاية ومتبعاً للأسلوب الخطّى Linear الموجود بكتب تعليم كتابة السيناريو البدائية مثل "سيد فيلد"، فالقصة بداية ووسط ونهاية وصراع، هناك رحلة للبطل بعد البداية، يجب ألا يقبل البطل خوضها بسهولة، ثم يخلق المؤلف تحديات مستمرة فى رحلة البطل، ويجب أن يجعله معرضاً للهلاك بعد منتصف الفيلم بقليل ثم ينقذه، وإن لم يجد خيطاً موصلاُ لنهاية مرضية فليعد إلى بداية السيناريو ويزرع ما يمكنه استغلاله من أجل النهاية …إلى آخر تلك الملحوظات التى تملأ الكتب، لعل ذلك موجود بمعظم الأفلام ولكن هنا الأمر أكثر وضوحا ومباشرة .. هذا على الصعيد القصصى .

أما على الصعيد العلمى، فلا يوجد أيضاً ما يثير اللبس والحيرة، أولاً ثق بأن الشركات الممولة فضلاً عن نولان يعون تماماً بأن الفن لم ينشأ من أجل أن يزايد المبدع على معلومات المتلقى فى موضوع ما، ثانياً فما حدث مع كل تفصيلة لها علاقة بالعلم داخل الفيلم تم المبالغة الشديدة فى شرحها، لدرجة تشعرك فى أوقات أنك داخل محاضرة لتعليم الفيزياء الكونية، هناك مثلاً مشهد حوارى بين ماثيو ماكونواى وآن هاثواى تقدم فيه الأخيرة النظرية النسبية لزميلها فى حوار من المفترض أنه عفوى، والغريب انها تختم شرحها بجملة “أنت تعلم عن النسبية يا كوبر”، حسناً إن كان يعلم فماذا كان الداعى لإخباره؟! الإجابة هى أن يفهم الجمهور، وهذه إحدى المشكلات التى تقلل من نضج السيناريو، وتكررت فى مشاهد مايكل كين .

لكن ذلك يمكن التغاضى عنه تفهماً لرغبة الجهة المنتجة بجعل الفيلم فى مستوى الطالب المتوسط كى يغطى أغلب الشرائح ويعود بربح من ميزانيته الضخمة. لكن لا أجد داعى لوصفه بفيلم الأذكياء ولا أجد داعى أيضاً لما اراه من تداول البعض لمقالات باللغة الإنجليزية تتحدث عن “العلوم فى إنترستيلار، وكأن كل تلك الثرثرة الحوارية التى أمدت زمن الفيلم إلى ثلاثة ساعات لم تكن كافية لفهم “العلوم فى إنترستيلار "!

بالطبع لم يكن كل ما قيل ثرثرة، وقد يختلف معى الكثيرون لو عبرت عن إعجابى بالمشهد الذى تتحدث فيه “براند” عن غموض ذلك الشىء المسمى بالحب ومحاولة ايجاد علاقة له مع العلم، لم أره حديثاً مباشراً أو وعظياً أو مبتور السياق، بل رأيته عذباً ومُبرراً تماماً ومتناسق مع تيمة الفيلم التى تطرح الحب كوسيلة وغاية، فضلاً عن توافقه مع شخصية “براند” التى أدى تصارع دواخلها الأنثوية الرقيقة الحالمة مع مهنتها العلمية الجافة بواقعيتها إلى استنتاجات تحاول التوفيق بين ما هو روحى وما هو مادى حتى ولو لم تصل لشىء .

وحتى المشهد الذى يظهر به “مات ديمون” كضيف شرف ويراه البعض غير ذى معنى، دعك عما به من عيوب تصميمية وترميز بلا داعى لقصة الخطيئة الأولى، لكنى رأيته هاماً لدراما الفيلم من منظور آخر، فهو مشهد يخلص فيه نولان لتيمته الرئيسية ويطرح أحد تساؤلات الفيلم الفلسفية وهى هل ينجو الإنسان بغريزة البقاء أم بغريزة الحب؟ وقد إحتاج الفيلم بشدة لهذا الصدام الذى سيترتب عليه وبجزء كبير المعنى المنتظر من النهاية، لكن كان من الممكن تصميم ذلك المشهد بطريقة أفضل وأكثر منطقية وبدراسة أعمق لشخصية “مان” الذى لم يكن بحاجة فعلياً للتخلص من “كوبر” ورفاقه، ولو كان أخبرهم ببساطة عن حقيقة ما حدث له فى رحلته لم يكن ليتخلوا عنه على أى حال .



أراد نولان فى نهاية فيلمه الإنحياز للعاطفة بالتوجه نحو كوكب “إدموند
الذى تحبه “براند”، بعدما لم يفلح انحيازه من قبل للعقلانية حين آثر التوجه لكوكب “مان” وأتى ذلك بنتيجة مأساوية، وكلل هذا الإنحياز للعاطفة حين جعل بطله يغامر بإلقاء نفسه نحو مجهول الثقب الأسود لينقذ رحلة “براندإلى إدموند” التى لم تكن لتنجح بوجوده، ثم قرر نولان مكافأة بطله على ذلك السلوك العاطفى النبيل بأن جعل الثقب يأخذه إلى بقعة كونية غامضة تحتوى الأبعاد الخمس الفيزيائية التى ستمكنه من التواصل مع إبنته لإنقاذ البشرية، ستترجم الإبنة رموز المعادلة الرياضية من خلال العاطفة أيضاً .

لعل الحب يصنع المعجزات ولكنه بالتأكيد لا يغطى ثغرات الحبكات. ربما ليس على المؤلف الإلتزام بالمنطق المجرد ولكنه على الأقل ملزم بإحترام منطقه الخاص الذى مهّد له فى تأسيسه الدرامى والذى يتنافى هنا مع ما سارت عليه النهاية بحل العقدة عن طريق مدد غيبى أو Deus ex Machina، هذا الأسلوب الذى يلجأ فيه المؤلف إلى قوى غيبيه بعد عجزه عن إيجاد حلاً من داخل الدراما نفسها، أسلوب يستخف بالمتفرج هاجمه الفلاسفة ومنظرى القصص على مر العصور من أرسطو لنيتشه وحتى روبيرت مكى الذى وضعه فى إحدى وصاياه العشر للمؤلف كى يتجنب إستخدامه Thou Shalt Not Use Deus Ex Machina.

لدى تفسير إيجابى وحيد لذلك هو أن “نولان” أراد السخرية ممن اعتادوا انتقاد غياب العاطفة بأفلامه، فقرر بث جرعات مضاعفة منها فى فيلمه الأخير ليتأكد المنتقدون بأنفسهم أن العاطفة تفسد القصص الواعدة، لعل هذا تفسير شططى خاصة أننا لسنا هنا أمام مبدع يُعرف بسخريته وعبثيته كوودى آلن أو الاخوة كوين أو تشارلى كوفمان، والأخير صنع فيلما كاملا يسخر فيه من قواعد مكى ومن سبقه، لكن نولان من المبدعين الذين يأخذون فنهم بجدية شديدة. هذا عن وعيه، لكن ماذا عن لا وعيه؟
!

لكن السؤال الآن هل أعطانا نولان رشوة مغرية لنوقف العمل بعقولنا مؤقتاً ونتلقى فيلمه بقلوبنا، الأمر سيختلف من متفرج لآخر لكن فى رأيى أنه فعلها وسخّر أغلب أدواته فى مهمة سداد تلك الرشوة، هناك إستغلال رائع للنظرية النسبية من أجل التخديم على لحظات مذهلة فى تأثيرها العاطفى، المشهد الذى يلتقى فيه البطل مع إبنته المسنة، يا إلهى!، لقد أخذ الأمر من ديفيد فينشر ما يقارب الثلاث ساعات كى يحطم القلوب بموقف مشابه فى “الحالة العجيبة لبينجامين بوتن”، ولم يكلف الأمر نولان دقيقة واحدة ليصل لنفس النتيجة وبكثافة أعلى، ضف إليه المشهد الذى يطالع فيه البطل رسائل ابنيه داخل المركبة الفضائية بعد أن نضجا فى أقل من ساعة من توقيت وجوده على الكوكب الأول. مشهدان ستجد نفسك تكافح البكاء معهما .

هل تحدثت عن موسيقى “هانز زيمر”؟، إنها الحصة الأكبر من الرشوة. كلما علمت أنى مقدم على مشاهدة فيلم يضع له زيمر موسيقته تحسست عقلى، فهو بإختصار يمتلك القدرة على تخدير الحواس النقدية الدرامية للمتفرج، ما يجعل الأخير يتغاضى عن كثير من العيوب ويرى الكمال مجسداً أمامه تحت تأثير تلك الموسيقى، الأمر هنا وصل لمراحل متقدمة خاصة فى المقطوعات التى يمزج فيها بين أصوات الوتريات الديجيتال Pads مع آلة الأورجان الجنائزية، يتجلى ذلك فى مقطوعة Dust التى تصاحب مشهد ما بعد العاصفة الترابية الأولى للأب وابنته فى السيارة تحت تأثير الجاذبية، ويتجلى أيضاً فى الجزء الأول من مقطوعة  S.T.A.Y التى صاحبت آخر مشهد تحدثت عنه بالفقرة السابقة، واللافت هنا أن المشهدين لم يحتويا على ما هو ملحمى بصرياً ليتناغم مع ماهو مزعج وجهور صوتياً كما جرت العادة فى هوليوود، بل كانا مشهدان في منتهى البساطة وجعلتهما الموسيقى ينطقان بما أهو أشد جلالاً من الملحمية .

إندهشت أكثر حين علمت بأن مصوّر هذا الفيلم هو نفسه مصوّر تحفة Her بالعام الماضى، فالأخير ذكره هو عبارة عن فيضان من اللوحات الجميلة، المهيبة، والروحية، أما Interstellar فلم يحتوى على لقطات يمكننا التوقف امامها حقاً بل جاء تصويره عادياً، وعن عناصر تميزه البصرية فهي ترجع فى المقام الأول إلى التصميم الإنتاجى والصور المخلّقة آلياً CGI، خاصة فى مشهد الأبعاد الخمسة، وهذا يؤكد أن تفوق Her بصرياً كان يرجع فى المقام الأول لرؤية مخرجه "سبايك جونز" لا لمصوره الذى لم يعطى نفس النتيجة بفيلمه التالى.

إستطاع “ماثيو ماكونواى” إعطاء روح جديدة لشخصية البطل الهوليوودى التقليدى .. ولم يكن أداء “آن هيثواى” سيئاً لكن شعرت أن الدور إحتاج لممثلة ذات مواصفات أخرى .. وبتلقائية دخلت “جيسيكا شاستين” التاريخ بأداءها للشخصية المحببة الأولى فى تاريخ أفلام نولان.

Interstellar .. عندما يقبل المتفرج الرشوة من المبدع

كتب Amgad Gamal  |  نشر في :  12:10 ص 0 تعليقات


عند حديثنا عن فيلم “بين النجوم” للمخرج والمؤلف الأمريكي كريستوفر نولان لابد أن نشير إلى أن الجميع كان يلصق به دائما تهمة  تهميش دور العاطفة والمشاعر بأفلامه، وإلى درجة أن وصل البعض إلى وصف هذه الأفلام بأنها أفلام صنعها “روبوت” ليستمتع بها مجموعة من الروبوتات.

حيث تطغى الحبكة كما فى The Prestige و Inception، أو الأفكار السياسية كما فى سلسلة فارس الظلام أو أسلوب السرد المُتلاعب كما فى Memento، الأمر دائماً يقتصر على التكنيك وعلى حساب ما يمكن للمتفرج المتصالح مع إنسانيته وينتظر من الفن دوراً أكثر تنقيباً فيما وراءها التورط عاطفياً معه. من الصعب مثلاً أن تجد بأفلامه السابقة أثراً لشخصية محببة Likeable Character (الجوكر شخصية كاريزماتية وليست محببة)، إنه باختصار المخرج صاحب الشخصيات التى لا تأكل ولا تتغوط ولا تمارس الجنس على الشاشة، واستاذ تقديم الهموم الانسانية البدائية وأشهرها هم البقاء الغريزى.

هل تغيّر ذلك بفيلمه الأخير “بين النجوم – Interstellar”؟ الإجابة ستكون بنعم، ولكنها نعم حذرة لأن ما نتج عن هذا التغير من مزيج الجودة الصارخة بالسوء الفاضح كان مدهشاً ومثيراً للدرجة التى تجعلنا غير متأكدين إن كان تغيراً صادقاً أم أنها لعبة أخرى من ألعابه هدفها السخرية ممن إنتقدوا تهميش ذلك الجانب العاطفى بأفلامه السابقة .

فى المستقبل القريب الذى يقدمه “بين النجوم” تكون الحياة على الأرض على شفا النهاية، الغلاف الجوى يعانى مشكلة، الجفاف يضرب كل شىء، الأكسجين يتناقص، محاصيل القمح تعانى من تغير مناخى يتسبب فى أزمة غذاء عالمية، “لم تعد الأرض بحاجة لمهندسين بل لمزارعين”، هكذا رد مسئول المدرسة على “كوبر "(ماثيو ماكونواى) بطل الفيلم الذى أراد الحاق إبنه بكلية الهندسة، قبل أن يتواصل بشكل ما مع وكالة “ناسا” التى أضحت تعمل بشكل سرى نظراً للرفض المتوقع تبنيه من الشعب حيال مبدأ التمويل الحكومى لمؤسسة كتلك فى وقت تعانى الأرض من أزمة غذاء، ثم يتم تكليف “كوبر” من قبل الوكالة بالذهاب فى رحلة مكوكية إلى الفضاء الخارجى لتتبع أثر رحلات قد تم إرسالها لإستكشاف كواكب تصلح للحياة فى مجرات أخرى لإنقاذ السلالة البشرية من خطر الفناء الذى أصبح يحاصرها .

إنقاذ العالم والفضاء هما أكثر التيمات استهلاكاً بالإنتاجات الكُبرى لهوليوود، فما الذى يجعل هذا الفيلم مميزاً؟، هناك  أشياء عديدة، منها: عدم المبالغة فى تأسيس قصة قائمة على الخيال العلمى والإعتماد على اكتشافات ونظريات علمية معروفة وأقرب للحقيقية، واللعب على تحديات مثل المشكلة البيئية المناخية، أضف إلى ذلك اختيار زمن المستقبل القريب الذى لا يختلف عن زمننا الحاضر بتفاصيل ملحوظة، ما يعطى الفيلم بُعداً أكثر واقعية عن أغلب ما تم تقديمه ومن ثم فرصة أكبر لتحييد المتفرج عن حالة أنه يشاهد فيلماً، ربما يتشارك فيما سبق مع أفلام أخرى كان آخرها  Gravityلكن الأول استطاع تعويض أغلب عيوب الأخير مثل تسطيح الشخصيات وغياب تاريخها وبالتالى غياب مبرر قوى للتعلق بها والإهتمام بمصيرها، مع إفتقاد صراع روائى حقيقى، فالصراع فى الأخير أقرب إلى التجربة التى قد تمر بها داخل جهاز “سيميلوتور” بأى مدينة ملاهى أو مشاهدة مباراة كرة قدم مثيرة، وليس دراما حقيقية يمكنك مشاهدتها لأكثر من مرة. وميزة أخرى بـ Interstellar والتى ستكون عيباً فى أوقات هى أنه يسلك مسلكاً علمياً لكنه لم يسمح للعلم بأن يقوده بل هو من قاد العلم .



ترتبط الحالة التسويقية لأفلام نولان بتكريس فكرة تفيد بأن هذا الفيلم للأذكياء فقط، هذه المرة الحالة فى قمتها، خاصة مع تضمن أحداث الفيلم لإحدى تجليات النظرية النسبية لأينشتاين، لدرجة جعلت كثيرون على شبكات التواصل الإجتماعى يرددون دعابة أن هناك من يتأكد من نتائج المتفرج بمادة الفيزياء بالمرحلة الثانوية قبل بيعه تذكرة لمشاهدة الفيلم، تلك الحالة الأسطورية الخرافية التى تصاحب أفلام نولان تعطيها هالة مضللة لا تستحقها فى أغلب الأوقات، خاصة بهذا الفيلم الذى يعد فى رأيى من أبسط أفلام نولان وأكثرها تفصيلاً وألفة بالمشاهدة .

فعلى صعيد القصة والسرد والحبكة جاء الأمر تقليدياً للغاية ومتبعاً للأسلوب الخطّى Linear الموجود بكتب تعليم كتابة السيناريو البدائية مثل "سيد فيلد"، فالقصة بداية ووسط ونهاية وصراع، هناك رحلة للبطل بعد البداية، يجب ألا يقبل البطل خوضها بسهولة، ثم يخلق المؤلف تحديات مستمرة فى رحلة البطل، ويجب أن يجعله معرضاً للهلاك بعد منتصف الفيلم بقليل ثم ينقذه، وإن لم يجد خيطاً موصلاُ لنهاية مرضية فليعد إلى بداية السيناريو ويزرع ما يمكنه استغلاله من أجل النهاية …إلى آخر تلك الملحوظات التى تملأ الكتب، لعل ذلك موجود بمعظم الأفلام ولكن هنا الأمر أكثر وضوحا ومباشرة .. هذا على الصعيد القصصى .

أما على الصعيد العلمى، فلا يوجد أيضاً ما يثير اللبس والحيرة، أولاً ثق بأن الشركات الممولة فضلاً عن نولان يعون تماماً بأن الفن لم ينشأ من أجل أن يزايد المبدع على معلومات المتلقى فى موضوع ما، ثانياً فما حدث مع كل تفصيلة لها علاقة بالعلم داخل الفيلم تم المبالغة الشديدة فى شرحها، لدرجة تشعرك فى أوقات أنك داخل محاضرة لتعليم الفيزياء الكونية، هناك مثلاً مشهد حوارى بين ماثيو ماكونواى وآن هاثواى تقدم فيه الأخيرة النظرية النسبية لزميلها فى حوار من المفترض أنه عفوى، والغريب انها تختم شرحها بجملة “أنت تعلم عن النسبية يا كوبر”، حسناً إن كان يعلم فماذا كان الداعى لإخباره؟! الإجابة هى أن يفهم الجمهور، وهذه إحدى المشكلات التى تقلل من نضج السيناريو، وتكررت فى مشاهد مايكل كين .

لكن ذلك يمكن التغاضى عنه تفهماً لرغبة الجهة المنتجة بجعل الفيلم فى مستوى الطالب المتوسط كى يغطى أغلب الشرائح ويعود بربح من ميزانيته الضخمة. لكن لا أجد داعى لوصفه بفيلم الأذكياء ولا أجد داعى أيضاً لما اراه من تداول البعض لمقالات باللغة الإنجليزية تتحدث عن “العلوم فى إنترستيلار، وكأن كل تلك الثرثرة الحوارية التى أمدت زمن الفيلم إلى ثلاثة ساعات لم تكن كافية لفهم “العلوم فى إنترستيلار "!

بالطبع لم يكن كل ما قيل ثرثرة، وقد يختلف معى الكثيرون لو عبرت عن إعجابى بالمشهد الذى تتحدث فيه “براند” عن غموض ذلك الشىء المسمى بالحب ومحاولة ايجاد علاقة له مع العلم، لم أره حديثاً مباشراً أو وعظياً أو مبتور السياق، بل رأيته عذباً ومُبرراً تماماً ومتناسق مع تيمة الفيلم التى تطرح الحب كوسيلة وغاية، فضلاً عن توافقه مع شخصية “براند” التى أدى تصارع دواخلها الأنثوية الرقيقة الحالمة مع مهنتها العلمية الجافة بواقعيتها إلى استنتاجات تحاول التوفيق بين ما هو روحى وما هو مادى حتى ولو لم تصل لشىء .

وحتى المشهد الذى يظهر به “مات ديمون” كضيف شرف ويراه البعض غير ذى معنى، دعك عما به من عيوب تصميمية وترميز بلا داعى لقصة الخطيئة الأولى، لكنى رأيته هاماً لدراما الفيلم من منظور آخر، فهو مشهد يخلص فيه نولان لتيمته الرئيسية ويطرح أحد تساؤلات الفيلم الفلسفية وهى هل ينجو الإنسان بغريزة البقاء أم بغريزة الحب؟ وقد إحتاج الفيلم بشدة لهذا الصدام الذى سيترتب عليه وبجزء كبير المعنى المنتظر من النهاية، لكن كان من الممكن تصميم ذلك المشهد بطريقة أفضل وأكثر منطقية وبدراسة أعمق لشخصية “مان” الذى لم يكن بحاجة فعلياً للتخلص من “كوبر” ورفاقه، ولو كان أخبرهم ببساطة عن حقيقة ما حدث له فى رحلته لم يكن ليتخلوا عنه على أى حال .



أراد نولان فى نهاية فيلمه الإنحياز للعاطفة بالتوجه نحو كوكب “إدموند
الذى تحبه “براند”، بعدما لم يفلح انحيازه من قبل للعقلانية حين آثر التوجه لكوكب “مان” وأتى ذلك بنتيجة مأساوية، وكلل هذا الإنحياز للعاطفة حين جعل بطله يغامر بإلقاء نفسه نحو مجهول الثقب الأسود لينقذ رحلة “براندإلى إدموند” التى لم تكن لتنجح بوجوده، ثم قرر نولان مكافأة بطله على ذلك السلوك العاطفى النبيل بأن جعل الثقب يأخذه إلى بقعة كونية غامضة تحتوى الأبعاد الخمس الفيزيائية التى ستمكنه من التواصل مع إبنته لإنقاذ البشرية، ستترجم الإبنة رموز المعادلة الرياضية من خلال العاطفة أيضاً .

لعل الحب يصنع المعجزات ولكنه بالتأكيد لا يغطى ثغرات الحبكات. ربما ليس على المؤلف الإلتزام بالمنطق المجرد ولكنه على الأقل ملزم بإحترام منطقه الخاص الذى مهّد له فى تأسيسه الدرامى والذى يتنافى هنا مع ما سارت عليه النهاية بحل العقدة عن طريق مدد غيبى أو Deus ex Machina، هذا الأسلوب الذى يلجأ فيه المؤلف إلى قوى غيبيه بعد عجزه عن إيجاد حلاً من داخل الدراما نفسها، أسلوب يستخف بالمتفرج هاجمه الفلاسفة ومنظرى القصص على مر العصور من أرسطو لنيتشه وحتى روبيرت مكى الذى وضعه فى إحدى وصاياه العشر للمؤلف كى يتجنب إستخدامه Thou Shalt Not Use Deus Ex Machina.

لدى تفسير إيجابى وحيد لذلك هو أن “نولان” أراد السخرية ممن اعتادوا انتقاد غياب العاطفة بأفلامه، فقرر بث جرعات مضاعفة منها فى فيلمه الأخير ليتأكد المنتقدون بأنفسهم أن العاطفة تفسد القصص الواعدة، لعل هذا تفسير شططى خاصة أننا لسنا هنا أمام مبدع يُعرف بسخريته وعبثيته كوودى آلن أو الاخوة كوين أو تشارلى كوفمان، والأخير صنع فيلما كاملا يسخر فيه من قواعد مكى ومن سبقه، لكن نولان من المبدعين الذين يأخذون فنهم بجدية شديدة. هذا عن وعيه، لكن ماذا عن لا وعيه؟
!

لكن السؤال الآن هل أعطانا نولان رشوة مغرية لنوقف العمل بعقولنا مؤقتاً ونتلقى فيلمه بقلوبنا، الأمر سيختلف من متفرج لآخر لكن فى رأيى أنه فعلها وسخّر أغلب أدواته فى مهمة سداد تلك الرشوة، هناك إستغلال رائع للنظرية النسبية من أجل التخديم على لحظات مذهلة فى تأثيرها العاطفى، المشهد الذى يلتقى فيه البطل مع إبنته المسنة، يا إلهى!، لقد أخذ الأمر من ديفيد فينشر ما يقارب الثلاث ساعات كى يحطم القلوب بموقف مشابه فى “الحالة العجيبة لبينجامين بوتن”، ولم يكلف الأمر نولان دقيقة واحدة ليصل لنفس النتيجة وبكثافة أعلى، ضف إليه المشهد الذى يطالع فيه البطل رسائل ابنيه داخل المركبة الفضائية بعد أن نضجا فى أقل من ساعة من توقيت وجوده على الكوكب الأول. مشهدان ستجد نفسك تكافح البكاء معهما .

هل تحدثت عن موسيقى “هانز زيمر”؟، إنها الحصة الأكبر من الرشوة. كلما علمت أنى مقدم على مشاهدة فيلم يضع له زيمر موسيقته تحسست عقلى، فهو بإختصار يمتلك القدرة على تخدير الحواس النقدية الدرامية للمتفرج، ما يجعل الأخير يتغاضى عن كثير من العيوب ويرى الكمال مجسداً أمامه تحت تأثير تلك الموسيقى، الأمر هنا وصل لمراحل متقدمة خاصة فى المقطوعات التى يمزج فيها بين أصوات الوتريات الديجيتال Pads مع آلة الأورجان الجنائزية، يتجلى ذلك فى مقطوعة Dust التى تصاحب مشهد ما بعد العاصفة الترابية الأولى للأب وابنته فى السيارة تحت تأثير الجاذبية، ويتجلى أيضاً فى الجزء الأول من مقطوعة  S.T.A.Y التى صاحبت آخر مشهد تحدثت عنه بالفقرة السابقة، واللافت هنا أن المشهدين لم يحتويا على ما هو ملحمى بصرياً ليتناغم مع ماهو مزعج وجهور صوتياً كما جرت العادة فى هوليوود، بل كانا مشهدان في منتهى البساطة وجعلتهما الموسيقى ينطقان بما أهو أشد جلالاً من الملحمية .

إندهشت أكثر حين علمت بأن مصوّر هذا الفيلم هو نفسه مصوّر تحفة Her بالعام الماضى، فالأخير ذكره هو عبارة عن فيضان من اللوحات الجميلة، المهيبة، والروحية، أما Interstellar فلم يحتوى على لقطات يمكننا التوقف امامها حقاً بل جاء تصويره عادياً، وعن عناصر تميزه البصرية فهي ترجع فى المقام الأول إلى التصميم الإنتاجى والصور المخلّقة آلياً CGI، خاصة فى مشهد الأبعاد الخمسة، وهذا يؤكد أن تفوق Her بصرياً كان يرجع فى المقام الأول لرؤية مخرجه "سبايك جونز" لا لمصوره الذى لم يعطى نفس النتيجة بفيلمه التالى.

إستطاع “ماثيو ماكونواى” إعطاء روح جديدة لشخصية البطل الهوليوودى التقليدى .. ولم يكن أداء “آن هيثواى” سيئاً لكن شعرت أن الدور إحتاج لممثلة ذات مواصفات أخرى .. وبتلقائية دخلت “جيسيكا شاستين” التاريخ بأداءها للشخصية المحببة الأولى فى تاريخ أفلام نولان.

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
back to top